رواية الصمت الباكي الفصل السابع والاربعون
-“إثارة مشاعر”-
¤ صباح ناصع الجبين يجلي عن القلب الحزين ظُلماته، ويرد الشيخ إلى شبابه، ونسيم عليل ينعش الأفئدة ويسري عن النفس همومها .. وفي الحديقة تتمايل الأشجار يمنه ويسره كأنها ترقص لقدوم الصباح.
استيقظت على صوت زقزقة العصافير القريبة من الشُرفة والتي تُحدث في النفس تفائل وسعادة لا مثيل لها.
اعتدلت بحذر من الفراش وهي تُدرك أنّها غاصت في نومٍ عميق، التفتت تبحث عنه لكن لم تجده مثل أمس، وضعت الحجاب المجاور لها على رأسها وأحكمت زمام ملابسها..
اخترق أسماعها طرقات رقيقة على الباب لتسمح للطارق بالدخول..
كانت الطبيبة وخلفها المُمرضة ‘ومؤمن’ الذي يبدوا عليه أنه لم يُغمض له جفن.
_ صباح الخير يا أسوة.
_ قالت بوِد:-
صباح النور يا دكتورة.
_ قالت الطبيبة وهي تقترب تفحصها:-
سمعت إن إنتِ زهقتي مننا وعايزة تخرجي.
_ أماءت “أسوة” رأسها بإيجاب، وقالت وهي تنظر لـِ “مؤمن” الواقف بأحد الزوايا:-
أيوا فعلًا بتخنق منها، ومش بحب دخولها بأي شكل من الأشكال.
_ رددت الطبيبة وهي تفصل الإبرة من يدها:-
مع العلم إنك في صيدلة ومجالك هيبقى مرتبط بالمستشفى.
_ تألمت وصدرت عنها آنّة خافتة، وقالت وهي تقف لا تستطيع القعود:-
مش شرط الصيدلة ترتبط بالمستشفيات، الصيدلة لها مجالات كتيرة وواسعة جدًا بتبقى بقى على حسب ميول الدارس.
_ الطبيبة:-
أمم الله يوفقك، المهم مؤمن باشا مضى على أذن للخروج وهتكملي علاجك بالبيت بس اهتمي بقى بنفسك كدا وهاتيجي أشوف الجرح وأفك الغرز، تمام ..
_ لم تدرِ كيف علم بهذا ولماذا فعل هذا رغم ما قالت من كلمات مؤذية له لكنها لم تبالي، وقالت بفرحة داخلية لخروجها من هذا الكبو:-
تمام .
وجاءت لتقف لكنها شعرت بدوار شديد يهاجم رأسها ومالت على وشك السقوط لكن كان ذراعيّ “مؤمن” دعامة لها أحالت بينها وبين الأرض، وهسهس بلهفة كانت مثل الشمس جلية:-
حاسبي .. إنتِ كويسة.
_ تعلقت بثيابه تدعم إتزانها المهدور، وقالت بضعف:-
أنا دايخه وحاسه أنّ مش متزنة.
_ أجابت الطبيبة تقول:-
دا طبيعي يا أسوة إنتِ خارجه من عملية وصدمة شديدة بالإضافة إنك فقدتي دم بردوه ..
هتفضلي شوية كدا لغاية ما ترجعي لطبيعتك، بس هتتغذي كويس وتريحي أعصابك وجسمك..
ودلوقتي هسحب عينة دم منك علشان نحللك تحليل شامل كإجراء نهائي للإطمئنان وهنبقى نبلغكم بالنتيجة.
_ وفور أنّ سمعت عينة دم عبس وجهها وتحركت تلقائيًا خلف “مؤمن”، وقالت بذعر:-
لا أنا كويسة جدًا مش محتاجة وأنا أصلًا محلله السنة إللي فاتت .. أنا كويسة..
_ ابتسمت الطبيبة، وقالت بمرح:-
الله دا إنتِ شكلك بتخافي من سحب الدم كمان، لا اجمدي كدا لازم تحللي علشان نطمن ..
