رواية الصمت الباكي الفصل الخمسون 50 بقلم ساره نيل


     رواية الصمت الباكي الفصل الخمسون 

“انطلاق عنان القلوب”
======================
اندفع قلبه يطرق بقوة وألقى الهاتف بعيدًا، كلماتٍ هامة بالنسبة له أراحت قلبه وقتلت جميع تساؤلاته..
لاحت بعقله تلك الجملة التي قالها الأعور بذاك اليوم المشؤم وأيقن أنه وراء تلك الفعلة..
تشنج فكه وصرّ على أسنانه يتوعده بالجحيم.
خرج من غرفة مكتبه وصعد حيث غرفتها بآخر الممر وقبل ولوجه طار الحديث الدائر بينها وبين يزيد إلى أذنه..
– تعرفي نفسي في أيه يا ماما.
مسدت على شعره وابتسمت مُتسائلة:-
-نفسك في أيه يا زيدو.
قال الطفل ومازال برقدته على أقدامها:-
-أنا بحب عمو مؤمن أوي ونفسي يبقى بابا، عايز نعيش أنا وإنتِ وهو مع بعض عالطول، إنتِ ماما وهو يكون بابا.
تفاجأت “أسوة” من حديثه وعجزت عن الرد، لا تعلم بما تُجيبه قالت بعد تلكأ طويل تحاول مسايرة الطفل:-
-زيدو حبيبي وهو كمان بيقول إن بيحبك وإنك بطل شجاع.
طبعت قُبلة على إحدى وجنتيه وتابعت:-
-وبعدين إحنا مع بعض أهو وأنا عمري ما هسيبك أبدًا يا حبيبي لأن مقدرش أعيش من غيرك أصلًا.
أردف الطفل بحزن:-
-يعني مش هتوديني الدار تاني.
أخذته بأحضانها وانشطر قلبها لأجله قائلة وهي تهدهده:-
-مش هيحصل أبدًا يا يزيد .. إنتَ عارف إن وديتك الدار لأن مكانش في مكان نبقى فيه وكان دا أأمن مكان لك يا بطلي وكنت بجيلك كل يوم، بس دا كله إتغير ومستحيل أسيبك تاني.
أطمئن قلب الطفل وارتسم الرضا على ملامحه فهي الأمان له وماذا يريد بعد ذلك.
استمع مؤمن لهذا الحديث الذي أحيا ذكرى مريرة تجرعها سابقًا، تذكر شيء فعاد لغرفته وأحضر بعض الأشياء بحقيبة ورقية ودخل للغرفة بمشاعر جديدة.
رفعا كلًا من أسوة ويزيد رأسيهم نحوه، وتهلل وجه يزيد بينما تهلل قلب أسوة، أعتدل يزيد مُسرعًا عندما وجد مؤمن يقعد على الفراش..
ابتسم إليه مؤمن بهدوء ثم وضع الحقيبة بين يديه، وقال:-
-شوف الألعاب دي هتعجبك يا بطل ولا نغيرها.
ابتهج قلب يزيد وقفز بحماس وهو يُخرجهم واحدة تلو الأخرى ليصرخ فجأة:-
-كورة يا ماما كورة عمو مؤمن جابلي كورة كان نفسي فيها أووي.
وقفز على مؤمن ببراءة يحتضنه بشدة فابتسم ولف ذراعيه حول جسده الصغير يبادله العناق.
-شكرًا يا عمو مؤمن .. أنا بحبك جدًا كل الألعاب جميلة.
ربت على ظهره برفق وتسائل بمرح جديد عليه:-
-وأنا بحبك كمان يا بطل .. بس قولي بتعرف تلعب كورة.
طأطأ يزيد رأسه لأسفل وردد بحزن:-
-محدش علمني علشان كدا مش بعرف.
حمله مؤمن على قدمه وبعثر خصلاته وهو يقول:-
-بسيطة أووي يبقى نتعلم سوا .. أنا بقالي فترة كبيرة جدًا ملعبتهاش، أخر مرة لعبتها كان عندي عشر سنين..
