رواية الصمت الباكي الفصل الواحد والاربعون
«بداية النهاية»
_”((الصيّاد جريح، وإعصاره سيُبدد الأخضر واليابس، ولهيب غضبه سينال منه الجميع، فعليكَ الحذر.))”
_ بالثامن عشر من فبراير بعد منتصف الليل وبعدما أشتدت الأجواء برودة، أعلى تلك الشجرة الضخمة المُفضلة لدية وعلى أحد أغصانها الضخمة يجلس مُستندًا بظهره على جذعها، أعينه شاخصة في الفراغ وقلبه قد إنتهى أمره، فقد أوشك على بناء مُستقبل مُشرب بالأمل لكن قابله الواقع بالحقائق المخباه ..
غاص عقله بتلك الذكرى التي تلبسته دون رحمة، ذاك الليل الذي لم يظهر له قمرٌ ..
تَعَرت أمامه أشياء لم يَكُن ليتوقعها يومًا … حقيقتها كانت مؤلمة بحق، فهي ليست سوى مُخادعة أزهقت روحٌ بتجبُر ودون وجه حق ..
هي نفسها التي مزقت نياط قلب “صالح” بحرمانه من شقيقة “آدم”،، هي ذاتها التي لم يتوانى “صالح” بسبها والتوعد لها بأسوء مصير ممكن ما إن تقع بين يديه جراء ما فعلته بشقيقه … هو أقسم أن يجعلها تتذوق كؤوس العذاب بتروٍ ثم بعد ذلك يُرسلها للجحيم ..
هي تلك الخائنة، المُخادعة، عديمة الرحمة والإنسانية…
ذلك اليوم أسودت عيناه غضبًا بل إسود العالم من حوله..
شلت الصدمة أطرافه عندما وقعت عيناه على اسم ‘آدم’
يقرأ الورقة سريعًا بأعيُن جاحظة، أنفاسه تخرج من صدره مُتلاحقة، فغر فاهه بذهول وتجمدت جميع أطرافه حتى شعر بأن شلل ما أصاب جميع جسده، وانسحب كل أثر للحياة من على وجهه فأصبح شاحب وكأنه جُثة فارقت الحياة، عيناه تجري على السطور دون قُدرة على التوقف، دوار رهيب جعل العالم يدور من حوله ٠٠٠ وكم تمنى أن تميد به الدنيا حتى يستطيع التوقف ولا يقرأ الأسم الذي يتوقع وجوده ..
الكلمات كانت قاسية عنيفة تُمزق رجولته وكرامته وكبريائة الذي لطالما كان شامخًا ..
الكلمات قاسية والأفكار أكثر قسوة ومن بين ذاك وتلك حقيقة واحدة مُره ..
إنهار عالمه من حوله فخرج من بين شفتيه بصوت مُحطم فقط «آآآآآهــٍ» صامتة مكتومة إرتدت إلى شرايين قلبه الذي شعر أنها تصلبت بدمائه الهادرة ٠٠
= خرج من المُلحق كـ العاصفة الهوجاء يُحيطه ظلام لا يستطيع الضوء التغلب عليه أو كسر حِدته..
أوقف السيارة بقوة جعلت الإطارات تحتك بالطريق بعنف نَجَمَ عنه صوت داوي كالرعد هزّ سكون الليل ..
تفاجىء “ليث” بدخول “مؤمن” العاصف عليه، صوت غلق الباب الذي رجَّ جُدران الغرفة وجَعْلِها تستغيث، وجعل “ليث” الذي تحول إلى فريسة لهذا الضبع يبتلع ريقه بتوتر..
_ مسؤليتك في المهمة دي بقت أنك تسلمني البت دي في إيديا سليمة … عايزها حيه … إنت فاهمني عايزها عايشة .. أنا بإيدي هسلمها للعدالة بس أخد حقي منها الأول وعلشان بكدا تكون إيدي نُضفت منها وكل واحد ياخد جزاءه …
بصق “مؤمن” كلماته بحِدة شديدة وصوت مُرتفع جعل “ليث” وللحظات يشعر بداخله بالخوف وهو يتأمل هذا الأسد الزائر ..
لكن أيضًا تعجب من حديثه، قطب جبينه، فـ أمس كان يُحذره من أن يمسُها ضرر وإن وقع عليها ضرر سيكون المقابل روحه .. وهذا كان تهديد صريح منه ..
