رواية جمر الجليد الجزء الثالث الفصل الخامس 5 بقلم شروق مصطفي


 رواية جمر الجليد الجزء الثالث الفصل الخامس 


رجعت سيلا إلى المنزل تخطو خطوات مترددة، وقفت للحظة، ولم تكن تملك القدرة على الدخول، لكن معرفتها بأنه قد غادر دفعتها لأن تخطو خطواتها إلى الداخل ببطء، ثم أغلقت الباب خلفها.
نظرت نظرة خالية من أي مشاعر إلى ما حولها، ثم وضعت المفاتيح على الطاولة القريبة من الباب، وجلست على أقرب كرسي، وأجهشت في بكاءٍ نهضت بتكاسل تتوجه إلى غرفة نومهما، تجرّ قدميها إلى الداخل، حتى اصطدمت حواسها بعطره الأخّاذ.
استشعرت بقربه، فتوجهت إلى ملابسه المعلّقة، امتلكتها بأناملها برقة، وأخرجت أحد قمصانه، احتضنته واستنشقته، ثم بدّلت ملابسها بقميصه، وكأنها تطلب منه الاحتواء.
تحركت أناملها نحو طاولة الزينة التي تحمل عطره المفضل، ووضعت عدة قطرات على عنقها ومقدمة صدرها، وفي أنحاء الغرفة.
ثم افترشت الفراش، واحتضنت نفسها كجنين، وعباراتها تتساقط في صمتٍ تام، حتى غفت بحزن.
أما مي أثناء عودتها، وقبل أن تستقل إحدى وسائل المواصلات، صدر عن هاتفها رسالة من رقم جديد:
“ما تركبيش لوحدك أي تاكسي، اركبي مواصلة تانية تكون زحمة… خايف عليكي بجد.”

نظرت حولها بترقب، تحاول أن تكتشف من يراقبها، لكنها لم تجد أحدًا.
كانت ستجن بسببه قريبًا، ومع ذلك، وبعناد وتحدٍ، أوقفت تاكسي وصعدت إلى المقعد الخلفي.
لم تمر لحظات حتى صدر عن هاتفها رسالة أخرى:
“كلامي مش بتسمع ليه؟”

لم تتحرك السيارة كثيرًا حتى توقفت، وصعد راكب بجانب السائق، ثم تحركت مرة أخرى.
وبعد قليل، نزلت هي، وفور نزولها، أصدر هاتفها رسالة أخرى.
نظرت على أثرها إلى التاكسي الذي انطلق أمامها، وهي مصدومة من محتوى الرسالة.
لم تكن قد انتبهت إلى الراكب… فكان هو نفسه الشخص الذي يراسلها!
…..
صباح اليوم التالي، كانت طاقتها قد نفدت، ولم تعد تملك القدرة على التواصل مع أي شخص.
فاتصلت بصديقتها، وأبلغتها بأنها ستسافر، وطلبت منها أن تقدم لها إجازة من الجريدة.
ثم نهضت لتجهّز حقيبتها وتتوجه إلى الإسكندرية، التي كانت دائمًا ملجأها عند الهروب من الواقع.
لم يكفّ ذلك المجهول عن إزعاجها، وأخيرًا قررت الرد عليه. كتبت له رسالة ردًا على رسالته الأخيرة، التي كانت منذ يومين، عندما شعرت بالخوف قليلًا لقربه منها وركوبه معها أيضًا، فكتبت:
“إنت مين وعاوز مني إيه بالضبط؟”

تركت هاتفها جانبًا، ونهضت بعد أن أرسلت لصديقتها بشأن الإجازة، وبعد توقيعها من المدير، عادت ووجدت رسالة منه:
“أنا مش هطمع أكتر… عايز أكون صديق فقط، مش عايز حاجة منك.”

فكتبت له:
“عرفت رقمي منين؟ ومكان الجريدة كمان؟”

وانتظرت الرد…
لكنه تأخّر. نفخت بضيق، وأغلقت الهاتف بتأفف، ثم أنهت ما كان أمامها، وغادرت.

ظلّت تراسل ذلك المجهول بعد أن ردّ عليها برسالة متأخرة:
“عرفتك لما جيت يوم الجريدة أنشر إعلان، وقتها لمحتك، وصورتك ما فارقتنيش، وتابعتك من وقتها. عمري ما يئست، حتى بعد ما اختفيتي من الجريدة، لحد ما جبت رقمك من قريب.”

وأخذت محادثتهما مسارًا جديدًا؛ فهي تحاول أن تتناسى تجربتها الفاشلة السابقة معه.
رغم أن قلبها يؤلمها ويخبرها بالابتعاد عنه فورًا، فإن عقلها يريد الاقتراب وخوض تجربة جديدة، تنسيها ما مرت به، وتملأ ذلك الفراغ المميت داخلها.
شعرت بانجذاب نحوه، وبأنه يعرف ما تريده قبل أن تتكلم، ويشعر بها قبل أن تتحدث.
وبرّرت تلك العلاقة بأنها صداقة لكليهما؛ فهو أيضًا مرّ بتجربة مؤلمة، خسر فيها كل من أحبهم، ويستمع إليها وإلى آلامها.
اعتاد على مرحها وضحكها، ثم سألها فجأة:
“حبيتيه؟”

صُدمت من سؤاله، وأدمعت عيناها، لكنه شعر بحزنها وسَبقها بالقول:
“آسف لو ضايقتك… ممكن ما ترديش، عادي.”

وبيدين مرتعشتين، كتبت على شاشة الهاتف، برجفة سرَت في جميع أعضائها:
“هو أول حب دق له قلبي… وهو أول من كسر لي قلبي.”
“ممكن تقفل الكلام عن الموضوع ده؟ لو عاوز نفضل أصحاب، ما تكلمنيش عنه تاني. أنا بنساه، ما تفكرنيش بيه.”

