رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة وخمسة
ابتسمت **فاطمة** بابتسامةٍ مائلة وتمتمت بنبرةٍ تمزج بين المرارة والحنين:
ــ يا لكِ من فتاة ساذجة… لا يوجد طبيب معجزات كهذا.
ظنّت **سيرين** للحظةٍ أن الأمر مزاح فابتسمت بخفّة لكن **فاطمة** لم تتوقف عند ذلك بل ربّتت على يدها بلطفٍ وأضافت بصوتٍ هادئٍ يئنّ بما يحمل من واقع:
ــ على أي حال، لا أريد أن أعيش طويلاً… قد يبدأ الناس في كراهيتي لمجرّد أنني كبيرة في السن… وبصراحة أعتقد أنّني عشت ما يكفي.
انقبض قلب **سيرين** وامتلأت عيناها بالدموع لكنها حاولت جاهدة أن تمنعها من الانهمار وقالت بعزمٍ وحبّ:
ــ هراء! لم تشاهدي بعد **زاك** و**نوح** يكبران… عليكِ أن تنتظري حتى يتزوجا وينجبا أطفالًا… حينها ستصبحين جدةً كبيرة وتملأين حياتك بالفرح الجديد.
هُدِرت كلماتها في الهواء كنسيمٍ لطيف فتفكّرت **فاطمة** فيما قالته وارتسمت على وجهها ومضة أمل… نعم… أرادت ذلك أيضًا؛ أرادت أن ترى الأجيال الجديدة، أن تلمس الحياة من جديد، أن تختبر الفرح الذي يتخطّى حدود الزمن لكنّها كانت تعلم أنّ جسدها لم يعد قادرًا على الصمود طويلاً… بعد عقودٍ من العيش… وبعد سنواتٍ طويلة من المعارك والصبر شعرت **فاطمة** برضاٍ خافت بل وراحةٍ غريبة لأنها عرفت أنّ **سيرين** موجودة كشابةٍ ناصعة، كابنةٍ لم تُولد لها… وكأنّها وريثة الحنان الذي لم تستطع منح نفسها إياه.
في تلك اللحظة لم يكن في ذهن **فاطمة** سوى **سيرين** كأنّ كلّ ما حولها قد ذاب في هدوء التفكير والقلق الممزوج بالأمل… قبل أيام قليلة أدركت **فاطمة** أنّ **ظافر** قد استعاده جزءًا من ذكرياته وأنّه لم يكن مدينًا لأيّ أحد على الإطلاق كما شعرت بوضوحٍ برغبته الصادقة في البقاء قرب **سيرين** في حمايةٍ وصمتٍ لا يطالب بالمكافأة ورغم أنّها كانت تمضي معظم وقتها في غرفتها لم يفوتها أن **ظافر** ساعد **سيرين** في توظيف الخبير العلاجي، وكلّ لمسةٍ صغيرة، وكلّ اهتمامٍ صامت لاحظته **فاطمة** وأدركت أنّه قد تغيّر حقًا… تغيّر بطريقةٍ لم تكن لتتوقّعها.
تنهدت فاطمة قائلةً بهدوءٍ تقبله النفس:
ــ حسنًا… سأستمر في العيش، وأنتظر زواجهما.
أومأت **سيرين** برأسها موافقة وقالت بحزمٍ واهتمام:
ــ في هذه الحالة، سأطلب من الطبيب أن يزورنا بعد يومين لإجراء الفحص الكامل لك.
أجابتها فاطمة ببشاشتها المعهودة:
ــ على ما يرام.
وبمجرّد موافقة **فاطمة** شعرت **سيرين** أخيرًا بالارتياح كما لو أنّ ثقلًا قد أزيح عن صدرها وبعد أن ساعدت **فاطمة** على الاستلقاء في سريرها خرجت بهدوء والتقطت هاتفها لتتواصل مع الطبيب فتبدأ رحلةً جديدة من الحرص والرعاية، رحلةً تمزج بين الأمل واليقين في حياةٍ لم يعد فيها مكان للخذلان.
