رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة وثلاثة 403 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة وثلاثة 


لم يبدُ على **ظافر** أنّ العاصفة قد هدأت في صدره بل ظلّ التوتر يلمع في عينيه كحدّ سيفٍ لم يُغمد… كان صمته أثقل من العتاب ونظراته أبلغ من السؤال.

وحين ضاق بها الموقف حاولت **سيرين** أن تفرّ من حدّة اللحظة بسؤالٍ عابر:

ــ أليس من المفترض أن تكون في العمل الآن؟

لكن سؤالها لم يكن طوق نجاة بل كان شرارةً أخرى… ازداد انزعاجه، إذ كيف له أن يكون في العمل وهو لم يغادر المنزل أصلًا؟ وكيف يفرّ من مواجهةٍ تشتعل أمامه فهي لم تلحظ حتى وجوده من عدمه؟

قال ظافر ببرودٍ مصطنع يخفي اضطرابه:

ــ ليس لديّ عمل اليوم.

تمتمت كأنها تضع فاصلةً وتنوي الانصراف:

ــ حسنًا… إذن خذ قسطًا من الراحة.

ونهضت لتغادر لكنّه تقدّم خطوةً وسدّ عليها الطريق صوته هذه المرّة أكثر مباشرةً وأكثر اشتعالًا:

ــ أليس لديكِ ما تقولينه لي؟

ترددت لحظة واستعاد عقلها شريط الليلة الماضية، بتفاصيله الثقيلة وهمساته المربكة ثم قالت متحصّنةً ببرودٍ عمليّ:

ــ لا… ما زال لديّ عمل عليّ إنجازه ولا أستطيع التحدّث الآن.

كادتْ أن تعبر الباب غير أنّ ذراعين أحاطتا بها فجأة من الخلف تسحبها إلى عناق مشدود يحمل في طيّاته غيرةً لا تُخفى… شعرت بأنفاسه قريبةً من عنقها وبصدره يعلو ويهبط خلفها… ابتلع ريقه بصعوبة ثم قال بصوتٍ منخفضٍ متكسّر بين الألم والاعتراف:

ــ سيرين… تذكّري أنني لستُ **جاسر**… ولن أكون مثله أبدًا.

تجمّدت في مكانها كأنّ الكلمات سحبت الهواء من حولها ومن ثم التفتت إليه ببطء تنظر إليه من فوق كتفها وشيءٌ من الدهشة يملأ عينيها:

ــ هل… عادت إليك ذاكرتك؟

قال سريعًا وكأنّه يخشى أن تُسيء فهمه:

ــ لا.

ثم أدارها إليه برفقٍ مشوبٍ بالإصرار ورفع يده ليلامس وجهها وأصابعه تتتبّع خطّ خدّها في حركةٍ بطيئةٍ حذرة ومن ثم قال بنبرةٍ أكثر هدوءًا لكنها أعمق وقعًا:

ــ أنا فقط… لا أحب أن تعامليني كشخصٍ آخر.

تجنّبت النظر إليه رغم علمها أنّه لا يرى؛ كأنّها تخشى أن تفضح عيناها ما يعجز لسانها عن قوله وهمست بخفوتٍ:

ــ لستُ أفعل ذلك… لقد أخطأتُ في الاسم دون قصد… كان مجرّد خطأ.

غير أنّه كان يعلم في قرارة نفسه أنّ الأسماء ليست حروفًا تُنطق فحسب بل ذكرياتٌ تُستحضر وقلوبٌ تُقارن وأماكنُ في الروح لا يشغلها اثنان… وهو لا يريد أن يكون ظلّ أحد ولا صدى اسمٍ آخر بل الاسم الوحيد الذي يرتجف على شفتيها.

قال بنبرةٍ يشوبها التحذير كأنّ كلماته حدٌّ مسنون:

ــ أهذا صحيح؟ من الأفضل أن يكون كذلك.

لم تفهم **سيرين** كيف عاد فجأةً إلى حدّته الأولى، وكيف انقلب دفء اللحظة إلى صقيعٍ مباغت… كانت على وشك أن تسأله أن تفكّ طلاسم تقلّبه حين دوّى رنين هاتفه قاطعًا الخيط المشدود بينهما.

ما إن تحرّك ليردّ على المكالمة حتى أفلتت من بين ذراعيه كما الطائر من قبضةٍ مرتجفة. لم تنتظر، لم تلتفت، بل غادرت الغرفة بخطواتٍ سريعة، كأنّها تفرّ من سؤالٍ أكبر من قدرتها على الجواب… اتجهت إلى غرفة الموسيقى، ملاذها الوحيد حين تضطرب المشاعر وتتشابك الأفكار ومن ثم أغلقت الباب خلفها بإحكام وأسندت ظهرها إليه لحظةً تستجمع أنفاسها ثم جلست إلى آلتها وأخذت تغرق في أنغامها، تعيد ترتيب فوضى الداخل بنوتاتٍ صافية وتسكب ما في صدرها لحنًا لا يُجادل ولا يُعاتب.