بينما اليوم فيُطالبه بكل هذا الغضب أن يحميها فقط من أجل تسليمها للعدالة .. وبأي جريمة، وبأي ذنب٠؟!
_ نطق “ليث” وتسائل بما يكنه عقله من تسائلات: بس ليه كدا … ممكن أفهم أيه السبب، وأيه هو ذنبها؟!
والإجابه كانت كفيلة بجعله يغرق في بحرٍ من الصدمة .. فقد شعر بعظام وجهه تتحطم من فرط حدة لكمة هوجاء مصدرها قبضة هذا الماثل أمامه والذي لا يَمتُ بصلة
لــِ “مؤمن الصياد” الذي يعرفه .. بل وحشًا أهوج يمتلىء غضبًا يُغرق العالم ويفيض ..
تابعه “ليث” بذهول وصدمة و’مؤمن’ يُشهر بسبابته أمام وجهه بتحذير وأردف قائلًا بقوة يُخبره بملامح مُلبدة بالقسوة: لا عاش ولا كان إللي يسألني .. أنا محدش يسألني عن أسباب .. إنت تنفذ وبس وحذاري حذاري من نار غضبي لأن محدش لسه شاف منها حاجة ..
ورحل كما أتى وزعابيب الغضب تُرفرف من حوله تاركًا “ليث” يكاد يفقد عقله مما حدث غير مُدرك بالدماء التي انفرطت من أنفه بغزارة ..
= عاد بذاكرته من ذاك اليوم ليجد الظلام أشتدد من حوله، هبط من أعلى تلك الشجرة وسار يدُك الأرض دكًا من أسفله حتى وقف أمام هذا التجويف الذي يُشبه كهف عند النظر إليه من الوهلة الأولى، أزاح أغصان الأشجار المُتدلية بعُجاله وهو مُتحفز لصب جام غضبه على هذا الشيطان الذي سرق طفولته وأيامه السعيدة … لكن فور إبعاد هذا الباب الخشبي العتيق وقف مُتصنمًا عندما لم يجد له أثر هو المدعوة بزوجته ..
أخذ يلتفت بجنون ويبحث بكل زاوية بتلك الغرفة الخفية لكن بلا جدوى، فمن الواضح هروب هذا المُجرم
“محمد الخطيب” وزوجته لكن إن صح القول تم تهريبهم.!
إذًا هُناك خائن بالوسط..!!
لا أحد يستطيع دخول الغابة وإجتيازها ثم الخروج منها مرة أخرى إلا بمساعدة أحد متمكن جدًا من داخل القصر ..
خرج من الغرفة بوجه يتعضن غضبًا وكأن جذوة من نار اشتعلت داخل محاجر عيناه لتزداد سوادًا وقتامة ..
ملامحه المُلبدة لا تنُم على خير بتاتًا، وبداخله يُقسم برب العباد أن الفاعل سيقوم هو بإبادته وإذاقته أصناف العذاب
وإلى هُنا يظهر وجه أخر من أوجهه الصياد الذي جاهد لئلا يكشف عنه ويظل مُدثرًا …
_ “مش مؤمن الصياد إللي يتخان أبدًا، الكل هيدفع التمن ولو كلفني ده أخر نقطة في دمي .. استعدوا لجحيم ناره هتحرقكم زي ما حرقتني … جه وقت دفع الحساب” ..
جذب سلاحه الناري من خلف ظهره وهو يشدُ على أجزائه بقوة مُفرطة وتخرج صرخة من بين ثنايا الحناجر مُحملة بأطنان من شظايا الغضب تبعها صوت إطلاق الرصاص بكثرة من فوة سلاحه الذي رفعة لأعلى وهو يتنفس بعنف ضاغطًا على الزناد بقوة ليُفرغ زخيرته بسكون الليل جاعلًا الطيور تُهاجر من منازلها هاربة من داخل الأشجار وصوت استغاثتها يُمزق سكون الليل …
ولم يختلف ساكني القصر عن تلك الطيور كثيرًا بعدما اخترقت اسماعهم صوت الرصاص الذي رجّ القصر والذي يكشف عن موجة غضب جديدة ستلتهمهم جميعًا؛ فإن لم تُزهق أرواحهم من الرصاص ستُزهق من الزعر والرعب الذي يَحْيَونَ به مُنذ [ثمانية عشر يومًا] بعدما تحول ربّ عملهم إلى وحشًا كاسرًا واكتسب شراسة جعلتهم يسكنون أرواحهم برعب ويتجنبون إياه قدر المُستطاع …
‘–لــكــن يبدوا أن الليلة تختلف عن سابيقيها–‘
٠٠٠”فـالتشتد الرِحال فهُناك إعصار ناري نشب ولا طريقة لإخماده”٠٠٠
*************************************
= عودة حيث تلك الليلة المشئومة، نهاية الشهر المُنصرم، الليلة التي فرت بها “سارة” هاربة تحت تهديد تلك الأفعى “بسمة” ..