وأكملت وهي تجهز أحد الإبر:-
يلا اكشفي دراعك وصدقيني مش هتحسي بحاجة الموضوع بسيط مش مستاهل..
_ تحركت “أسوة” تريد الإبتعاد والخروج لكن كانت يد “مؤمن” أسرع وقيدها بذراعيه لتبقى داخل أحضانه وهو يقول للطبيبة بينما يكشف ذراعها:-
يلا اسحبي العينة ..
ووجه حديثة لأسوة:-
وإنتِ اثبتي واهدي علشان تعرف تسحب العينة ومفيش حاجة اسمها مش لازم.
_ ظلت تقاوم ولا يروق لها حديثه، لكن كان أقوى منها واستطاع السيطرة عليها وأحاط بها، وتظل هي تقذف الكلمات السامة من فمها له ويفلح هو بإثارة شعور الغضب بداخلها بدلًا من الخوف في حين كانت الطبيبة قد أخذت قطرات الدم اللازمة:-
إنتَ ولا لك كلام ولا حكم عليا فاكرني هخاف منك
إنتَ السبب في كل حاجة وحشه حصلتلي وبكره اليوم إللي شوفتك فيه .. هحاسبك حتى على الكلمة يا حقير ..
ربنا ينتقم منك وأشوفك ذليل كدا ..
إنتَ مش شاطر ألا في إنك تستقوى عليا وبس ..
آآآآآآه أبعد عني وحشي ..
_ اندست الكلمات بعقله قبل قلبه الذي إرتجف بغرابة فور إختراق تلك الكلمات إياه لكن ظل شامخ وكأن لا شيء حدث وانجلى البرود على وجهه وقال وهو ينظر إليها شزرًا:-
خلص يا دكتورة .. أخدوا عينة الدم وخرجوا كمان ولو خلصتي وصلة النواح والسب بتعاك اتفضلي علشان نمشي.
_ ظلت تنظر إليه لا تعلم ما تقول هي تتعمد جرحه بالكلمات، ليظل عقلها يتخيل ما إن تحققت الكلمات التي نطقها لسانها فتشعر بقلبها ينخلع ويستغيث، وأصبح حالها هذا يُسبب لها الألم كأن قسورةٌ ينهش بها وهو لا يُلقي بالًا لكلماتها لكنها تعلم أنّ هذه الكلمات تعيث بقلبه فسادًا..
جاءت تتحرك خارجة من الغرفة فأوقفها يقول:-
خليكِ مش هتقدري تمشي استني هــ….
_ قاطعته بحدة جافية صلبة كـجملود صخر:-
أوعى تقول تشيلني، لا خيالك واسع لإن مش هيحصل ..
تعرف ليه ..
علشان أنا بقرف منك..
وخرجت تمشي ببطء، بينما هو فتاهت شظايا قلبه وسط فجاج الأرض لا يعلم كيف يُلملمها..
**بعد مرور بعض الوقت**
وقفت السيارة أمام القصر ليهبط منها “مؤمن” بهدوء تبعته “أسوة” في صمت واعتلت عليها جميع الذكريات التي جمعتها بهذا القصر ..
_ سارت نحو المُلحق فأوقفها “مؤمن” يقول:-
بلاش تروحي الملحق خليكِ في القصر واسع وهيكون أأمن.
_ عادت الخطوات التي مشتها ووقفت أمامه ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها، وفاض فمها بالأوزار:-
لا هنا ولا الملحق أنا هاخد يزيد وأمشي من المكان القذر ده بس مضطرة أفضل هنا فترة لغاية بس ما أشوفك بتقع وأنا مش طايقة أتنفس في مكان إنتَ موجود فيه ..
أنا بس إللي مستغربة منه إنتَ إزاي كدا بمية وش ..
أنتَ متفوق جدًا في النفاق والكذب والخداع .
