رواية الصمت الباكي الفصل الواحد والخمسون
“عـَسـبـرة – عروق قلبي”
-هنعمل أيه؟!
تسائلت وهو يضعها من بين يديه ويجعلها تستند على صدره، ويده الحُره تكشف عن شيئًا ما..
أجابها بهدوء:-
هتعرفي دلوقتي.
كشف عن هذا الشيء لتتطلع إليه بفضول فلم يكن سوى دراجة نارية حديثة الطراز، يبدو أن لديه شغف شديد تجاههم.
نظرت إليه بتسائل فحملها برفق ووضعها على الجهة الخلفية من الدراجة وصعد هو أمامها، وأردف وهو يستعد للإنطلاق:-
-إمسكِ كويس، المكان هنا بيكون هادي وخالي وفي طُرق كتيرة بين الزرع والأراضي، مش إنتِ مخنوقة وعايزة تشمي هوا إستعدي بقى.
توسعت أعينها بذعر وقالت بأنفاس هادرة:-
-يا لهووي كنت عايزة أخرج برا بس شوية، البتاع ده أنا بخاف منه … لا لا نزلني بالله عليك.
ترعرعت إبتسامة خبيثة على جانب ثغره وضغط بقدمه على المُحرك ليصدر عنه صوتًا بث الرعب بقلبها ليقول:-
-ألااا إنتِ بتخافي من حاجة يا عسبرة دا أنا كنت فاكرك هيرو أخر حاجة يا خيبة ظني فيكِ … إجمدي وإمسكي كويس همشي.
تنفست ببطء وابتلعت لُعابها قابضة على طرف قميصه من الخلف ليصدر عنها صرخة قوية حينما انطلق بسرعة نحو طريقٌ بين الأشجار والحقول، اندفعت للأمام وتمسكت به تلُف ذراعيها حول خصره بأطراف مُتشنجة خوفًا.
زاد من سرعته حينما رأي تشبثها به الذي إزداد كلما تقدمت السرعة، صاحت برعب:-
-لااااااا … الله يخليك نزلنيييييي .. طب هدي السرعة أنا بخاف جدًا لاااااااااااااا.
خفق قلبها بجنون وصرخت وهي تقترب أكثر تضمه من ظهره بقوة متمسكة به:-
-بالله تنزلني أنا دوخت أووي وحاسة إن هقع .. أيوا أيوا أنا هقع لأن بخاف من كل الحاجات دي..
تعرف أنا الطفلة الوحيدة إللي عمري ما تمنيت تروح الملاهي لأن بخاف أوي منها على الرغم من إني من جوايا كطفلة نفسي جدًا أروح.
قالت وقد بدأت نبرتها تخفت وكلماتها الأخيرة صُبغت بالحزن، ثبط من سرعته حينما شعر بذراعيها تتراخى من حوله فأصبحت السرعة هادئة ونسمات الهواء العليلة المُختلطة برائحة الطبيعة تداعب خصلاتها البُندقية لتجعلها تُطلق العنان لحريتها وتتطاير.
هدأت حينما شعرت بالسرعة قد خفت، فقال “مؤمن” بهدوء:-
-لما قولتي إن نفسك تجري وتطنطي وسط الطبيعة فكرت في الفكرة دي وإن ممكن تفيدك لغاية ما تتحسني وتمشي بس مكونتش أعرف أنك بتخافي.
انصاعت كافة حواسها لحديثه وتولد الهدوء والأمان بربيع قلبها لكنها انتبهت لوضعيتها وكيف تعانقه دون حواجز حاولت الإبتعاد لكن لم تستطع… لا تعلم ألم تستطيع لخوفها أم لأن قلبها يصرخ بضمه إلى الملانهاية ويريد البقاء داخل حصونة الدافئة.
بينما تابع “مؤمن” ببحة رجولية خالصة:-
-بس المفروض تدريجي نبدأ نتخلص من أي مخاوف مفيش حاجة أقوى منك وبما أنك عسبرة فلازم تعمليها..
اتنفسي بهدوء وانسي خوفك وبصي حوليكِ على كل إللي بتحبيه، غمضي عيونك واتخيلي كل الحاجات إللي نفسك فيها وإللي بتحبيها .. خوفك هينتهي تدريجي.