ما إن غادرت **سيرين** حتى سُمع طرقٌ خافت على باب غرفة **فاطمة** التي فتحت عينيها ببطء وقالت:
ــ تفضل بالدخول.
دخل **ظافر** وأطلق عبارة ثقيلة على شفتيه:
ــ شكرًا لك.
كان من النادر أن يُسمع منه امتنانٌ صادق إلا أنّ **فاطمة** لم تُخفِ برودها المعتاد إذ قالت بحدّة:
ــ أولاً لا تشكرني… فأنا لا أفعل هذا لمساعدتك.
توقفت **فاطمة** للحظة وأدركت شيئًا واضحًا؛ **سيرين** لا تزال تحمل إعجابًا بـ **ظافر** وعندما لاحظت التغيّر الذي طرأ عليه شعرت بأنّ عليها أن تتدخل، أن تفعل شيئًا يحمي ما يخص **سيرين** من أي انزلاق محتمل بعد وفاتها.
أجابها **ظافر** بهدوء وهو يرفع رأسه نحوها بعزمٍ صامت:
ــ أجل… أعلم… أعدك أنني سأعامل **سيرين** معاملة حسنة.
نظرت إليه **فاطمة** بعينين تجمعان بين الشك والحذر وقالت بنبرةٍ صارمة:
ــ سأراقبك ما دمت على قيد الحياة… أتمنى فقط أن تُعاملها بلطف بعد رحيلي… ففي النهاية **سيرين** لا تدين لك بشيء.
عرف **ظافر** أنّ الكلمات مهما حُزمت فلن تغيّر شيئًا في العزم الذي يحمله… لقد قرر منذ زمن بعيد أن يثبت نفسه بالأفعال لا بالأقوال… ومع ذلك كان يدرك أنّ عليه إزالة بعض العقبات من الطريق حتى يضمن أن تعاملاته مع **سيرين** ستكون صادقة… خالية من أي شوائب كما يجب أن تكون.
—————–
في صباح اليوم التالي أشرقت **سيرين** بعزمٍ جديد وقد أعدّت نفسها للخروج مع **ظافر** لشراء هدية تليق بالمناسبة، وبما أنّ **زكريا** سيقيم اليوم مع **كوثر** لم يشغل بالها أمر الطعام أو الترتيب غير أنّ خاطرًا عابرًا مرّ بقلبها:
تُرى، هل سيغضب والد **كوثر** حين يعلم أنّها تتكفّل برعاية **زكريا**؟ سؤالٌ خفيف لكنه أثقل صدرها لحظة ثم مضت في طريقها.
التفتت سيرين إلى **ظافر** وسألته بنبرةٍ عملية تخلو من الاهتمام:
ــ ما أنواع الهدايا التي تُقدَّم عادةً في مثل هذه المناسبات؟
أما **ظافر** فقد اعتاد حين يُراد منه إهداء شيءٍ لأحد أن يترك الأمر لـ **ماهر** أو لسكرتيرته فيُعدّان كل شيءٍ عنه فلا ينشغل بتفصيلٍ ولا يتكلف بتفكير… لم يكن يومًا معنِيًّا باختيار الهدايا ولا معتادًا على خوض تفاصيلها.
قال بهدوءٍ مقتضب:
ــ لحظة من فضلك… سأسأل هنا وهناك.
ثم ابتعد قليلًا وأخرج هاتفه واتصل بـ **ماهر** كمن يستدعي خبرة الأمس ليواجه بها ارتباك اليوم، وليتعلّم ـ ولو متأخرًا ـ كيف تكون الهدية رسالة.