وأنا بحذرك إياك تقرب من يزيد ولا تدخل في أي شيء يخصني العالم المظلم بتاعك مدخلنيش فيه وبالذوق كدا تطلقني معدتش في لازم نستمر في اللعبة دي أظن إللي أنت عايزه أخدته والعصابة بقت بين إيد الشرطة..
وتركته وسارت بعض الخطوات بعدما احتدم الأمر بين قلبها وعقلها وكأنها عروس ماريونيت يحركها وقود الثأر لمشاعرها
توقفت بُرهة وداخلها يمور سجال عنيف ..
استدارت لتراه يرحل حيث الخروج للغابة..
ترقرق الدمع بأعينها وهي تتراجه بداخلها أنّ يستدير..
لو نظر خلفه مرةً واحدة ستركض إليه لينتشلها من لحظات الخوف التي تمر بها ..
كذب .. جميع ما قولته إفك حبيبي فلا تصدقه ..
فـ والله أنتَ بين شغاف القلب ونبضاته مغمدًا..
ترى أظلال الحب في ناظريه للمرة الأولى، هل لانَ قلب القاسي الوحش الخاص بها أخيرًا ..
إستدر حبيبي فأنتَ أعظم حيرة من فارس تحت القتام..
هيا مؤمن فقد آمنتُ بحبك منذ الأزل ..
لا تخزِلني..
رحل حيث وسط الغابة .. ومعه غَيْهبان كلمات شكلت خناجر تذبح فؤاده ..
فهو يهوى البروق وضوءها، ويخاف تخدعه البروق..
هذي الهواجس لم تكن مرسومة في مقلتيه من قبل، وحالة الضعف هذا يمقتها كثيرًا، وأناخ اللوم على نفسه بسببها.
وخرج دون أن يلتفت ودون أن يستجيب لنداء قلبها اللحوح..
لتركض نحو الملحق تصب بكائها سرًا قبل أنّ يراها “يزيد” وكي تخفي أي أثر لجرحها حتى لا يعلم أحد بما حدث!
وأخذت تشهق باكية وتبدت في سماها أمارات الخوف مما رسمته بعقلها من هواجس..
-****************************-
= وضع برعاية صندوق كبير الحجم على فراشها، ثم جلس بجانبه وهو يضع يده على وجهه بتوتر والكثير من القلق يمور بداخله من ردة فعلها..
_ قالت “ليلى” وهي في الخارج:-
هدخل أجيب كتابي وأجي أذاكر هنا معاكِ يا فراولة، زهقت من القاعدة جوا.
_ رددت “فراولة” وهي تُمسك بالنسيج وإبرتا التريكو تُنهي حياكة وشاحًا كريمي اللون:-
ماشي يا ليلو وأكون خلصت إللي في إيدي.
_ فزعت “ليلى” عندما رأته جالسًا على الفراش وبجانبه صندوق كبير الحجم إلى حدٍ ما، تسائلت بتعجب:-.
إنتَ قاعد كدا ليه، في حاجة؟
_ قال بهدوء متوتر:-
تعالي يا ليلى .. عايزك.
_ جلست بجانبه على الفراش يفصلهم ذاك الصندوق، ليقول “ليث” وهو ينظر داخل عينيها:-
افتحي الصندوق، في حاجة تخصك.
طفق الخجل على وجهها وخالجها شعور الفضول لكن بانت من الخارج متماسكة وهي تُبعد الغطاء، وتُخرج ما بداخله..
لتجد فستان رقيق من قماش السِيتان الناعم الكريمي اللون ومتناثر على سطحه ورود فيروزية مزيجة بأخرى باللون الأزرق المائي..
سحبته ليتضح تصميمه البسيط فكان يضيق من الخصر بحزام ذاتي باللون الأبيض ويطول بزيل قصير..
بالإضافة لحجابٍ أبيض وحذاء كذلك..
_ نظرت لـِ ليث بإستفهام فيسحب يدها بين يديه ويقول:-
ممكن نخرج نتغدى برا أنا وإنتِ يا ليلى.
