رواية ظلال الخطيئة الفصل الرابع
انتهى لتوه من دراسة ما خصصه لهذا اليوم، وتصفح قليلًا مواقع التواصل الاجتماعي، أغلق الهاتف وهو يفرك عينيه التي طالبته بالراحة، تحرك من مكانه قاصدًا دورة المياه، لكن أوقفه صوت تصادم الأصوات داخل غرفة أخواته، عقد بين حاجبيه، هن لا يكففن عن التشاجر أبدًا، لا بد من حدة في الحديث بينهن وإلا لا ينعمن بنوم هانئ. كان على وشك متابعة طريقه، لكن جدار الغرفة وبابها كان لهما رأي آخر، حين سربا إلى سمعه ذكرهن لاسمه، عقد ما بين حاجبيه، ما دخله فيما بينهن، خطا خطوة فالثانية، وبدأ الحديث يتضح، والخبايا تنكشف. أمسك بمقبض الباب وتساؤلاته رُسمت على وجهه، فتح الباب بهدوء أسكت الجميع، وجعل المكان أشبه بفضاء فسيح يصفر فيه صوت الريح. وزع نظراته عليهن، وثبتت في النهاية عند أمه، أخرج سؤالًا من بين شفتيه جعل رجفة تحبو إلى قلبها:
- هي آخر فلوس كملتِ بيها فلوس المشروع كانت فلوس سمية؟
ابتلعت ريقًا متوترًا، ثم قالت بعد أن رمت نظرة متوعدة على أسماء الواقفة بلامبالاة:
- وإيه المشكلة يا أحمد؟ ما هي أختك، وما عملتش حاجة غلط، هي سمعتنا بالصدفة واحنا بنتكلم، ووقتها كانت بايعة رسمة ليها وفلوسها معاها، فقالت لي اديهم لأحمد يخلص مشروعه. ما فهاش حاجة يا حبيبي.
تدحرجت نظراته إلى سمية التي بدأت ترمش بقلق جم، ونظراتها لم تثبت على شيء بعينه، قال بعد أن عاد بنظره لأمه:
- ولما هي ما فهاش حاجة ليه خايفين بابا يعرف؟!
سؤاله أخرس الجميع، وتوقع كل واحد رد فعل والده إن علم بعودة سمية للقلم والورقة، وكان تخيل سمية أصعبهم، إذ كانت شبه متأكدة من أنه سيجردها من أدوات الرسم، ولا سيما سيحرمها التعليم وإن كان لفترة من الزمن قصيرة، لكنها ستكون كافية لأن تجعلها تُجن داخل جدران البيت. أعادهم أحمد للواقع حين قال دون اهتمام للأمر كله:
- اللي يعمل ما يخافش، واللي يخاف ما يعملش.
انتقل بنظره إلى سمية، وقال بنبرة لا تحمل جدالًا أو اعتراضًا:
- قريب أوي هرجع لك فلوسك، بس أخلص من حوار المشروع، وابقي اسألي إذا كانت الفلوس اللي بتكسبيها من ورا حاجة أبوكِ مش موافق عليها حلال ولا حرام، هيفرق معاكِ على فكرة.
ألقى كلماته وذهب إلى وجهته دون حديث إضافي، وما إن تحرك من مكانه ظهر من خلفه ظل ثابت لباسم الذي تابع الأمر برمته، وحقد دفين تجاه أسماء يزداد بداخله، التقت نظراته مع سمية، وكانت نظرتهما تلك أبلغ من ألف كلمة، إذ كان الحديث الذي تناقل بينهما في صمت غامض بمثابة اتفاق جديد يجمع بينهما، اتفاق لم يسمعه الموجودين، أو حتى يشعرون به.
قالت الأم بينما نظراتها موجهة لأسماء بغضب مكتوم:
- لو طلع من لسانك حرف لأبوكِ هزعلك، وادخلوا ناموا يلا ومن غير ولا صوت، أبوكوا زمانه جاي.
خرجت من الغرفة تجر قلقها من لسان أسماء، فهي في الواقع لا تضمن صمتها، وترجو أن يأتي تهديدها بثماره وإلا لن ينجو أحد من غضب رب البيت.