بعدما نام قرص الشمس وسكن الظلام المنزل وهدئت الحركة بداخله، خرجت من غرفتها مُتسلله حاملة حقيبة صغيرة بها بعض الملابس القديمة وأوراقها الشخصية ..
وخرجت تجُر أزيال الخيبة بعدما حصلت على عنوان والدتها وشقيقتها، خرجت ساعية لأجل إنقاذهم قبل الإنغماس بأكملهم بوحل لن يستطيعا الخلاص منه ..
خرجت وأشباح الماضي تطاردها، وذئاب المُستقبل تترقبها، والحاضر يتشبث بها ..
ظلت تسير بوسط الطُرق المرصوفة بالحجارة والنسمات الباردة تُداعب مُقلتيها وتُبكيها رغمًا عنها وكأنها تُريد سبر أغوارها فتنبجس العبرات من عينيها وقلبها يشتاق للسعادة كـ شوق الليالي العقيمة لضوء القمر..
وبعد مُدة وجيزة من التخبُط والتعثُر تهادت طُرقها حيث محطة قطار نائية بأحد أطراف المدينة ..
جلست بإنهماك على أحد المقاعد بعدما حددت وجهتها ومكثت تنتظر قطارها الذي سيقلها لحياة جديدة وإلى فصل أخر من فصول حياتها، لا تعلم ما ينتظرها بداخله سوى ……. «المجهول» ،،،،، ولعله خير ..
_ تلبدت ملامحها بالألم، وهمست بصوت يشوبه الحسرة والعجز وهي تنظر للسماء برجاء: الأبواب كلها اتقفلت في وشي يارب العالمين، بس أنا واثقة ومتيقنه إن باب رحمتك دايما مفتوح .. يارب سهل طريقي واهدي قلبي يارب
يارب خليك معايا ومتسبنيش أنا مش عارفة أي حاجة في الدنيا دي ومليش حد غيرك .. مبقتش عارفه أعمل أيه في إللي جاي ولا أتصرف إزاي … سهلي أموري يارب وابعد عني الأذى ..
وصمتت وهَدْر قلبها لا يتوقف محاولةٌ هي بث الشجاعة والقوة لقلبها لمجابهة القادم: كُله خير .. هتعدي زي غيرها.
======================
= إنتهى من الإشراف على تنفيذ ذلك المشروع الذي استنزف قواه لكن قد أفاده كثيرًا ليتغلب على شوقه لها والذي لا يستطيع بثه إليها بسبب توتر العلاقة بينهم منذ هروب ذلك القذر “حسين” فقد اختفى وكأنه تبخر ..
برفق حمل باقة الورود الحمراء التي تُشبه وجنتيها وارتسم العشق على طيات وجهه، والشوق يقطُر من عيناه اللذان دثرهما حبها …
ولج للمنزل غافلًا عن هاتان العينان الخبيثتان واللتان تربصت به حتى وصل لغرفتهم .. ويُحلق بداخلها وقلبه يغمره السعادة والشوق لرؤيتها ..
_ يا سارة .. يا سروري وفرحة قلبي، يا نور عيني ونبض قلبي .. فينك يا حبيبتي ..
تنحت إبتسامته تدريجيًا عندما وجد الغرفة فارغة ..
بحثت أنظاره عنها بلهفة بالأرجاء .. بغرفة الملابس، المرحاض .. لكن لا أثر .. الغرفة هادئة، مُنطفئة، كئيبة وباهته وكأنها حزينة على عدم وجودها ..
ظل يدور حول نفسه وقد بدأ بعضٌ القلق الذي لا يعلم سببه يتسرب لداخل قلبه ..
إلتفت ليخرج من الغرفة فلا شك أنها بمكان ما بالمنزل..