في الخارج شعر **ظافر** بفراغٍ مفاجئ بين ذراعيه، فراغٍ لا يُملؤه الهواء فزفر بضيقٍ قبل أن يجيب على المكالمة بنبرةٍ مقتضبة:

ــ ما الأمر؟

جاءه صوت حارسه الشخصيّ جادًّا:

ــ سيدي، لاحظتُ في الأيام الأخيرة أشخاصًا يتصرّفون بريبةٍ أمام المنزل وقبضتُ اليوم على أحدهم وقد اعترف بأن السيدة **شادية** هي من أرسلته.

ضاقت عينا **ظافر** وانعقدت ملامحه في تركيزٍ حادّ:

ــ وهل ذكر سبب إرسالها له؟

تردّد الصوت قليلًا قبل أن يجيب:

ــ يبدو أنها طلبت منه مراقبة طفل.

تجمّد تفكيره عند هذه الكلمة… طفل؟ لم يكن في المكان سوى **زكريّا**.

لم يستوعب في بادئ الأمر سبب رغبة **شادية** في مراقبته ولا ما الذي قد يجنيه ظلّها من الاقتراب من براءةٍ صغيرة.

صمت لحظةً يفكّك الاحتمالات ثم قال بقرارٍ حاسم لا يقبل المساومة:

ــ أعيدوه إلى قصر نصران.

جاءه الردّ سريعًا:

ــ مفهوم.

أغلق الهاتف ببطء لكن عقله لم يُغلق أبواب الأسئلة. شيءٌ ما يُدبَّر في الخفاء، وخيوطٌ تُنسج خلف ظهره.

وفي الوقت الذي كانت فيه **سيرين** تعزف لحنًا يحاول أن يرمّم شروخ قلبها كان هو يستعدّ لمعركةٍ جديدة لا تعزف فيها الموسيقى… بل تتصارع فيها الظلال.

طُرح رجلٌ مُثخنٌ بالجراح أمام بوابة قصر نصران كأنّه رسالةٌ دامية أُلقيت في وضح النهار… وفي تلك اللحظة كانت **شادية** منحنيةً فوق أزهارها تُهذّب سيقانها بمقصٍّ لامع وتُعيد ترتيب ألوانها كما تُرتّب امرأةٌ أسرارها.

رفعت رأسها على وقع الاضطراب فتجمّدت عيناها عند المشهد؛ جسدٌ منكسر، وثيابٌ ملوّثة، وأنفاسٌ تتقطّع… لم يرفّ لها جفنٌ شفقةً بل اشتعل في نظراتها ضيقٌ وريبة ومن ثم قالت ببرودٍ جارح:

ــ أانكشف أمرك بهذه السرعة؟ وهل حصلتَ على عيّنة الشعر التي أمرتُك بانتزاعها؟

هزّ الرجل رأسه بصعوبة وصوته يخرج متكسّرًا بين أضلاعه:

ــ لم… لم نتمكّن من ذلك في الوقت المناسب.

تبدّلت ملامحها في لحظة وانفجر غضبها كما ينفجر البركان من جوف الصمت… صاحت:

ــ أغبياء!

وألقت بالمقصّ أرضًا فارتطم بالحجارة بصوتٍ حادٍّ يشبه حدّة غضبها.

ارتجف الرجل أكثر لا من الألم وحده بل من رهبة الوقوف أمامها… تمتم بخوفٍ ظاهر:

ــ السيد **ظافر**… أرادني أن أبلّغكِ… أن تتوقّفي عن إرسال الناس إلى هناك. وإلّا…

قطعت عليه كلماته بحدّةٍ:

ــ وإلّا ماذا بحقّ الجحيم؟

ابتلع ريقه بصعوبة ثم أتمّ الجملة كمن ينطق بحكمٍ ثقيل:

ــ سيقطع علاقاته مع عائلة نصران.

ساد الصمت لثوانٍ لكنه لم يكن صمتًا هادئًا؛ كان صمتًا يتخمّر فيه الغضب إذ اشتعلت عينا **شادية** واحمرّ وجهها كمن لُطم كبرياؤه قبل أن يُمسّ نفوذه.

قالت ببرودٍ أشدّ فتكًا من الصراخ:

ــ اخرج من هنا.

لم يكن أمرًا بالطرد فحسب بل إعلانًا بأنّ المعركة لم تنتهِ إن استمرّ التحدّي بين الكبرياء والتهديد.