بينما تبادلت أسماء وسمية نظرات حاقدة غاضبة وحانقة قبل أن تولي كل واحدة ظهرها للأخرى وتنام، وفعلت المثل هدى بعد أن أطفأت نور الغرفة، تلك الأخيرة التي انشغل عقلها بجملة أحمد الأخيرة، هل من الممكن أن تكون مكاسب سمية من الرسم حرام لأن والدها غير موافق على الرسم، أيعني أنها ترتكب حرمتين في واحدة؟ وتشاركها أمها الإثم؟! شغلها الأمر، وقررت معرفة الإجابة، ومن الآن فصاعدًا لن تمرر أمرًا يخص الدين إلا وتفقهت فيه.
_________________
وقفت وداد أمام باب الغرفة، تتابع سمية التي تجلس فوق فراشها، وبيدها قلم جاف، وأمامها تمامًا يجلس باسم الذي يولي تركيزه للكتاب الذي تشرحه له سمية، كانت نظراتها مليئة بالتعجب، ولسان حالها يدعو لهما بصلاح الحال، وأن يبقى باسم على ما هو عليه من جد واجتهاد، فمنذ ذلك اليوم الذي أتى أحد زملائه للبيت حاملًا استدعاء ولي الأمر إلى المدرسة، وقد تبدل حاله، لم تخبر والده، بل ذهبت هي بنفسها إلى هناك، واعتذرت لمدير المدرسة على ما بدر من باسم في الفصل، فقد تسبب في كسر زجاج أحد نوافذ الفصل حين ألقى على أحد زملائه زجاجة مياهه الخاصة، وقد كانت ممتلئة بالماء، وحين ارتطمت فوهتها بالزجاج أردته مكسورًا، كان الأمر في أثناء العودة من المدرسة، لذلك لم يتم اكتشاف الأمر إلا في يوم آخر، وحين سئل طلاب الفصل أفشوا أن باسم من فعلها. اضطرت يومها لدفع ثمن الزجاج المكسور، والذي استعارت ثمنه من إحدى جيرانها حتى لا يصل الأمر لزوجها. صرخت فيه كثيرًا، وقالت الكثير من الكلام الجارح له، لكنه لم ينبث ببنت شفة، ومن يومها وهي تجده مجتهدًا في دروسه، وقلت مشاكله كذلك، ظنت أن فعلتها هي سبب تغيره، فرضيت عن نفسها غاية الرضا.
انتبهت من شرودها على صوت باب البيت يُطرق، تنهدت وتركتهما يتابعان دروسهما، وذهبت ترى من الطارق، كانت جارتهم التي اقترضت منها المال، أتت لتطالبها به لشدة حاجتها له، لم تعرف ماذا يجب أن تفعل، لكنها استقبلتها ببيتها، ودخلت مسرعة إلى سمية، تسألها بتوتر إن كانت تملك أي مال، سألت سمية عن سبب توترها، فولت الأم نظراتها إلى باسم بضيق، ثم أشاحت بنظرها عنه لتعود وترد على سمية بضيق:
- عشان أسد فلوس استلفتها للبيه، الست كتر خيرها صبرت علينا كتير، ودلوقتي محتاجة فلوسها، معاكِ ولا لأ؟
هدأتها سمية وهي تخرج هاتفها من أسفل الوسادة:
- طب اهدي بس يا ماما، معايا، عايزة كام؟
أخبرتها بما تريد، فأخرجت سمية المال الموجود أسفل غطاء الهاتف، قامت بعدهم فلم يكفوا، كادت الأم تتحدث بشيء من الندب، لكن سمية قالت مسرعة:
- معايا فلوس على كاش، هنزل أسحب لك الباقي وآجي.
زفرت الأم بضيق قبل أن تلقى نظرة أخرى على باسم الذي يطالع الكتاب بصمت تام، غير قادر على النطق أو رفع نظره، خرجت وداد تقدم تحية لجارتها إلى حين عودة سمية. بينما بقي باسم في مكانه شارد الذهن، شيء ما داخله قد تغير، لا يعرف كنهه، لكنه يحاول أن يكون أفضل حالًا، ربما ترضى عنه أمه، ويراه والده، ويتمكن من أن يكون إنسانًا أمام نفسه قبل أي أحد، لكن يبدو أن الأمر أصعب مما توقع، وسيكلفه كثيرًا من طحن خاطره، ومع هذا فلن يتوان عن بذل قدر استطاعته من الجهد، وليكن ما يكون.
