رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الاول 1 بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الاول

جلست الفتاة على مقعدها الجلدي العريض خلف مكتبها الخشبي الفخم، في هيئة توحي بالسيطرة والصرامة معًا، كانت ملامحها هادئة في ظاهرها، لكن خلف ذلك الهدوء كانت تختبئ عاصفة من الحزم والغضب المكبوت، انعكس الضوء الخافت على سطح المكتب اللامع، بينما كانت عيناها الحادتان، اللتان تشبهان عيني صقر يراقب فريسته، تتنقلان بين الملفات الموضوعة أمامها بدقة لا تعرف التساهل.
لم تكن تقرأ الأوراق فحسب، بل كانت تفحصها كما لو كانت تفتش عن خيط خفي من الإهمال أو التقصير، كل سطر يمر أمام عينيها كان يحمل وزنًا، وكل رقم يحمل احتمال خطأ لا يمكنها التغاضي عنه.
لحظة صمت ثقيلة خيمت على الغرفة، قبل أن تطلق زفرة غاضبة خرجت من صدرها ببطء، وكأنها تحاول كبح بركان يوشك على الانفجار، ثم هوت يدها بقوة على سطح المكتب، فصدر صوت ارتطام حاد كأنه صفعة كسرت هدوء المكان،
تكلمت بصوت يحمل غضبًا واضحًا:
"أنا مش هعدي اللي حصل ده بالساهل، مبقاش رنيم سلطان الدسوقي، لو مدفعتش كل واحد نتيجة غلطه، ابعتوا مدير الحسابات والمحامي دلوقتي حالا وأخرجوا كلكم بره."
لم يكن الأمر مجرد تهديد عابر؛ فقد كان اسمها وحده كافيًا ليزرع الرهبة في القلوب، ولهذا لم يتردد الموجودون لحظة واحدة، تحرك الموظفون سريعًا، وكأن كلماتها أطلقت صافرة إنذار داخل المكان، اختلطت خطواتهم المتسارعة بنظرات القلق التي تبادلوها في صمت، قبل أن يهرعوا جميعًا إلى الخارج بخوف واضح من تلك الفتاة التي لم تعرف يومًا معنى التهاون.
أُغلق الباب خلفهم، فعاد الصمت يملأ المكتب من جديد، لكنه لم يكن صمتًا مريحًا، بل صمتًا مشحونًا بالتوتر،
مرت دقائق قليلة، قبل أن يفتح الباب مرة أخرى بهدوء، لتدخل سمية بخطوات مترددة، كانت ملامح القلق واضحة على وجهها، فقد وصلها صدى التوتر الذي عم المكان، ولم يكن من الصعب عليها أن تدرك أن العاصفة مصدرها رنيم.
تقدمت قليلًا داخل المكتب، ثم قالت بنبرة تجمع بين القلق والاستفهام:
"فيه أيه يا بنتي؟ عاملة رعب للموظفين كده ليه؟"
رفعت رنيم رأسها ببطء، وعيناها لا تزالان مشحونتين بضيق واضح، كانت نظرتها حادة، وكأنها لم تهدأ بعد من نار الغضب التي اشتعلت بداخلها، ثم قالت بصوت غاضب:
"انتي عارفة يا عمتو أنا مبحبش الاستهتار فى الشغل، ودي مش اول مرة تحصل غلطة زي دي، لازم اتعامل معاهم بحزم علشان يوقفوا المهزلة دي."
أومأت سمية برأسها بتفهم، فقد اعتادت منذ زمن طويل على رؤية ذلك العناد الصارم في عينيها، لكنها مع ذلك حاولت تهدئة الأجواء قليلًا، فقالت بنبرة هادئة:
"ماشي يا حبيبتي أنا مقولتش حاجه، بس براحه عليهم شوية، طريقتك دي هتكرهم فى الشغل اسأليني أنا مجرباها من زمان مع عمك حسام."
تنفست رنيم بعمق، وكأن كلمات عمتها لم تفعل سوى زيادة الضيق في صدرها، زفرت بضيق واضح، قبل أن تقول بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش:
"عمتو ارجوكي متدخليش فى شغلي، انا كده مبحبش الغلط والاستهتار."
حركت سمية رأسها بنفاذ صبر، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة تحمل مزيجًا من الاستسلام والحنين لذكريات قديمة، ثم قالت:
"هو بعينه عمك حسام، علمك طريقته بالظبط، هقول ايه الله يكون فى عونهم منك، هروح اشوف شغلي."
أنهت كلماتها واستدارت نحو الباب، ثم خرجت بخطوات هادئة، تاركة خلفها المكتب غارقًا في صمت ثقيل من جديد.
ظلت رنيم تنظر نحو الباب للحظة، وعلامات عدم الرضا واضحة على ملامحها من حديث عمتها، هزت رأسها قليلًا وكأنها تطرد تلك الأفكار المزعجة، ثم أعادت تركيزها إلى الأوراق أمامها،
عادت عيناها تتحركان فوق السطور بحدة أكبر هذه المرة، بينما كان الغضب لا يزال يتقد في داخلها، لم يكن الخطأ الذي حدث مجرد تفصيلة عابرة في العمل، بل كان بالنسبة لها خللًا في نظام اعتادت أن يكون صارمًا لا يقبل التهاون،
وفي تلك اللحظة، بدا واضحًا أن رنيم لم تكن مجرد مديرة صارمة تدير عملها،
بل امرأة اعتادت أن تخوض معاركها بنفسها، وأن تحرق كل خطأ يقترب من عالمها قبل أن يتحول إلى فوضى لا يمكن السيطرة عليها.
    **************************
في الفيلا الواسعة الخاصة بعائلة غريب ضرغام، كان الصباح يمضي بهدوء ثقيل، كأن جدران المكان نفسها اعتادت على نظام صارم لا يقطعه إلا صوت الحياة اليومية، انعكست أشعة الشمس على النوافذ الكبيرة المطلة على الحديقة، فتسللت خيوطها إلى غرفة الطعام الواسعة حيث اجتمعت العائلة حول الطاولة الطويلة المصنوعة من الخشب الداكن.
جلس الأربعة في أماكنهم المعتادة؛ الأب غريب في صدر الطاولة بهيبته الهادئة، إلى جواره زوجته ترنيم التي بدت ملامحها رقيقة رغم التعب الخفيف المرتسم حول عينيها، بينما جلس جواد على أحد الجانبين بوقاره المعتاد، تقابله أخته أروى التي بدت على العكس تمامًا، روحًا مشاغبة لا تعرف الصمت طويلًا.
