رواية الصمت الباكي الفصل الثامن والاربعون
“ذاب الجليد”
“دعني أُصلح لكَ ما أفسدته أنتَ في نفسكَ، دعني أُحب أكثر الأماكن فيكَ خرابًا، قلبك، وعينك الواشية، ويديك الوحيدتين.”
_ هتفت بجنون ويكاد عقلها أنّ يهجرها بعد تلك القارعة التي سقطت على أسماعهم:-
أنا مش حامل والله ما حد لمسني والله والله إلهي أموت يارب، أنا معرفش أيه دا بس في حاجة غلط أكيد صدقني ..
صدقني أنا مش كدا، أنا هتجنن زيك والله..
محصلش أي حاجة صدقني..
وسقطت من بين يديه جاثية أرضًا وهي تهزي بجنون قاتل لعقلها، وتسابق دمعها يهطل من سحابة الصدمة التي استوطنت أعينها..
_ أنا معملتش حاجة، والله ما عملت حاجة، ليه بيحصل كدا
صدقني أنا بريئة، ليه بتحصل المصايب دي معايا
حرام كدا والله ما شوفت يوم حلو …
وصرخت وجسدها يهتز بقوة وقد جرت البرودة في أطرافها وطفح الإصفرار على معالمها، رفعت يديها تضعهم على رأسها وتحركه بقوة وكأن مس جان أصابها.
_ مصيبة ورا مصيبة أنا معتدش مستحملة، دا فوق طاقتي
الضغط دا كتير عليا ٠٠٠٠ لا لا مش هستحمل..
بينما “مؤمن” فزلّت قدمه وتهالك على أحد المقاعد ويشعر أنّ ظهره مقصوم لا يقوى على الحراك ويُراقبها بصمتٍ مُطبق واستبد الألم به وكلماتها تُقطّع قلبه فتُسقطه مُتمزق.
الأيام مريضة وقد نقلت عدواها إليهم، شهورٌ طوال وهذي الجِراح لا تبرح عنهم تُمزق جنباتهم..
ذاك هو الحُب المُعتل بعينه..
_ تشدق يقول بصوتٍ خالٍ من الحياة:-
عايزين أصدقك كدا وخلاص، طب إزاي؟!
دا إنتِ حتى جايه بطفل كنتِ حامل وإنتِ في عمر الستاشر ومش معروف أبوه وإللي سألتك عنه بدل المرة ألف ..
وأعرف عن طريق الصدفة إنّ أبو يزيد نفسه آدم أخو صالح وإنتِ أكتر واحدة عارفة أيه إللي حصله كويس..
قوليلي أستوعب أيه!
دا أنا إللي كتير عليا دا كله..
نظرت له بنشيج وبكت بقوة كبيرة تشفق عليه وعلى ذاتها؛ جاءت تتحرك وتستقيم لكن لصدمتها لم تستطع ولم تحملها أقدامها وسقطت أرضًا بعنف لتُحاول مرة أخرى وأخذت تُحرك ذراعها الأيمن تتكأ عليه كدُعامة لتفرد طولها لكن كأنه شُلّ كما شُلّت أقدامها..
_ توسعت أعينها بصدمة، وقالت بتقطع تُتهته:-
رجلي … مش بتتحرك … دراعي .. مش .. قادرة أحركه..
لا .. لا .. مش قادرة..
أنا مش بتحرك ..!!!!!
_ أبَىَ عقله يُصدق تلك الصاعقة الأخرى، ووثب بذعر ينظر لها بضربٍ من الجنون ثم اقترب منها بلهفة لترفع رأسها تنظر إليه بأعينها الغارقة بدمعها تستنجد به، وهلوست تقول من بين شهقاتها:-
أنا مش قادرة أحرك رجلي .. وكمان دراعي والله..
يعني أيه!؟
أنا كدا … كدا … بقيت مشلولة.!
_ تشنجت عضلات فكه وتبعثر غضبه وذهبت تساؤلاته أدراج الرياح، انحنى نحوها وهو يراها منهارة بجنون..
جلس على عقبيه أمامها والحسرة احتلت داخله ووشىَ الخوف بقلبه، لترفع يدها اليُسرى الباقية على حالها وتشبثت بقميصه تُهلوث:-
شوفت .. كمان حصلي أيه، بجد دلوقتي .. أتمنى أموت وأرتاح بقى..