اقتربت الساعة من الرابعة عصرًا، استعد للذهاب إلى درس اللغة العربية، وهناك تصادمت نظراته مع زملائه المشاغبين الذين لا يتركونه وشأنه، حاول تجاهلهم قدر استطاعته، وما إن انتهى الدرس وخرجوا من العمارة حتى قاطع طريقه زميله محمد الذي قال بنبرة عالية ساخرة:
- مالك يا بيسو بس؟ شادد حيلك بقالك كام يوم كده وشطور في الدروس أوي وبتذاكر، شكلك ناوي تكتسح الدفعة وتدخل طب ولا إيه!
ضحك زملاؤه، فتابع واحد آخر ساخرًا:
- ولا يمكن ماما شدت ودانه بعد حوار المدرسة.
ازداد الضحك عليه، ولم يحاول حتى المبادرة في الحديث، بل بقي يناظرهم بصمت تام، نظرات لا تحمل إلا الفراغ، كأنه لا يسمع أيًا مما يقولون. شدد على كتبه التي يحملها واخترق اصطفافهم ليغادر المكان بذات الصمت الذي وقف به. لم يكف أي منهم عن إلقاء السخافات عليه، يضحكون وينادونه بما لا يحب أن يسمع.. ولم ينتبه أيهم لتلك العينين اللتين تابعتا الموقف كله، ولم يعجبها ضعف باسم أمامهم بهذا الشكل، تعلم جيدًا كم هو متبدل الحال منذ أيام، لكن هذا لا يعني أن يعاملون أخاها بهذه الطريقة الفظة.
خرجت من عمارة دروس الصفوف الإعدادية، والتي تقابل عمارة دروس الصفوف الثانوية، لتقف مقابل أولئك الحمقى كما أسمتهم في عقلها، قالت وقد رسمت بسمة واثقة فوق محياها:
_ انتوا كده بقيتوا واو، الشباب اللي ما فيش منكم على الكوكب؟
انتقلت عيناها الثاقبتين إلى واحد من بينهم، قالت بثبات وتهديد واضح:
- باباك يعرف اللي بتعمله على التيك توك يا زياد؟ بيشوف رقصك يا ترى؟
اضطرب زياد في وقفته، وتراجع خطوة للخلف، لكنها لم تصمت، بل نقلت نظرها لواحد آخر، وسألت ساخرة:
- وأنت يا حمادة.. يا ترى الشباب يعرفوا حاجة عن فضيحة أختك الصغيرة؟
تجهمت ملامحه، وتوتر في وقفته، كاد ينهرها، لكنها لم تتح له الفرصة، فقد وجهت حديثها إلى محمد، تقول بنبرة قوية لا تحمل أي تهاون:
- الأستاذ سامح يعرف حاجة عن الكلام اللي قلته على مراته اللي كانت جارتكم؟
اتسعت حدقتاه بقلق، قال بنبرة مضطربة:
- أنتِ عرفتِ الكلام ده منين؟
ضحكت ضحكة قصيرة، ثم قالت بينما توليهم ظهرها بثقة:
- باسم خط أحمر، ومش محتاجين أوضح كلامي أكتر من كده، وإلا هخلي كل واحد يدوق طعم الندم بحق وحقيقي.
غادرتهم أسماء، لكن كلماتها لم تغادرهم، فقد تركت أثرها فيهم، وقد تعرى كل واحد من زيف نظافته. تبادلوا نظرات غاضبة، وتوعدوا لتلك الحمقاء التي تظن أنها ستلقي تهديداتها في وجوههم ويمر الأمر مرور الكرام.
بينما كانت أسماء قد انتشت بسعادة بعد أن فجرت خباياهم في وجوههم ببساطة، وكيف كانت ملامحهم لا تفسر، هي تضغط على إخوتها وتستفزهم، وقد يصل الأمر بينهم لضرب بالأيدي، لكن أن يدوس غريب على طرف لأي من إخوتها، فهذا ما لن تقبل به!
__________________
- يا شباب، إحنا عملنا إنجاز، حتى لو ما خدناش الدرجة النهائية في المشروع ده فأنا راضي عن اللي عملناه، وكفاية إننا فريق متفق بجد.