كان الصمت يخيم على الطاولة، صمت لا يشوبه سوى أصوات الملاعق وهي تلامس الأطباق، حتى قطعه فجأة صوت أروى وهي تميل قليلًا نحو أبيها بعينين لامعتين بالمشاكسة:
"بابتي، يا أحلى غروبه فى الدنيا."
رفع غريب عينيه إليها ببطء، وكأن ابتسامة خفيفة كانت تنتظر تلك اللحظة لتظهر على وجهه، نظر إليها نظرة يعرفها جيدًا، نظرة الأب الذي يعلم حيل ابنته منذ طفولتها، ثم قال بنبرة مزاح:
"امم، مدام فيها بابتي وفيها غروبه يبقى عايزة مصلحه."
اتسعت ابتسامة أروى، لكنها لم تستطع إخفاء التوتر الصغير الذي ارتسم في عينيها، فأجابت بمزاح:
"ايه ده؟ هو أنا مكشوفه اوي كده؟"
لم ترفع ترنيم رأسها عن طبقها وهي تتناول الطعام، لكنها قالت بهدوء وهي تبتسم بخفة:
"ده انتي مكشوفه زي عين الشمس."
ضحكت أروى بخفة، ثم التفتت إليها قائلة بمزاح:
"يا ترنيم، يا توته هو فيه حاجه اسمها عين الشمس، اه منك انتي يا وليه بتقولي كلام غريب."
ثم أضافت ببراءة مفتعلة وهي تلوح بيدها:
"يوه، مقصدكش يا حاج بكلام غريب، يا ابو عرق تركي انت يا عسل."
زفر جواد بضيق واضح، وقد بدا أن صبره بدأ ينفد، فنظر إليها بنفاذ صبر وقال:
"هو احنا مكتوب علينا كل يوم الصداع ده، ما تخلصي وقولي عايزة ايه."
رمقته أروى بنظرة ضيق، ثم قالت بتهكم:
"أنا صداع، لكن السنيورة بتاعتك وجنانها مش صداع، صح؟"
حرك غريب رأسه قليلًا وكأن المشهد كله مألوف لديه، ثم قال بنبرة تحمل مزيجًا من الصرامة والمرح:
"يا بنتي اخلصي وقولي عايزة ايه؟"
عادت الابتسامة إلى شفتي أروى بسرعة، وكأنها وجدت اللحظة المناسبة أخيرًا لتقول ما تريد، مالت بجسدها قليلًا للأمام وقالت بمزاح:
"نرجعلك انت يا واد يا تركي يا عسل، بص بقى أنا عايزة اسافر اسبوع مع اصحابي فى باريس، عايزة اشم نفسي شوية، بعيد عن الدراسه، تعبت وربنا، حسوا بيا يحس بيكم ربنا."
ما إن أنهت كلماتها حتى تبدلت ملامح غريب فجأة، اختفت ابتسامته، وحل محلها تعبير جاد قاطع، قبل أن يقول بصوت غاضب حاسم:
"أنا مليون مره قلتلك سفر بره من غيرنا لا، وبعدين احنا مش لسه راجعين من تركيا من شهر؟"
زفرت أروى بضيق واضح، وكأن الرد كان متوقعًا لكنها كانت تأمل غيره، ثم قالت بتذمر طفولي:
"تركيا ايه بس يا بابي! أنا حفظاها صم من كتر ما بروحها كل كام شهر، ده احنا بنقعد فيها اكتر ما بنقعد فى مصر، أنا زهقت وعايزة اغير شوية، وبعدين انا مش صغيره على فكرة، أنا عندي عشرين سنه يعني كبيره واقدر اعتمد على نفسي."
رفعت ترنيم عينيها إليها أخيرًا، وكان صوتها هادئًا لكنه يحمل حنان الأم الذي لا يخطئه أحد، فقالت بتوضيح:
"يا حبيبتي بابي خايف عليكي، وبعدين انتي مهما كبرتي فى نظرنا هتفضلي طفله صغيره، بلاش موضوع صحابك ده، واصبري شويه ونبقى نروح باريس سوا مع بعض، ماشي؟"
وقفت أروى فجأة، وكأن الكلمات ضاقت بها، وقالت بصوت مختنق:
"ماشي، أنا ماشيه."
ثم غادرت المكان بوجه عابس وخطوات سريعة، تاركة خلفها جوًا من التوتر الخفيف.
اعتدل جواد في جلسته قليلًا، ثم قال بنبرة عملية واضحة:
"حاولوا تشدوا عليها شويه اروي مبقتش صغيرة والدلع الزيادة في السن ده خطر."
نظر إليه غريب بنبرة جادة، لكنها لم تخلو من حنان الأب، وقال:
"طول ما انا عايش فى الدنيا اختك تدلع براحتها، أنا واثق فيها ومتأكد أنها رغم صغر سنها ناضجه وعاقلة."
هز جواد كتفيه بلا مبالاة وقال:
"انتوا حرين، أنا قولتلكم رأي وخلاص، هسبقك على الشركه."
ثم غادر المكان، تاركًا والديه وحدهما.
تنهدت ترنيم قليلًا وهي تنظر نحو الباب الذي خرج منه، ثم قالت بلوم خفيف:
"براحه على جواد شويه يا غريب، هو بيحب أخته وبيخاف عليها، وانت طريقتك جامده معاه، صاحبه وبلاش تخلي المسافه ما بينكم توسع."
ابتسم غريب لها بحنو، وكانت نبرته حين تحدث دافئة ومليئة بالمودة:
"دول ولادي يا ترنيم، مستحيل اكرههم، كفايه أنهم منك انتي، بس بحس أن جواد طريقته قاسيه مع أخته، عارف أنه بيحبها وبيخاف عليها، بس طريقة معاملته معاها غلط."
سكنت ملامح ترنيم قليلًا، وكأن كلمات زوجها أيقظت ذكرى قديمة بداخلها، مر شريط من الماضي في ذهنها، فاختنق صوتها قليلًا وهي تقول:
"سيبه يثبت وجوده فى حياتها، يحسسها بخوفه عليها، علشان تفهم أن ليها سند فى الدنيا وأنها وقت ما تحتاج حاجه اول شخص تجري عليه هو اخوها، لا هو عمره هيكرهها ولا هي هتقدر تستغنى عنه فى حياتها، احنا مهمتنا فى الحياة أننا نحببهم فى بعض ونحسسهم بأهمية كل واحد بالنسبه لتاني."