_ شعر وكأن خنجر مسموم استوطن قلبه وتسابقت أنفاسه الهادرة، كَوْب وجهها المُتصبب دمعًا بين راحتيه وهو يمسح على وجنتيها برفق، وقال بلهفة:-
متخافيش .. مفيش حاجة هتحصل، إهدي أنا هنا موجود مش هيحصلك أيّ حاجة مؤذية ولا هسمح أنا بكدا ..
إنتِ إهدي وبس فهماني..
_ تأملت أعينه الملهوفة الذاعرة بأعينها المُبللة الناعسة، نمت إبتسامة رقيقة على فمها ورمت برأسها على صدره بينما يدها ما زالت مُتشبثة بياقته ويده تربت على ظهرها وتُمسده صعودًا ونزولًا.
همست بإرهاق:-
أنا تعبت أووي.
وشعر برأسها يثقل فأدرك أنها فقدت الوعيّ مُنهارة، تملكه الرعب فحملها على الفور من تحت ذراعيها كطفلة على صدر أبيها..
أرقدها على الفِراش على مِهل، وسحب هاتفه بتوتر وخوف يستدعي الطبيب في الحال….
-****************************-
فطن الإرهاسات وتتبعها ووصل لغايته المنشودة، بوقتٍ قياسي كانت سيارته التي تدل على مدى غضب من يقُودها تقتحم هذا الحيّ الصغير وتقف بالتحديد أمام هذا المبنى المُتهالك القديم..
تجمهر أفراد الحيّ من هول الإزعاج وخرج أصحاب الدكاكين ومن يتسامرون داخل المقاهي يقفون يُشاهدون هذا الغاضب الذي هبط من مركبته يركض نحو المدخل..
وهو يجأر بصوت عالٍ شق الضوضاء وعلا عنها:-
ســــــــــارة ……. ســـــــــــارة … إنتِ فــــين
اخـــــرجيلي…
هبت “سارة” التي كانت تغرق على سجادة الصلاة باكية تتوسل الله أنّ يُهديها إلى المخرج بعدما أُجبرت على رفع قضية الخُلع..
_ صالح .. صالح جه، أكيد وصله تنبيه وعرف ..
يارب عديها على خير ..
سمعت صوت الطرق العنيف على باب المنزل، فرّت خارجة من الغرفة لكنها تفاجأت بالباب يسقط مُتهشم ووالدتها تنوزي بجانب شقيقتها التي تُمسك برأسها باكية..
هَلّت أمامها طلته التي افتقدتها كثيرًا لتظل مُتخشبة بأرضها مُنكمشة على ذاتها ..
بينما “صالح” فتعلقت عيناه بعينها وقلبه ينتفض بقوة داخل سجن ضلوعه وجرى حُبها مجرى دمه واشتياقه لها بات يُألمه..
هرول تجاهها وسحبها بعناقٍ حار يروي بها شوقه ويطفي بها لوعته وغمرتهم حرارة الوجدان..
تهلل وجه “سارة” وسقط دمعها وهي تُبادله العِناق بحرارة وقد بُعِثت المسرة في نفسها ونفسه..
وفيما هي داخل أحضانه أخذ يُردد بعشقٍ صافٍ:-
وحشتيني يا سارة، وحشتيني يا حبيبة قلبي ..
ليه كدا يا قلب صالح .. هُونت عليكِ تسبيني كدا يا روحي.
_كفاية مُحن كدا يا اخوتنا … أيه السفالة وقلة الأدب دي.
كان صوت والدة سارة التي قالت جُملتها بتذمر وهي مُهتاجة الأعصاب ..
_ أجبر قلبه الإبتعاد عن دفء أحضانها واشتعلت أعينه بنار الغضب الذي سيحرقها حتمًا، تأملها بكُره وردد قائلًا:-
كُنت عارف إن إنتِ في الموضوع، لعبة جديدة منك وإنتِ عارفة إنّ سارة مش هتتأخر ..
وأكيد إنتِ السبب في موضوع الخلع ..
_ تخصرت والدة سارة ونفخت بضيق ورددت تقول:-
ليه يا أخويا وأنا داخلي أيه اسأل المعدولة وهي تقولك .. هي إللي قالت عايزة تتطلق منك ومش عايزة تكمل معاك بعد ما لا شافت معاك لا أبيض ولا أسود ..
البت عايزة تشوف نفسها مع المعلم توكل الله يستره..