قالها أحد زملاء أحمد، فأكد على قوله البقية. تحدثوا مع بعضهم في أمور عدة قبل أن يستأذنوا واحدًا تلو الآخر، حتى فرغت الطاولة من جميعهم إلا أحمد وفاتن التي كانت غريبة منذ بداية اليوم. سأل أحمد باهتمام بالغ:
- أنتِ كويسة؟ من الصبح وأنتِ مش على بعضك، وشكلك متغير.
نظرت إليه نظرة سريعة، ثم أشاحت بوجهها في توتر، تبحث في وجوه من حولها عن شجاعة تمكنها من قول ما أرادت، لم تصل لمبتغاها، ولم يُعطِها أحمد فرصة لتجمع شتات نفسها.
- فاتن.
قالها بنبرة قلقة جعلت قلبها يخفق بقوة، نظرت إليه، ولأول مرة يرى لمعان الدموع في عينيها، تفاقم قلقه، وتوتر في جلسته، سأل وقد مال إلى الطاولة يخفض صوته:
- قولي لي مالك. حد زعلك؟ إيه اللي مضايقك؟ فاتن تكلمي.
كان القلق باديًا عليه، ونبرته تحمل اهتمامًا لم يخفَ عليها، في الأساس نظراته وطريقته في التعامل معها، ونبرته حين يتحدثان سويًا، كلها أمور كانت تدفعها لتصدق أنه يحمل لها مشاعر نقية داخل قلبه. أما هي فقد امتلك قلبها برزانته وحكمته وسماعه للحديث أكثر من المشاركة فيه، حتى لا يتفوه بما لا يناسب الموقف، هيئته، ملامحه، ونبرة صوته، حنكته، وذكائه، وجديته في كل الأمور، تحفظه عما يسعى إليه شباب في عمره، والتزامه بالدراسة، وسعيه وراء هدف بعينه... كلها أمور أذابت قلبها في ماعون الحب الذي لا تدرِ قرارًا له. لكنها اليوم تعرضت لما لم تستطع رفضه، فقد تمكنت طوال سنين دراستها من صد أي قادم لطلب يدها، واليوم أصبحت على خبر من أبيها أنها على وشك أن تنهي دراستها، وأنه ما عاد يصح رفض القادمين لها دون جلوس معهم. كان وقع قرار أبيها ثقيلًا على نفسها، وشعرت أن الحياة تنفرط من بين يديها، إذ رسمت الحياة مع أحمد، ولم تحسب لغيره مكانًا فيها.
- فاتن.
صوته أيقظها من شرودها الطويل، فردت بنبرة متحشرجة:
- فيه.. فيه حد متقدم لي.
قالتها تختبر رد فعله، وكما توقعت وتمنت، تبدلت ملامحه، واحتل وجهه الانزعاج، كما بدأ يفرك يديه معًا في توتر، سأل دون أن ينظر إليها:
- وأنتِ.. يعني.. أنتِ رأيك إيه؟
لم تجب فورًا، بل متعت عينيها بحبه الدفين الذي بدا جليًا في رد فعله، ثم أجابت وقد شعرت ببعض الارتياح:
- أنا كنت رافضة حتى أدخل حد البيت، لكن بابا فاجئني النهار ده إني لازم أقعد مع العريس المرة دي، يعني.. الدراسة اللي كنت بتحجج بيها بتشطب وكده.
رفع عينيه لها، سأل باهتمام:
- كنتِ بتتحججي بالدراسة!
أومأت، ثم أضافت كأنما تريد قطع الشك باليقين:
- أنا قلبي مشغول، لكن طول الوقت كان اهتمامي الأول بالدراسة. ودلوقتي أنا.. يعني...
- واللي قلبك مشغول بيه يعرف؟
- أراد أن يقضي على الشك الذي وُلد داخله بعد جملتها، فسأل سؤاله وانتظر الجواب بقلق تفاقم مع صمتها الذي طال. لكنها وأخيرًا ردت بنبرة قد بُحت كأنما كانت تصرخ لوقت طويل:
- لأ.