بس كنت بحب الكورة جدًا لدرجة الإدمان.
كان يزيد في غاية السعادة والبهجة وقال بنبرة طفولية وهو يجمع الدُمى الخاصة به:-
-وأنا بحبها أنا كمان وهنلعبها سوا أنا وأنت الصبح .. وعد.
ضرب مؤمن كفه بكف يزيد الممدود:-
-وعد رجال.
-أنا هأخبي كل الألعاب دي يا ماما أسوة ومش هتلعبي بحاجة منهم علشان كلهم ألعاب ولاد .. خلي عمو مؤمن يجبلك عروسة للبنات.
هرب من أمامها وهو يحملهم بين ذراعيه بلهفة لتضحك أسوة على حديثه بعدما كانت تتمتع بمشاهدتهم سويًا.
التفت مؤمن نحوها يتأمل ضحكتها الحلوة وقد أصبح لا يستطيع المقاومة والإحتمال فقربها دائمًا نيران متقدة تلهبه..
ازدردت ريقها وتجنبت نظراته محاولة جمع شعرها قائلة بإمتنان:-
-بجد شكرًا لأنك فرحت يزيد هو بيحبك جدًا وبيفرح بأقل حاجة.
هزّ رأسه وقال بملامح وجه مُشرقة:-
-وأنا كمان بحبه، دي حاجة بسيطة بس المهم أخدتي علاجك.
ارتسم بعض التذمر على معالم وجهها مُجيبة:-
ا-لصراحة لا … نسيت.
بنبرة مُتضايقة قلقة قال:-
-طب ودا كويس، وكمان الست فردوس قالت إنك مأكلتيش.
حركت كتفيها وقلبت شفتيها معتذرة بنبرة صادقة:-
-بجد مليش نفس لأي حاجة، بس قولي مين هي الست فردوس شكلها طيبة أووي.
حرك رأسه بعدم فائدة فهي تحاول التهرب:-
-عمومًا كدا كدا هتاكلي وتاخدي العلاج.
ثم مد يده بأنبوب كريمٌ طبي..
-دا مرهم هتدلكِ به دراعك ورجلك.
وأكمل بعبث مستجد جعلها بقمة حرجها وصدمتها منه:-
-تحبي أساعدك.
شهقت بجزع ولفت نفسها بذراعها مُردفة بوجه محتقن بشراسة:-
-لا طبعًا، شكرًا على عرضك السخيّ يا باشا مش عايزين.
رفع إحدى حاجباه بتعجب وحدق بها يتأمل علامات الشراسة التي نضحت على كيانها ثم تشدق بلامبالاة:-
-إنتِ إللي خسرانة يا عسبرة.
عقدت ما بين حاجباها بجهل، وتسائلت بشراسة أقوى وهي تكشر على نواجذها:-
-أيه … أيه عسبرة دي إنتَ بتتريق عليا، معناها أيه الكلمة دي.
هزّ كتفيه وقال بإستنكار:-
-مش هقول أبقي أعرفيها لواحدك يا عسبرة.
تفاقم غيظها وضيقت عينيها ثم أشاحت برأسها وهي تغمغم:-
-مش عايزة أعرف بس معتدش تقولي كدا تاني.
-حاضر يا عسبرة بس كنت عايز أقولك على موضوع.
شهقت بعنف من وقاحته وإصراره ليُتابع بجدية دون أن يُعيرها إهتمام:-
-كـل إللي موجـود هنا والناس إللي في القرية عارفين إنك مـراتـي ويزيد ابـنـنـا..
الست فردوس هي إللي بتهتم بالمزرعة والبيت وجوزها عمي يعقوب، وليا علاقة طيبة مع أهل القرية.
أنا مجيتش هنا من فـترة طويلة فهنقضي شوية أيام حلوة نغير جو وتكوني إنتِ خفيتي، هنتعامل قدام الكل كأننا زوجين طبيعين دا مفهوم يا عسبرة.