فهم غريب المغزى العميق من كلماتها. مد يده نحو يدها، أمسكها برفق ثم قبلها بحنان وقال:
"ماشي يا حبيبتي، انا مليش غيركم فى الدنيا، أنتوا أغلى ما عندي، واكيد عايز اشوف ولادي فى احسن حال، وأشوف اجمل ابتسامه من حبيبتي ام ولادي."
ابتسمت له بحب، ثم قبلت يده وقالت بنبرة عاشقة صادقة:
"ربنا يخليك ليا، انت العوض والسند اللي ربنا بعته ليا فى أصعب اوقاتي."
اعتدل غريب في جلسته ثم مال قليلًا وقبل رأسها بحنان وقال:
"هروح انا الشركه بقى علشان متأخرش، وانتي هتنزلي العيادة امتى؟"
ردت عليه بنبرة متعبة قليلًا:
"مش قادرة اروح العيادة النهاردة، وكمان هروح لسمية أسال عليها وحشتني وبقالي كتير مشوفتهاش."
أومأ برأسه متفهمًا، ثم ابتسم لها وغادر المكان.
ظلت ترنيم تنظر إلى أثره للحظة طويلة، وعلى شفتيها ابتسامة دافئة، لكن ما إن اختفى حتى تغيرت ملامحها قليلًا، وكأن هدوء البيت أعادها إلى عالم آخر من الذكريات.
نهضت ببطء واتجهت إلى غرفتها. فتحت خزانة ملابسها، وأخرجت منها صندوقًا صغيرًا قديمًا بعناية، وكأنها تحمل قطعة من قلبها. جلست على طرف السرير وفتحته ببطء، داخل الصندوق كانت صورة.
صورة لرجل لم يغب عن قلبها يومًا، سلطان.
رفعتها بيديها وظلت تحدق فيها طويلًا، حتى ترقرقت دمعة هاربة في عينيها وسقطت على الصورة، تنهدت بوجع وهمست بصوت اختلط فيه الحنين بالألم:
"وحشتني اوي يا سلطان، ياريتك كنت موجود دلوقتي، وشوفت الاولاد لما كبروا، كانوا اتعرفوا على اطيب واحن وأعظم راجل فى العالم، انت عارف جواد طالع نسخه منك فى طبعك غيور اوي على جواهر بنت سميه، وعصبي زيك، بشوفك فيه، وبنتك رنيم بقت شبهي اوي وانا صغيره، بس للاسف مأخدتش ضحكتي وانا معاك، لحد دلوقتي مش قادرة تنسى الماضي، اخدت مني موقف بسبب كلام امها الله يرحمها، حاولة كتير اخليها تسامحني ونبدأ مع بعض صفحه جديدة، بس للاسف كل مرة ترفض، بس متقلقش مش هييأس لاخر نفس فيا هفضل احاول معاها، بنتك هتفضل امانه فى رقبتي لحد ما اقابل وجه كريم، ربنا يرحمك يا حبيبي."
أعادت الصورة إلى مكانها برفق، وأغلقت الصندوق كما لو كانت تغلق بابًا على ذكريات موجعة، وضعت الصندوق داخل الخزانة مرة أخرى، ثم بدلت ملابسها بهدوء.
بعد دقائق، هبطت إلى الطابق السفلي، واتجهت نحو سيارتها، جلست خلف المقود، وأدارت المحرك ببطء، بينما كانت نظراتها ثابتة أمامها.
ثم انطلقت السيارة مبتعدة عن الفيلا، متجهة إلى وجهتها، شركة سلطان.
  *****************************
توقفت السيارة فجأة في منتصف الطريق، بعدما اصطدمت بمؤخرة سيارة أخرى اصطدامًا خفيفًا، لكنه كان كافيًا ليجذب الانتباه ويوقظ سكون الشارع.
داخل السيارة، جلست الفتاة خلف المقود متجمدة للحظة، كأن الزمن توقف حولها، اتسعت عيناها قليلًا وهي تحدق في الأمام، ثم أطلقت زفرة متوترة، بينما راحت أصابعها تقبض على عجلة القيادة بقوة، لم يكن الموقف بسيطًا كما تمنت، فقد أدركت فورًا أن صاحب السيارة الأخرى لن يمرر الأمر بسهولة.
لم تمضي ثواني حتى ترجل شاب من سيارته، كان طويل القامة، عريض الكتفين، يخطو نحوها بخطوات سريعة يغلفها الغضب، وقف بجانب نافذتها وطرق عليها بقبضته بقوة.
ابتلعت الفتاة ريقها بصعوبة، وشعرت بقلبها يدق بعنف داخل صدرها، مدت يدها بتردد وفتحت النافذة قليلًا، ثم قالت بتلعثم واضح:
"أنا لو حلفتلك أن مقصدش اخبطلك عربيتك مش هتصدق صح؟"
رمقها الشاب بنظرة غاضبة، وقد بدت أعصابه مشدودة، وقال بحدة:
"ولما انتوا متعرفوش تسوقوا عربيات بتركبوها ليه؟ أعمل فى امك ايه دلوقتي؟"
كانت الكلمة الأخيرة كشرارة ألقيت في حقل جاف.
في لحظة، اشتعل الغضب داخلها كالنار. فتحت باب السيارة بعنف، وترجلت منها بسرعة، وقد تحولت ملامحها من توتر إلى تحدي واضح، وقفت أمامه رافعة رأسها وقالت بحدة:
"طيب ليه طولة اللسان دي طيب، مش عايزة امسح بكرامتك الأرض."
تجهم وجه الشاب أكثر، وتقدم خطوة نحوها قبل أن يمسكها من ملابسها بغضب وقال:
"يعني غلطانه وكمان بتبجحي."
لم تتردد لحظة، دفعت يده بعيدًا عنها بعنف، ثم انحنت قليلًا وعضته في يده بقوة جعلته يصرخ متفاجئًا، رفعت رأسها وقالت بتحذير صارم:
"لا فؤق يا حيلتها، انت متعرفش أنا مين وبنت مين؟ أنا بقى هوريك شغل الحواري."
بدأت أصوات المارة ترتفع حولهما، فقد تجمع الناس سريعًا حول المشهد المفاجئ، حاول البعض التدخل وإبعاد الفتاة، التي كانت جواهر، عن الشاب الغاضب، لكنها كانت تقف بثبات وعناد، وكأنها مستعدة لخوض معركة حقيقية،
لكن فجأة، تجمدت في مكانها كأن قوة خفية شلت حركتها.
