رواية الصمت الباكي الفصل التاسع والاربعون 49 بقلم ساره نيل


     رواية الصمت الباكي الفصل التاسع والاربعون 

“براءة”
قضى على حركة السيارة وألجمها عن الحركة فاستجابت واقفة بعنف واندفعت للأمام متماسكة بقوة كي لا تصتدم..
إلتفت لها بأعيُن استعارت من الجحيم لهبها لكن كانت هي بوادي من التشتت والمشاعر المُتفرقة قِسم حُزنًا وألمًا مِمَن أنجبتها وقِسمًا آخر قلقًا على شقيقتها التي دُمرت بين غفلان وجشع أُم وعبث الشباب وجزء من مشاعرها يتدلى منه الحيرة والشجن على ما آل إليه حالهم.
قرأ كُل هذا على وجهها، إنها لينة القلب نقية لم تلوثها الأيام، عانت الكثير لكن لم تتخلى عن من شاركوها دمها رغم الأذية التي ألقوها بوجهها وتلك لا تُسمى سوى طيبة ساذجة غير سائغة.
_كظم غضبه وقال وهو يفتح باب السيارة:-
إنزلي.
_ بهدوء وتيهة هبطت من السيارة ثم أَعْلَت رأسها تتأمل الأرجاء بعدم لاحظت أنها ليست أمام الفيلا الخاصة به فقد كانت أمام إحدى البنايات المتوسطة الراقية، تسائلت بتعجب:-
إحنا فين؟
_ إقترب منها بعدما أغلق السيارة بخطواتٍ غاضبة وأمسك كفها بين كفه وأطبق أصابعه عليه وأردف وهو يسحبها لتسير معه:-
لكِ عين تسألي، إنتِ مسمعش صوتك قبل ما نطلع علشان مأتهورش يا سارة هانم.
_ أثار مشاعر العِناد بداخلها وهي ترى أنه لا يُعطي لها الفرصة حتى للحديث فتذمرت وهي تعقد وتُكرمش وجهها غضبًا:-
لا إتهور يا صالح بيه .. قولي يعني هتتهور هتعمل أيه..
هتسحبني زي ما سحبتني من وسط بيتي قبل كدا ..
ولا هتمد إيدك عليا وتتهمني بقتل حد جديد، أو في حاجة جديدة تسبني وسط الضلمة بعد ما تشغلني خدامة في بيتك وتمنع عني الأكل والشُرب..
وعادي جدًا ممكن تجرجرني في وسط الليل وعز البرد وترميني تحت المطر وتطفي الأنوار علشان أفضل في الضلمة من غير ولا شعاع نور .. يلا أنا اتخرست مرة ..
والمرة دي خليني أجرب العمى يا باشا.
رجرجت ما هو راقد فهاجت الذكريات السيئة الساكنة بعقله والتي عانىَ حتى تركها جانبًا، شعر بقلبه ينفطر للذكرى ولم يجد أمامه سوى الصمت وقلبه يجأر.
وقف أمام شقة بأحد الطوابق ثم دس المفتاح بفرجة الباب وهو مازال على صمته ومُمسك بكفها، فتح الباب وسار للداخل وهي معه، وبينما هو غارق في رِحاب شروده يحاول فصل مشاعرة لتنفيذ خُطته كانت أعين سارة تتطلع بالرُدهة بفضول لتكشف أين جاءت؟!
غرفة معيشة تقع بعد فتح الباب عن طريق مَمشى صغير جدًا ذات ألوان هادئة وأثاث يتميز بالبساطة والرِقي، أجواء هذا المنزل وأرجائه تحوي راحةٌ عجيبة وهدوء يُريح الأعصاب..
أرائك مُتعددة الأحجام مُريحة الخامة وتلفاز وطاولة صغيرة بالمنتصف وبعض الأشياء الأخرى من التُحف الجميلة وغيرها.
جلست على الأريكة براحة تفتقدها وجلس صالح بجانبها بعدما حسم أمره وقرر ماذا سيفعل.
_ حمحمت وهي تنظر له بغيظ:-
خير.
_ تململ بجلسته وهو يغلي حنقًا وغمغم من بين أسنانه:-
يا بجاحتك يا شيخة، أيه الجُرأة دي يا بتاعة توكل.