أرادت إستفزازة فتسائلت بهمجية أطاحت بتعقله بعيدًا:-
-إنتَ هطلقني إمتى مش كــ…
شهقت بقوة حينما جذبها من ذراعها نحوه بقوة فصارت مستكينة على أقدامه مُتكأة على صدره حتى أنفاسه الحارة التي تنم عن غضبه المُلتهب تضرب بعنف على جلد وجهها، وضع اصبعه أسفل ذقنها ورفع رأسها إليه بحدة لينظر داخل عينيها بأعيُن يتدفق منها نارُ سقر، وهمس بشكيمة أمام وجهها وهو يضغط على كل حرف:-
– مفيش طلاق يا عسبرة بح .. إنسي الموضوع دا خالص ولسانك الحلو دا لو نطقها تاني هيبقى في عواقب وخيمة
كلمة طلاق تمحيها من قاموسك يا عسبرة هتفضلي على إسمي لغاية أخر نفس بأنفاسي…
كانت كلماته تُدغدغ أسماعها ولن تُنكر أنها أسعدتها وبشدة لكن لا ضير من العناد والمُشاكلة معه قليلًا فلن تبقى تحت رحمة أوامره تُنفذ ما يقول..
قالت بهدوء مُستفز:-
– بس دا كان إتفاقنا.
قذفها بصلابة فاستلقت على الفِراش خلفها وهي تسمعه يقول:-
– بليه واشربي ميته يا عسبرة..
وتابع وهو يحملها..
– ويلا علشان تاكلي وتاخدي علاجك بلاش دلع.
رفرفت بين ذراعيه تتحرك بعنف:-
– قولتلك مش عايزة هي كل حاجة عندك بالغصب.
ولج للمطبخ وهو حاملها ولم يُلقي بالًا لتذمرها ثم وضعها على المقعد واستدار حينما لمح يزيد مُستغرق بالنوم وسط الدُمى والكُرة الجلدية على إحدى الأرائك..
سار حتى حمله تحت أنظارها وتوارى خلف أحد الغرف ثم وضعه برفق على الفراش ودثره جيدًا وخرج مرة أخرى نحوها..
هدأت ثورتها قليلًا فقد راقها معاملته الحسنة وحبه ليزيد لاسيما أنه قد تبدل حاله معها..
وضع أمامها كوب من الحليب وبعض الشطائر بالإضافة إلى قُرص بيض مُزركش بأنواع مُختلفة من الجُبن وقطع البسطرمة فكان هيئته أقصى من الشهيّ بدرجات..
تعالت صرخات معدتها فابتسمت ثم دون جدال بدأت تأكل بنفسٍ جائعة وشهية عالية..
– واوو بجد طعمه لذيذ أوي، أنا بحب الوجبة دي جدًا.
وصمتت تبتسم للذكرى ثم أردفت:-
-ليا صديقة عزيزة عليا بتحبه أووي دي بتدمنه مش بتحبه.
وإنتَ كمان بتحبه كنت ملاحظة إنك مش بتفطر ألا هو..
ابتلعت لسانها وهي تزجره بعنف لإندفاعه، بينما مؤمن فاكتفى بإبتسامة صغيرة وطالعها وهي تحاول التبرير قائلة:-
– علشان يعني كنت بساعد خالتي سلوى عالطول فلاحظت..
ناولها حبات الدواء مُردفًا:-
-أيوا ما أنا واخد بالي..
ابتلعتها وتمتمت بغيظ:-
-أصل البعيد بيلاحظ أووي.
وضع الكوب بعنف على الطاولة فأحدث صوتًا عاليًا جعلها تفزع، وقال:-
-بتقولي حاجة؟!
-بقول مخنوقة عايزة أخرج برا شوية.
أردف متعجبًا:-
-عايوة تطلعي دلوقتي… الجو ليل.
ابتسمت بإنتشاء وسعادة مغمغة:-
-دا احلى جو وبالذات في المكان القمر ده ..
وتابعت وهي تُغمض عينيها بينما يقف هو يُطالعها:-
-عايزة أخد نفس عميق من الهوا النقي المختلط بريحة الزرع والطبيعة، متعرفش قد أيه أنا بعشق الأجواء دي بحد أنا مبسوطة أووي وعمري ما اتبسط كدا في حياتي خالص لدرجة إنّ حاسة بتحسن كبير.