لم يهدأ قلقه، ولم يُزَل شكه، سأل من جديد:
- وليه لأ؟
رفعت نظراتها إليه، وفي لحظة ردت بنبرة حملت عتابًا أثقل كاهليه، وأسقطه في حقيقة جُبنه وتردده:
- لأنه ما بادرش بحبه ليا، أنا حتى ما أعرفش إذا كان بيحبني ولا لأ. تفتكر من الصح إني أعترف بحبي لشخص ما تقدرش تفهم من تعابيره أي مشاعر؟
توتر أكثر، وبدأ يفقد سيطرته على أطرافه التي تفاعلت مع الموقف، قال وقد بدأت نظراته بالهرب من عينيها:
- الحب ما فهوش مين يبدأ، بس...
- أنا بحبك.
قالتها فجأة، فقطع حديثه وقد تجمد في مكانه كمن سقط في بحر ثلج، فقط عيناه تركضان في محجريهما، لكن جسده تخشب، وأطرافه التي شاركته توتره سكنت تمامًا، دقيقة ربما هي كل ما مر على الموقف، لكنها كانت كافية لجعل الدموع تتزاحم في عيني فاتن التي قررت حفظ ماء وجهها بعد صمت أحمد أمام اعترافها له بالحب. حملت حقيبتها وكتبها وغادرت الطاولة مسرعة، لم يحاول أن يوقفها، فهو حتى لم يتمكن من الرد على مشاعرها تجاهه، لم يستطع أن يرسم بسمة قد شغفت قلبه، لكن شفتيه أبتا إظهارها. كأن عقله قد سمح لقلبه بتلك السعادة، ثم عاد ينبهه لواقع قسوته أشد وقعًا على قلبه من حب ملأه: كيف له أن يحب ويحيا قصة حب لا يدري مآلها؟ من الطبيعي أن تكون النهاية زواج، لكن أي زواج هذا وهو فارغ اليدين! لا يملك من أمره شيئًا؛ لا عمل ثابت يدر على نفسه منه مالًا، ولا بيت مؤسس حتى ليتابع بناءه من أجل مستقبله، ولا مال في يده كي يرتبط رسميًا بها، كل أمور حياته غير متوافرة، لا شيء يملكه على الإطلاق يشجعه للاعتراف بالحب حتى!
بقي على حاله من التيه فترة وجيزة، انتهت بقيامه من مجلسه يحمل غضبًا كبيرًا في قلبه على تلك الظروف التي حالت دون أن يعترف لمن أحبها أنها سكنت لُبه منذ زمن بعيد. قصد بيته، لكن الاحتواء لم يقصده، إذ شعر بعري غريب في روحه، وغصة في حلقه تؤلمه. لم يتحدث إلى أحد، دخل إلى غرفته بصمت مطبق، وتمدد على فراشه دون اكتراث لتبديل ثيابه، وترك الحياة تلقي بأثقالها فوقه دون أن يئن أو يُبدي اعتراضًا.
____________________
انتهت لتوها من آخر درس لهذا اليوم، جلست أمام مجمع الدروس تنتظر فتاة بعينها، رأتها واقفة مع بعض زميلاتها قبل أن تخرج، عيناها منتبهتان لكل خارج من المجمع إلى أن رأتها، لكنها لم تكن وحدها، كان معها صديقتها المقربة، نظرت لأسلوبهما معًا وابتسمت، لطالما رأت تلك العلاقة من بعيد، وتمنت لو تحظى بواحدة مثلها، انتبهت من شرودها وتحركت مسرعة تجاههما، نادت بصوت خجول:
- مِس تسنيم.
التفتت تسنيم لها، وما إن رأتها أطلقت ابتسامة ودودة فوق محياها.
- ازيك يا هدى؟ عاملة إيه؟
- الحمد لله بخير. كنت عايزة أتكلم مع حضرتك في موضوع، يعني لو مش هعطلك عن حاجة.
ترددت تسنيم قليلًا، لكنها سرعان ما بادرت مبتسمة:
- طبعًا، ما فيش أي مشكلة.
التفتت إلى صديقتها وقالت:
- ممكن تستنيني في المكتبة؟
- أكيد، هشوف الكتب اللي اتفقنا عليها. بعد إذنكم، سعيدة إني شفتك يا هدى.
خجلت هدى وحاولت أن تبرر سريعًا:
- آسفة أنا، أنا ما أقصدش أتجاهلك والله، أنا بس ركزت إني..