كان حديثه معها دائمًا عبر رسائل الواتساب أو من خلال موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، فقال معتذرًا:
“آسف لو ضايقتك، بس هو غبي اللي يسيب حد زيك. هتنسيه، وبكره هيبقى مجرد ذكرى، ومش هتفتكريه. إنتي ألف واحد يتمناكي.”

أغلقت الحديث معه بسرعة، لورود مكالمة من صديقتها.
وضعت الهاتف على أذنها باشتياق، بعد فراق عشرة أيام دون رؤيتها، فسمعتها تقول بحب:
“حبيبتي، وحشتيني أوي! هترجعي إمتى؟ الجريدة وحشة من غيرك أوي!

هتفت سيلا بحب:
“وإنتي أكتر يا مي والله. أخبارك إيه؟ وأخبار الشغل؟ كنت عاوزاكي تمدّيلي الإجازة كمان، قولي له أجازة مفتوحة يا مي.”

هتفت الأخرى بوجع:
“لسه برضو مصمّمة تهربي من الواقع؟ عمر الهروب ما قوّى يا سيلا. كلميه، ومضيّعيش حبكم في هروب وخوف من شيء مجهول في علم الغيب. دي إرادة ربنا، ما لناش يد فيها. اعقلي يا سيلا، ما تتعبيش قلب الراجل معاكي.”

هتفت سيلا بألم:
“مش قادرة أتكلم… حاسة إني بنهار، وهو بعيد عني. ده حتى ما كلّفش نفسه يطمن عليا بسؤال بسيط، إن كنت محتاجة حاجة، أو حتى أنا لسه في بيتي ولا رحت فين، عايشة ولا متّ حتى!”

“بعد الشر عليكي! ما تقوليش كده تاني، فاهمة؟”

سيلا، بدهشة:
“طيب… بتعيّطي ليه دلوقتي إنتي؟”

مي، بعد أن مسحت بأناملها دموعها:
“عشان مش قادرة على فراق كل حبايبي… كفاية كده بجد.”

تحدثت سيلا بحنان:
“معلش يا حبيبتي، مش قصدي والله. طيب، إيه رأيك تيجي تقضي عندي يومين إجازة؟ الجو في إسكندرية في الشتا تحفة بجد.”

“وفكرك أستاذ أحمد هيوافق على إجازة ليا أنا كمان؟”

هتفت سيلا بحماس:
“جرّبي! مش هنخسر حاجة. وخلي مامتك تيجي معاكي، محتاجة حضنها أوي… محتاجاكم أوي معايا. جرّبي عشان خاطري يا مي. الشاليه كبير، وفيه كل حاجة متوفرة. هستنى مكالمتك، أطلع آخدكم من بره، لأن الشاليه قدام البحر تمام.”

“تمام يا سيلا، حاضر. أنا محتاجة أغيّر جو فعلًا، لأن اللي جوايا لسه ما عداش. هدخل دلوقتي لمستر أحمد، وربنا يكون هادي كده ويوافق… يا رب.”

“يا رب يا حبيبتي. هقفل أنا… مع السلامة.”
……..

دلفت مي إلى منزلها بإرهاق، فوجدت أخيها وأولاده يمرحون حولها بسعادة.

“خالتو جت!”
نزلت إلى مستواهم وقبّلتهم بحب:
“حبايب قلبي يا ناس، وحشتوني أوي!”

مازن، الأكبر ذو الست سنوات، وعلي، يصغره بعامين، قال بشقاوة اعتادت عليها منهم:
“فين الشوكولاتة يا خالتو؟”

قهقهت بمرح، وأخرجت من حقيبتها بعض الحلوى:
“دي بتاعتك إنت وأخوك، يلا يلا جوّه.”

دخلت خلفهم، وألقت التحية عليهم، ثم جلست بجانب أمل وقالت لها:
“وحشتيني أوي، بقالكم فترة ماجيتوش، وحشوني أوي… القرود دول.”

أردفت أمل بمرحها المعتاد:
“أهم القرود دول اللي شاغلني! لولاهم، كنت هنا على طول. بس إنتي عارفة المدرسة ودروس مازن، وعلي كمان بدأ له تأسيس، مدرسين طول الأسبوع.”

ابتسمت لها الأخرى:
“ربنا معاكي يارب… أمال فين هيثم؟ مجاش ولا إيه؟”

“لا، وصلهم وراح شغله، وهييجي بالليل ياخدهم.”
هكذا تحدثت والدتها.

“طيب، هقوم أغير وأجي، نِرغي مع بعض.”

نهضت وتركتهم لتبديل ثيابها، فسمعت صوت إشعار هاتفها بوصول رسالة له:
“وصلتي؟ طمنيني.”

جلست على الفراش، وشعرت ببعض الضيق يعتريها لما تفعله، ثم أرسلت له:
“آه، وصلت تمام. هقفل عشان عندي مرات أخويا وأولادهم، مش هيفضى أكلمك.”

راسلها برسالة:
“ليه كده؟ كنت محتاج أتكلم معاكي.”

فكتبت له سريعًا ثم أغلقت المحادثة:
“صعب، نتكلم بعدين… باي.”

كادت أن تخرج، لكنها استمعت إلى حديثهم الذي آلم قلبها.
استمعت إلى أمل تقول:
“يعني يا طنط، مفيش فرصة حتى تشوفيه؟ يمكن يحصل قبول! هو صاحب هيثم في المركز، ومنفصل، ومعندوش أولاد… شايفاه مناسب جدًا، شاب كويس جدًا بجد.”

كادت الأم أن ترد، لكنها…

تعليقات