_ ترعرع السُخط بداخلها ثم قبضت يدها وأشارت بسبابتها وهي تتحدث بإنفعال تُحذره:-
متتخطاش حدودك، أيه توكل ده يا محترم .. أنا مسمحلكش وبعدين أنا معملتش حاجة غلط ويلا قولي أخدت أختي على فين هي تعبانة ولازم أكون جمبها لازم أتصرف بأي طريقة علشان أعالجها وتبقى كويسة قبل ما تروح مني.
_ تحكم في غضبه من تمسكها هذا، وقال بهدوء:-
يعني هروبك يا سارة من ورايا مش غلط ..
يعني لما أرجع البيت وملقيش مراتي موجودة فجأة كدا يكون أيه موقفي وأنا واقف مش عارف هي راحت فين وممكن ألاقيها في أي مكان وكنت بدور زي المجنون بعشوائية..
قابلت حديثه بالصمت وهي تعلم بقرارة نفسها أنّ ما فعلته لا يجوز ولا يُرضي الله لكن ماذا كانت ستفعل؟!
تابع يتسائل عَله يجد جوابًا شافيًا:-
هربتي من البيت ليه يا سارة؟
_ توترت وأرتجف قلبها حاولت استجماع كيانها فَرددت وهي تعدل من وضع حجابها وتلتفت للجهة الأخرى بعيدًا عن وجهه:-
ما أنا كتبتلك السبب في الورقة وكل إللي كنت عايزة أقوله.
_ همس يقول وهو يقترب منها حتى بات مُلتصق بها وأمسك راحتها يُخلل أصابعه معها:-
يعني مش بتحبي صالح وكنتِ بتخدعيه وتسايريه يا روحه، وقلبك لسه شايل كتير مني.
اهتزّ ثباتها وارتعش جسدها من همسه واقترابه فتنفست بتسارع وأغمضت جفنيها بشدة، وقالت سرًا:-
أيه إللي بيحصل دا إحنا متفقناش على كدا .. يا وقعتك إللي ملهاش لون يا سارة ..
يارب يارب خليك معايا وثبتني كدا ..
اللهم اكفنيهم بما شئت..
أنهت حديثها مع ذاتها ثم تحمحمت وتنفست بهدوء مُنظمة أنفاسها وقالت بقوة بعدما ابتعدت عن مرماه وسحبت يدها:-
أيوا دا حقيقي فعلًا وأنا هكذب ليه، وبعدين إنتَ جايبني هنا ليه أنا عايزة أروح لأختي.
_ اقترب منها أكثر فحاصرها بزاوية الأريكة عند مسندها وهمس بالقرب من أذنها وهو يتلاعب بحِجابها:-
تؤ تؤ دا مش قلب حبيبتي سارة الجميل..
سارة إللي أنا عارفها مش بتعرف الحاجات الوحشة الشريرة دي .. وبعدين ينفع الشيخة سارة تكذب بروده يا روحي..
وأكمل بخبث وهو يتأمل وجهها الجميل خاصة وجنتيها الدائرتين والمُنتفختان بلُطف وقد سرقتا من الورد لونه:-
أما بالنسبة إحنا جايين هنا ليه؛ فأحب أقولك إنّ جايين علشان نعمل كتير أوووي ..
موضوع بيهدد أمن دولة يا لُب صالح وكويس إنك بقيتي قطة شقية كدا علشان هنحتاج الشقاوة دي..
_ دب الرعب بداخل قلبها وابتلعت لُعابها بخوف قائلة بتلعثم وهي تستدير له وتتطلع بوجهه:-
قصدك ….. أيه..
إنتَ عايز مني أيه؟
_ تبدلت تعابير وجهه بسرعة فائقة وتربد بالغضب وصرامة لم تراها عليه قط، وقال بحسم جعلها تسقط في بحرٍ سحيق من الصدمة:-
عايز ولد من صُلبي، وهنفضل هنا لغاية ما تبقى حامل فيه..
ووعد مني في أقل من أسبوع واحد هيكون دا حصل.
***********************
زفرت بإحباط بعدما يأست من عقد رباط حذائها الرياضي وهو من الأكيد ينتظرها لتنتهي حتى يخرجوا..
التمعت عيناها بدموع العجز وطأطأت رأسها لأسفل ولسان حالها يتضرع إلى من لا حول ولا قوة إلا به أن يُزيح تلك الغُمة وحمدته شاكرة فقد كانت لا تُقّدر تلك النِعم الغارقة بها والتي لا تقوى على شكرها..