لم تُصدق آذانها أن مثل تلك الكلمات يتفوه بها “مؤمن” لا تعلم بأن هذه وصفة الطفولة خاصته التركيبة التي صنعها لنفسه ليواجه بها مرارة الظلم والألم الذي تجرعه حتى أخر قطرة، وكم فادته كثيرًا وخففت كثيرًا من مُرّ كدّر أيامه البريئة.
أنزلت ستار أهدابها ليُغطي مروجها الصافية، وبدأت تستعير لذاكرتها كل الأشياء الجميلة التي تريد حدوثها وكانت أولها وجوده دائمًا بحياتها، فهو قد أصبح لها حياةً وأهلًا لا تريد خسارة هذا الأمان الذي يُحيطها من كل جانب.
شددت من غلق ذراعيها من حوله وأراحت رأسها على ظهره وقد أنبتت السكينة بحقول خوفها فأبادته.
ضربت نسمات الهواء العليل وجهها فانبلجت الإبتسامة المُشرقة على وجهها وأردفت:-
– عندك حق.. بجد شعور حلو أوي أنا إزاي كنت خايفة، حاسة بالإنطلاق والحرية.
وفردت ذراعيها تحتضن بهم الهواء مُلقية كل قلقها وألامها خلفها، بينما شعر “مؤمن” بالراحة مُستبشرًا ببداية جديدة لكل شيء، عليه الآن غلق الصفحات والبدأ من سطرٍ جديد بصفحة مُختلفة.
– كنت واثق إنك هتحبيه يا عـسـبرة.
– أنا بعشقه مش بحبه بس.
*******************
تصنم “ليث” بأرضه يستوعب ما يُسمى شرطها، ابتلع لُعابه وحاول تجميع بعض الكلمات ليردف بقلبٍ يقرع ألمًا وحسرة:-
-قصدك أيه .. يعني أيه أسيب شغلي.
تأملت خيبة الأمل والصدمة التي طفحت على وجهه بعدما اجتثت كلماتها براعم السعادة من داخله، شعرت بالألم لأجله ولأجل قلبها فلن تُنكر في النهاية ما لهُ بوجدانها.
كرر “ليث” وقد ضاق به القلق ذرعًا وتجافت عنه السكينة:-
-ليلى .. ليه كدا، ليه تحطيني في الإختيار ده .. أنا تعبت جدًا علشان أوصل لشغلي ده ومعرفش غيره.
تمزق قلبها من كلماته المُلتحفة بوشاح من نسيج الوصب، لا ترضها أبدًا هذه الكسرة، رددت وهي تقترب منه في مُبادرة أولى لها لإمساك يده وحولت أنظارها له قائلة من وسط إبتسامةٌ مُرتعشة:-
-عـلـشـان خـايـفـه عـلـيـك.
مسكينٌ هو، ثلاث كلمات غيرت من حالته ونقلته من قمة الألم إلى أقاصي السعادة والإبتهاج.
أسفرت شفتيه عن إبتسامة غبطة، وكوّب وجهها بين راحتيه يُمسد بإبهاميه على وجنتيها النديتين فأغمضت أعينها بجسد مرتجف جراء هذا التقارب.
-بجد يا ليلى .. خايفة عليا، قدرتي بكلمات بسيطة ترفعيني لسابع سما.
وتابع ..
-بعشقك يا ليلى، أنا هكلم مؤمن في أسرع وقت وهطلب إيدك منه رسمي.
ثم سحبها لصدره وأغمض عيناه براحة تامة يشعر بالإنتماء بعد أن أيْتم الشجى روحه المُنهكة وتأججت نيران الصبابة بداخله في خِتام المسار.
بينما هي فأغمضت عينيها بتخبُط وقد أصبحت الحيرة لها حصيرًا وفُرض الهدوء والصمت على كل شيء…
*******
تنهدت وهي تستند على أريكة من الخيزُران موضوعة فوق بُساط من المروج الخضراء التي انسجمت مع خرزات عينيها، طوقت الإبتسامة شفتيها المُكتنزتان تتأمل صفاء سواد رداء السماء ونجومه اللامعة بتشعشُع.
-كانت تجربة حلوة أووي بجد .. اتعلقت بيه وحبيته جدًا وبصراحة عندك حق تتهوس بيهم وتحبهم.
طالعها “مؤمن” وهو يتكأ على ذراع الأريكة وهمهم يقول:-
-ما كنتِ بتصرخي وتقولي مرعوبة وكلام من ده ونزلنييي،
ما تثبتي على حال يا عسبرة.!