وضعت يدها فوق كتفها وقالت بعذوبة ونبرة صادقة:
- ولا يهمك يا حبيبتي، أنا مش زعلانة خالص، يلا هسيبكم دلوقتي وأشوفكم بعدين. السلام عليكم.
غادرتهما، لكن خجل هدى لم يغادرها. التفتت إلى تسنيم تسألها بضيق:
- هي زعلت مني، صح؟ والله ما أقصد.
ابتسمت تسنيم وهي تحاول تهدئتها بقولها:
- طالما قالت مش زعلانة يبقى فعلا مش زعلانة. بسيطة يا حبيبتي بتحصل. تعالي نقعد في الكافيه القريب من هنا، جاي على بالي أشرب سحلب.
أومأت هدى وقد اعتراها قلق آخر، فهي لا تملك ثمنًا لمشروب قد تشربه هناك، لكنها خجلت من فكرة الرفض، فسارت معها وهي تدعو من كل قلبها أن يسترها الله. دخلتا واختارتا ركنًا هادئَا، وسألت تسنيم إن كانت هدى تفضل طلب مشروب معين، وقدر ما حاولت هدى أن تتمنع إلا أن تسنيم قالت برحابة:
- خلاص أنا هعزمك معايا على سحلب، بيعملوه خطير أوي هنا، وبعد ما نخلص تقولي لي رأيك في ذوقي.
ابتسمت هدى بتكلف، ثم ازدردت ريقًا متوترًا، لا تعلم من أين تبدأ الحديث، لكنها استجمعت بعض شجاعتها وقالت:
- أنا بصراحة محتاجة أقرب من ربنا أكتر، يعني.. أقصد إني محتاجة أتغير من جوايا، أنا آه بصلي وبصوم وبقرأ قرآن، وبحاول أكون بارة بأهلي وأصل الأرحام، لكن حاسة إني.. إني مش بعمل كفاية، يعني أقصد إني حاسة إني بعيدة، أو يعني.. مش.. مش عارفة أوصف الشعور بالظبط بس.. بس أنا خايفة أموت وأنا كده، يعني وأنا.. وأنا ما قدمتش حاجة، أو ما عملتش حاجة أستحق عليها الجنة.
زفرت أنفاسها التي علقت برئتيها منذ بدأت الكلام، وكأنها تزيح عن كاهلها ثقل الكلام الذي لا تستطيع صياغته بشكل مناسب، سألت وهي تنظر إلى تسنيم بعينين دامعتين:
- هو حضرتك فهماني؟
كانت تسنيم مبتسمة منذ أن بدأت هدى حديثها، ردت بثبات تحاول نقله إلى هدى:
- فاهماكِ، وفاهماكِ كويس أوي كمان.
هنا وصل العامل يحمل كوبي السحلب لهما، وضع أمامهما طلبهما وكاد يغادر بصمت تام وعيناه لم ترتفعا عن حدود وضعه للأكواب، لكن يد تسنيم التي أمسكت بيده حالت دون ذهابه، نظر إليها مشدوهًا، ولم يقل رد فعل هدى عنه، لكن سرعان ما استرخى ذاك الشاب وهو يبتسم لها قبل أن ينحني لكفها يقبل ظاهره، سأل باهتمام:
- عاملة إيه يا حبيبتي؟ وحشتيني أوي، بابا كويس؟ آسف إني مقصر معاكم اليومين دول، لكن الشغل والظروف...
- ما تعتذرش يا حبيبي، احنا مقدرين وعارفين ظروفك، مراتك كويسة؟ وحملها كويس؟
أومأ مؤكدًا، واستأذنها الذهاب ليهتم بعمله، ووعد أن يمر اليوم عليهم بالبيت ليطمئن على صحة والدهما. ذهب فعادت تسنيم بنظراتها إلى هدى وهي تقول بسعادة:
- عايزة أصارحك بحاجة، أنا استغليتك.
اتسعت عينا هدى تعجبًا، كادت تسأل عما تقصد، لكن تسنيم تابعت:
- أنا بحب آجي هنا عشان أشوف حسن أخويا. يعني نيتي ما كانتش إني أسمعك وبس، لكن عشان أشوف حسن كمان، وسبحان الله، يشاء ربنا إن هو اللي يقدم لنا طلبنا دونًا عن كل العاملين هنا.