ما إن غادر الرجل مترنّحًا حتى بقيت **شادية** وحدها في ساحة القصر غير أنّ وحدتها لم تكن هادئة؛ كانت تضجّ بإحباطٍ مُرٍّ يتلوّى في صدرها فمنذ ذلك اليوم الذي رأت فيه **سيرين** تأخذ **زكريّا** بعيدًا اشتعل في داخلها سؤالٌ لم يهدأ فبادرت إلى إرسال من يراقب منزل سيرين خفيةً علّ الخيوط تتكشّف وعلّ الظنون تصير يقينًا.

بلغها أنّ الصغير سيقيم مع **سيرين** أيّامًا قليلة قبل أن تأتي **كوثر** لاصطحابه فازداد فضولها حدّةً واشتدّ شكّها عمقًا… لم يكن الأمر عندها مجرّد إقامة عابرة، بل احتمال رابطةٍ خفيّة ووشيجةٍ قديمةٍ تُخفيها الأقدار.

أرادت أن تتحقّق… أن تعرف إن كان **زكريّا** يرتبط بـ **سيرين** بدمٍ لا يُنكر وبنسبٍ لا يُخفى لكنّ محاولاتها باءت بالفشل؛ فهي لم تستطع الحصول على عيّنةٍ واحدة من حمضهما النووي وكأنّ القدر نفسه يحجب عنها الدليل.

تقدّمت **ماندي** بخطوةٍ حذرة وقالت محاولةً التخفيف من حدّة الموقف:

ــ سيدتي شادية، لا داعي لكل هذا الإحباط. بما أنّ السيد **جاسر** يتولّى إدارة الشركة الآن، لمَ لا نسأل السيد **ظافر**؟ ألن يعود إلى المنزل يومًا؟ أنا على يقينٍ أنّ الحقيقة ستظهر في النهاية.

رمقتها **شادية** بنظرةٍ مختلطةٍ بين الضيق والمرارة ثم قالت بزفرةٍ ثقيلة:

ــ أتظنين أنني لا أريد عودة **ظافر**؟ هو من يرفض العودة… هو من اختار البقاء بعيدًا.

سكتت لحظة وكأنّها تعترف بشيءٍ أثقل من الكلمات ثم أردفت بنبرةٍ أقلّ حدّة وأكثر حذرًا:

ــ ثم إنّ التلاعب بـ **سيرين** لم يعد سهلًا كما كان. لقد تغيّرت… صارت أكثر وعيًا، وأكثر حذرًا.

وكان في اعترافها هذا إقرارٌ غير مباشر بأنّ اللعبة لم تعد بيدٍ واحدة وأنّ الأوراق التي كانت تُقلَب في الخفاء باتت تُراقَب بعيونٍ يقِظة.

وما إن فرغت من كلماتها حتى ومضت في ذهن **شادية** فكرةٌ أخرى كشرارةٍ تشتعل في عتمة التدبير فقالت وهي تُقلّب الاحتمالات في رأسها:

ــ لم أكن لأتخيّل قطّ أنّ **زوي** ستنجح في الحصول على تلك الأغنية في المرّة الماضية… كيف تسير الأمور بشأن موعدها مع **جاسر**؟

لم تكن **شادية** تُعير **سارة** اهتمامًا يُذكر؛ فهي عندها ورقةٌ عابرة لا أكثر أمّا عائلة ياندل ومعها **جاسر** فذلك تحالفٌ يُصاغ بعناية وزواجٌ إن تمّ كان كفيلًا بأن يمنحها موقعًا لا يُنازع، ونفوذًا لا يُقاس.

أجابت **ماندي** بهدوء:

ــ قال السيد **جاسر** إنّه موافق، وإنّه سيسير وفق خططك كما رسمتِها.

ارتسمت على وجه **شادية** ملامح ارتياحٍ خفيف كأنّ حجرًا أزيح عن صدرها… تتمتم بأسىً:

ــ لو كان **ظافر** مطيعًا مثل **جاسر**… لما اضطررتُ إلى القلق بشأنه.

قالت **ماندي** محاولةً بثّ الطمأنينة:

ــ سيفهم السيد **ظافر** يومًا أنّكِ تفعلين كل هذا من أجله.

أغمضت **شادية** عينيها لحظةً بين رجاءٍ لا تُظهره وقلقٍ لا تعترف به ثم قالت بصوتٍ حازمٍ أعاد إليها صلابتها:

ــ أتمنى ذلك… تابعي البحث في خلفية **زكريّا**… أريد كلّ تفصيل، صغيرًا كان أم كبيرًا.

أومأت **ماندي** امتثالًا:

ــ مفهوم.

وهكذا عادت الخيوط تُنسج في الخفاء وتتشابك المصالح بالأنساب وتُدار الوجوه بابتساماتٍ ناعمة تخفي وراءها حساباتٍ حادّة… لعبةٌ لا مكان فيها للبراءة ولا وقت فيها للغفلة.

تعليقات