رددت بنبرة غامضة مُبطنة بمعنى ذا مغزى حبيث:-
-ما قولتلك عشقته مش حبيته بس..
وبعدين مش هتقولي معنى عسبرة أيه..!
نطق بتلقائية بحتة بما يموج بقلبه وروحه:-
-قوليلي الأول موضوع يزيد وكل إللي يخصه .. إزاي خلفتيه وهو ابنك ولا لا؟ احكيلي..
تبدل وجهها للتوتر والتلجلُج، ثم زفرت بضيق مُدركة أن لكُل شيء نهاية، تنفست بهدوء وأدارت وجهها مُجيبة وهي تتفحص لهفته الفاضحة:-
-كل شيء بأوانه لما يجي وقته المناسب بوعدك إن هحكيلك كل الحكاية.
وإنتَ مش ناوي تحكيلي أي حاجة عنك.؟
أشاح بوجهه في ألمٍ خفيّ وردد بنبرة لامُبالية باردة تُخفي وراءها الكثير:-
-زي ما قولتي قبل كدا الكل سابني ومعنديش أهل .. عايش لواحدي كدا عالطول بعد ما خرجت من الأحداث وبعدها السجن … ما إنتِ عارفة صحيح إنِ رد سجون.
صُب الألم بدماءها وشعرت بحشرجة قوية بحلقها، تفوهت بتلك الكلمات حينها؛ لتُثير غضبه فيثور كالبركان مُندفعًا بكل ما يُؤلمة .. فقديمًا كانوا يقولون أنّ الألم قد يقل حدته إن شاركناه بحكايةً نُبعبعها ولو لثَمة غريبٌ أو عابرُ سبيل..
لكن ما بال هذا القول لم يعُد يُجدي نفعًا؛ هل ذلك لإيقاننا أن الكلمات ما هي إلا جُهدٌ مهدور ليس إلا..!
-أنا مكونتش أقصد الكلام ده أنا….
قاطعها قائلًا:-
-ولو تقصدي .. عادي أنا مش بقولك إنتِ قولتي أو مقولتيش، أنا بقول إن دا إللي عايزة تعرفيه.
التمعت عيناها بدمعة حبستها وقالت بصوتٍ مبحوح:-
-أنا كمان يتيمة الأب والأم .. عيشت طول عمري مع كذبة إن أهلي هما الأسماء إللي موجودين في شهادة ميلادي ومع إن كنت بستغرب إن من ساعة ما وعيت على الدنيا وهما مش موجودين إلا إن كان جوايا مرتاح … هما موجودين ومسافرين ..
لكن لما تتفاجيء بإن دا كله كذبة وقصة من تأليف الأيام،
الناس إللي كانت مُجرد أسماء على ورق طلعوا كذبة كمان..
سكتت بُرهة تشعر بأن خنجر حاد يخمش روحها النزيفة، بينما هو فظل يُناظرها بقبسٌ من جحيم الألم ويستمع إليها بقلبٍ يفيضُ أسرار لتسترسل في حديثها مُجترة أحزانها قائلة:-
-يعني أنا بنت شوارع .. حد كان يصدق كدا، أنا معرفش مين أهلي ولا عمري حسيت بحنان الأم وخوف الأب…
أنا عمري ما نديت بِماما وبابا..
أنا مجرد حالة إحسان زي ما بتول كانت بتقول، وطفولة علمت جوايا ندوب أصيلة مش بتروح أبدًا..
أدارت رأسها تنظر لسكون عينيه وقالت بغصة مريرة وقلبها يحترق من شدة الألم وقد تلاحقت بعض الدموع من بين جفونها:-
-يعني أنا ممكن أكون بنت حرا….
قطع كلماتها التي تنُم عن معنى بذيء لا يقبله بتاتًا وخالجه شعور مُزعج لهذا، وجذبها من ذراعها نحوه لتبتلع المُتبقي من حديثها الذي أزعجه بداخلها.
-أخرسي وابلعي باقي كلامك .. الأفكار الواقعة دي تشيليها من راسك أو أشيلها أنا بطريقتي.
رفعت رأسها نحوه وتسائلت بنبرة مُطعمة بالتوسل:-
-يعني كدا غلط ومش صح؟! .. طب فين أهلي طيب، وليه سابوني في الشارع واتخلوا عني!؟
أنا شوفت كتير أووي .. بتول عجزتني وعذبتني ووريتني كتير جدًا .