كانت تتحدث بقلبها الطفولي الذي لازال محتفظًا ببريقه ورونقه، تناست كل شيء وأطلقت العنان لقلبها فلتسعد وتتمتع بما يُحيطها ولا تفوت لحظات السعادة عفوًا هكذا فلتحيا أدق تفاصيلها فقد شاب القلبُ حزنًا وتهتك.
بينما شعر مؤمن بشيء غريبٌ جدًا عندما رأها بتلك الحالة، قلبه الشاب الذي أغشى عليه بالبرود وأحاطه بغلاف صلدًا من الحماية العتيقة يثور ويتعربد على أضلعه يُريد الإنطلاق والإنفلات من أصفاد الحزن والنهوض من بين أنقاض الماضي قلبه يهمس بين أذنيه “فلتُجرب وتتذوق شيئًا من السعادة قبل أن أهرم وأتركك، جُرّ إليّ بعضًا مما غير الحزن والحسرة والبكاء، أغتنم أخر لحظات لكَ بالحياة قبل فراقها.”
التي أمامه هي “ملاك” صغيرته التي انتظرها للحظات الأخيرة حتى غاب هو بعد ذلك خلف غِمام الظُلم، وهو “مؤمن” الفتى المُغامر المُنطلق لأحضان الحياة والعاشق لكُرة القدم وللكعكة التي تصنعها أمه والمُتعلق بِأباه حدّ الجنون.
نمت إبتسامة صادقة صافية لا يشوبها أيّ شيء من منغصات الحياة على ثغره فرأته “أسوة” وكأنه قد نقص من عمره عشرة أعوام ..
لا عزيزتي أسوة هو قد صغر أعوام الحزن العشرون..
-يلا بينا وبما إنك عايزة تنطلقي فأنا هقدملك عروض ذهبية يا عسبرة وعندي لكِ إقترحات خيال.
نظرت له بدهشة لكن أقنعت عقلها أن هذا إستثناء فلتهجر كل شيء سيء، إنحنى وحملها لتبتسم بحماس يقابلها هو أيضًا بإبتسامة مثلها جعلتها تلف ذراعها حول عنقه تُكبل تلك الأحداث الثمينة، وتسائلت بغيظ:-
-مش هتقولي أيه معنى عسبرة.؟
-لا..
-أووف بقى.
-متأفأفيش.
-معناها أيه.
-متشغليش بالك يا عسبرة.
-ليه العند دا بس .. طب معناها وحش ولا حلو.
توقف واستدار بوجه ينظر لوجهها القريب من وجهه ويتأمل تفاصيله، مُقلتيها وأهدابها وجنتيها خصلاتها البندقية الامعة والمُتطايرة بثورة عارمة، ثم نقل النظر إلى أنفها المرفوع وأخيرًا إلى شفتيها المُكتنزتان المُلطخة بحُمرة شقائق النُعمان الطبيعية والغير ساكنتين إطلاقًا .. تعض عليهم طارة وتُحركهم كالأطفال طارة أخرى..
همس بخبثٍ وبصوت مُتهدج مُتحشرج:-
-أيوا حلو .. حلو جدًا.
لاحظت أنظاره المُصوبة فطفت دماء الخجل على وجنتيها وصُدمت من كلماته المُبطنة بمعزى خبيث غير بريء على الإطلاق،
لكزته بكتفه وأعينها تصوب إليه شررًا وقالت بغضب لتُغطي على ضربات قلبها الهادرة:-
-بُص قدامك خلاص مش عايزة أعرف معناها.
وهمست بصوت خافت:-
-مٌنحرف.
ارتفع جانب شفته بإبتسامة وهو يُعاود السير وغمغم بغرور:-
-يتمنعنّ وهُنّ راغبات.
************************
أعلى تراس مُزين بالورود والأنوار المختلفة الألوان سحب لها المقعد بتحضُر راقٍ اكتفت أن تُهديه إبتسامة مُتوترة لغرابة تلك الأجواء بالنسبة إليها.