_ أخرصت صرخات قلبها، وقالت بإعتراض:-
ولما الناس تشوفنا مع بعض يا ليث باشا هتقول أيه، وإنتَ ناسي إن أنا هنا بصفتي شاهدة مهمة على قضية ولا أيه..
في كدا كلام هيطلع على طبيعة العلاقة إللي بتجمعنا والناس مش بترحم..
_ أطرق على الفراش بعصبية وهتف:-
هقول إنتِ مراتي، معنديش أي إعتراض يا ليلى أنا مش بخاف من حد .. إحنا هنتحبس ولا أيه..!
_ جفلت وقالت:-
بس أنا خايفة على سمعتي ومش مستعدة أسمع أيّ كلمة تحرق دمي .. هو أي كلام وخلاص مراتي وبس
إزاي وإمتى وليه ..
_ نظر لها بغيظ وزفر بحدة مُردفًا:-
قصدك أيه يا ليلى أنا هسوأ سمعتك ولا أيه .. محدش ليه الحق يحاسبنا ..
بس أنا مش شايف ألا إن دي حجج وبس ..
إنتِ مش حابه الموضوع وبتتهربي وبس ..
ثم استطرد يقول بجدية بنبرة لينة:-
بصي يا ليلى أظن واضحة ومقروءة وإنتِ عارفة من جواكِ إنّ أنــــا بـحـبــــــك يا ليلى ..♡
مش لازم كلمة بحبك تتفهم بالكلمات ممكن تتفهم بالأفعال ..
بحبك وعايز أكمل باقي حياتي معاكِ..
عايز أرتاح وأفرح بقى يا ليلى ..
على الرغم من الغموض إللي منتشر حواليكِ وإنّ مش عارف عنك حاجة وإنتِ مخبية الكتير..
كنت ناوي أقولك الكلام ده لما نخرج وأقولك كل إللي في قلبي بس شكلي مليش نصيب ..
مش هقدر أجبرك على حاجة ..
ويلا ذاكري مش هعطلك أكتر من كدا ..
وخرج يجتر أحزانه وبصيص الأمل دُفن على الأخير ..
بينما هي فأغمضت أعينها تستدعي هدوءها لكن هيهات فقد بعثرت كلماته كيانها…
-****************************-
صفعة شديد هبطت على وجهه بعشوائية أطاحت به وجعلت أنفه وفمه ينزفان بغزارة ناهيك عن الكدمات التي جعلت وجهه متورم ..
أمسك “مؤمن” ياقته ووجه لكمة قاسية تبعتها أخرى فأخرى جعلت الرجل يبكي قهرًا وألمًا ..
_ عامل نفسك راجل، يلا قولي بصتلها إزاي يا وسخ يلا ..
_ولكمة ثم أخرى ثم أخرى صوب عينيه جعلت الرجل يصرخ بألم وهو يردد ببكاء:-
مكونتش أعرف والله ما كنت أعرف..
_ أمسك ذراعيه ونزل بهم بقوة على أحد الصخور البارزة فعَلت صوت كسور العظام وطرقعة شديدة جعلت الرجل يشهق بألم ويكاد أن يغمى عليه، ليصرخ “مؤمن” وهو ينهال عليه ضربًا:-
دي إيدك القذرة إللي مدتها عليها ولمستها بيها ..
متباهي بأيه يا دكر .. أنا بقى هخليك معدتش تنفع في حاجة ..
جرّه “مؤمن” من ذراعه بوحشية جعلت رأسه تصتدم بالأرض الصلبة أسفله، اقترب منه مجددًا يُكيل له اللكمات بقسوة وغلّ وهو يزمجر ويتذكر المعاناة التي تلقتها أسوة على يده سابقًا، ترك جسده يهوي أرضًا وأخذ يلتقط أنفاسه وهو يلهث ..
واستدار راحلًا وصراخ هذا المجرم المتألم يتعالى من خلفه..