فور أن أنهت كلماتها المنسوجة بالعذاب رَفت دمعة وتدحرجت ساقطة من إحدى عينيها تروي جدب وجنتيها..
تفحص وجهها القريب منه ببطء واهتزّ ثباته رغمًا عنه وقلبه أنتفض بقوة داخل سجن ضلوعه حُرقة وكمدًا..
هرعت أصابعه نحو وجنتيها وأخذت تمحو عبرات مُلونة بالآلام والعذاب فأغمضت هي جفونها تأثرًا ولهفةً لما لديه..
خرجت تنهيدة طويلة من بين شفتاه تبعتها همسة ضد وجهها الذي التصق جبينها مع جبينه تحت طوع إنجراف مشاعر باتت تجرفهما نحو بعضهما رغمًا عن أنف الحواجز والموانع والآلام.
-حقك على قلبي يا عــــروق قــلـــبـــي.!
“عــروق قـلـبـي”
شقت الإبتسامة وجهه واقترب منها حتى وقف خلفها تمامًا حيث يقفان خلف أحد السياج على شط النيل وثوب الليل يلبس السماء، والأضواء المُتباينة زادت الجو روعة وبهاء.
نظرت له بإبتسامة مُترددة على شفتيها:-
-بجد الجو يجنن، النيل جميل أووي بليل والمنطقة دي هادية أوي ودافية أحسن من جو المطعم والشغل ده.
وضع بين يدها كوب شايّ مُطعم بالنعناع وردد وهو يكاد أن يُحلق من فرط سعادته وأعينه ينبثق من بينهما التَتَيُّم:-
-جميل علشان إنتِ فيه يا ليلايٰ، كنت عارف إن هيعجبك.
طفق الخجل أعلى وجهها واستدارت وثمة إبتسامة تُداعب شفتيها بينما هدرات قلبها تتململ هرجًا وفوضى..
برزت أعينها خارجًا عندما شعرت بيده تتسلل لخصرها، إستدارت تنظر له بصدمة لينحنى نحو أذنها يهمس ببطء:-
-ما تيجي نرقص يا ليلا..!
شهقت بفزع قائلة بذهول:-
ليث عيب كدا في ناس حولينا.!
-عيون ليث المكان هادي ومنعزل، وبعدين المشكلة عندك في الناس..
وتابع بخُبث:-
-يعني لما نبقى لوحدنا أبقــ…
لكزته بقوة بذراعها ضربة جاءت بمعدته فتأوه بإصطناع وجذبها إليه بعبث:-
-عنيفة يا ليلا .. أهون عليكِ كدا يا قاسية.
-احترم نفسك يا ليث باشا إحنا في الشارع .. أنا مش عارفة أيه إللي حصلك كدا .. بعد ما كنت ظابط حمش كدا ولك هيبة اتقلبت لممحون .. مسكين والله.
رد مُكرر بصدمة:-
-حِمش وممحون صلاة النبي أحسن .. ومالك قلبتي عبدو الميكانيكي كدا يا زوجة الممحون، يا فرحتك يا مؤمن بأخوك عبدو..
جرى الغضب والغيظ بعروقها وأردفت بحدة وتكاد النار أن تخرج من أذنيها:-
قصدك أيه بعبدو الميكانيكي، بتلمح لأيه.
-لا عادي يا جامد مفيش حاجة يا سبع.
نَحَتْ يده من فوق خصرها وسارت نحو أحد الأشجار بغضب وهي ترتشف من كوب الشايّ ليلحق بها ليث قائلًا بخشونة:-
-أيه يا سبع مش هترقص معايا تحت النجوم.
أكتفت برميه بنظرة تحذيرية وأردفت بعند:-
-لا يا حِمش يلا نروح الوقت اتأخر.
-آآآه وماله نروح .. يلا بينا.
وأشار بيده علامةً أن تتقدمه لتمتثل له مُتعجبة لجديته المُفاجأة فكانت تظن أنه سيُجادلها ولن يتنازل.
صعدت للسيارة بهدوء وقاد حتى المنزل في هدوء مُريب وصمتٍ أطبق على الأرجاء.
تسائلت داخلها بتعجب:-
-أيه إللي غيره وقلبه كدا .. ممكن يكون زعل من كلامي!