استقرت بالمقعد وهي تتأمل المكان بهدوء، مدّ “ليث” يداه بتردد يُمسك كفها فلم تُمانع، اكتفت بنظرة سريعة لأصابعه الدافئة التي تُحيط بأصابعها بحنان ثم رفعت عينيها إليه في سكون.
تسائل وكفها مازال هناك مُستكينًا في حضن يديه:-
-المكان عجبك يا ليلى؟
ابتسمت عينيها وقالت بهدوءٍ:-
-جميل جدًا وهادي ومريح للأعصاب، بجد كنت محتاجة أغير جو أوي.
ابتسم بعشقٍ ملأ عيناه، وأردف بمرح:-
-للدرجة دي كنتِ زهقانة من البيت وفراولة يا ليلو.
اتسعت أعينها وإتهامه العاتٍ يحبسها في قمقم الصدمة، وهرعت تقول بصوتٍ حاد:-
-لا طبعًا أنا مقولتش كدا، بالعكس أنا بحب ماما فراولة جدًا وبحب القاعدة معاها وكمان بستريح في الكلام معاها..
إنتِ بتتهمني ظلم وممكن توقع الدنيا كدا في بعضها يا ليث باشا..
ظل يُتابع إنفعالها بنهم وملامحها التي انطبعت عليها الحدة والشراسة، انبلجت بسمة على محياه وكم يُريد أن يُمرمغها بنعيم عشقه الصامت..
آآآهـٍ لو تعلمين صغيرتي المُدللة وزهرتي الجورية كم يُؤلمني صمتك هذا وغموضك هذا الذي نسجتي منه وشاحًا ثقيلًا حولك، أريد أن أغزو جيش غموضك هذا وأصل إليكِ لأُذهب كل سيء، أنا لستُ أعمى البصيرة وأرى بكل وضوح هذا الألم الذي على جُرف مُحيط عينيكِ المُبهمة ويكاد ينفرط منه البكاء..
أرجوك لا تبكي، فقط بُثَّنِي أشعارك المؤلمة ولا تجعلي الألم يصيبكِ بالخرس.
سحب كفها ورفعه أمام فمه تحت وقع أنظارها وهدرِ قلبها ولثمها بحنان عاشق وتابع يطبع لثماتٌ متفرقة على اصابعها كُلٌ على حِده..
ثم همس “ليث” بولع:-
-وأنا بحبك يا ليلى .. بحبك يا فانيلا وكل إللي عايزة إنك تبقى مبسوطة وسعيدة وكل الوجع إللي شايفه في عيونك يختفي..
ضغط على كفيها التي مازالتا في حضن يديه يبُثها الدفء والحنان بعدما شعر برجفتها وتابع خيط الكلمات:-
-احكيلي على كل حاجة يا ليلى قوليلي على كل إللي جواكِ يا روحي خلينا نبدأ من أول وجديد.
ولم يُمهلها فرصة استقام وسار حول الطاولة حتى وقف أمامها ثم انحنى وركز على إحدى ركبتيه أمامها، وقال:-
-تقبلي تتجوزيني يا ليلى، طالب رضى قلبك ببداية جديدة
تقبلي تكوني ليا في العلن قدام الناس كلها من غير ما يبقى مجرد جواز مؤقت لحمايتك..
تقبلي قلبي يكون وطنك وأمانك..
ذبذبات جرت بسائر جسدها ومشاعر لم تحسب لها حساب، مشاعره الصادقة ولجت لقلبٍ بات محرومًا من الكثير والكثير، لكن لازال طريقها ببدايته وما أرادت معرفته والوصول إليه لم تناله بعد، هي حصلت على طرف الخيط بشق الأنفس بعدما جازفت بأغلى الأشياء لديها ولن تتخلى وتتنازل عن غايتها..
هي أنثى بالأخير وحزمة المشاعر التي تُميزها كأنثى كانت قد وأدتها بِبيداءٍ قاصية قد طُمست خريطة الوصول إليها..