لكن توقف عندما لفت إنتباهه حلقة زواجهم الذهبية أعلى وِحدة الأدراج المُجاورة للفراش، إلتقطها يُقلبها بين أصابعه وينظر إليها بحزن ..
_ تنهد بإحباط قائلًا: أكيد زعلانة مني، وعندها حق أنا أهملتها كمان كتير بس حالًا يا سروري ويا نور عيني هراضيكي وهاخد حقك مني ..
قبض عليها داخل راحته بقوة وأوشك على الخروج للبحث عنها لكن للمرة الثانية لفت إنتباهه ورقة ما مطوية ومتواجدة أسفل المحبس الذهبي ..
_ عقد ما بين حاجبيه بتعجب، وتسائل بحيرة وهو يُقلبها بيده: أيه دي !!
شفى فضوله وهو يحَّل وثاق الورقة من طيتها لتتجلى أمام أنظاره الكلمات التي هشمت قلبه دون رحمة ليهوى صريعًا في التو …
فكيف لبعض الكلمات والأحرُف أن تُشكل أقوى الأسلحة الفتاكة وتحوى بين ثناياها على أخطر السموم!؟؟
ابتلع ريقه الجاف مرارًا وتكرارًا لإخفاء المرارة والغصة التي علقت بفمه، وعقله يرفض تصديق ما تقرأه عينه بصمت مُغلف بالصدمة ..
اختل توازنه فسقط أرضًا أمام الفِراش ويُعِيد قراءة الكلمات دون إنقطاع ..
تركته … ذهبت … لا تُحبه … تبغضه … وتُخبره ألا يبحث عنها لأنها لم تغفر له ما اقترفه بحقها ولن تُسامحه ما حَيت وقد ظلت بمنزله فقط تلك المُدة لأجل إنتظار فرصة مناسبة للهروب فظلت واُضطرت على مْسايرته بأفعاله وحُبه لا أكثر
رغمًا عنه سقطت قطرات تُعبر عن تهشُم قلبه، عن حزن، وألم كاوي لا يُحتمل..
سال دمعه بغزارة وهو مُطأطأ الرأس كـ من تركته أمه، وأردف بنبرة مليئة بالكسرة والحزن العميق: ليه .. ليه، كنتِ عاقبيني أي عقاب ماعدا ده .. اعملي فيا ما بدك أي حاجة ماعدا إنك تسبيني وتمشي .. عاقبيني وإنتِ معايا وأنا راضي بأي عقاب..
فُراقك عني زي فُراق الروح، أنا مقدرش على كدا .. ليه يا سارة .. ليه يا حبيبة قلبي تعاقبيني بالقسوة دي وتحرميني منك .. هونت عليكِ ..
ليه كل إللي بحبهم بتحرم منهم وميتكتبش عليا أبقى معاهم …
بس أنا كنت رضيت ولما حبيتك اكتفيت بيكِ واتأكدت إنك عوضي … بس المرة دي الوجع جامد ومؤلم…
أنـــــــــا اتكســـــــــرت يــــا ســــــــــارة 💔
**************************************
× وقف الجميع أمامه مُطأطأين الرؤوس ما بين خائف وحَذِر وهم يراقبون الحالة التي هو عليها، لم يندهشوا كثيرًا فهو على ذات حال الصُراخ والغضب هذه لأكثر من أسبوعان لكن تلك الليلة تختلف ..
_ بكل هدوء الخاين إللي بينكم يُخرج ويعرف بنفسه .. لأخر مرة بحذركم وبلاش أعرف بطريقتي؛ أنا بديكم فرصة أهو ..
تحدث “مؤمن” من بين أسنانه ببطء مُخيف بث الرُعب بأوصالهم ..
تقدم “مُعتز” بحذر وهو خافض الرأس، وقال بثبات مُهتز: مؤمن باشا؛ صدقني محدش يقدر يـــ ……
_ابتلع باقي حديثة على الفور عندما رفع “مؤمن” رأسه إليه بحدة والشرر يتطاير من مُقلتيه، وتسائل ببطء: يعني أنا غلطان أو مش بفهم يعني ..!!
_ اصفر وجه “معتز” وردد مُسرعًا: أنا مقصدش يا باشا .. أنا ..
لكمة عمياء سددها “مؤمن” بقسوة بمنتصف وجه “معتز” الذي تراجع عن إثرها عدة خطواط للخلف بينما بقية الرجال فأخفضوا رؤسهم أرضًا ..
