رواية اسيرة زعيم المافيا الفصل الخامس
*حين يصبح القرب خطرًا.*
لم يكن الفجر قد أعلن قدومه بعد، غير أنّ القصر كان مستيقظًا على غير عادته.
الأضواء خافتة، والخطوات محسوبة، والوجوه متجهمة كأنها تنتظر حكمًا مؤجلًا.
جلست ليان في الجناح الداخلي، تضمّ ذراعيها إلى صدرها، تحاول أن تهدّئ قلبًا لا يكفّ عن الاضطراب.
منذ الليلة الماضية، تغيّر كل شيء.
لم تعد مجرد أسيرة… ولم تصبح حرة.
كانت عالقة في منطقةٍ رمادية، لا تعرف هل تنجو منها أم تبتلعها.
فُتح الباب بهدوء، ودخل سليم.
لم يكن يرتدي بدلته المعتادة، بل قميصًا داكنًا، أكمامه مرفوعة، وكأنّه خرج لتوّه من حربٍ صامتة.
رفعت عينيها إليه، فالتقت بنظرةٍ أثقل من الكلام.
قال بصوتٍ منخفض:
"لن تبقي هنا طويلًا."
اعتدلت في جلستها، وسألته بقلق:
"إلى أين سأذهب؟"
تقدّم خطوتين، ثم توقّف، كأنّه يزن كلماته بدقّة:
"إلى مكانٍ أكثر أمانًا."
ابتسمت ابتسامةً خفيفة، تحمل مرارة الحقيقة:
"ومن قال إنّ الأمان معك؟"
لم يغضب.
بل نظر إليها طويلًا، ثم قال بهدوءٍ صادق:
"الأمان ليس شعورًا… بل قرار."
ساد صمتٌ قصير، قطعه صوت جهاز اتصالٍ موضوع على الطاولة.
التقطه سليم، واستمع، ثم تغيّر وجهه.
قال بنبرةٍ حاسمة:
"قرّبوا المحيط… لا أريد أخطاء."
أنهى الاتصال، والتفت إليها:
"هناك من يراقبك."
اتسعت عيناها:
"من؟"
أجاب دون مواربة:
"عدوي… ويريدك ورقة ضغط."
نهضت واقفة، وقالت بانفعالٍ مكتوم:
"أنا لم أطلب أن أكون جزءًا من حربك!"
اقترب منها خطوة، وقال بصوتٍ خفيض لكنه ثابت:
"وأنا لم أطلب أن تصبح الحرب قريبة إلى هذا الحد."
تلاقَت نظراتهما، وكان في الهواء شيءٌ لم يُقال، لكنه كان حاضرًا بقوة.
قالت بصوتٍ خافت:
"لماذا تهتم؟"
صمت لحظة، ثم قال بصدقٍ نادر:
"لأنك حين أصبحتِ في مرماهم… أصبحتِ في مرماي."
في الخارج، كانت الحركة غير طبيعية.
سيارات تدخل وتخرج، رجال يتبادلون الإشارات، وسلاحٌ يُفحص للمرة العاشرة.
وقفت ليان قرب النافذة، تشاهد العالم الذي لا تنتمي إليه، بينما سليم يقف خلفها.
قال فجأة:
"هل تثقين بي؟"
التفتت إليه بدهشة.
سؤالٌ لم تتوقعه… ولا تعرف إجابته.
قالت بعد تردد:
"لا أعلم."
أومأ برأسه:
"هذا يكفي."
ثم أضاف:
"الثقة لا تُطلب… تُفرض بالأفعال."
وصلهم خبرٌ عاجل.
أحد رجاله قُتل عند البوابة الجنوبية.
لم تتحرّك ملامح سليم، لكن قبضته اشتدّت.
قال ببرودٍ مرعب:
"ابدؤوا التنفيذ."
نظرت ليان إليه بفزع:
"تنفيذ ماذا؟"
نظر إليها، وفي عينيه شيءٌ يشبه الاعتذار:
"خطة الهروب."
"هروب؟"
"لكِ."
اقترب منها، وأخرج من جيبه قلادةً صغيرة، وضعها في يدها.
قال بصوتٍ خافت:
"لو افترقنا… هذه ستعيدك إليّ."
ارتجفت أصابعها حول القلادة.
سألته:
"وأنت؟"
قال دون تردد:
"سأبقى."
"لماذا؟"
اقترب أكثر، حتى صار صوته قريبًا من قلبها:
"لأنّ زعيم المافيا لا يهرب… لكنه يُبعد من يريد حمايتهم."
عند الممر الخلفي، توقّفت ليان فجأة.
نظرت إليه، وقالت بصوتٍ مكسور:
"وإن لم أعد؟"
نظر إليها طويلًا، ثم قال جملةً حُفرت في ذاكرتها:
"إن لم تعودي… فلن أكون أنا."
تقدّم خطوة، ثم توقّف، كأنّه يمنع نفسه من الاقتراب أكثر.
قال بصوتٍ ثابت يخفي اضطرابه:
"اذهبي الآن."
لم تتحرّك.
قالت بشجاعةٍ مرتجفة:
"وأنت… انتبه لنفسك."
لأول مرة…
ابتسم سليم ابتسامةً حقيقية، قصيرة، لكنها صادقة.
ثم استدار.
وانغلق الباب بينهما.
وفي تلك اللحظة، فهمت ليان الحقيقة كاملة:
أنّها لم تعد أسيرة القصر…
بل أسيرة رجلٍ اختار أن يضعها فوق سلطته،
وفوق حربه،
وفوق نفسه.
وأنّ أخطر ما في هذه القصة…
ليس المافيا…
بل القرار الذي اتخذه سليم،
والذي لن يسمح له بالعودة كما كان.
