رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة واربعة
في أروقة شركة «تايتان» حيث الزجاج يعكس الوجوه ولا يكشف النوايا كان **جاسر** قد أوكل مهمّة مرافقة **زوي** وتوديعها إلى أحد مساعديه وكأنّه يختصر المسافة بينه وبين ما ينتظره.
اقتربت سكرتيرته **جاكي** بخطواتٍ متردّدة وعلى ملامحها انزعاجٌ لم تُحسن إخفاءه ومن ثم توقّفت أمام مكتبه وقالت بصراحةٍ امتزجت بالقلق:
ــ سيد جاسر… هل ستخطبها حقًا؟
لم تكن ترى **زوي** شريكةً مناسبة له؛ فبرغم جمالها اللافت وأناقتها المصقولة إلا إنها مغرورةً حدّ الاكتفاء، منشغلةً بالمكاسب أكثر من المعاني، وبالواجهة أكثر من الجوهر.
رفع **جاسر** الكأس إلى شفتيه وارتشف جرعة ماءٍ ببطءٍ محسوب كأنّه يمنح السؤال وقتًا ليذوب… نظراته هادئة، رخية، لا تعكس شعورًا ولا تفضح سرًّا ثم قال ببرودٍ رزِين:
ــ على أيّ حال… حان وقت زواجي في هذا العمر.
كانت جملته خاليةً من الشغف كأنّه يتحدّث عن صفقةٍ مؤجّلة لا عن عهدٍ يُعقد… فمعظم أقرانه كما يعلم صار لهم أطفالٌ في الروضة يركضون بين الحافلات والحقائب الصغيرة بينما هو ما يزال يؤجّل الاستقرار.
لم تستطع **جاكي** كبح اعتراضها:
ــ لكن إن كان الزواج بدافع الضرورة فقط… أليس في الأمر شيء من القسوة؟ إنها لا تناسبك!
لم يمهلها جاسر لتُتمّ عبارتها بل رفع عينيه إليها بنظرة حاسمة وقال بصوتٍ لا يحتمل الجدل:
ــ عودي إلى عملك.
كان الأمر واضحًا والحدّ مرسومًا لذا ابتلعت كلماتها الباقية واستدارت مغادرةً والغضب يرافق خطاها.
أمّا هو فظلّ جالسًا خلف مكتبه ساكنًا كعادته يُخفي تحت هدوئه بحرًا لا يُقرأ… زواجٌ يُرتَّب بالعقل، وقلبٌ لا يُستشار.
لم تمضِ أيّامٌ قليلة حتى انتشرت دعوات الخطوبة كما تنتشر الأخبار التي لا تُخفى… كانت الأظرف البيضاء تُسلَّم بأناقة وتحمل في طيّاتها وعدًا بتحالفٍ جديد بين اسمين لامعين:
**جاسر** و**زوي**.
وبطبيعة الحال لم يُستثنَ **ظافر** من القائمة.
كان في مكتبه حين وصلته الدعوة منشغلًا بعمله متكئًا إلى كرسيّه في هدوءٍ محسوب وبينما كان **ماهر** يقف أمامه يُطلعه على تفاصيل خطوبة **جاسر** لم يتغيّر في ملامح ظافر شيء؛ بل ظلّ صامتًا يستمع دون أن يكشف عمّا يعتمل في داخله.
قال **ماهر** بحذرٍ وهو يراقب ردّة فعله:
ــ هل ترغب في رفض الدعوة؟
كان ماهر يدرك دون تصريح أنّ العلاقة بين الأخوين ليست صفاءً خالصًا وأنّ في القلب ما فيه.
لكن **ظافر** أجاب ببرودٍ لا يخلو من الصلابة:
ــ إنّها خطوبة أخي… يجب أن أحضرها.
غير أنّ قراره لم يكن مجرّد التزامٍ عائليّ فما زال صدى صوت **سيرين** قبل أيّامٍ يتردّد في أذنيه حين نادته باسم **جاسر**… أراد أن يرى ببصيرته ارتعاش ملامحها حين تسمع الخبر، وأن يختبر قلبها حين يُذكَر الاسم أمامها مقرونًا بامرأةٍ أخرى.
حينما عاد ظافر إلى المنزل تقدّم نحوها بهدوء ومدّ إليها الدعوة قائلاً:
ــ هذه دعوة خطوبة **جاسر** و**زوي**… وبما أنّه أخي… فقد وافقتُ على الحضور.
ما إن وقعت الكلمات على سمع **سيرين** حتى شعرت كأنّ صدمةً مباغتة اخترقت وعيها… لم يكن حزنًا… بل دهشةً صافية، دهشةً جعلت الزمن يتعثّر للحظة.
رفعت بصرها إليه وسألته بتردّدٍ مشوبٍ بالارتباك:
ــ وأنت… تعطيني إيّاها لأن…؟
أجابها بنبرةٍ رسميةٍ قاطعة:
ــ نحن زوجٌ وزوجة… ومن الطبيعي أن تحضري معي.
كادت أن ترفض غريزيًا؛ فالرغبة في الانسحاب كانت أقوى من قدرتها على التظاهر بالتماسك غير أنّ صوت **فاطمة** جاء من الجانب يحمل حسمًا اجتماعيًا لا يقبل الجدل:
ــ بصفتكِ زوجة أخيه… يجب عليكِ حضور حفل الخطوبة.