_ اقترب “مؤمن” نحوه وجذبه من ياقته بعنف، وهمس بفحيح خطير: إنت بتقول أي كلام علشان تبرر تقصيرك في شغلك .. دخلوا لغاية بيتي وعملوا إللي عايزينه وإنتَ نايم يا حيلتها .. والأسوأ من كدا إن في خاين هنا في قلب بيتي .. تعرف دا معناه أيه ..!!!
_ أخفض “معتز” رأسه بخزي وبرر بقوله: والله يا باشا أنا مأمن على كل مدخل وو…..
_ قاطعه “مؤمن” نافضًا إياه من يده وهو يقول بصوت مُجلجل وأنظاره مُتعلقة بــ “سلوى وصفيه وعزة” الواقفات أمامه أيضًا يفرقون أيديهم يتوتر: إنتوا إللي إختارتوا وابقوا اتحملوا النتيجة بقى ..
أجفلوا من صوته وتيقنوا أنّ القادم لا يُبشر بالخير وتركهم وصعد للأعلى بعدما استرهبهم بتهديداته الصريحة
_ ران الصمت على الأرجاء .. قطعه “صفيه” التي هتفت بتوتر: يارب استر .. أيه الحكاية الجديدة دي هيا كمان، الواحد أعصابه باظت خالص .. بقاله أكتر من أسبوعين على الحال ده … أنا مش فاهمه حاجة!!
_ تسائلت “سلوى” بشرود: يا ترى أيه السبب إللي خلاه كدا، وقلب حاله ..
_ أجابتها “صفيه” بتلقائية: من يوم ما أسوة مشت وهو بقى كدا .. شكله زعلان من عدم وجودها ..
_ شاركت “عزة” في الحديث قائلة: أنا بردوه لاحظت كدا يوم ما مشت .. أنا كنت ملاحظة نظراته لها وواضح كدا إنه وقع بحبها .. عيونه بتقول كدا لما بيشوفها ..
_ اغتمت “صفيه” وصمتت بينما أردفت “سلوى” بعتاب: في أيه يا بنات!؟ .. عيب الكلام ده ميصحش .. ويلا إنتِ وهي على النوم ..
= بينما في الأعلى،، ولج للغرفة وصفع الباب من خلفه بعنف وأخذ يزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا وهو يصرّ على أسنانه بعصبية محاولاً كبح المشاعر التي تُقيده وتفوح من داخل قلبه ..
توقف أمام طاولة الزينة ثم استند بذراعيه على حافتها مُطبقًا على مُقلتيه ويكاد يعتصرهم، غمغم بوعيد يحمل بين طياته الكثير: حظك الحلو إنك مش موجودة قدامي.. دا من حُسن حظك إنك بعيدة عني .. بس هانت مش باقي ألا يومين بس وهتكوني بين إيديا .. استعدي لجحيمك ..
باعد جفونه بعضها عن بعض ليشّع الظلام من ليل عينيه، زفر بحدة وهو يُطبق على قميصه ينزعه بعدم إهتمام ويجلس أعلى الفراش وهو يُمسد موضع قلبه بألم ..
ويرضخ أخيرًا للألم ويبتلع بعض أقراص الدواء، ثم استلقي بظهره على الفراش مُحاولاً تجاهل تلك الرائحة التي اخترقت أنفه دون رحمة..
مسح على وجهه مُستدعي الهدوء، اقترب أكثر من يسار الفراش واستدار برأسه نحو وشاحها الموضوع بإهمال أعلى الوسادة؛ تناوله بين يديه لتخترق الرائحة أنفه أكثر، التمعت عيناه ببريق الشوق دون درايه منه ورفعه ليُغرق وجهه بين ثناياه ويميل عليه يشتمه بعمق دون وعي؛ فالرائحة تُذهبه عقله على الأخير ..
مرت عدة دقائق وهو مغمور بعالم أخر لا وجود له سوى بمخيلته، استفاق من وخمته القصيرة فجأة وألقاه بعنف بعيدًا عنه بوجه مكفهر ونظرات ناقمة ..
_ تنهد بحدة وردد بهدوء ينافي الإعصار الدائر بين ضلوعه: صبرًا … تُوقعي بين إيديا بس وأنا عارف هاخد حقي منك إزاي ..