فاللهم لكَ الحمد حمدًا يبلُغ عنان السماء ويملأ الأراضين السبع.
دلف للغرفة كي يصطحبها فوجدها على تلك الحالة وقد أدرك ما تُعانيه، سعى تجاهها ثم انحنى أمامها مُمسكًا بالرِباط يعقده بهدوء.
شعرت به فرفعت أعينها لتجده هكذا حاولت إبعاده حرجًا وهي تقول بصدمة:-
لا مش لازم لو سمحت إبعد أنا هتصرف.
_ لم يتزحزح وتابع ما يفعله حتى انتهى وأردف وهو يُقيمها بنظرة خاطفة:-
خلاص كدا إنتهينا..
وانحنى يحملها برفق بين ذراعيه قائلًا:-
يلا بينا يزيد مستنينا ومستعجل أووي.
_تمسكت به بذراعها المُعَافى وغمغمت:-
شكرًا.
_اكتفى بإماءة من رأسه فقط وسار حتى وصل السيارة ووضعها برفق بجانب يزيد الذي يجلس بتحمس شديد، قالت “أسوة” بإستياء:-
يزيد أنت قعدت جمب الشباك، يلا بدل معايا وتعالى إنتَ مكاني.
_ نفى “يزيد” مُحرك رأسه بقوة وقال:-
لا يا ماما معلش أنا أسف بس مش هقوم من جمب الشباك وبعدين إنتِ الكبيرة فخليكِ عاقله.
_ اتسعت أعينها من كلماته بينما ابتسم “مؤمن” برزانة لتقول أسوة بعتاب:-
أخس عليك يا زيدو .. بقى كدا.
_ أيوا كدا يا ماما إلا الشباك.
_ تدخل مؤمن وقال وهو يُخرج هاتفه:-
دقيقة وهرجعلكم هعمل بس مكالمة.
_ حركت رأسها بإيجاب قائلة:-
تمام.
ابتعد عنهم بعض الخطوات الصغيرة فكان على مرأى ومسمع منها بينما جلس “مُعتز” بمقعد السائق يُجهز السيارة.
تابعته بطرف عينها وبأذان صائغة.
_ وإنتِ كمان وحشاني يا حبيبتي، عامله أيه وأخبارك.
تهشم قلبها الذي تزعزع من هدوءه وشعرت كأن ضرغام انقض عليه يُمزقه بقسوة..
أرهفت بسمعها بقية الحديث وهي تقبض على ملابسها بقوة.
_ هجيلك بعد كام يوم كدا يا ليلو ولنا قاعدة طويلة مع بعض وهحكيلك على كل حاجة، اتفقنا.
استدار يلتفت ليراها تتابعه بنظرة مجهولة ووجه مُمتقع بالغضب والألم معًا، تعجب في البداية لكن سرعان ما فطن ما أصابها لتتسع إبتسامته عندما أشاحت بوجهها مُسرعة..
_همس يقول إلى “ليلى” على الطرف الأخر:-
طب يلا سلام دلوقتي يا ليلو أصل شكلها فهمت غلط..
هنتكلم تاني..
وسار نحو السيارة ثم صعد بهدوء بجانبها وقال لمعتز:-
يلا بينا يا معتز إطلع.
_تطلع نحوها ومازالت تشيح بوجهها للجهة الأخرى ومُمسكة بثيابها تقبض عليها بقوة، اقترب منها أكثر حتى تلامست أكتافهم وهمس بجانب أذنها:-
مالك في حاجة.
_ أدارت رأسها تنظر له شزرًا والغضب يشع من مقلتيها وهمهمت زاجرة بإستنكار وهي تهزّ كتفيها:-
مالي شايفني بقطع في شعري ولا أيه، وبعدين إنتَ مالك أصلًا.
_ مسح على وجهه واتسعت إبتسامته وهو يرى عصبيتها الواضحة، وتابع همسه بهدوء:-
إهدي العصبية مش كويسة علشانك، إنتِ أيوا مش بتقطعي في شعرك بس حاسس إن فيكِ حاجة.
_ أشارت بيدها بعصبية ووجهت نظرات ناقمة يتطاير منها الشرر وقالت بخفوت مُتشنج:-
إنت أخر واحد تحس، إنتَ معدوم الأحساس وعمرك ما تحس أصلًا، أبعد عني وملكش دعوة بيا..