توقف المصعد بالطابق المنشود، خرجا بهدوءٍ وصمت وفور أن أوشكت على طرق الباب باغتها ليث بسحبها على حين غرة حاشرها بينه وبين الحائط وكتم شهقة كادت أن تخرج من سجن شفتيها.
-هتفضحنا يا سبع وفراولة سمعها حاد جدًا.
اتسعت عينيها بإنزعار وجاهدت التحدث من خلف قيد راحة يده لشفتيها لكن لم تفلح إلا أنها قد أفلحت بتأجج نيران مجهولة أحرقت جسد هذا المسكين ليُسارع في إزاحة يده..
-في أيه خضتني بجد يا ليث وبعدين حد يعمل كدا .. إحنا قدام الباب، إبعد لو سمحت.
قالت رجائها الأخير بخوفٍ نابع من أعماقها خشية تأثيره الجليّ على دواخلها والتي لا تريد الخضوع له بأية طريقة.
زاد هو من قربها وطبع قُبلة طويلة فوق جبينها وأخرى شغوفة على وجنتها وتبعهما بأخريات حانية فوق عينيها، قائلًا بشغف وصبابةٌ حارقة:-
-بعشقك يا ليلى، بقيت ممحون بس معاكِ بس بسبب غرامك يا ليلا.
أغمضت أعينها تعتصرها محاولة إستدعاء قوتها وطرح تلك المشاعر بعيدة والتسلح ببرودٍ يُنقذها غير أنها لم تتدارك ولم يسعها الوقت حينما غمس وجهه بحجابها هامسًا بجُملة لا تعلم لما كان لها هذا الوقع الشديد على أوتار فؤادها، جُملة حملت جميع ما يشعر به .. مشاعر شتى، عشق، جنون، خوف، حيرة، وعذاب.
نبرة صُبغت بالألم والعذاب والعشق المجنون..
-حِبيني يا ليلى.
وتابع بنبرة صادقة:-
أنا بحبك والله يا ليلا.
موقف لا تُحسد عليه، تعاركت وثبات قلبها وأخذ صدرها يصعد ويهبط وتضايقت أنفاسها، جاهدت أن تبقى على يقظتها مُسترشدة بعقلها فرفعت يدها التي أخفت رعشتها بجدارة ثم وضعتها على ذراعه تُزيحه وهي تقول بنبرة جلية:-
-ليث إحنا قدام الباب .. لو سمحت إبعد منظرنا لو اتكمشنا هيبقى زبالة.
-فصيلة والله .. إنتِ هادمة اللذات يا قاسية.
أبعدته ثم سحبته أمام الباب قائلة بتذمر:-
-يلا أفتح الباب عايزة أنام.
أخرج مجموعة المفاتيح من جيبه ووضعها بفرجة الباب وهو يقول بضحك:-
-اصبري عليا يا ليلو بينا نقاش طويل لسه علشان نحِد من الدبش إللي بتوقعيه ده.
ترددت إبتسامة ندية على شفتيها بسبب ملامح وجهه ليجذب يديها بين يده قائلًا بإبتسامة مُماثلة لإبتسامتها:-
-يلا تعالي في إيديا يا ليلاي علشان فراولة تفرح بينا.
وفور إنفتاخ الباب وعند دخولهم تفاجئا بمن تقف أمامهم تقول بصوتٍ مُرتفع:-
-الحمد لله على سلامتكم يا حلوين، دا كله تأخير بقالي كتير مستنياكم.
جذبت ليلى يدها من يد ليث سريعًا قبل أن تلاحظ الأخرى ومُحيت إبتسامتها وهي ترى أخر من توقعت رؤيتها…
“دُنـــــــــيــــــــــا” السافلة.
*********************
جملة بنبرة تهفو على أذنها، ظلت تتردد داخل عقلها “حقك على قلبي يا عروق قلبي”.. هذا هو حُبهم المُعتل، غرقا في صمتٍ براق وسكن الجو المُحيط بهم وفُرِض وجيب قلبهم العالي المُتحد على سماء الليل..
مسح على وجنتيها وأعمل النظر على تدبرها، إنها له فتنة بثوب إمرأة، لألف الألف هو مُستهام بها لا مفرّ فقد سمع الأصم جأر القلبُ، ورأى الأعمى الوَجْد المتدفق من وادي العين، وأحسّ الجمادُ بمشاعر تفيض بعزارة.