****************************************
= تنفست براحة وهي تُبعد القلادة عن عُنقها وتضعها أسفل الوسادة وتستعد للنوم بعدما أبدلت ملابسها بأخرى مريحه وتأكدت من غلق الباب جيدًا … كما تسير الأمور منذ أسبوعان فـــ الأمور هادئة نوعًا ما منذ تواجدها هُنا ..
تجمع ما تستطيع جمعه من معلومات وتُسجل القلادة جميع ما تمر به وهذا ما يُطمئنها .. عين الشرطة معها ولن يمسها سوء، ووعده لها أن تعود سالمة، تثق به فهو لن يُخلف بوعده مُحال فطالما وعد لن ينقد الوعد الذي قطعه ..
ولنكن مُنصفين.. هؤلاء المجرمون لم يتعرضوا لها بأي شكل من الأشكال بل يوفرون لها كل سُبل الراحة بعدما رضخت لهم وبدأت بصُنع ما يريدون ورأت أعينهم النتائج..
لكن ما يُأرقها ويُعكر صفوها إشتياقها ليزيد .. وتعلم تمام العلم أنه بأفضل حال ..
كل شيء جيد لكن ما بال قلبها يشعر بالألم “وهو” لم يترك أحلامها، ولماذا تلك الغُصة التي تستوطن قلبها؟!
أهي إشتياق، أم بلوغ ذروة التَوْق؟!!
هل ما تشعر به الآن يُسمى شوق ..!!
أخذت بعضًا من من عبوة المُرطب اللزج وأخذت تُدلك أكتافها لتُزيل بعضًا من إرهاقها، فـ اليوم منذ الصباح الباكر حتى اشتدت الظلمه تنغمس داخل ذاك المعمل تعمل ..
_ ارتسمت إبتسامة حالمة على شفتيها وعقلها يُعيد ما جمعهم من مواقف لينتهي عند جمعتهم الأخيرة وسط الشحوم والزيوت ..
أخرجت من حقيبتها الظهرية سُترته التي احتفظت بها وحرصت على حملها معها، تلمستها برقة لتسري عبر أوصالها رجفة لذيذة، قربتها من وجهها دافنة وجهها بداخلها ليصرخ قلبها هدرًا عقب وصول رائحته لعقلها الذي يحث كل ذرة بجسدها للتفاعل والإنغماس أكثر وأكثر حتى الجنون..
_ تخضبت وجنتيها وطفقت سخونة لطيفة أعلاها لتتسع إبتسامتها أكثر وتهمس بصوت مصبوغ بأشد قصائد الشوق: خلاص هانت .. مش باقي ألا يومين .. إمتى يخلصو بقى ..
تواثبت دقات قلبها، لتُتابع وهي تدفن رأسها داخل سُترته المليئة برائحته، تشعر بأن عطره يعانقها، منذُ متى كانت للعطور صدور وأذرعة!!؟
_ أووووف .. أيه إللي بيحصل ده، مكونتش أعرف إن البُعد عنه هيظهر إللي أنا حاسة بيه ده .. بجد بقت في حاجات بتحصل غصب عني وبقت أقوى مني مش قادرة أسيطر عليها ….
= زاغت أنظارها وهي تُمشط الغرفة، لتشرد بعقلها إلى ذلك اليوم التي كانت عائدة به من الجامعة وتصادفت مع الخالة “جميلة” التي كانت جالسة بقُرب مدخل الغابة وتبكي ..
تعجبت هذا اليوم وأسرعت نحوها فهي على علاقة وثيقه طيبة بها فهي من سُكان الحي التي كانت تقطن به، وكانت تحصل على مسحوق البُن المُمَيز بها من عطارتها ..
_ خالتي جميلة؛ قاعدة كدا ليه، مالك؟!!
_ رفعت “جميلة” رأسها لتتفاجىء “أسوة” ببكائها الحاد ودموعها التي تُغرق وجهها بغزارة ..
قالت ولم تُدرك أنها “أسوة” التي أشاع موتها لكنها لم تتفاجىء، فمنذُ أن قابلت ولدها وهي أصبحت مُنفصلة عن الواقع، لا تشعر بشيء سواه: أنا مستنيا “مؤمن” عايزه أقابله … هو مش موجود في شغله، وأنا أخدت عنوانه من عمي عثمان وهو قال إنّ بيته في المنطقة دي وسط غابة بس أنا مش عارفة أوصله … فهفضل قاعدة أستناه ..