فقد سمعت صوتًا تعرفه جيدًا، صوتًا لا يمكن أن تخطئه أبدًا.
همست بصوت خافت يكاد لا يسمع:
"يا صلاة النبي أحسن، هو حضر؟ ربنا يرحمك كنت زينة الشباب والله."
وفي اللحظة التالية، اندفع جواد كالإعصار، لم يتردد لحظة واحدة، فقد انقض على الشاب بقبضته القوية، وبدأ يضربه بعنف متفجر، كانت الضربات تتوالى بلا رحمة، حتى بدأ الدم يسيل من وجه الرجل الذي لم يستطع الدفاع عن نفسه، وسقط أرضًا فاقدًا الوعي،
تعالت صيحات الناس حولهما، بينما أسرعت جواهر نحوه تحاول الإمساك به، احتاجت جهدًا كبيرًا لتبعده عن الرجل الملقى أرضًا، ثم صرخت به:
"نهارك مش فايت، الراجل شكله مات، يا اختييي، روح بقى إدارى فى حته، هتتعدم قبل ما اتجوزك يا ابن ضرغام."
التفت إليها جواد بعينين مشتعلة بالغضب، وقبض على ذراعها بقوة وهو يقول من بين أسنانه:
"اتزفتي وامشي قدامي، أنا قولت ملكيش خروج من البيت."
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم حاولت التخفيف من الموقف بابتسامة متوترة وقالت:
"فيه ايه بس يا جوجو، أنا مالي العربيه اللي خبطت فى عربيته، وانا بطلع الفون من الشنطه علشان اكلمك، يعني انت السبب مش أنا."
رفع حاجبيه ببطء، ونظر إليها بسخرية وقال:
"والله، يعني بقيت أنا السبب فى الاخر؟"
ابتسمت ابتسامتها البلهاء المعهودة وقالت بخفة:
"انت سبب نقمتي يا جوجو، ما تتجوزني وستتني فى بيتك يا سيد الناس."
زفر جواد بنفاذ صبر، ثم أمسك ذراعها وأجبرها على السير معه نحو سيارته. فتح الباب الأمامي وأجلسها فيه بعنف خفيف، ثم أغلق الباب بقوة قبل أن يدور حول السيارة ويجلس خلف المقود ويبدأ القيادة.
لكن جواهر لم تستطع منع نفسها من الاستمرار في المشاكسة، أخرجت رأسها قليلًا من النافذة وقالت بسخرية:
"تعيش وتاخد غيرها يا جميل."
ضغط جواد على أسنانه بعصبية، ثم دفعها إلى الداخل بعنف وهو يصرخ:
"ارحمي امي من جنانك، كفايه بقى تعبت."
سكتت لحظة، ثم نظرت إليه بعينين امتلأتا بالحزن وقالت بصوت مختنق:
"خلاص مدام زهقت مني وشايفني مجننانك، بلاش منها دي علاقه، وكل واحد يروح لحالة."
فجأة، ضغط جواد على المكابح بقوة فتوقفت السيارة في منتصف الطريق.
التفت إليها بعينين تتطاير منهما الشرر، وأمسك ذراعها بقوة وهو يقول بحدة:
"سمعيني كده قولتي ايه."
صرخت جواهر متألمة:
"جواد سيب دراعي، جواد انت بتوجعني، جوووواد."
لكنه شد قبضته أكثر وقال بصوت تحذيري خطير:
"لو سمعتك بتقولي كده تاني، هقتلك يا جواهر، انتي بتاعتي أنا وبس، ويوم ما تفكري تبعدي عني، هدفنك بأيديا دول فاااهمه."
أغلقت عينيها وقد انهمرت دموعها، وقالت بصوت مختنق:
"سيب دراعي يا جواد."
تغيرت ملامحه فجأة، بدأت أصابعه ترتخي ببطء، وكأن الغضب انكسر فجأة أمام دموعها، مد يده نحو وجهها، ومسح دموعها برفق، ثم قال بصوت هامس:
"بلاش دموعك دي يا جواهر، انتي عارفه انتي بالنسبالي ايه؟ وعارفه أن ببقى واحد تاني لمجرد بس فكرة بعدك عني، أنا بحبك، بس انتي اللي بتخليني افقد اعصابي من عمايلك المجنونة دي."
أدارت وجهها بعيدًا ونظرت من النافذة في صمت.
مد يده مرة أخرى، وأمسك ذقنها برفق ليجبرها على النظر إليه، ثم قال بأسف واضح:
"أنا اسف متزعليش مني يا جوجو، انتي اجمل حاجه فى حياتي، وزعلك مني بيخلي الدنيا لونها اسود فى عيوني، خلاص بقى يا بت، بعشق امك."
ابتسمت جواهر وسط دموعها وقالت بصوت مختنق:
"هسامحك بس بشرط، اوعى تقسى عليا تاني يا جواد، خايفه اكرهك، لأن لو ده حصل هيكون اخر يوم فى عمري، أنا فتحت عيوني على حبك، وعمري ما هشوف راجل غيرك."
عض جواد شفتيه السفلى وهو يحدق فيها، ثم قال بمزاح يحمل شيئًا من الإثارة:
"أعمل فيكي ايه انا دلوقتي؟ احنا فى طريق عام، ولو نفذت اللي شيطاني بيقولوا ليا، هنلبس قضية فعل فاضح فى الطريق العام."
انفجرت جواهر بالضحك وقالت بمزاح:
"اهي كملت، تبقى كده لبست قضية قتل وقضية اداب، وقضية سرقة، اصلك سرقة قلبي مني بكلامك المعسول ده."
زفر جواد بنفاذ صبر وهو يهز رأسه وقال:
"يا مهوون، أنا بضيع يا وديع."
تعالت ضحكات جواهر مرة أخرى، تلك الضحكات التي كانت تشعل شيئًا لا يمكن السيطرة عليه داخل قلبه.
تنهد أخيرًا، ثم أعاد تشغيل السيارة وانطلق بها في الطريق، متجهًا نحو شركة سلطان، ليوصل تلك الفوضى الجميلة، وتلك المصيبة التي يعشقها قلبه، إلى مكان عملها قبل أن تتسبب في كارثة جديدة.
  ****************************
أمام شركة سلطان، توقفت سيارة ترنيم في اللحظة نفسها تقريبًا التي توقفت فيها سيارة جواد. بدا المشهد وكأن الصدفة قررت أن تجمع الطرق المتفرقة عند نقطة واحدة.