قربها منه أكثر لا يقدر على الصبر عن عناقها دقيقة وعن ضمها إلى موطنها..
وضع يده على خصرها بتملك يمنعها من أن تبتعد عنه إنشًا واحدًا وأخذها بين أحضانه فارتفع ذراعيها وطوقت عنقه تستجيب له برحابة صدر وشدد هو من غلق أذرعه عليها يُريد دفنها وإعتقالها خلف سجن أضلعه…
واستقرا كُلًا منهما داخل الأخر.
قالت في نغمة ساحرة بما يعج قلبها:-
-متسبنيش، أنا مليش غيرك.
لم يكن منه سوى أن يُقابل صدقها بصدقٍ انجلى بعينه:-
وإنتِ أهلي.
-دخلني جواك .. افتح قلبك .. عرفني أداويك إزاي.
-إنتِ الوحيدة إللي وثقت فيها، حافظي على الثقة دي.
-أنا بخاف من الألم.
-وأنا بخاف من الوِحدة.
لذائذ الوِصال والتناغم الذي ارتسم بينهم كان مغناطيسٌ يجذب معدنهم النقي، ليسوا هم المختلفان، لا هي الماء ولا هو النار، لا هي الصباح وهو الليل، لا هي الشرق وهو الغرب، لا هي الشمس وهو القمر..
تلك التناقضات ليس لهم..
هم مختلفان..
هم وجهان لعُملة واحدة.
ولدا من رحم الألم.
رمقها بهدوء ألهب مشاعرها، فـ آآآهـٍ من نظراته تلك والتي تكشف مدى عشقه لها، تلك النظرات التي تجعلها تنزوي في كنف غرامه.
أدلت رأسها لأسفل وهي تحسّ أن الخجل ينصب عليها صبا، قضمت شفتيها تتمنى أن تُفتح الأرض وتبتلعها بداخلها.
بينما مدّ مؤمن يده بجيبه وأخرج عُلبة صغيرة ثم وضع أصبعه أسفل ذقنها يرفع عينيها له فغاصت بليله ليُرتب خصلاتها ويجمعهم خلف أذنها برفق وهو يتحسسهم بإفتنان ويده تنطلق بحقول البُندق خاصتها.
-هيجي وقت وكل ده هيروح.
كانت جملة غامضة بالنسبة إليها لكن لماذا جعلت قلبها ينقبض بتلك القسوة، لا تتخيل فكرة رحيله أو غيابه بغض الطرف عن ما تُهرتل به من كلمات.
نظرت داخل مُحيط عيناه ورددت بتلقائية:-
-في حاجات مقدرش أتحمل غيابها عني.
ابتسم بخفة، ثم أمسك مرفقها الأيسر برفق ووضع حلقةً ذهبية محفورة رقيقة الهيكل بخنصرها، وأخرج أخرى فِضية ووضعها بإصبعه..
ثم قال:-
-كدا تمام.
تأملتها بإصبعها والسعادة تحتل قلبها، تحسستها بخفة بدقات هادرة فتلك أول شيء خاص يجمعهم يرمز إمتلاك كل واحد منهما للأخر.. طرفت بعينها خاصته الفضية فإزداد وهج قلبها..
سمعته يقول بهدوء:-
-أتمنى متتخلعش.
وتابع بخشونة وهو يُجلي صوته وينخفض ليحملها :-
-وطول فترة وجودنا هنا هنّام سوا.
شهقت بقوة وتسائلت وهي ترميه بغضب:-
-قصدك أيه بهنام دي .. إنت فاكرني أيه إن شاء الله .. على جثتي طبعًا.
-إهدي يا عسبرة دا إنتِ طلعتي مش سهلة ودماغك شمال، أنا أقصد في نفس الأوضة علشان الخالة فردوس زي ما قولتلك هنتصرف بشكل طبيعي.
تلطخ وجهها بالحُمرة خجلًا ليتأملها بعبث وأردف قائلًا بخبث:-
-بس معنديش مانع لو عايز…..
قاطعته بصراخ وهي تكاد أن تبكي حرجًا:-
-على فكرا إنتَ مش محترم وسافل كمان .. أنا مقصدش حاجة ولا أقصد إللي فهمته إنتَ إللي دماغك شمال ومش نضيفة.
-إنتِ عارفة إن مش بحب العنف بس لسانك الحلو ده ليه طُرق كتيرة علشان نوقفه شوية وعلشان يتحاسب على الألفاظ دي .. صبرك عليا يا عسبرة حسابنا بعدين.