_ أَفَلَت مشاعر الإشتياق من على وجهه وحلت بدلًا عنها مشاعر غضب هالكة وتثلج دفء قلبه، وردد ببُطء مُخيف:-
توكل! … قصدك أيه.؟
_ حركت يدها بلامبالاة وقالت:-
حبيبة القلب إللي كانت في حضنك اسألها أهي عندك.
_ أردف بقوة يُخبرها:-
أنا واثق إنّ سارة مستحيل تعملها من غير حتى ما أسألها
سارة أنقى وأطهر من خططك القذرة ومش بتاعة الألاعيب دي .. شوفي غيرها ..
ابتسمت “سارة” لسماعها تلك الكلمات منه وأدركت أنّ ثمة ثقة بُنيت بقلبه، تدرحج الدمع من بين جفونها وهي تُراقبه وتتأمله عن كثب..
تطاولت لحيته، وبهت وجهه الوسيم وحلّقت دوائر من الهالات السوداء حول عينيه كأن النوم قد جافاه..
أخترقت أسماعها كلمات والدتها التي أخذت تنسج أكاذيبها وألاعيبها وتنظر لها بتحذيرٍ شديد..
_ أهي عندك يا اخويا اسألها.
_ أوجس في نفسه خِيفةً لكن طمئن قلبه بأن من المُحال أنّ تفعل “سارة” هذا.
أدار رأسه تجاهها وقال باسمًا:-
قصدها أيه يا سارة … إنتِ لكِ علاقة بقضية الخُلع.؟
_ ابتلعت ريقها بتوتر وقلبها ينفر بين ضلوعها لكن ما انفكت حتى تماسكت وقالت بأعين زائغة:-
ايوا .. أنا مش عايزة أكمل معاك ورفعت قضية الخلع بكامل إرادتي..
_ لم يتوانى عن النظر إليها بنظرات مُتفرسة، ولم يُبدي أيّة ردة فعل وقال مُتفحصًا وجهها ببطء:-
وأنا هطلُبك في بيت الطاعة.
_ اتسعت عيناها ودارت حدقتيها حول وجهه الشرس بعجز وأردفت:-
امشي من هنا يا صالح وانساني … صدقني طلاقنا أسلم حلّ.
_ قبض على ذراعها وقال بشراسة:-
يلا على بيتنا وهناك نتحاسب يلا قدامي..
_ توجست وهتفت تترجاه:-
علشان خاطري سبني يا صالح أختي محتاجاني..
_ عَلَا نواح والدتها حينما رأت أنّ الأمر قد تطور وصرخت:-
الحقونا يا ناس عايز ياخد البت غصب عنها ..
إنتَ فاكر مش هيقدر حد يوقفك دا أهل الحتة هنا يقطعوك.
_ قالت سارة ببكاء:-
كفاية بقى حرام عليكِ .. وإنتَ يا صالح بالله عليك لو بتحبني سيبني قبل ما الناس تتلم .. أطلع من هنا قبل ما حد يأذيك..
_ زمجر بغضب وهو يسحبها خلفه على الدرج:-
أخرسي مش عايز أسمع صوتك يا بتاعة توكل..
_ مين جايب سيرتي هنا يا أهل الدار..
الله الله أيه إللي بيحصل ده يا خواجة ساحب مراتي وراك كدا ليه .. دا أنــــــ..
ابتعل باقي كلامه حينما سقطت لكمة قوية على وجهه افقدته توازنه واسقطته من فورها لضعفه وكِبر عمره..
_ وأرعد “صالح” يقول بعدما أخرج سلاحه وأخذ يُشهر به أمام أوجه من تجمهر أمام البناية:-
أخرس يا شايب يا عايب مرأة لما تكسر عضمك ..
دي مراتي يإللي عاملين نفسكم أهل مرجلة ومروءة والراجل الوسخ ده هو والعقربة دي أجبروها تتطلق من جوزها ..
عايزين أطلق مراتي ويتجوزها..
الحركة دي أنا مش هعديها ونتقابل بقى في المحاكم بحق وحقيقي وأعرفك إزاي تستقوي على الحريم إللي هما أرجل منك …
أنا هاخد مراتي وهمشي .. ورب العباد إللي هيحاول يمنعني لأفرغ السلاح دا في نفوخة والشرطة ورايا هتلمكم يا ترحيلة.