شعرت هدى لوهلة أن حديث تسنيم يحمل رسالة ما، لكن أي رسالة، لم تستطع أن تستشفها تحديدًا. شربت تسنيم بعضًا مما في كوبها، وأشارت لهدى كي تتذوقه، ثم قالت بعد أن عقدت يديها فوق الطاولة:
- مستعدة تسمعيني كويس؟
ابتلعت هدى ما بفمها سريعًا، وانتبهت كليًا لها، قالت تسنيم وقاد عادت بسمتها تزين محياها:
- إحساسك ده شيء جميل جدًا، ده بيعطي إيحاء إن عندك ضمير صاحي وقلب حي، لكن ما اسموش تقصير، ده علامة للخير اللي جواكِ، وده له أسباب لازم تعرفيها عشان تقدري تاخدي خطوة إيجابية مرضية لقلبك وعقلك.
أومأت هدى بتفهم، كانت تُعِيرها تركيزًا كأنها طفلة لم تعلم من الحياة شيئًا، وبدأت تتعلم منذ هذه اللحظة. أكملت تسنيم بروية:
- السلف بيقولوا: "كلما ازددت علمًا بالله ازددت خوفًا منه." يعني الشعور اللي جواكِ مش تقصير، أبدًا، ده ثمرة إيمان متأصلة في قلبك محتاجة سماد عشان تنمو وتكبر. وكمان أنتِ قلتِ إنك بتعملي الفروض، ومع ذلك حاسة بالتقصير، لكن ده برضو مش تقصير، ده مقياس مقامات، يعني الإنسان اللي عنده قلب متعلق بحب الله بيحاول يقيس إيمانه بالله بمقابات تقربه من الله، بمعنى: فيه مقامات للنفس زي: الإخلاص، والخشوع، وحضور القلب، والنية. فكل ما كنتِ بعيدة عن المقامات دي هتحسي إن أعمالك ناقصة، لأنك ببساطة ما عملتيهاش بنية صافية.
صمتت كي تترك مجالًا لهدى كي تستوعب مقالها، ورأت استجابتها فعليًا، فقد بدا بعد قولها فطنة تلك الفتاة ونبوغها، كما بدا أنها صادقة فيما تسعى إليه، فقد طلبت المزيد لتنمية ثمرة إيمانها، ولم تبخل تسنيم التي أضافت:
- لازم أنبهك لنقطة مهمة جدًا، فيه ناس بتحط لنفسها سقف عالي من التدين، فبيعيشوا تحت ضغط نفسي شديد بسبب إنهم مش قادرين يلمسوا السقف ده، هما فاكرين إن رضا ربنا ما بيجيش إلا بالمثالية التامة، لكن في الحقيقة ربنا ما بيبصش غير على الصدق، مش الكمال. وده يخليني أنبهك إنك ممكن تصلي الخمس فروض والسنن كاملة، وتقيمي الليل، وتواظبي على الأذكار، وتصومي الفرض والسنن، وتصومي لله، وتعملي حاجات كتير جدًا غيرهم، لكن أنتِ مش منتبهة خالص للجانب اللي لازم يكون صادق مع ربنا، الجانب اللي فيه تأمل بقلبك لحكمة الله في اللي فرضه علينا، عشان كده بيفضل جواكِ شعور بالفراغ، كأن الطقوس دي لوحدها مش كفاية.
كانت تعبيرات وجه هدى تتبدل مع كل كلمة، لكن تعبير التعجب لم يفارق عيناها أبدًا، فتسنيم كأنما قرأت قلبها وعقلها، كأنما لمست بالفعل نقاطًا لم تستطع هدى أن تلمسها في نفسها، كانت مندهشة، وطغى على قلبها حبًا أكبر لتلك الإنسانة التي رأت فيها حياة ونجاة. سألت هدى وقد ترقرقت الدموع بمقلتيها:
- طب أقدر أعمل إيه عشان أحول شعور التقصير ده لطمأنينة؟
ابتسمت تسنيم باتساع، فسؤال هدى هذا لا يعني إلا أنها استوعبت جيدًا ما قالته، وفهمته لبًا وموضوعًا، أجابت ببساطة وهي تكتب فوق ورقة أخرجتها من حقيبة يدها:
- أنا هقول لك على تدريب تحاولي تعمليه في البيت، حاجة بسيطة كده تشجعك وتخليكِ تعرفي طريقك بنفسك.