ساد صمتٌ ثقيل بين واجبٍ يُفرض، وذكرى تُستحضر، ونظراتٍ تتقاطع دون اعتراف فقد بدا الحفل الموعود أكثر من مناسبةٍ عائلية؛ بل اختبار للمشاعر ومواجهة للأسماء التي لا تزال تسكن القلوب ولو ادّعت الرحيل.
ارتسمت الدهشة على ملامح **سيرين** حين سمعت كلمات **فاطمة**؛ دهشةٌ صامتةٌ تساءلت في طيّاتها:
متى تغيّر ميزانها؟ ومتى بدأت تميل إلى صفّ **ظافر** بعد أن كانت لا تخفي نفورها منه؟
ابتلعت حيرتها وقالت بنبرةٍ متماسكة:
ــ حسنًا… هل سنُحضّر هديةً أيضًا؟
لم يكن **ظافر** يتوقّع هذا القبول السلس، ولا أن تتحدّث عن الهدايا وكأنّ الأمر لا يمسّ شيئًا في داخلها… كان يظنّ أنّها ستعارض، أو على الأقلّ ستتردّد فقال بهدوءٍ مقتضب:
ــ يمكنني أن أتولّى الأمر بنفسي.
لكنّ **فاطمة** لم تترك المسألة تمرّ دون تعليق وقالت بنبرةٍ لا تخلو من حدّةٍ واقعية يشوبها المؤامرة:
ــ وكيف ستحسن الاختيار وأنت لا ترى شيئًا؟ دع **سيرين** ترافقك.
ازدادت حيرة **سيرين** فتصرّف **فاطمة** في ذلك اليوم مختلفًا أقرب إلى دعمٍ صريحٍ منه إلى حيادٍ معتاد غير أنّها وقد نُطق الاقتراح لم تجد مهربًا من الموافقة فقالت بهدوءٍ حاسم:
ــ حسنًا… لنشترِ هدية الخطوبة غدًا.
ــ بالتأكيد.
خرجت الكلمة من فم **ظافر** مصحوبةً بابتسامةٍ لا شعورية، ابتسامةٍ لم يفلح في إخفائها وفي داخله امتنانٌ خفيٌّ تجاه **فاطمة** وإن لم يفهم سرّ تحوّلها المفاجئ… كيف صارت اليوم تُمهّد له الطريق وهي التي لم تُخفِ كراهيتها له حتى وقتٍ قريب؟ بل وكانت تبدي امتعاضها حتى من الطبيب الذي استدعاه لعلاجها غير أنّه رغم جهله بالأسباب شعر للمرة الأولى أنّ هناك من يدفعه خطوةً أقرب إلى **سيرين**… خطوةً قد تغيّر موازين كثيرة في خطوبةٍ ليست له لكنّ اختبارها سيطاله قبل سواه.
قالت **سيرين** وهي تمسك بذراع **فاطمة** بلطفٍ محاوِلةً خلق مساحةٍ للحديث بعيدًا عن أعين ومسامع الآخرين:
ــ دعيني أعيدك إلى غرفتك يا فاطمة… الجو بارد هنا في غرفة المعيشة.
وافقت **فاطمة** بصمت وأخذت **سيرين** تساعدها حتى وصلت إلى الغرفة وما إن دخلت **سيرين** الغرفة حتى أغلقت الباب خلفها بسرعة ووجهها صار مفعمًا بالفضول والقليل من الغضب:
ــ لماذا تساعدين **ظافر** فجأة؟
تظاهرت **فاطمة** بالحيرة وردّت بصوت متأنٍ:
ــ هل أنا كذلك؟ كنت أفكّر فقط أنّه لا ينبغي لنا أن نكون وقحين… قد لا نملك ثراء عائلة نصران لكن لا يزال علينا احترام الأعراف.
لم تصدقها **سيرين** تمامًا وضغطت على الشك في عينيها:
ــ أهذا كل شيء؟
أجابتها **فاطمة** بجديةٍ أجادتها:
ــ بالتأكيد!
قررت **سيرين** ترك الأمر جانبًا وأمسكت بيد **فاطمة** المتجعدة محاولةً تهدئة قلبها المضطرب وإشغال ذهنها بخطة عملية:
ــ لقد حجزت موعدًا مع الطبيب، وهو خبير من الخارج… سيأتي لإجراء فحص شامل لك خلال يومين فقط… سمعت أنّ جميع المرضى الذين عالجهم عاشوا حتى سن المئة.
لم تستطع **سيرين** أن ترتاح ولو لحظة منذ عودتها؛ كانت مشغولةً بعملها وأخذت تتواصل مع الخبير تجهّز لكل تفصيلة، لا تترك فسحةً لفاطمة أن تفارقها.
وها هي هذه المرّة أخيرًا تنجح في توظيف خبيرٍ معروفٍ من الخارج لتمنح **فاطمة** فرصةً حقيقيةً للعلاج… خطوةٌ صغيرة لكنها تحمل معها أملًا كبيرًا وسلسلةً من الأيام القادمة التي ستصبح أكثر أمانًا ورعايةً.