انهارت بكاء بين يديه وقد تأزمت الأمور وتراه على وشك الإشتباك وارتكاب جُرم بحق نفسه..
قالت بهسترية:-
علشان خاطري كفاية كدا يا صالح .. كفاية.
_ سار بها نحو السيارة ووضعها بالمقعد وانحنى لمستوى أذنها يهمس:-
حسابنا في البيت وعقابك منتظرك.
ووجه حديثة لبعض رجال الأمن الذين أتو خلفه:-
في بنت فوق بأي طريقة تكون معاكم واطلعوا ورايا..
واستدار يدخل سيارته ولم يستطع أحد منعه بينما توكل ووالدة سارة يُراقبون الموقف بصدمة … وجزمت “أماني” أنّها مُخطأةً تلك المرة ولم تُقّدِر الأمور جيدًا فعلى ما يبدو أنّ هذا الصالح قد أُغرِم بإبنتها حقًا ومُستعد لفِعل المُحال لأجلها..
ياليتها قد فطنت هذا واستفادت منه.
_ انكمشت “سارة” على نفسها تبكي وأردفت:-
أختي .. رجعني تاني يا صالح..
_ صرخ بغضب:-
اخرسي ومتقوليش صالح تاني .. أغلاطك كترت يا ست هانم..
هروب من البيت .. ومخبية عليا حياتك كلها ..
خُلع يا سارة .. رافعة عليا أنا قضية خُلع وبتقوليلي مش عيزاك .. ماشي يا سارة أنا هعرفك وأربكي من أول وجديد هعرفك إزاي تحرمي تعمليها تاني.
-****************************-
_ عمو مؤمن هي ماما أسوة كويسة، ليه هي نايمة كدا.
همس الصغير مُستفسرًا بينما تقوم الطبيبة بمُعاينة “أسوة”.
_ أجلى “مؤمن” صوته وقال من بين خوفه وقلقه يُطمئن الطفل بهدوء:-
يزيد يا بطل ماما بخير بس هي مُرهقة بس شوية، أنا عايز منك خدمة على ما الدكتورة تخلص تكون إنتَ نفذتها.
_ تسائل “يزيد” ببراءة وشغف:-
أيه هي يا عمو.!
_ انحنى “مؤمن” نحوه وقال بينما يُداعب خصلاته:-
إنتَ دلوقتي هتروح لِخالتو سلوى وتقولها تحضر أكل لماما علشان أول ما تقوم تاكل .. تمام يا بطل..
_ أجابه “يزيد” بطاعة وفرحة:-
حاضر يا عمو … يلا يا سنجوب معايا.
_ تنهد براحة حينما نجح بجعله ينصرف عنها كي لا يحزن عندما يراها فور استيقاظها..
استدار للطبيبة التي أخذت تُلملم أشياءها، وتسائل بلهفة عمّا بها وهو يشعر وكأن أحدهم أمسك ببحرٍ من الحزن وصبه في قلبه صبا:-
مالها، أيه إللي حصلها وليه مش قادرة تتحرك، هي كانت كويسة جدًا.
_ تنحنحت الطبيبة واعتدلت بوقفتها وتسائلت بتقرير:-
باشمهندس مؤمن؛ في حاجة حصلت زعلتها أو صدمة معينة استقبلتها.؟
_ تذكر ما حدث وكيف انهارت بعدما رجّت تلك الصدمة كيانها، وردد بإيجاب يقول:-
في الحقيقية حصلت حاجة مش طبيعية ووصلنا خبر صادم غير متوقع.
_ اكملت الطبيبة تقول باستنتاج:-
وهو كذلك زي ما توقعت، المدام اتعرضت لصدمة عصبية حادة وحصلها انهيار عصبي نتيجة لضغطها على أعصابها وكبتها العصبية والحزن جواها ..
ودا أدى للضغط على الأعصاب وعشان كدا مش قادرة تحرك رجليها ودراعها ودا بيصيب بعض الأشخاص نتيجة زعل أو صدمة..
_ غاب بأفكاره بعيدًا وتبعثرت دقاته خوفًا، ليتسائل بصوتٍ ضعيف:-
طب والحل، أعمل أيه علشان ترجع تمشي وتحرك دراعها تاني.
_ ابتسمت بوِدْ وقالت:-
بسيطة، الراحة النفسية وبس، هي محتاجة ترتاح نفسيًا وتبعد عن الضغط والحزن وتتغذى كويس لأنها ضعيفة حبتين والظاهر إنها خارجة من عملية كمان لأن في جُرح موجود..