= بعد مسيرة دقائق افترش بُقعةً ما بداخل الغابة، ذاك المكان المحفوف بالأشجار الكثيفة المصفوفة بأغصانها بترتيب
هذا المكان نفسه الذي شهد مقتل أغلى رجلٌ على قلبه، والده العزيز فقد حياته بتلك البُقعة فوضعها نصب عينيه وأراد أنّ يقضي بقية أيامه هنا ..
ظلت تتوافد الذكريات على عقله اللحوح، كان يأتي به إلى هُنا ويقضون أكثر الأوقات، يمرح، يتعلم من والده الكثير، تلك الغابة المُظلمة كانت مسكن مرِح لهم من قبل
فكيف له أنّ يبتعد عنها ..؟!
وكيف له أنّ ينسى ..؟!
فالذكرى ناقوس يدق في عالم النسيان..
هبت عاصفة قوية تكسر الأغصان وتقصف الفروع، عاصفة خارجية كسرت الأغصان وعاصفة داخلية كسرت قلبه.
وعاد صوت الماضي يُزمجر في أذنه فكان كفيلًا بأن يحني ظهره ويجعل الجبل الشامخ ينهزم..
كلماتها السامة التي لم يُبالي بها أمامها، والكلمات التي ساقها من الماضي إلى هنا ..
لكنها لم تُخطأ تلك المرة، فحقًا الجميع تركه ولم يبقى أحدٌ معه.
_أنا بقرف منك ..
_ربنا ينتقم منك وأشوفك ذليل كدا..
_أنا مش طايقة أتنفس في مكان إنتَ موجود فيه ..
_أنتَ متفوق جدًا في النفاق والكذب والخداع..
_عايزه أشوفك بتموت في اليوم مية مرة..
_الكل سابك لواحدك وهربوا منك ومن جبروتك وبصراحة من حقهم .. إنتَ تستاهل تبقى لواحدك..
وتعرف إنتَ هتعيش وحيد وهتموت لواحدك..
وأنا أتمنى من كل قلبي إنك تشوف العذاب أصناف..
_لا لا إنسان أيه .. دا الحيوان في قلبه رحمة عنك..
_فكرت لوهلة إنك إنسان كويس بس هنتظر أيه من واحد رد سجون ومش بس كدا وأحداث كمان .. يعني من صغره شيطان، أكيد قتلت حد وإنتَ يدوب طفل .. يعني طفل وقاتل في جملة واحدة حاجة العقل ميستوعبهاش..
وليه متكونش قاتل أبوك ولا أمك ولا حتى أخوك..
حتى الواحد كان بيتعجب قصر طول بعرض عمري ما شوفت لا أبوك ولا أمك ولا حتى سمعت عنهم طب أخوات أو أي قرايب .. مفيش..
_ وثب من أرضه رافعًا رأسه لأعلى وأخذ يصرخ بصوتٍ مُرتفع مصبوغ بالألم والقهر:-
لاااااااااااااااااااااااااا ….. كـــــــــفــــــــــايــــــــــة…
وظل واضعًا يديه على أذنيه يطرد ذاك التوارد السيء من الكلمات ثم سقط جاثيًا متهالك منهزم القوة ..
ووضع رأسة بين ذراعيه خائرًا وتدحرجت بعض القطرات الدامعة على إستحياء وتسقط مُختلطة بثرى لطالما شهد على معاركه الصامتة..
قبض على حِفنة من التراب بين قبضتيه بشدة قاسية، وقال بنبرة ضعيفة رغم إمتلئيها بالحسرة الصارخة:-
عشت أدفع تمن ذنب معملتوش، بس مش ده أبدًا إللي قاهرني … تعرف أيه إللي بيوجع إنهم بيتهموني إنّ قتلت أغلى حد كان ومازال في حياتي ..
بيتهموني إنّ قتلتك وأنا كنت مستعد أدفع عمري علشان تفضل معايا، إنتَ الوحيد إللي مكونتش هتصدق يا بابا صح ..
مش هتصدق عن مؤمن الغبار ..
وصمة كبيرة عليا إن أتحملها، مش زعلان ولا مقهور أنا بس بيوجعني الإتهام ده ..