وحاولت الإعتدال بعدما تغيرت وضعية جلوسها من فرط العصبية وتحرُك السيارة لكن عجزت عن ذلك لتتفاجأ به يضع يديه على خصرها بتملك وأجلسها جيدًا جاعلها بالقُرب منه بل مُلتصقة به يمنعها من أن تبعتد عنه إنشًا واحدًا.
_ازدردت ريقها بتوتر وهي تُحدق به قائلة بصوتٍ مبحوح:-
أبعد عني مش محتاجة مساعدتك.
_ ردد وعيناه تنزلقان ببطء على وجهها:-
قوليلي بس عايزاني أحسّ بأيه وأنا أقولهولك مش أحسّه بس ..
أو في حلّ كويس ممكن تقوليلي إللي إنتِ حساه دلوقتي وأيه سبب النار إللي بتطلع من عيونك دي.
_ جفلت عندما سمعت ما قال وتلبدت مكانها لكن سُرعان ما تماسكت تمامًا ولم تُبالي فهتفت وهي تبتعد عنه لكن مازالت داخل مُحيطه مُلتصقة به:-
نار أيه وبتاع أيه ماتعشمش نفسك بس علشان مايطلعش نقبك على شونة.
_ لم يستطيع تمالك نفسه وانفجر ضحكًا لمرته الأولى على الإطلاق لينتبه “يزيد” وأخذ ينظر لهم بتعجب، ومعتز الذي ابتسم وهو يُحرك رأسه بعدم فائدة لكن كان سعيدًا لرؤية مؤمن يضحك بتلك القوة للمرة الأولى فهو لم يلمحه يضحك منذ أن عمل معه..
بينما “أسوة” فتأملت ضحكته التي زادته وسامة فوق وسامته المتواضعة، لم تتوانى عن النظر إليه بهيام يعبق قلبها وكيانها تفترسه بنظرات خاطفة عاشقة سعيدة لرؤيته يضحك من قلبه ..
وأخيرًا ارتسمت خطوط الضحك على وجهه الذي حُفرت به خطوط العبوس الدائم..
جاهد للسيطرة على ضحكته لكن لم يستطيع، أشاح بوجهه للجهة الأخر وقد ظهر عرق مُنتفخ بمنتصف جبهته..
_حدقت به ضامةٌ شفتيها بملامح عابسة والتهب غضبها كالبركان وغمغمت بسخرية:-
أيه للدرجة دي .. هو أنا قولت نكتة ولا أيه.
_ استطاع أن يُهدأ من ثورة ضحكاته وقال وهو ينظر لها:-
ميطلعش نقبي على شونة .. معناها أيه دي بقى.
_ زفرت بضيق وعادت برأسها للخلف وأردفت ليزيد وهي تُشير نحو حقيبتها:-
لو سمحت يا يزيد ممكن تفتحلي الشنطة.
_ حرك رأسه بإيجاب وقال بطاعة:-
حاضر يا ماما.
أخرجت دفتر طويل وقلم رصاص وأخذت تُحركه على الورق ترسم خطوط خفيفة وأخرى عريضة تحت أنظار “مؤمن” الذي ظل يرقبها بهدوء مُتنهدًا براحة، ثم فتح حاسوبه النقال يُنهي بعض الأعمال.
ويزيد ينظر من النافذة يُشاهد ما في الخارج بحماس..
بينما “أسوة” أخذت ترسم خطوط عشوائية وعقلها يتفتت من تكرار تلك الكلمات التي قالها عبر الهاتف..
الكثير من التساؤلات..
من هي، وكيف يُناديها حبيبتي، ويُخبرها بأنه أشتاقها وسيذهب إليها؟!
قالت سرًا بعقلها:-
الخاين كان بيتغزل في واحدة ولا هامه والله لأعرفه..
إنتِ كنتِ فاكرة أيه يعني يا أسوة بعد كل إللي حصل مستنيا أيه … أنا إللي غلطانة وعشمت نفسي زيادة، كل إللي بفكر فيه ده مستحيل يحصل …
وإللي حصل بينا كانت مجرد لحظة ضعف مش أكتر وأنا إللي سمحت له بكدا بس خلاص مش هتتكر أبدًا أنا مش عارفة أنا كان عقلي فين..