وتدريجًا هترجع للحركة وهتبقى زي الفُل.
أنا كتبتلها على أدوية بسيطة ومُكملات عذائية أتمنى تلتزم بيها.
_ عادت الروح لجسده وتنفس براحة، وقال وهو يتقدم الطبيبة بخطوات رصينة:-
تمام يا دكتورة، وهي هتفوق عالطول ولا أيه.
_ هترجع لوعيها عالطول إنّ شاء الله بس أهم شيء الراحة، والحمد لله على سلامتها.
اكتفى بإماءة من رأسه وأشار لمُعتز لإيصال الطبيبة ثم عاد لداخل المُلحق.
= استوطن جانب فِراشها، وأعتزم أنّ يُلقي تساؤلاته جانبًا الآن وسيبحث في هذا الأمر بتروٍ فيما بعد.
فارقت جفونها التي أصرّت على جعلهم مُغلقين كأنها لا تُريد الإستيقاظ ومواجهة تلك الكارثة التي ألمت بها، وهو لن
يُصدق مهما فعلت وبررت، وسيرميها بالأقاويل.
جاهدت لتُحرك ذراعها وأقدامها فلم تقدر..
شعرت بأحد يستقر بجانبها ورائحته تُهاجم مشاعرها وترتعش لها نبضاتها..
كشفت جفونها عن مروجها الزُمردية فلاقت “مؤمن” الذي كانت عيناه تُشاطرها الشوق الذي يلُفها.
ابتلعت ريقها ببطء وتأهبت لما هو آتٍ..
لكن مهلًا .. هو ليس غاضب أو ثائر!؟
مشاعر دافئةٌ تتبلور داخل رَمقَاته لها..
عاطفة فياضة مُشعثة بكافة الأرجاء كانت لها منهل تستقي منه ما أُحِيلَ عنها.
عينان تنطبعان في ذاكرتها تبرُق بحُبٍ مُبطن عنيدٍ يُناضل لئلا يتبين، كانت لها كوكب يلمع في ليلتها.
بينما هو كان أسوء منها شوقًا، أحوج منها لِـ دفءٍ ومئوىٰ.
يتأمل أحجاره الثمينة التي وضِعت بداخل مُقلتيها والتي تشّعُ كالنجوم، عذبةً هي كمياة الينابيع الجبلية يتوق شوقًا أنّ ينهل منها حتى يرتوى وأظنه لن يحدث..
طرح عقله بوادٍ سحيق، وأعطى للقلب حُرية التصرف لمرته الأولى وتُترجم الأعضاء بالأفعال الحُـــب الـصـامــــت
الذي عَانى منه الجميع..
اقترب منها وهي ساكنة بين ذراعيه ومدّ أصابعه يتحسس بشرة وجهها الناعمة لتُغمض أعينها بثقل وتتباطء أنفاسها
وأخذ يحوى جانب وجهها براحة يده الدافئة ويمسح على خصلاتها بعشقٍ جارف مكنون داخله، وتارةً أخرى يُرجع بعض الخصلات الهاربة خلف أذنها.
تأملها بتوانٍ مأخوذٌ بها ويُبصر وجهها الذي يتلون خجلًا كـ قوس المطر.
فرقت جفونها وطالعته بنظرة سرت على إثرها رجفة في أوصاله فتعالىٰ لها خفقان قلبه، أغوته عيناها فآمن وصار ناسكًا مُتعبدًا في محراب هواها، وأيقن أنّه باخِعٌ بها لا محالة.
طوعت له نفسه وهبط بوجهه أمام وجهها فأصبح لا يفصلهم شيء ثم لثم جبينها برقة لثمة طويلة قوية بث بها كل ما يشحنه بقلبه..
مسح على خدّها بحنان وانتقل يلثمه هو الأخر نازحًا إلى فكها..
خرجت عنها تنهيدات خافتة، ليقول بصوتٍ مُتحشرج مُتقطع وهو يُمرمغ أنفه بشعرها المُعطر وهو مُغلق الجفون:-
إنتِ هلاكِ .. وعذابي … وحيرتي إللي مفيش بعدها ولا قبلها.