أنا مقتلتكش صح يا بابا .. أنا مش قاتل يا أبويا صح ..
إطلع قول لهم إن مؤمن بريء ..
كلهم صدقوا يا قاسم باشا إن قتلتك حتى مراتك وجميلتك صدقت وسابتني .. رموني في الأحداث يا أبويا وكرهوني..
حتى بعد ما لقيت أمي وكان في أمل جوايا رجعت سابتني ..
تعرف كتبت ليا أيه وهربت ..
هي إللي بتقول إنها مش أمي ولا عمرها هتكون ولو أنا عايز أم أروح ادور على واحدة ..
بتقولي أنا كنت طفل غير مرغوب فيه ومازلت ..
بتقولي إن ظهوري تاني في حياتها كان أكبر غلط ..
وهي إللي كانت بتجري ورايا وتقولي إن سابتي غضب عنها وإن الخطيب المجرم هو إللي كان السبب ..
وأنا كنت قررت أسامح وأعدي بس باين مش مكتوبة عليا..
جميلة اتغيرت وبتكره ابنك يا قاسم ..
طب تعرف إنّ لقيت اختي .. أيوا ليلى ..
ليلى كانت في ملجأ ولقوها في الشارع يا بابا ..
وعايزة تقابل أهلها.. عايزة تشوف أمها، طب قولي أقولها أيه ..
وصمت مدة يتنفس شاعرًا بوخزات عنيفة بجدران قلبه المُحطم، قطرات المطر أغرقته مُبلله خصلاته وملابسه لتصبح هيئته مرزية ضعيفة منكسرة، لكن هيهات من أنّ ينكسر شموخه …
وقف بثبات يمسح على شعره ويُعيده للخلف، وأردف وهو ينظر للأرجاء:-
الظاهر إن مقابلتنا قربت … وصدقني أنا مستنيها بفارغ الصبر لأن إنتَ الشخص الوحيد إللي أعرفه وبقالي بس في عالم تاني فلازم أروحله…
-****************************-
_ الحمد لله على سلامتك يا دكتورة أسوة.
أخرجها “مصطفى” من شرودها وهي جالسة تراقب “يزيد” الذي يلهو مع سنجوب.
_ رددت بتنهيدة:-
الحمد لله يا دكتور ربنا يسلمك.
_ شرد “مصطفى” بملامحها قليلًا يستشعر شيئًا غريبًا بداخله، لكنه تجاهله سريعًا وردد:-
ترتاحي إن شاء الله وهعرض عليكِ برنامج أعشاب بدأت فيه كنت مأجله قبل ما تسافري الرحلة دي، ويارب تكوني استفادتي وتفيديني.
_قال الجملة الأخيرة بمرح لتبتسم “أسوة” وتقول:-
أنا إللي بتعلم من حضرتك يا دكتور ..
_ التفت “مصطفى” من حوله وقال وهو يجلس بالقرب منها:-
أنا كنت عايزك في موضوع كدا بيني وبينك، وبالمرة أعرض عليكِ البروجرام إللي ناوي عليه..
_ تعجبت “أسوة” منه في البداية فدائمًا ما كانوا يتشاكسان لكن الآن تشعر بداخلها راحة وتحبُب للحديث معه، رددت بلُطف:-
اتفضل يا دكتور طبعًا.
_ أولًا بلاش مسألة الألقاب دي يا أسوة، اتفقتا..
_ ابتسمت وقالت:-
اتفاقنا يا مصطفى.
= بينما من بعيد كانت “صفية” تُراقب بأعين دامعة ونفسٍ مُنكسرة، وهمست بشهقة مكتومة:-
الظاهر مليش نصيب في أي حاجة.!
-****************************-
-………..بعد مرور يومان…………..-
دوامة شرود تلتقفه، والكثير من المشاعر طافحة على وجهه، وقد كُشف المستور أمام أعينه رحمةً من الله به كي لا يزال غارقًا بوابل من أكاذيب، ويعلم أنّ ما خُفي كان أعظم.