ترجلت ترنيم من سيارتها بخطوات هادئة، وملامحها ما زالت تحمل ذلك الهدوء الرقيق الذي يميزها دائمًا، ثم اتجهت نحوهما بابتسامة دافئة.
وقفت أمام السيارة وقالت بحب:
"عاملة ايه يا قلب خالتوا؟"
ما إن سمعت جواهر صوتها حتى انفرجت أساريرها فورًا. فتحت باب السيارة بسرعة، وترجلت منها، ثم ركضت نحوها كطفلة اشتاقت لحضن مألوف. أحاطتها بذراعيها بقوة وقالت بلهفة صادقة:
"وحشتيني اوي يا توته، مختفيه فين عننا بس؟"
ابتسمت ترنيم بحنان وهي تربت على ظهرها برفق، وكأنها تحتضن قطعة من قلبها، وقالت بلطف:
"اعمل ايه بس يا جوجو العيادة اخده كل وقتي."
ثم ابتعدت عنها قليلًا، والتفتت نحو السيارة حيث يجلس جواد، ونظرت إليه بنظرة تحمل شيئًا من اللوم المشاكس وقالت:
"انت يا ابني مش قولت لابوك انك هتسبقه على الشركة؟"
نظر إليها من خلف النافذة، وكانت نبرته تحمل ذلك الثقل الرجولي الذي يميزه حين قال:
"اممم، قولت، بس طبعا مع المصيبه دي مش هقدر اشوف حالي."
مدت جواهر شفتيها للأمام كالأطفال، والتفتت نحو ترنيم تشكو له بطريقتها المعتادة:
"شايفه يا خالتو ابنك بيعاملني إزاي؟"
لم تتمالك ترنيم نفسها، فانفجرت ضاحكة، ثم قالت بصعوبة بين ضحكاتها:
"الله يعينك عليها يا ابني، روح انت يلا شغلك زمان ابوك وصل وملاقكش هناك."
أومأ جواد برأسه موافقًا، ثم التفت إلى جواهر ونظر إليها نظرة طويلة مليئة بالاهتمام قبل أن يقول برجاء خافت:
"خلي بالك من نفسك وبلاش مشاكل، فاهمه."
ثم غمز لها بعين مشاكسة قبل أن يدير السيارة وينطلق بها مبتعدًا.
وقفت جواهر مكانها تتابع السيارة بعينيها حتى اختفت في الطريق، وكأن جزءًا من قلبها ذهب معها. تنهدت بعمق وهي تبتسم بحب واضح، ثم التفتت إلى ترنيم وقالت بحماس طفولي:
"حتة تشيز كيك غرقانه صوص شيكولاته، عسل ابن ضرغام، بحبه اوي يا توته."
تعالت ضحكات ترنيم مرة أخرى على كلماتها المجنونة، لكن خلف تلك الضحكات كانت دقات قلبها تخفق بسعادة غامرة. رؤية ابنها محبوبًا بتلك الطريقة الصادقة كانت كفيلة بأن تملأ قلبها بالطمأنينة.
قالت مازحة وهي تهز رأسها:
"الولا لحس مخك خلاص يا بنت سمية، وانتي هتمشي مجنون فى الشارع بسببك، ربنا يسعدكم يارب، يلا بسرعه ابوكي ورنيم مش هيعدوا تأخيرك ده بالساهل."
اتسعت عينا جواهر فجأة بصدمة حقيقية، ثم قالت بفزع:
"نهار مش فايت اتأخرت على الشغل."
وفي لحظة، انطلقت تركض نحو مدخل الشركة بسرعة، بينما تبعتها ترنيم بخطوات أهدأ.
دخلتا إلى الداخل، ثم صعدتا معًا بالمصعد الكهربائي. كان الصعود قصيرًا، لكنه حمل مع ترنيم شعورًا ثقيلًا في صدرها.
ما إن وصل المصعد إلى الطابق المقصود حتى خرجت جواهر متجهة بسرعة نحو مكتبها، بينما توقفت ترنيم للحظة، وعيناها تتجهان نحو باب المكتب الذي يحمل اسم رنيم.
تنهدت بحزن عميق، وكأن ذلك الباب لم يكن مجرد باب مكتب، بل جدارًا يفصل قلبين.
اقتربت منه ببطء، ثم طرقت عليه برفق.
لكنها سمعت صوت رنيم الغاضب من الداخل يقول:
"قولت مليون مرة محدش يخبط عليا طول ما انا فى أيدي شغل مهم."
أغمضت ترنيم عينيها للحظة، وأخذت نفسًا عميقًا وكأنها تستجمع شجاعتها، ثم فتحت الباب ودخلت.
رفعت رنيم عينيها من فوق الأوراق، وما إن رأت من يقف أمامها حتى تغيرت ملامحها فورًا. تلونت عيناها بحمرة الغضب، وألقت بالقلم على سطح المكتب بحدة، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد وقالت بنبرة هادئة لكنها حذرة:
"نعم! خير؟"
ابتسمت ترنيم لها بحب، ابتسامة تحمل كل الشوق الذي خبأته السنوات، وقالت بلطف:
"وحشتيني يا رينو."
أغمضت رنيم عينيها لحظة، ثم فتحتها وهي تتكلم من بين أسنانها بغضب مكبوت:
"انتي ايه يا شيخه، مبتزهقيش، قلتلك مليون مرة، الشويتين دول مش هينفعوا معايا، الحركات دي اخرك كنتي تعمليهم زمان على بابا علشان تشغلي وتخدي مننا، فكك مني علشان أنا لحد دلوقتي محترماكي علشان سنك، بس اقسم بالله لو طولتي معايا اكتر من كده، هتشوفي مني وش تاني خالص."
ابتلعت ترنيم الغصة التي علقت في حلقها. كلماتها كانت كسكاكين صغيرة تغرس في قلبها، لكنها تذكرت العهد الذي قطعته على نفسها، أن تتحمل كل شيء مقابل فرصة واحدة للمسامحة.
قالت أخيرًا بصوت مختنق:
"انتي ليه بعد السنين دي كلها مش قادرة تشوفي الحقيقه كاملة؟ ليه اخده مني موقف رغم انك وقتها كنتي صغيرة، والرؤية عندك محدودة مكانتش واضحه، كام مرة حاولة اوضحلك الحقيقه وانتي رافضه تسمعيها، اديني فرصه واحدة بس يا رنيم، خليني اعوض معاكي كل اللي فاتني."