فردت طولها وهي تسحب يديها تحت نظرات ليث المُترقبة ثم أدارت ظهرها له وسحبتها موجةٌ عاتية من الذكريات التي تتداعى داخل عقلها..
ذاك الحدث الذي استكرهها بأن تكبُر مُبكرًا..
خرجت من الغرفة المتراص بها عددًا لا بأس به من الأسِرة المزدوجة، ظلت تمشي بممر ضيق يحوى أبوابًا كثيرة لغُرف مُتعددة .. غرفة الطعام .. الفصل الدراسي .. المكتبة .. وغرفة المُشرفة “عايدة” تلك المرأة الحنونة والتي تبذل أقصى ما بجهدها لمراعاة جميع فتيات الملجأ وإيواءهم..
على النقيض تمامًا المسئولة ومالكة الملجأ المرأة المتعالية البغيضة ذات القلب المُتحجر والذي اقتنص من الحجارة قسوتها، الأبلة “أمال” كما تأمرهم أن ينادوها..
تنهدت بحزن وجلست خلف إحدى جذوع الأشجار الضخمة والتي تقبع خلف مبنى الملجأ..
مكان هاديء لا يأتي إليه أحد فكان مكانها السري تأتي عندما يُصيبها الوصب وتريد الجلوس بمفردها بعيدًا عن ضجة الملجأ والأصوات المرتفعة..
حزينة هي .. فصديقتها الوحيدة التي اعتنت بها وأغدقتها بالحب والحنان ستذهب اليوم.. فقد أتمت صديقتها ووالدتها الصغيرة “صفية” أو “صافي” كما تحب أن تناديها الثامنة عشر ويتوجب خروجها.
لا تعلم كيف ستبقى دونها .. لا تستطيع العيش والإستمرار دونها لكنها وعدتها بأنها ستأتي إليها كل يوم وستعمل حتى تستيطع أن تُأمن منزلًا إلى أن يأتي وقت خروجها ويعيشان سويًا دون فراق..
صافي فعلت ومازالت تفعل الكثير لأجلها.
وبينما هي جالسة وصلت لأسمعها صوت هسهسات خافتة تأتي من الغرفة الخلفية المُخيفة والتي يطلقون عليها “الغرفة المهجورة وغرفة الأشباح”.
أصابها الفضول فاقتربت بحرص وهدوء حتى تخبأت بزاوية مُظلمة مخفية استطاعت حينها رؤية مَن بالغرفة التي لم تكن غرفة أشباح كما أوهموهم وأيضًا سماع ما يجري بداخلها
وياليتها لم ترى ولم تسمع آنذاك..
هذه الأبلة “أمال” وبجانبها إمرأة شابة تجهلها ترتدي ملابس عارية جدًا، جزء جسدها العلوى عارٍ بالإضافة إلى أقدامها بدايةً من منتصف فخذها، وضعت كفها تكتم شهقة كادت أن تنفلت من جوفها، فالمرة الأولى التي ترى بها أحد عارٍ بتلك الطريقة المُقززة.
استمعت للحديث الدائر بينهم والذي كان كموجة رعدية سقطت على رأسها..
قالت الفتاة الشابة بغضب:-
-دا مكانش إتفاقنا يا أمال .. إنتِ وصلك حساب خمس بنات وموصلناش ألا تلاته.
ارتبكت “أمال” ورددت برجاء:-
-غصب عني يا دُنيا هانم زي ما قولتلك مكانش في بنات لسه وصلت التمنتاشر بس زي ما قولتلك البت إللي قولتلك عليها تمت التمنتاشر وخرجت النهاردة وإنتِ عارفة الطريقة إللي بيوصلولك بيها وكدا يكون وصلك أربع بنات وباقي واحدة بس..
صرخت الأخرى قائلة بنزق وتهكم:-
-هو إنتِ هتنقطيني بيهم ولا أيه .. دا إنتِ بتاخدي الفلوس كاش وأنا باخد منك البنات تقسيط..
الباشا زهق من الطريقة دي.
قالت “أمال” بلهفة:-
-خلاص يا دُنيا هانم حقك عليا وأعتبريها أخر مرة.