_ توسعت أعيُن “أسوة” بصدمة ولم تستطع فهم ما تقول أو إستيعاب حديثها، لتتسائل بحذر: مين “مؤمن” .. أنا مش فهماكِ !!؟
_ انتحبت “جميلة” أكثر وغاصت بالبكاء قائلة بلوعة: مؤمن ابني ونور عيوني وحتة من روحي، ابني “مؤمن قاسم الصياد”…
كان وقع كلماتها وبكائها على “أسوة” كـ وقع ماء مُثلج على جسد أحاطه الدفء أعوام ليُقذف إلى الماء بِــ فبراير والليل يُحلق بالأُفق …
تأملتها “أسوة” بقوة تُريد سبر أغوارها ومعرفة المزيد
فـ إلى الآن لا تفهم كيف للخالة “جميلة” أن تكون والدة “مؤمن الصياد”!! .. وأين كانت !!؟
_ إنتِ عندك ابن؟! .. إزاي؟! .. مش فاهمة!!
_ والله ما كُنت أعرف مكانه، بقالي سنين بدور عليه والله يا بنتي .. دورت عليه كتير، روحت كل مكان، كنت بدور في الشوارع زي المجنونة بعد أخته ما ماتت وراحة مني ..
بس لقيته أخيرًا وطلع زعلان مني أووي حتى مش عايز يدخل في حضني ولا حتى راضي يخليني ألمسه وألمس شعره …
أنا نفسي أوووي أخده في حضني وأشم ريحته أوووي يا بنتي .. أنا أُم وعايزه أخد ابني في حضني وهخليه يسامحني وينسى .. وهقوله أنّ مسبتوش ..
= كانت مُتيقنه أن خلفه حكاية عجائبية، خلف هذا الوجه البارد آلام مرمرت جنبات الروح…
وقد آن الأوان وحان الوقت لتعلم أصل الحكاية ..
_ جلست بجانبها ومسدت على ظهرها برفق، ثم قالت بهدوء: بس اهدي يا خالتي جميلة وكل حاجة هتبقى تمام
كفاية بُكى يا خالتي واحكيلي على كل حاجة ووعد مني هساعدك وأوصلك ليه ..
_ تنهدت “جميلة” بألم، وهزت رأسها بإيجاب وهي تفيض
لـ “أسوة” لما تحمله روحها: كُنا أُسرة سعيدة جدًا يا بنتي عايشين بهدوء .. أسرة صغيرة .. قاسم أبو ولادي وحبيبي وجوزي … ومؤمن ابني الأول وكُنت حامل في بنت …
السبب في دمارنا كلنا هو الشيطان “محمد الخطيب”
شعرت “أسوة” بإنسحاب معالم الحياة من وجهها فور ذكرها لأسم هذا المُجرم … فما علاقته بها، و”مؤمن” من أين يعرفه ..!؟
_ قاطعتها مُتسائلة بحذر وترقب: مين ‘محمد الخطيب’ وأيه علاقته بيكِ ..؟!’
_ أجابت “جميلة” بإشمئزار: شيطان عديم الرحمة والإنسانية .. ومش عايزة أقول أخويا ولا أنطقها بس للأسف دي الحقيقة..
يبقى أخويا بس من واحدة تانية، أبويا الله يرحمة كان متجوز قبل أمي ست شيطانة هي راس الحيه ‘بتول’ .. كُنت مفكره بيحبني وبيعتبرني أخته بجد بس اتضح أنه كان بينتقم لأمه فينا .. ودمر حياة أبني ..
ثم انتقلت تروي لها ما رواه لها ‘عثمان’ عن مُعاناة ‘مؤمن’ في تلك السنوات وما تلقاهُ من ظُلم وجبروت بسبب هذا الشيطان، وكيف بث سُمه إليه وأخبره أنها هي من أرادت التخلص منه، وألقت بشقيقته بأحد الشوارع ..
وإلى هذا الحد خارت قوة “أسوة” على تحمُل سماع المزيد من هذا الأسى والمُعاناة ..
ومن هُنا بدأت نظرتها تجاهه تتغير شيء فشيء .. وتبدلت مشاعر محل مشاعر لكن ليس لأجل ما روت لها “جميلة” فقط بل لأجل شيء خفي لا تعلمه حتى الآن ..