كانت **سيرين** تقف غير بعيدٍ عنه تسمع همس صوته وهو يسأل **ماهر** عن الهدايا التي ينبغي لهما اقتناؤها فتسلّل إلى قلبها شيءٌ من الحرج؛ فعلى الرغم من أنّ **ظافر** فقد ذاكرته ولم يعد يشغل منصب الرئيس التنفيذي إلا أنّه ما زال يتصرّف بعقلية المدير يأمر فيُطاع ويستفسر فيُجاب كأنّ القيادة خُلُقٌ فيه لا منصبٌ يُسلب.
لم تمضِ دقائق حتى أرسل **ماهر** قائمةً كاملة طويلةً كأنها سجلّ احتفالات لا مناسبة خطوبة مفصّلةً بندًا بندًا وما عليهما إلا أن يشتريا كلّ ما ورد فيها دون زيادةٍ أو نقصان.
تأمّلت **سيرين** القائمة واتّسعت عيناها دهشةً وقالت بنبرةٍ نصفها مزاح ونصفها عتب:
ــ يا إلهي… هناك أشياء كثيرة! لو كنت أعلم أننا سنشتري كل هذا اليوم لطلبتُ من **رامي** أن ينضمّ إلينا ليحمل عنا ما سنعجز عن حمله.
وما إن نطقت باسم **رامي**، حتى تبدّل شيءٌ خفيّ في ملامح **ظافر**؛ غمامةُ غيرةٍ مرّت في عينيه كأنّ الاسم وخز كبرياءه وخضّ سكونه فقال على الفور بنبرةٍ حاسمة لا تقبل النقاش:
ــ أستطيع حملها.
لم يكن الأمر مجرّد أكياسٍ تُحمل بل كان وعدًا ضمنيًّا أن يكون هو السند لا غيره، والحامل لا المُستعان عليه وكأنّ في حمل الأغراض إثباتًا لمكانٍ يريد أن يستعيده لا في البيت فحسب بل في قلب **سيرين** أيضًا.
اتّسعت عينا **سيرين** دهشةً حين سمعت **ظافر** يعلن استعداده لحمل أكياس التسوق؛ فهو الذي اعتاد أن تُحمل عنه الأشياء لا أن يحملها، والذي لم يكن يصطحب هاتفه بيده إلا نادرًا، فكيف له اليوم أن يتكفّل بأكياسٍ تمتلئ بالأثقال وتضيق بها الأذرع؟
تردّدت سيرين للحظة ثم قالت بنبرةٍ تمزج بين التحدّي والابتسام:
ــ حسنًا… إن كنتَ مستعدًا لذلك فليكن.
عادت ببصرها إلى قائمة الهدايا التي أرسلها **ماهر** فوجدتها طويلةً متخمةً بالأسماء والعلامات تلمع فيها الأرقام… وبصفتها زوجة شقيق **جاسر** لم يكن يكفيها أن تختار له هديةً تليق بالمقام بل كان عليها أن تنتقي لخطيبته أيضًا ما يُظهر حسن الذوق وتمام اللياقة… فكان كل بندٍ في القائمة لا يقلّ ثمنه عن ملايين وكأنّ المناسبة ليست خطوبةً فحسب بل استعراضٌ للثراء وسوقٌ للمكانة ومع ذلك كان بإمكانهما إرسال الهدايا مباشرةً إلى المنزل فيُختصر الجهد وتُختزل المشقة غير أنّ ظافر آثرا الخروج معًا، يمشيان بين الواجهات اللامعة والمحال الفاخرة.
كان المشهد لافتًا؛ **ظافر**، الرجل الكفيف يسير خلف **سيرين** بخطواتٍ واثقة ومهيبة في آن واحد، يتبع صوتها ويستدلّ بوجودها كأنها دليله في الطريق ودليله في الحياة.
التفتت إليهما العيون واختلطت النظرات والهمهمات بين دهشةٍ وإعجاب، بين شفقةٍ واستغرب لكنّ **ظافر** لم يعبأ، ولم تُبطئ **سيرين** خطاها؛ كانا يمضيان معًا كأنّ العالم من حولهما ضجيجٌ عابر، وكأنّهما الحقيقة الأوضح… والأبقى.