لكن رنيم ضربت يدها بقوة على المكتب ونهضت فجأة. تقدمت نحوها بعينين مشتعلة وقالت بصوت غاضب:
"أنا بسببك عيشت يتيمة الأب والام، بسببك كنت بشوف دموع امي كل يوم، بسببك، بابا كان بيبعد عننا بالاسابيع وساعات بالشهور، بسببك أنا عيشت متعقدة من الحب والجواز والخلفة، انتي سبب كل حاجة وحشه عشتها، ومش هرتاح غير لما ادفعك تمن كل دمعه وكل فراق أنا عيشتهم."
صرخت ترنيم فجأة، وقد غلبتها دموعها:
"أنا مليون مرة وضحتلك أنا مأخدش ابوكي منك، امك هي اللي جات وخطفته مني، ورغم كده انا اللي جبتكم الحارة علشان تعيشوا معاه ومع اهلك، أنا اللي كنت ببعد علشان يفضل هو معاكم رغم وجع قلبي وحرقته، علشانكم انا اتجوزت راجل مبحبهوش وعيشت معاه لحد دلوقتي، أنا عملت حاجات كتير اوي فى سبيل سعادتكم رغم أن انا جيت على نفسي وعلى قلبي كتير، بلاش تظلميني يا رنيم فكري بقلبك لو مرة واحده بس، مين وانتي صغيرة كان بيجي يخدك فى حضنه؟ أنا اعتبرتك بنتي أنا، من كتر ما كنتي شبهي فى كل حاجة، والحقيقه اللي انتي مش هتقدري تنكريها انك حتى فى الشكل شبهي، كفاية قسوة قلب يا رنيم وارجعي تاني لحضني."
لكن رنيم لم تتأثر، ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها وقالت باستهزاء:
"ايه لدرجاتي وحشك حضن بابا عايزة تحسي فيا؟"
ثم اقتربت منها أكثر وهمست بصوت مخيف:
"بتحلمي، حضنك ده لو أخر حضن فى الدنيا وفيه حياتي، هيكون الموت اهون من اترمي فيه، اطلعي بره وياريت مشوفش وشك هنا تاني، علشان هيكون تصرفي معاكي المرة الجايه صعب انك تتحملي."
انخفض رأس ترنيم قليلًا، لكن صوتها خرج ثابتًا رغم الاختناق:
"مش هييأس يا رنيم ولاخر نفس فيا هفضل احاول معاكي علشان تسامحيني."
ثم استدارت ببطء وخرجت من المكتب.
ما إن أُغلق الباب خلفها حتى اشتعل الغضب داخل رنيم كالعاصفة.
أمسكت القطعة الرخامية الصغيرة المنقوش عليها اسمها، وألقتها بعنف نحو الباب، فاصطدمت به بصوت حاد.
ثم عادت إلى مقعدها، تحاول التقاط أنفاسها الغاضبة، بينما صدرها يعلو ويهبط بعنف.
وبعد لحظات طويلة من الصمت، أجبرت نفسها على الهدوء، ثم أعادت نظرها إلى الأوراق أمامها، وعادت تتابع عملها وكأن شيئًا لم يحدث، بينما في داخلها كانت حرب كاملة ما تزال مشتعلة.
   *****************************
في مكان آخر…
داخل مكتب فخم تكسوه الصرامة قبل الفخامة، جلس رجل في أوائل عقده الرابع خلف مكتبه العريض، يحيط به صمت ثقيل، ملامحه الصلبة كانت كفيلة بأن تعلن أن هذا الرجل لا يعتاد الخسارة، ولا يتقبل فكرة أن يسلب منه شيء اعتبره يومًا حقًا خالصًا له.
عينيه الداكنتين كانتا مثبتتين على الأوراق الملقاة أمامه، لكن النار التي تشتعل في أعماقه كانت أوضح من أن تخفى، وفجأة، ارتفعت يده بقوة وارتطمت بسطح المكتب ضربة جعلت الصمت يتشقق حوله، قبل أن يصدح صوته الغاضب في أرجاء المكان:
"يعني ايه شركة الدسوقي هي اللي اخدت المناقصة، مش المفروض انها كانت بتاعتنا؟"
وقف الموظف أمامه متوترًا، وقد بدا واضحًا أن الوقوف في مواجهة هذا الرجل ليس بالأمر الهين. بلع ريقه بصعوبة ثم أومأ برأسه مؤكدًا، محاولًا شرح الموقف دون أن يزيد من اشتعال الغضب الماثل أمامه.
"أيوة المفروض انها بتاعتنا، بس الباشمهندسه رنيم، دخلت واخدتها حاولنا معاها بس هي صممت انها تخدها وقالت، ملهاش دعوة بالاتفاقيات دي، هي ليها مصلحة شركتها وبس، المناقصة دي تلزمها."
ساد صمت ثقيل للحظة.
لكن تلك اللحظة كانت كافية ليتحول الصمت إلى عاصفة مكتومة، شد قبضته بقوة حتى برزت عروق يده، بينما ارتسمت على وجهه ملامح غضب بارد، ذلك النوع من الغضب الذي لا يصرخ كثيرًا، لكنه حين ينفجر يترك خلفه خرابًا لا يرمم بسهولة.
رفع نظره ببطء، وعيناه تلمعان بتحدي واضح، قبل أن يقول بنبرة مشدودة:
"هي الشغلانه هتعيل ولا أيه، أنا ليا كلام مع جوز عمتها يتصرف معاها."
مد يده نحو الهاتف فوق المكتب، والتقطه بحركة حاسمة، وكأن القرار قد اتخذ بالفعل، ضغط على الرقم الذي يحفظه عن ظهر قلب، وانتظر بضع ثواني فقط قبل أن يأتيه الرد من الطرف الآخر.
لم يمنح الطرف الآخر فرصة حتى للتحية، فقد اندفع صوته الغاضب مباشرة عبر الهاتف:
"ينفع شغل العيال ده يا باشمهندس حسام، يعني معروف أن المناقصة دي تخصنا تيجي الباشمهندسه رنيم تاخدها مننا."
على الجانب الآخر، جاء صوت حسام هادئًا، يحاول امتصاص حدة الغضب التي يعرفها جيدًا:
"أنا آسف يا استاذ شاهين، أكيد حصل ده بدون قصد من رنيم."
لكن تلك الجملة لم تفعل سوى أن أشعلت شيئًا آخر داخل صدره.