[ملاحظة] _«مقابلة “أسوة” لِـ “جميلة” كانت في نفس ذات اليوم الذي اختفت فيه “جميلة” وتركت “مؤمن” أثناء عودتها من الجامعة»
|في الفصل الواحد والثلاثون “31”|
أفاقت “أسوة” من شرودها مُتنهدت بحزن فطريقه مليء بالأشواك، وقلبه ما بين مدٍ وجذر كالرِمال التي تُحركها الحياة بلا أدنى مقاومة؛ القسوة التي يتبناها والبرودة التي تغشاه ليست إلا غطاء لحماية هذا الطفل المكسور، ليُخفي كل ما حاق به..
تَود أن تُخبره قائلة:”
دَعْني أُضمد قلبكَ الدامي، دَعْني ألمُّ الجَرح والوجعا
أُنسِيكَ ما يُبكِيكَ مُذ أمدٍ وكأن حال الأمس ما وقعا..
= اعتدلت على الفِراش وجذبت دفترها وقلمها، وتركت العنان لدواخلها لتطبع ما تطبع على الأوراق فلا رقيبٌ اليوم سوى القلب والأوتار…
–“((أيَّا أطيّاف الغرامِ أبلغي عزيزًا قد تلهف القلبُ لرؤياه، واشتاقت الأعيُن لإحتضان حضرته..
جَنَّ الليلُ واشّتدت برودة مرفأي فتاقت النفسُ والروح لدِفء جواركَ وأُنس مُصاحَبتكَ..
مُحالٌ هذا، فلن أرضخ أنا بكوني مُستهامة لأعيُنكَ اللحوح، ثاويةٌ بثنايا قلبُكَ القاسٍ..
لا أدري!!، هل أصاب قلبَكَ المُعذَّل سهم اللحْظُ مني كما تفيضُ عيناكَ وتروي؛
والعقل أمّا إستثناه القلبُ واتخذَ قراره بالعِشقِ؟ أم ما زلتَ تُقدم العقلُ إمامًا وترتقب رِضاه لينطلق القلبُ ..!!؟))”
_”فلا غَرْوَ فــ أنفع المطر ما نزل بأرضِ جدباء، وألذُ الشرابِ ما كان بعد ظمأ:))”
ولكُل قَدر وقتٌ مضروب…””
«بقلم فتاة شتتها الأيام حتى وقعت بيد من تُؤمِن به فأصبحت “أسوة المؤمن”»…
= أعادت الدفتر وخبئته داخل حقيبتها، وتدثرت جيدًا مُحتضنه سُترته…
لتظل هي تتقلب على حصير أفكارها المجدول من الشوق .. بينما
هو يتقلب على حصير أفكاره المجدول من الشوك ..
***************************************
= استرقت النظر حولها وهي تلوذ إلى تلك البُقعة المزوية في الظلام والسكون والصمت يُغلفان الأرجاء، فالنوم قد جافها، وصِدقًا شعرت بالرُعب من تهديداته ولا تأمن هذا الغاضب بتاتًا .. فإنّ علِم ما تفعله سيقتُلها لا محالة ..
فلتتخلص من هذا العِبىء الذي تكالب عليها وتُنقذ روحها من الهلاك والوقوع في قبضة الصياد ..
بعد قليل من سماع أجراس الإتصال أتتها الإجابة لتقول مباشرةً
_ مؤمن الصياد عرف إن في خاين في القصر، وجمعنا وهددنا بكل صراحة ووضوح ..
إعفيني من الموضوع ده أنا معدتش هقدر أتجسس عليه أكتر من كدا وانقلك أخباره … كفاية ..
_ تجاهل حديثها فرجُل مثل “مؤمن” من الطبيعي أن يعلم وخاصة بعدما علم بإختفاء ‘محمد الخطيب وزوجته’
تسائل ذاك المجهول بترقُب: معرفتيش سبب تغيُره وإنفجاره ده ..
_ قالت سريعًا وهي تلتفت من حولها بريبة: لا معرفش ماله، بس تقريبًا هو ليه علاقة نسائية .. دور ورا ده ..
مش هقدر أكلمك أكتر من كدا .. سلام يا باشااا..
وأغلقت مُسرعة وهي تفر خارجة من تلك القوقعة المُظلمة وتعود لغرفتها ..
تنهدت براحة، وأبعدت الوشاح عن وجهها ليخرُج أمامنا وجه “سلــــــــــوىٰ” الشاحب خوفًا ….