- ياريت بجد.
ابتسمت تسنيم قبل أن تشير للمشروبات أمامهما وتقول:
- طب اشربي السحلب اللي برد ده وهكمل لك.
التقطت هدى الكوب بشغف، وارتشفت عدة رشفات متتالية كأنها تكافئ نفسها على اختيارها لتسنيم كي تكون منارتها. قالت تسنيم مبتسمة في محاولة لانتقاء كلمات بسيطة تفهمها هدى:
- أول حاجة حاولي تقعدي في مكان هادي، وخدي نفس عميق أوي، وخرجيه على مهلك، كل نفس بتخرجيه تخيلي إنك بتخرجي معاه الحاجات التقيلة اللي كانت في يومك. كأنك بتحاولي تصفي نفسك خالص، وأول ما تحتاجي تاخدي نفس تاني فكري نفسك إن النفس ده هو رحمة من ربنا ليكِ، وقولي في سرك: "اللهم إني بين يديك، لا أحمل إلا ضعفي، وأنت تعلمه أكثر مني."
قربت الورقة من هدى، فقرأت الدعاء بنبرة منخفضة كأنها تتلذذ بحروفها، وضعتها جانبًا تستعد لاستقبال الجديد، فأخرجت تسنيم ورقة أخرى وبدأت تكتب عليها مع حديثها:
- بدل ما تقولي: أنا مقصرة في حق ربنا، قولي: "يا رب، أنا أريد أن أكون أقرب، لكني بشر، أضعف حينًا وأقوم حينًا، ولك الحمد أنك تراني في الحالتين."
قدمت الورقة إلى هدى، وانتظرتها كي تنتهي من قراءتها، قالت وهي تشير للورقة الثانية:
- تغييرك لصيغة كلامك دي هتبني جواكِ صدق مع ربنا، بدل ما تلومي نفسك.
أومأت هدى مبتسمة، وسألت إن كان هذا كل شيء، ردت تسنيم بينما تخرج ورقة أخرى من حقيبتها وتستعد لتكتب عليها:
- أهم خطوة إنك تفتكري حاجة كويسة على الأقل عملتيها بنية صافية لله: صدقة مثلا، دعاء، مساعدة لحد. وبعدها قولي: "اللهم إنك لا تُضيع ما كان لك، فاقبله مني برحمتك."
قربت الورقة من هدى، وأخرجت ورقة كتبت فيها مباشرة:
- "اللهم اجعلني أحبك حبًّا يملأ قلبي طمأنينة، واغفر لي ما لا أراه من تقصيري، وعلّمني أن أطمئن إلى رحمتك كما أطمئن إلى وجودك."
دفعت بالورقة برفق إلى هدى وهي تقول مبتسمة:
- وآخر حاجة تقولي الدعاء ده، وتقعدي في صمت لحد ما تحسي بصدق إنك مؤمنة فعلا إن أي قلق أو تقصير هو بين يدي من لا يرد سائله. وإن وصلتِ للصفاء ده تأكدي إنك مش هتحتاجي أي حاجة تانية، ولا هيقف قدامك أي عائق يوصلك بأي حبل يقربك من ربنا.
لم تجد هدى ما تقوله، وشعرت تسنيم بتخبطها، فأمسكت بيدها وهي تقول بذات الابتسامة الودودة:
- انا واثقة إنك هتحسي بالفرق. خلي عندك ثقة بنفسك وربنا قبل أي حاجة، وخلي نيتك واضحة قدام نفسك.
انتبهت لكلمات تسنيم جيدًا، وفهمت رسالتها كما قصدتها تحديدًا.
انتهى اللقاء خير نهاية، وعادت هدى للبيت تحمل في نفسها شعورًا جديدًا. دخلت لغرفة نومها وأخواتها، لتقف في مكانها والصدمة تعتلي كل ملامحها وهي ترى هاتف سمية الماثل في يدها، والذي دفنته أسفلها ما إن انفتح الباب، لكنها رأت ما جعل الرعب يسري بعروق سمية، وحاولت مداراته، وهو أهول من أن تصفه هدى!