ابتسم ابتسامة باردة خالية من أي دفء، قبل أن يرد بصوت منخفض لكنه يحمل تهديدًا واضحًا:
"لا بقصد يا باشمهندس، وبعتت كمان رسالة مع رجالتي، عايزك بس تعرفها أن اللعب مع شاهين الرواي، آخرته وحشه أوي، والمناقصه دي لو مرجعتش تاني لينا هيكون ليا كلام تاني معاكم."
لم ينتظر ردًا آخر.
أنهى الاتصال بحركة حادة وألقى الهاتف على المكتب أمامه، ثم أمال رأسه قليلًا إلى الخلف وهو يحدق في الفراغ أمامه، وكأن صورة تلك المرأة التي تجرأت على تحديه بدأت تتشكل في ذهنه، رنيم.
الاسم مر في رأسه كشرارة صغيرة، لكنها كانت كافية لتوقظ فضولًا لم يشعر به منذ زمن.
اقترب قليلًا من حافة المكتب، وأسند مرفقيه عليه، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، ابتسامة رجل اعتاد أن يحول الصراعات إلى ألعاب، لكنه دائمًا يحرص أن يكون هو الفائز في نهايتها.
ثم قال بصوت منخفض يحمل قدرًا واضحًا من التحدي:
"خلينا نلعب يا صغير، ووريني اخرك ايه."
رفع يده بعدها بإشارة مقتضبة نحو الرجال الواقفين في المكتب.
كانت إشارة صامتة لكنها مفهومة جيدًا.
فانسحب الجميع فورًا إلى الخارج، وأغلق الباب خلفهم بهدوء، تاركين شاهين الراوي وحده داخل المكتب، بينما عينيه لا تزالان تلمعان بذلك البريق الخطر.
بريق رجل لا ينسى من يتحداه، ولا يسمح لأحد أن ينتزع شيئًا من يده دون أن يدفع الثمن.
     *************************
سمعت رنيم طرقات خفيفة على باب مكتبها، فرفعت رأسها عن الأوراق المتناثرة أمامها، وزفرت بضيق واضح. كان التوتر يملأ أعصابها منذ الصباح، وكأن اليوم قد قرر أن يختبر صبرها إلى آخر حدوده، مررت يدها فوق جبينها ثم قالت بنفاذ صبر:
"انتوا فيه ايه النهاردة، مش هعرف اشوف شغلي ولا أيه؟"
انفتح الباب ببطء، وظهرت رأس جواهر من خلفه، وعيناها تلمعان بمكر طفولي وهي تقول بمزاح:
"حتى انا يا رينو، ممنوع ادخل؟"
في لحظة تبدلت ملامح رنيم، اختفى ذلك الجمود الحاد الذي يكسو وجهها في العمل، وحل محله غضب مصطنع، بينما ضغطت على أسنانها وهي تقول بتهكم واضح:
"بنت عمتي النشيطه والشاطرة، اللي بتيجي قبل الكل، وتمشي اخر واحده تعالي ادخلي تعاليلي."
ابتسمت جواهر ابتسامة متوترة، وتحركت إلى الداخل بخطوات حذرة، وكأنها تسير فوق حقل ألغام، ثم قالت بصوت مرتعش:
"قبل ما تقولي حاجه، ولا تمدي ايدك عليا أسمعيني الأول، بليززز."
نهضت رنيم ببطء شديد من خلف مكتبها. حركتها الهادئة تلك كانت أخطر بكثير من أي غضب صريح، ثم أومأت برأسها وقالت ببرود:
"قولي قولي بسمعك."
لكنها قبل أن تقترب منها أكثر، تحركت نحو الباب وأغلقته بإحكام، بل وأدارت المفتاح في القفل وأخذت المفتاح بجيبها.
تجمدت جواهر للحظة، واتسعت عيناها وهي تراقب يد رنيم وهي تدير المفتاح، فابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تبدأ حديثها بسرعة متلعثمة:
"احم، هو أنا كنت جايه فى أمان الله، قوم أيه بقى أخبط وش فى عربية شاب حلو وقمور، قوم أيه بقى يغلط فى ست الوالدة، وكله إلا الأم يا رينو، الادرينالين وصل لأقصى مرتفعاته، روحت مشغلة شخصية، الكاتعه، وضربته، بس ايه بقى هيرو قلبي حضر وعجن أمه، قوم أيه أتعصب عليا، قوم أيه، زعلت وعيط، قوم أيه أبن اللذيذه ثبتني، وبقى شكلي وحش أوي، قوم أيه، ضعفت وقعد أسبله، قوم أيه."
لم تكمل جملتها، إذ اندفعت رنيم فجأة نحوها بسرعة خاطفة، وصرخت بغضب وهي تركض باتجاهها:
"قوم ايه بقى، هطلع روحك بأيديا دول."
صرخت جواهر وضحكت في الوقت نفسه، وقفزت سريعًا فوق المقعد ثم اعتلت سطح المكتب بخفة مدهشة، وقفت فوقه وهي ترفع ذقنها بتحدي وتقول بابتسامة واسعة:
"أهدي يا بت المجنونة، عارفه أنك بلطجيه وتعمليها، يا بنت سلطان الدسوقي."
تقدمت رنيم خطوة أخرى، وعيناها تشتعلان بضيق واضح وهي تقول بحدة:
"أنزلي يا مجنونة، ده مكان أكل عيش مش لعب وهزار."
لكن جواهر لم تتراجع، بل تعالت ضحكاتها أكثر وهي تقول بتحدي طفولي:
"مش نازلة ولو أنتي قدها أطلعيلي فوق."
ضغطت رنيم على أسنانها، ومررت يدها في شعرها بعصبية قبل أن تقول بنفاذ صبر:
"جوواهر بتكلم بجد، انزلي يلا خليني اشوف شغلي."
لكن جواهر قفزت فوق المكتب مثل طفلة عنيدة، وهزت رأسها بإصرار وقالت:
"لا مش نازلة وريني هتوصلي ليا ازاي."
أغمضت رنيم عينيها لحظة قصيرة، وكأنها تحاول السيطرة على أعصابها، لكن فجأة، وبدون أي تحذير، قفزت إلى الأعلى بحركة سريعة، وانقضت عليها فوق المكتب مثل صياد يطارد فريسته.
ثم قالت بتحدي وهي تمسك بذراعها:
"وريني بقى هتعرفي تهربي مني ازاي؟"
تعالت ضحكات جواهر أكثر، وقالت بمزاح وهي تحاول الإفلات منها:
"احنا اسفين يا صلاح، بهزر يخربيت عرق الحارة اللي بيجري فى دمك ده."