لكن هاجمتها الذكرى بتلك الجملة التي همس بها داخل أذنها…
“إنتِ هلاكِ .. وعذابي … وحيرتي إللي مفيش بعدها ولا قبلها”
ردد لسان حالها مرة أخرى:-
ممكن تكون واحدة تانية في باله .. هو يعني شكله بيحب واحدة تانية … يا ترى ممكن تكون مين..
ممكن تكون ملاك إللي كان بيهلوس بإسمها..
بس إزاي أنا شوفت في عيونه ونظراته ليا حاجة تانية.
أنا شكلي بوهم نفسي ولازم أنسى، إللي أنا بقيت فيه ده لازم أفوق منه … أنا عارفة إن هيكون وجع جديد وعذاب كبير
بس إنتِ متعودة يا أسوة… هتعدي زي ما غيرها عدى..
بينما “مؤمن” فسحبه عقله إلى تلك الدقائق التي جمعتهم سويًا وأخذ يُكرر ويُعيد الموقف دون كلل وبالأخص همسها بتلك الجملة التي نُسجت داخل قلبه وعقله معًا..
غامت عيناه بالسعادة وهو يتذكرها..
“دعني أُصلح لكَ ما أفسدته أنتَ في نفسكَ، دعني أُحب أكثر الأماكن فيكَ خرابًا، قلبك، وعينك الواشية، ويديك الوحيدتين.”
خرج من شروده شاعرًا بثقل على كتفه ليجدها قد مالت برأسها غارقة بنومٍ عميق على كتفه، نظر ليزيد فوجده هو الأخر قد مال نائمًا على ذراعها..
تطوع بذراعه أسفل رأسها وعدل من وضعيهما..
لمح الدفتر بين يديها فوجد رسم مشوش لأعيُن دامعة وفم مُكمم تدل الهيئة على ملامح حزينة مُتألمة..
نُقشت بجانب الرسمة جُملة ظلت أعينه متعلقة بها..
-“الصمت الباكي”-
كلمتان ترويان حالي.
**********************
بعد مرور محاولات لا بأس بها من التحقيق لمعرفة ما هم خلف الأعور ومن معه أمثال بتول وغيرها لم تُجدي أيّ طريقة نفعًا مع “ليث”..
زفر بغضبٍ قمطريرًا وقد تفاقم غيظه وتوغر صدره بالحقد فهو في حالة مِزاجيةٌ سيئة.
_ استرسل يقول من بين أسنانه وهو ينظر له بتحذير:-
يعني دا أخر كلام عندك، مش هتقر بإللي عندك.
_ ابتسم الأعور بحقارة كشفت عن أسنانه الصفراء وألقى كلماته الخبيثة:-
ما قولتلك يا باشا أنا الزعامة ومش بشتغل تحت إيد حد ومعرفش الباشا الكبير إللي سعادتك بتتكلم عنه.
_ وثب “ليث” واقفًا بغضب وهجم على الأعور مصوب لكمة قوية أفرغ بها بعضًا من الغضب المكنون بداخله وصاح بإشمئزاز:-
ماشي يا روح أمك هتشوف مني وش متحلمش تشوفه وهعلمك الأدب على أصوله.
_ أيه يا باشا معروف عنك إنك هادي ومش بتستخدم العنف بس شكلك مش تمام يا باشا..
_ رد عليه بلكمة أخرى قاسية وألقى به على طول ذراعه ثم صرخ ببعض العساكر وهو يخرج:-
رجعوا الكلب ده للحبس ومحدش يجي جمبه سيبوهولي أنا عارف هو هينطق إزاي.
وخرج على الفور راكبًا سيارته يهرع لمنزله بغضب وشظايا غضبه تلاحقه..
بوقتٍ قياسي كان قد وصل للمنزل ثم ولج وهو يزفر بوجه مُتهجم لا يرى أمامه يُريد فقط الإيواء لفراشه والنوم بعمق فيُريح عقله بما يملئه من أحزان بعد رفضها المُخزي له..
_رأته والدته فراولة فهرولت خارجة من المطبخ وهو تمسح يدها بقطعة قماش وقالت بلهفة:-
ليث يا كبد أمك مالك يا حبيبي كدا، شكلك تعبان أغرف الغدا.