فما هي إلا الحيّة في لينها ونقشها وفي سُمَّها ومكرها..
تذكر حديث المحامي “خالد صلاح” معه وكيف كان مُغيّب تمامًا، ووالده الراحل من ترك طرف الخيط ليُكمل هو طريق كشف الحقيقة..
وظل يرتب بعقله ما قرر فعله بمساعدة الأستاذ “خالد” المحامي وصديق والده الراحل..
طرق على باب الغرفة ألّح عليه ليسمح للطارق بالدخول، ولم تكُن سوى “سميرة”..
_ صالح يا ابني، في جواب وصلك عن طريق البريد…
_ قال وهو يعتدل:-
تسلمي يا خالتي سميرة، أنا هشوفه.
وضعته وخرجت، ليلتقطه ويُخرج الورقة من الظرف يقرأ فحواها، ليتجمد حينما وقعت عيناه على شيء لم يخطر له على بال ..
يوم أنّ يلتقط خبر عنها، غائبته الحاضرة دائمًا بقلبه، حبيبته..
يكون بمِثل هذه الصاعقة..
_ وثب من مكانه سريعًا بصدمة، وردد بزهول وعدم تصديق:-
إنذار من المحكمة … إنذار خُلع، سارة رافعه قضية خُلع …
مستحيل .. مستحيل ..
-****************************-
وقف أمام المُلحق الخاص بإقامتها بمعالم وجهه المشدودة، وعلى الرغم من هذا وجهه مليء بالبرود وكأنه يتخذ منه حجابًا ساترًا لأمارات القلق والخوف التي أصابته رغمًا عنه عقب إغمائها وهي تلهو مع “يزيد”.
فلقد تكرر فقدانها للوعي أكثر من مرة على مرأى ومسمع منه، فأصبح الأمر لا يُستهان به ولا يُصمت عنه… وإنتهى المطاف بإستدعائه الطبيب، فقد يكون هذا مضاعفات بعد إصابتها بالرصاصة.
وها هو يقف ينتظر ما سيقوله..
_ بعد فترة وجِيزة خرج الطبيب ومن خلفه “سلوى” التي تريد الإطمئنان عليها أيضًا.
_ تسائل بإقتضاب وبملامح غير مبالية باردة: خير؟
=إزدرق الطبيب ريقه من ملامح وجهه المكفهرة والتي يخشاها، وقال بإحترام ظنًا منه أنه سيُفرحه بما سيخبره إياه؛ لا يعلم أنّ ما سيُلقيه على مسامعه سيكون بمثابة نزع فتيلة لقُنبلة من الغضب ستُدمر ما ستطوله.
ابتسم الطبيب بسماجة، وقال ما أثلج قلب الأخر: كل خير يا مؤمن باشا، ألف مبروك المدام حامل.!
_ نعم ..!
_ بينما شهقت “سلوى” بصدمة، ويتدارك “مؤمن” ذاته سريعًا بأعجوبة وهو ينظر له ويُشير لها برأسه تجاه الطبيب..
ولحظات كانت هي والطبيب منصرفان..
سحب أقدامه بصعوبة وولج للداخل ثم أغلق الباب من خلفه، ووقف أمامها بطوله الفارع وأعينه أصبحت موطنًا لجحيم متسعّرًا ينوي صّب ويلاته عليها..
_ وقفت تبكي بأحد الزوايا وتصرخ بإنهيار:-
مستحيل .. محصلش والله، ومش عارفة دا إزاي .. متصدقش أكيد في حاجة غلط..
_ اقترب منها وسحبها من ذراعها بعنف يغرز أصابعه بقسوة وهي تتوجع مما سمعت أكثر من وجع ذراعها..
لا تعلم كيف حدث هذا!!
وكيف تدفع عن نفسها هذا الإتهام الخطير.!
هسهس بخطر من بين أسنانه:-
حامل من مين، قتلتيني بالطريقة دي ليه…!!!