وفي تلك اللحظة تحديدًا، انفتح الباب.
وقف حسام عند العتبة وهو ممسك المفتاح بيده، وقد تجمدت ملامحه من الصدمة وهو يرى المشهد أمامه.
رنيم فوق المكتب تمسك بجواهر، وجواهر واقفة فوق المكتب كأنها فوق مسرح للعرض.
ساد صمت ثقيل للحظات، تنحنحت رنيم بخجل واضح، ثم هبطت بسرعة من فوق المكتب، وأخفضت رأسها نحو الأرض بتوتر شديد.
أما جواهر، فظلت واقفة فوق المكتب، وحدقت في حسام بتوتر قبل أن تقول محاولة إنقاذ الموقف:
"طبعًا لو قلتلك أن ده مجرد هزار ولعب عيال عادي، هتنفخنا صح؟"
اشتدت ملامح حسام غضبًا، وضغط على أسنانه قبل أن يقول بحدة:
"انتوا هتفضلوا مستهترين كده لحد امتى؟ معندكمش ايه احساس بالمسؤولية، هتفضلوا شوية عيال تافهه."
تقدمت رنيم خطوة للأمام، ورفعت رأسها قليلًا وقالت بصوت خافت مليء بالاحترام:
"أنا اسفه حضرتك، عارفه أني غلطانة وبوعدك أن اللي حصل ده مش هيتكرر تاني."
رفع حسام نظره إلى الأعلى حيث تقف جواهر، وقال بنفاذ صبر:
"هتفضلي متعلقه فوق كده شبه القرود كتير؟"
كادت ضحكة تفلت من شفتي رنيم لكنها كتمتها بصعوبة.
قفزت جواهر أخيرًا إلى الأرض، واقتربت من والدها بسرعة، ثم وضعت قبلة سريعة على خده وقالت وهي تركض نحو الباب:
"أحبك يا أبيض أنت يا عرسي."
ثم خرجت مسرعة وأغلقت الباب خلفها.
هز حسام رأسه بضيق، ثم أعاد نظره إلى رنيم، واتجه ببطء نحو المقعد وجلس عليه قبل أن يقول بنبرة غاضبة:
"ايه اللي انتي عملتيه ده؟"
رفعت رنيم نظرها إليه، وقالت بأسف واضح:
"أنا اسفه حضرتك أول وآخر مرة، حضرتك عارف جواهر بتحب تقلب أي مكان هزار وضحك."
لكن حسام هز رأسه بالنفي وقال بجدية:
"أنا مش بقول على اللي حصل دلوقتي، أنا بقول على المناقصة بتاعة، شاهين الرواي."
تبدلت ملامح رنيم فورًا، اختفى الإحراج، وحل محله غضب واضح، فقالت بحدة:
"ده راجل بجح، مفكر نفسه حاجه، ويقدر يتحكم فى السوق، أنا اخد منه المناقصه دي قرصة ودن ليه علشان ميدخلش فى أي حاجه متخصهوش."
أغمض حسام عينيه بغضب، ثم صرخ فجأة:
"أنتي غبيه مش بتفهمي، الشغل ده ليه أصول، وكل واحد عارف دوره كويس، أنتي بحركتك دي هنخسر كتير، ومقدرش أفتح بؤقي، أمال كنت بعلم فيكي أيه طول السنين اللي فاتت دي؟"
ارتجف صوت رنيم قليلًا وهي تقول:
"يا أنكل حسام أفهمني، شاهين الرواي ده مش سهل، المناقصة اللي كان عايز يخدها دي، من أكبر المناقصات، والصراحه شركتنا أحنا أولى بيها، وهو يخبط راسه فى الحيط، ملوش حاجه عندنا."
لكن حسام ضرب المكتب بيده بقوة وهو يقول:
"يا بنتي أفهمي أنتي، أحنا كده هنخسر مناقصتين وراه بعض وهيخدها شاهين الرواي، ومنقدرش نفتح بؤقنا، لأن ده عقاب اللي ياخد مناقصة مش بتاعته ويكون دور غيره، وأحنا محتاجين معدات كتير الفترة الجايه، ومعنى أننا نخسر المناقصتين، هيقف خطوط الانتاج، شوفتي حركة طايشه منك هتخسرنا قد أيه؟"
لكن رنيم هزت رأسها بعناد وقالت:
"مش هيحصل، والمناقصات بتاعتنا هنخدها فى ميعادها غصب عن الكل."
أغمض حسام عينيه مرة أخرى، وكأنه يحاول كبح غضبه قبل أن ينفجر أكثر، ثم قال:
"يا رنيم افهمي، كده هنفتح علينا حرب أحنا مش قدها، بعد كده حسك عينك تتصرفي من دماغك فاهمه؟ وأنا هحاول أصلح اللي أنتي عملتيه."
نهض من مكانه وأتجه نحو الباب.
لكن صوتها أوقفه فجأة:
"أنكل حسام حضرتك ليك غلاوة خاصه فى قلبي، وأنت اللي ربتني وعلمتني كل حاجه، بس أنا أسفه، مش هسمح لحضرتك، تنزل من قيمتنا علشان واحد زي ده، المناقصات هنخدها فى وقتها غصب عن الكل، واللي مش عجبه يخبط راسه فى الحيط."
استدار إليها ببطء، نظر إليها طويلًا، نظرة رجل عنده خبره بالحياة أكثر مما ينبغي، ثم قال بصوت هادئ يحمل ثقل السنوات:
"أنتي لسه فى أول الطريق يا رنيم، وحماس الشباب ده هيضيع كل حاجه أنا تعبت فيها، وحافظت عليها طول السنين دي علشان المسؤوليه اللي أبوكي سابها ليا أمانة فى رقبتي، بلاش تدخلينا فى طريق آخره سد."
ثم فتح الباب وخرج، تركها وحدها في المكتب.
وقفت رنيم في مكانها للحظات، ثم رفعت رأسها بتحدي واضح وهمست بصوت غاضب:
"لا عاش ولا كان اللي يكسر رقبة رنيم سلطان الدسوقي، ويا أنا يا انت يا شاهين."
عادت بعدها إلى مكتبها ببطء، وجلست خلفه مرة أخرى، وبدأت تراجع الأوراق أمامها، لكن عقلها لم يكن مع العمل.
بل كان يدور حول اسم واحد فقط.
"شاهين الراوي".
       

تعليقات