_ مسح على وجهه بإرهاق وقال بصوتٍ مُنطفأ من معاني الحياة:-
أنا كويس يا أمي هدخل أريح شوية، تسلم إيدك مش جعان.
_ تأملت حالته بحزن يمزق قلبها، تفهم ما يمر به جيدًا ولم تتوقف عن الدعاء له بالعوض الطيب، قالت وهي تمسح على كتفه:-
ربنا يريح قلبك يا ابني وينولك إللي بالك وأشوفك سعيد كدا يا حبيبي.
_ هتف بإحباط وهو يسير نحو غرفته:-
شكلي مليش نصيب يا أم ليث ومش هرتاح أبدًا، يلا أنا هدخل أريح شوية.
ظلت تراقبه حتى أختفى خلف باب الغرفة فرفعت رأسها لأعلى وقالت بتلهف وصوت يغلب عليه البكاء:-
يارب إهديله العاصي وارزقه السعادة يارب غلبان وشاف ياما أصلح حاله هو وإللي زيه يا كريم.
وذهبت وتوضئت ثم أخذت تصلي وتدعي له بصلاح الحال وراحة البال..
بداخل غرفة ليلى ظلت تزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا وتأكل أظافرها بتوتر بالغ تأنب نفسها لما قالته من كلمات حادة وتعود تقنع عقلها بأن هذا ما هو صحيح..
هو لم يفعل بحقها أي سوء بل على العكس تولى حمايتها ونفذ ما طلبه منه شقيقها فكان نعم الصديق له، تزوجها دون إعتراض وكان منزله لها مأوى ووالدته لها نعم الأم فقدمت لها الكثير مما حُرمت منه دون أن تشعر وجعلت جو منزلها أكثر راحة وملائمة لها.
ثار قلبها عندما رنت بأذنها صدى كلماته المعترفة بحبها وظلت تستمع لقلبها الذي يُلقي جميع همساته الناعمة إلى عقلها..
ابتسمت بإبتهاج وقد حسمت أمرها، أخرجت ما أحضره لها ثم بدأت ترتديه بسعادة بالغة..
انتهت بوقت قياسي ثم وقفت أمام المرآة تدور حول نفسها بفرحة وقد لاقها الفستان كثيرًا بحجابه..
تنفست بهدوء وشجعت نفسها للخروج فسارت حتى وقفت أمام غرفته بفوضى داخلية لكن لتعطي قلبها فرصة وتقذف مخاوفها في أعماق البحار.
أنجبت قبضتها طرقتان رتيبتان على سطح الباب وانتظرت الإجابة بأنفاس متلهبة..
كان قد أوشك “ليث” لتبديل ملابسه لكن إندست بآذانه طرقات على إستحياء تأذن للدخول..
اتجه نحو الباب بتكاسل وتعب مُعتقدًا أنها والدته، حرر مِغلاق الباب فقد أحكم غلقه مُريدًا الجلوس بمفرده قليلًا..
فك قيد الباب وأوشك أن يستدير وهو يقول..
_ معلش يا أمي كنت قافــ..
ابتلع باقي كلماته ولم يُكمل حينما وقعت أعينه على أبهى طلة تعيث بقلبه فسادًا كبيرَ..
إرتدت ما أحضره لها وكأنه نُسج لأجلها فقط لا غير، ليلاه والويلات عليه من عشقها الذي ساج بممرات دمه فاستوطنها، خفق قلبه بعشوائية وهو يتأملها بتَوْق لا ينضُب..
_ ليلى يا عمري ناوية تعملي فيا أيه.
_ تلطخت وجنتيها بحُمرة الخجل وأجلت صوتها ثم أردفت بإستحياء وهي تعبث بأصابعها:-
ليث هنخرج ولا غيرت رأيك.
_ أشرقت عيناه وتهلل وجه عندما تلفظت إسمه بنبرة مشحونة بها شوبًا من الرقة والبراءة، آثر أن يجيلها فعلًا لا قولًا بل الإثنين معًا، فسحبها من يديها ومسد بشرتها برقة وهو ينظر داخل عينيها وهي لم تُخرج عينيها من خاصته، ليهمس بعدما رفع يدها لفمه وختم لثمةٌ رقيقة عليها:-
ليث رهن إشارة ليلى، وليث وقلبه وكل ما يملك لأجل عيون ليلى.
*******************
_ المكان جميل أووي يا عمو مؤمن، باقي كتير على ما نوصل.