_ هزيمتها النكراء إثر هجوم غاشم مُحبب على مشاعرها بعدما سَوْل لها قلبها الكثير من الحُب
حركت ذراعها المُتاح وغرزت أصابعها بخصلاته، وهمست بجانب أذنه بحنان وصوت يحمل بين طياته الكثير من العشق:-
“دعني أُصلح لكَ ما أفسدته أنتَ في نفسكَ، دعني أُحب أكثر الأماكن فيكَ خرابًا، قلبك، وعينك الواشية، ويديك الوحيدتين.”
انفلتت مشاعره وغاب عقلها بعد سلمت لقلبها زمام الأمور..
هو غارق بدفئها يُشيّد مئوى له ليستوطنه وهي تنهل من عشقه ورفقه وحنانه التي تستكشفه به للمرة الأولى..
وبينما أصبحوا غارقين تمامًا مُغيبين عن الواقع وما فيه أصبح الخطر يُحْدِق بالوسط وأوشكا على وطأت عالم يجهلانه، ساكِنيه هم قلوبهم فقط وتقودهم أحاسيسٌ جديدة.
قطع لحظتهم وانتشلهم من وكر فقدان العقل هذا ..
_ عمو مؤمن أنا جيت وخالتو سلوى هتجيب الأكل وتيجي ورايا …
_ استفاق “مؤمن” فورًا وعاد إليه رُشده وابتعد عن “أسوة” في الحال بأنفاس لاهثة تتسابق..
نقل “يزيد” أنظاره بينهم بتعجب.
مؤمن الذي يستعيد رباطة جأشه وأسوة التي تزرع رأسها في الوسادة خجلًا وتصفع عقلها بأشد الكلمات تعنيفًا ولا تعلم كيف آل بها الحال إلى ما حدث..!
أصبحت في موقف لا تُحسد عليه..
كيف سمحت لقلبها أنّ ينجرف بمشاعره إلى هذا الحد.
حاولت تنظيم أنفاسها الهاربة ولا تدري بأي وجه ترفع رأسها وتواجهه وكيف تضع عينيها بعينه؟
الفضل يعود ليزيد هو الذي أحال بينهم وبين ما كانوا مُتجهين إليه بمشاعرهم، وللمرة الثانية يعود الفضل إليه حينما قفز عليها فرحًا عندما وجدها مُستيفظة..
_ ماما أسوة .. إنتِ صحيتي، وأخيرًا يا أُس أُس وحشتيني أووي..
_ اقترب “مؤمن” يعدل من وضع “يزيد” ويُبعده عنها قائلًا:-
براحة يا بطل ماما لسه تعبانه.
_ أخفضت “أسوة” رأسها خجلًا وأصبحت خدودها بلون الشفق، وقالت ليزيد باسمة:-
أنا كويسة يا حبيبي، إنتَ وحشتيني أكتر يا زيدو.
_وجاءت تعتدل جالسة فلم تستطع، ليقترب منها “مؤمن” ويحملها من أسفل ذراعيها ويجعلها بوضع الجلوس..
ترقرق الدمع بعينيها وهمست:-
خلاص خلاص أنا هعرف أقعد .. كدا كويس.
_ وضع وسادة خلف ظهرها وغمغم بعدما لاحظ دمعها:-
استريحي وكام يوم وهترجعي طبيعية تاني بس أهم حاجة ريحي أعصابك..
_ رفعت رأسها وتسائلت بلهفة:-
بجد! … يعني دا مش حاجة وحشة.
_ نظراتها أسقمت قلبه، فنظر ليزيد الجالس بترقب وقال:-
بقولك يا بطل تعرف تجهز شنطة هدوم حلوة لك كدا ولا محتاج مساعدة.
_ نظرت له أسوة باستفهام ونظر يزيد بتعجب، لتتسائل بخوف:-
في أيه هو إنتَ هتاخد يزيد في مكان .. إنتَ قصدك أيه.
_ أجابها بمعالم وجه ثابتة:-
أيوا هيروح في مكان بس معانا.
_ صرخ يزيد بفرحة غامرة:-
بجد هنخرج يا عمو مؤمن.
_ ابتسم له وهو يمسح على رأسه:-
بجد يا بطل .. يلا اجري جهز حاجتك.
ركض الطفل يُهلل بسعادة، لتنظر له “أسوة” باستفهام وتُردد مُتسائلة:-
هنروح فين .. وهخرج وأنا كدا.!
_ فكر هنيهة ثم قال بينما يجلس جانبها:-
فين.. فسبيها مفاجأة وواثق إنّ المكان هيعجبك، أمّا وإنتِ كدا فمالها كدا!