عقدت “دُنيا” ذراعيها بعصبية وهدرت:-
-بالنسبة بقى للدفعة التانية فمطلوب بنات بأعمار الأربعتاشر والخامستاشر وعادي ستاشر (14_15_16)
لازم تتصرفي بأي طريقة دول عليهم طلب والحساب هيكون مضاعف متقلقيش.
تلجلأت “أمال” بالحديث وقد لمعت أعينها فور ذكر المال وقالت ببعض القلق:-
-بس إنتِ عارفة الأعمار إللي بتقولي عليها دي صعبة إن أخرجها من الملجأ .. لما البنت بتم التمنتاشر فبتخرج وملهاش قاعدة هنا فمحدش بيسأل عليهم..
لكن لو حد إختفى من البنات الصغيرة الكل هيلاحظ.
قالت “دُنيا” بلامبالاة:-
-دا شيء ميخصنيش يا أمال شوفي أي حيلة واتصرفي ولا نلغي كل إتفاقتنا.
أسرعت “أمال” تقول بلهفة:-
-خلاص خلاص أنا هتصرف.
أردفت الأخرى تتسائل:-
-البت بتاعة النهاردة إسمها أيه؟
-صفية .. إسمها صفية وهتعجبكم وتقدروا تشكلوها زي ما تحبوا.
-تمام .. ميعادنا بعد ست شهور وهناخد البنات جهزي نفسك.
-تحت أمرك يا هانم.
توارت “ليلى” تكمكم فمها من الشهقات التي تُحارب للخروج وأدركت ما معنى حديثهم وحقيقة المكان الذي يعيشون بداخله .. إنهم بخطر عاتٍ يلُف الجميع ..
جميع من هنا مصيرهم محتومٌ بالسواد الأبدي..
“صفية” والدتها الصغيرة وصديقتها وشقيقتها وكل عائلتها قد انتهت ….
لـمـــــــــــاذا؟؟؟!
سلبها من ثوب شرودها عندما لاحظ طول صمتها وعدم إجابتها على نداءه المُتكرر، جسدها مُتصلب كالحجر وتقبض كفيها بقسوة.
إستدارت إليه ببطء وتكافح لتبدو طبيعية فكل مرة تتطرق إلى تلك الذكرى تستهلكها وتستنزفها..
أعينها كالجمر تتقد منها السعير..
-مالك يا ليلى.. إنتِ كويسة؟
تسائل “ليث” بقلق حينما لاحظ تغير وجهها واصفراره المُفاجي.
تمالكت “ليلى” نفسها ورتبت أفكارها بسرعة فلم تجد إلا أن تستغل هذا العرض وقد جاءتها الفرصة على طبقٌ من ذهب
تنفست بهدوء وأجبرت شفتيها على رسم بسمة رقيقة وقالت وهي تتأمل وجه “ليث”المُتأهب لإجابتها بترقب:-
-موافقة يا ليث .. بس بشرط.
كان قلب “ليث” المسكين يطرق بعنف يخشى أن يُخذل وينتهي كل شيء، فدائمًا كان قدرة إنتهاء كل شيء حَسن قبل بدايته، يتلهف للعيش سعيدًا مع من إختارها قلبه.
فور سماعه كلمة الموافقة انشرح صدره واغتبط قلبه بالسعادة وقد نبت الأمل بجدران قلبه لكن فور أن سمع أنّ موافقتها مُقيدة بشرط توجس قلبه إلا أنه سُرعان ما هدأ
فهو مُستعد لأي شيء سيوافق على جميع ما تقول دون أدنى تردد..
قال بسعادة ووجه مُبتسم:-
-أنا موافق على أي حاجة يا ليلى .. شاوري وأنا أنفذ يا حبيبي، عمري كله فداكِ.
نطقت بسلاسة بكلماتٍ كانت وقعها كالسوط على قلب “ليث” الذي ذهبت إبتسامته تدريجيًا:-
-تستقيل من رُتبتك في الشرطة .. يعني أنا مُقابل وظيفتك.

تعليقات