قال يزيد وهو يشاهد الطريق بحماس بعدما استيقظ..
_ خمس دقايق بس يا بطل خلاص هانت.
تململت بنومتها المسترخية داخل طيات أحضانه على صدره ويحفها رَوْح مصدره الراحة الغارقة بها وريحان ناتج من الخضار والطبيعة التي تحدّ الطريق من الجهتين..
تمسحت برأسها بارتياح بينما تتنفس بهدوء، استندت براحتها على جذعه العلوي ترفع رأسها وتفرج أسر مروجها الخضراء من تكبيل جفونها لهم..
قابلتها عيناه ووجه الوسيم أمامها فابتسمت برقة تحسب أنها بإحدى رؤياها، حركت يدها الحُرة حتى وضعتها على كتفه واستقرت هُناك ومازالت الإبتسامة لم تُمحى.
جاءت تُغمض عيناها مرةً أخرى … لكن ما هذا؟!
إنه صوت يزيد ..!!! كيف هذا؟!
جحظت مُقلتيها لا تُريد تصديق ما جاء بعقلها، رفعت رأسها ببطء وتطلعت بما حولها فيبدو أنها قد غفت..
قالت بصوت ُمتحشرج هامس:-
أنا فين.؟
_ كانت الإجابة منه مُلتوية أكثر من خبيثة قالها وهو يُمسد على تلك العلامة الحمراء بخدها من أثر النوم:-
جوا حضني.
_ فزعت كمن لسعها عقرب وتمتمت وهي تتأمل النقاء الذي يحيطهم:-
قليل الأدب .. أنا مش عارفة أيه إللي حصله وقلبه كدا بعد البوز إللي كان قدامه تلاتة متر وميه وإحداشر إللي كانت دايمًا مش بتفارق وشه.
_ بتقولي حاجة.
_ بقول قدامنا كتير ونوصل.
_ خلاص وصلنا.
أوقف مُعتز السيارة فالتفتت أسوة من حولها لترى بأنهم أمام أحد المنازل الريفية التي تقع على أطراف قرية ريفية جميلة يلُفه كثير من أشجار الفواكه المختلفة ويحده الأراضي العُشبية الكثيفة بينما يمرح الدجاج بالأرجاء وترعى المواشي والأبقار بالأرجاء.
ومن خلف المنزل المنعزل الذي يُعد مزرعة تقع منازل القرية المُتراصة بشكل جميل مُنمق يبعث في النفس السرور.
هواءٌ عليل نقي يبعث في النفس السكينة، والسماء صافية تجري بها السُحب الوافرة، وجداول المياة التي تشق الأرض العُشبية يسبح بها الكثير من الأوز شديد البياض..
بقت أسوة مبهورة بل أشد، تعشق الريف حد الجنون وتعشق جوه وطبيعته الخلابة، مكانها المُفضل وأمنية لم تتوانى عن تمنيها..
ترعرعت السعادة بقلبها وشعرت بنشوة وطاقة عجيبة تسري بعروقها..
هبط يزيد يركض من السيارة وهو يصرخ بمرح ويقفز في الفضاء الواسع.
بينما سحب مؤمن جسده من السيارة وقرب أسوة ثم انحنى يحملها ويُخرجها من السيارة على ذراعيه..
تشبثت به وهي عاجزة عن التعبير تنظر حولها فقط..
_ تسائل بحذر:-
أيه رأيك المكان عجبك، لو مش عاجبك ممك….
_قاطعته فجأة محتضناه بقوة تلف ذراعه حول عنقه بينما يحملها وقالت بتشنج باكٍ:-
المكان ملوش وصف والكلام يعجز عن وصف فرحتي، دي أحلى مفاجأة في حياتي كلها …. شكرًا جدًا مش قادرة أقولك أنا فرحانة قد أيه .. نفسي دلوقتي أجري وأطنطت وأصرخ بأعلى صوتي في الجو ده..
_ شعر بسعادة باطنية لرؤيتها بتلك السعادة وقد كان بأشد حالات إمتنانه لذاك العناق العفوي..
ابتلع ريقه وقال:-
أقل من أربعة وعشرين ساعة وهتكوني بتجري وتعملي كل إللي إنتِ عايزاه؛ لأن المكان هنا كفيل يغير أي نفسية.