_ أخفضت رأسها تتحاشى نظراته وظِلال اللحظات التي جمعتهما ترقص بذاكرتها وأمام عينيها، وهمست بصوتٍ ضعيف:-
أنا معملتش حاجة .. ومش عارفة دا حصل إزاي بس ممكن نروح نكشف ونتأكد.
تدحرجت دمعتان واستطردت تقول عفوًا:-
إنتَ مش مصدقني صح .. بس فـــ …
_ قاطعها وهو يضع اصبعه أعلى شفاهها:-
مين قال كدا .. الموضوع دا انسيه واقفلي على سيرته خالص ولا كأنه حصل وأكيد دا غلط في التشخيص.
_ رفرفت بأهدابها خجلًا ليرفع اصبعه على الفور واستدار بتوتر داخلي ويشعر بثمة قوة داخلية شديدة لا قِبل له بها تجذبه إليها، وتطورات سريعة بأقطار نفسه.
تنحنحت “أسوة” وقالت تُغير مجرى الحديث عَلها تُطفيء جمر الأرواح المشتعلة:-
إحنا هنروح فين؟ وليه؟
_ مش قولت سيبيها مُفاجأة متبقيش لحوحة بقى واسمعي الكلام .. وإحنا هنمشي عالطول بعد ما نجهز الشنط..
_ تذمرت وتمتمت بضيق:-
خلاص سكت.
كاد يتحدث لكن قطع حديثه طرق “سلوى” على الباب تحمل الطعام..
أشار لها فوضعته على وحدة الأدراج، وقالت تتسائل بفضول:-
ألف سلامة عليكِ يا أسوة، حصلك أيه تاني خير.
_ جاءت “أسوة” تتحدث وهي خجلة منها لما سمعت من هذا الخبر الردِيء .. لكن قاطعها “مؤمن” وهو يزجر “سلوى” بنظراته:-
ولا حاجة .. شوية دوخة وبس.
_ اماءت “سلوى” إيجابًا وقالت وهي ترحل:-
ألف سلامة عليكِ، وألف مبروك يا مؤمن باشا، ألف مبروك يا أسوة.
_ وخرجت لتُحاول “أسوة” النهوض سريعًا فسقطت بعنف على الأرض الصلبة فسعى “مؤمن” إليها بجزع وتوجس يحملها برفق ويضعها على الفراش، ويهدر بها غاضبًا:-
أيه الإهمال ده .. بتتحركِ من مكانك ليه مش إنتِ عارفة إنك تعبانة.
_ شهقت باكية وهي تُمسك بقميصة تقول بتعتعة:-
إنتَ مسمعتش هي قالت أيه .. دي مفكرة إنّ حامل منك..
مفكرة إنّ ممكن يكون بيني وبينك حاجة مش كويسة
شوفتها بتبصلي إزاي..
بتباركلك مفكرة إنّ أنا حامل منك ..
وانهارت باكية لتجعله بقمة غضبة وصرخ بإمتعاض وأعين بها شُواظٌ من نار:-
ماشي .. أيوا إنتِ حامل مني، فيها أيه، تفكر إللي تفكره هي حره … محدش هنا يقدر يغلط بكلمة وإلا قطعت لسانهم واحد واحد، وتبقى ترفع عينها فيكِ.
_ كفكفت دمعها وأردفت نافية:-
أنا يهمني فاكرين عني أيه، دا مش أي موضوع، دا حاجة تخص سمعتي ..
_ استعرت النيران بداخله، لا يعلم أيبكي أم يضحك، تُريد التوضيح للجميع ولا تُكلف نفسها عناء التبرير له أو توضيح بسيط يمحو هذا العذاب التي ألقته به..
تنفس عدة مرات يُهدأ نفسه ويرميّ هذا الغضب بعيدًا عنه لئلا تتأزم حالتها وتُرهق روحها حزنًا.
جلس جانبها مرةً أخرى وبتردد بعض الشيء لكن حسم أمره وأمسك كفها بين كفيه ولامسه برقة شتت كيانها ولهفت نارٌ كاوية عاطفتها المُرهفة..
صمتت وسكن قلبها..
أفاض في الحديث وقال ما رَجْرَجَ بدنها:-
إنتِ ناسية إنك مراتي.