_ أبتعدت عنه بحرج ونظرت له عن قُرب بينما سار بها للداخل وقالت بحزن تترقب إجابته:-
إنت صدقت إني مش كدا وإن كلام الدكتور أكيد مش مظبوط، وإحنا نقدر نروح نكشف وأنا واثقة إن مش هيطلع حقيقي … أنا معملتش حاجة و…
_ بتر مواصلة حديثها الذي شعر فيه بعلامات الحزن فلا يُريد تدهور حالاتها وتأخر عملية شفاءها مما أصابها نتيجة هذا الخبر:-
الموضوع ده مش عايزه يتفتح تاني وانسيه تمامًا لأن أنا كمان نسيته وواثق إن مفيش أي حاجة من غير لا نكشف ولا غيره … عارف إنك معملتيش حاجة.
بس مفيش كلام في الموضوع دا تاني .. اتفقنا..
_ بس ..
_ مفيش بس … اتفقنا ولا ..
_ ابتسمت بحبور وقالت وهو يضعها على الفراش بأحد الغُرف:-
اتفقنا..
_ تمام .. ارتاحي وأنا هخرج.
_ ممكن تناديلي يزيد.
_ حاضر.
وخرج بهدوء غالق الباب، لترتمي على الفراش بسعادة وإبتسامة واسعة انبلجت بمنتصف وجهها، وهمست بأعين غائمة بالعشق:-
يتحضرلك كل الخير يا روح قلبي.
= جن الليل عليه ومازال جالس وسط غرفة مكتبه شارد وسط الظلام الذي يكسره إضاءة خافتة من أحد المصابيح الجانبية، يُفكر في الأحداث المُنصرمة ويُعيدها داخل عقله يُريد الوصول لإجابة شافية..
زفر بإحباط وظل يمسح على وجهه عدة مرات، داخله يغلي من التشتت والحيرة بينما مُجبر على بيان الراحة لها وعدم القسوة عليها حتى بكلمة لئلا يُحزنها..
وأثناء احتدام دوامة تساؤلاته تصاعد رنين هاتفه بإصرار فوجد رقمًا مجهول الهوية، عقد ما بين حاجبيه وضغط على زر الإجابة ليأتيه خبرٌ سيغير مُنحدر علاقتهم سويًا ويذهب بها لمكان آخر ..
_ باشمهندس مؤمن معايا.؟
_ أيوا، إنتِ مين.؟
_ أنا دكتورة نهال إللي كنت بتابع حالة مدام أسوة وعملت عمليتها بتاعة ضرب الرصاصة.
_ وثب من مكانه بقلق وتسائل:-
خير في حاجة.
_ قالت من الجهة الأخرى غبر الهاتف:-
كنت عايزه أقول لحضرتك حاجة غريبة جدًا، هو الموضوع مكانش ينفع على التلفون بس ..
_ قاطعها بغضب وأردف بصوت عالٍ:-
أخلصي قولي عالطول بلاش كتر كلام.
_ قالت الطبيبة بتوتر:-
حضرتك مُتذكر عينة الدم إللي سحبتها من أسوة قبل خروجها من المستشفى علشان تحليلات روتينة وهكذا..
أنا بعت العينة للمعمل ودكتور المعمل إستدعاني لأنه لقى مادة غريبة جدًا ونادرة في دم الدكتورة أسوة.
_ هدر قلبه بعنف وقال بعدم فهم:-
أنا مش فاهم قصدك أيه، المادة دي تكون أيه ولها أضرار ولا أيه وضحي كلامك.
_ دي مادة مستخلصة من أعشاب نادرة جدًا حد حقنها بيها أثناء فترة تواجدها بالمستشفى بس مستحيل يكون حد من جوا المستشفى لأن أنا إللي كنت بشرف على علاجها بنفسي..
وبيظهر عليها أعراض بعد كام يوم زي الصداع والدوخة والقيء وفقدان الشهية وغيرهم..
وأهم حاجة إن …
صمتت ليحثها مؤمن هادرًا بعصبية:-
إن أيه كملي ..
_ قالت في تردد ما لم يخطر على قلب بشر، وما أتضحت به براءة عفيفة:-
بيظهر أعراض حمل حتى لو كانت البنت عذراء..
يعني لو حصل كشف مبدئي دون تعمق تكون الإجابة حمل .. بس حـــــمـــــل كـــــــاذب …

تعليقات