قلبه الذي أرسله إلى القطب الشمالي ليمُده ببرودة لا مثيل لها ويُحِيطه بسياجٍ من الجليد حتى يُثلجه تمامًا ولا تُؤثر به أعتى حرارات الصبابة والحنين والشوق…
أذاب جليده حرارة دمعتها المُتألمة، واستعارهُ البُركان ليُقيم به ثورته المحمومة.
وتُرفع أولىٰ الرايات قد .«ذاب الجليد».
_ أدنت جفونها وقالت:-
ااه بس هي يعني متعرفش.
_ يبقى تعرف مفيش مشكلة.
وتابع بجدية وهو يجذب الطعام:-
يلا كُلي علشان تاخدي علاجك قبل ما نمشي لأن المشوار طويل.
_ اعترضت بإباء:-
بس أنا مش جعانة.. وقت تاني.
_ ردد بنفاذ صبر:-
اسمعي الكلام وبلاش نقاش.
_وغمس الملعقة بالأرز وقطّع اللحم ووضعه أعلاه ثم مَدّ يده لها لتنظر له بصدمة وعدم إستيعاب، فيردعها هو قائلًا:-
يلااا هتفضلي بصالي كتير ..
اضطربت وسقطت كل صياصيها، وأفرجت شفتيها وفتحت فمها ليظل يُطعمها باهتمام ويبتغى إليها الوسائل ليُبقيها بخير وهي أكثر من سعيدة لهذا الإهتمام وهذا التغيّر الجذريّ الذي طرأ عليه،
وها قد إنتقلت علاقتهم من طورٌ لطور أخر، وصعدت على متن سفينة التقدم لتُبحر بها نحو كل ما هو جميل.
-****************************-
_ مرحبًا بكَ أستاذي دكتور موسى.
_ مرحبًا بكَ مُصعب، كيف حالك.
_ أجاب “مُصعب” عبر كاميرا جهاز الحاسوب:-
بخير دكتور مُوسى، هل وصلتك التقارير والتحاليل.
_ تنهد الطبيب “موسى” وقال:-
نعم مُصعب وقد اطلعتُ عليها.
_ تسائل “مُصعب” بلهفة:-
وماذا ترى أستاذي، هل ستكون الأمور على ما يُرام؟
_ قال الطبيب “موسى”:-
لا أود الكذب عليك بُنيّ، بأسرع وقت يجب أنّ يقوم مؤمن بالجراحة وإلا ستكون العواقب وخيمةً جدًا ولن نستطيع تدارك الأمر.
_ اهتزّ ثبات “مُصعب” وتربد لونه فردد بقلق:-
نعم نعم سيأتي دكتور موسى … أنا سأتي به لكن أولًا علينا إيجاد قلبٌ مُناسب، لقد بحثتُ هُنا ولم أجد..
تلك المهمة عليكَ أستاذي، لقد أرسلت إليك جميع التقارير والتحاليل ..
أرجوك دكتور موسى علينا إيجاد القلب بأسرع وقت، أخي يذهب من بين يديّ وهو لا يُدرك هذا ولا يُلقي للأمر بالًا..
أرجوك أرجوك ..
_ هَدِأ من روعك مُصعب لن يحدث شيئًا سيء عليك بالتحلي بالصبر وسوف أجد القلب المُناسب بأسرع وقت، وأنت تعال بصُحبة مؤمن على الفور.
_ سيحدث هذا أستاذي، هل علي فعل شيء.
_ نعم عليه أنّ يبدأ بتناول هذا الدواء، يجب أنّ تصفه له.
_ في الحال أستاذي، لكَ جزيل الشكر.
_ إلى اللقاء مُصعب ..
أغلق مُصعب الحاسوب وقد اعتراه القلق الشديد وأحاط الحزن به من كل جانب، أصرّ على أسنانه وقال بتصميم وقلبٌ يتقلب على جمر الخوف من الفراق:-
هتعمل العملية بأي تمن يا مؤمن، إنتَ تستحق تعيش بسعادة تستحق تفرح بقى .. إدي لنفسك فرصة تفرح وتعيش..
خلاص وأخيرًا قابلت ملاك ..
بقى ليك حاجة جميلة من الماضي ..
أطهر حاجة في الماضي زيّ ما إنتَ كُنت بتقول.
النقطة البيضا في سما الليل الحزين..
مش آن الآون تمحي علامات الإستفهام دي كلها وتعيش بقى.