أعجبتها اللعبة فأحاطت عُنقه بيدها وقالت بنبرة ذات دلال:-
-متقدرش تعمل حاجة.
وصل الغرفة ووضعها على الفراش بعدما أقفل باب الغرفة ثم انحنى نحوها وقد اضمحلت قوة تماسكه من دلالها الذي يراه لأول مرة، ثم تمتم بخُبث:-
-بقينا لوحدنا والشيطان تالتنا أحذري مني بقى وأعدلي كلامك علشان العواقب هتبقى وخيمة.
ظلت نظراتهما مُعلقة ببعضهما حتى استتب بهما الشوق، ورائحة عطره تُكبل أنفها بينما رَوحها وريحانها فقد أسرته.
قطبت جبينها وتسائلت بخفوت:-
-زيّ أيه يعني.؟!
سبّ تحت أنفاسه واعتدل جالسًا على الفراش ثم زفر بسخط محاولًا تهدأت مشاعره، رمقها بتحذير وقال:-
-ملاحظ بقيتي شقية.
-شوية.
-آآه والمطلوب
قالت بنبرة عادية وهي تعتدل على ظهرها:-
-ولا حاجة هنام، محتاج حاجة؟
رفع حاجبه بتعجب لكن قرر مجارتها بلعبتها فأردف:-
-ولا حاجة هنام أنا كمان.
استقام وبدأ يفك أزرار قميصه يحاول خلعه لتسأله:-
-إنت هتنام فين..؟
ونظرت تتأمل الغرفة فبأحد الأركان هناك مقعدان يتوسطهم طاولة صغيرة ولا مكان يصلح للنوم..
نزع قميصه فالتفتت لكن سرعان ما تعالى صراخها فلم يعيرها إهتمام لتنهره بقولها بنبرة جهورية:-
-إنت بتعمل أيه، مش ملاحظ إن معاك واحدة ولا أيه.
لوى ثغره وأجابها بما جعلها على حافة الجنون:-
-لا.
التفتت له بملامح ثائرة وعروق رقبتها نافرة بشدة وقد رُسمت الشراسة على وجهها ثم أردفت ثائرة:-
-إللي ميعجبش البيه يعجب غيره.
اتقد السعير داخل مُقلتيه ونظر لها بجوز من كتلتان مُلتهبتان وقد تغضنت ملامحه، اقترب منها بخطواتٍ بطيئة فانكمشت على نفسها حينما رأت هالته التي ينبعث منها النيران وارتبكت نبضات قلبها..
جذبها من يدها فاستقرت على صدره، ابتلعت لُعابها برعب فهمس ببطء بث بها الإرتباك:-
-إنتِ ناوية على أيه؟
رفعت حاجباها بدهشة من سؤاله، فتلكأت تقول بعدم فهم:-
-مش .. فاهمة.. إنت قصدك..
شهقت وصدرت عنها آنة بخفوت عندنا طوق خصرها بتملك شديد أوجعها ثم سارت إحدى يداه حتى استقرت وسط خصلاتها وغرز أصابعه جاذبها منهم بغيرة أعمت عقله، وردد أمام وجهها بوقاحة وصدرٍ يعلو ويهبط وأجفان محمرة:-
-تعرفي البيه عايز يعمل فيكِ أيه..!!
وأخذت أصابعه تزيل طرف ثوبها فشهقت محاولة إبعاده لكن هيهات، ثم تابع بصوتٍ مُهتاج:-
-عايز يفرز هو ويشوف بعينه ويقولك على إللي عاجبه ويعلمك درس تفضلي فكراه طول حياتك إنك ليا ومش هتكوني لغيري .. من أول ما اتنفخ فيكِ الروح وإنتِ مكتوبة على إسمي ولفظ دكر لو نطقه لسانك هتشوفي مني إللي مش هيعجبك.
واستطرد بعدما عرى كتفيها وقد تجمعت الدموع بين جفنيها وقلبها يُرفرف بجنبات صدرها:-
-إنتِ مراتي ومن هنا ورايح هتتصرفي على الأساس ده، مش معنى إن سايبك براحتك ومش راضي أضغط عليكِ يبقى أنا طرطور مثلًا لا يا حلوة كل حاجة هتمشي تبع الأصول من هنا ورايح، بقولك علشان متقوليش أنا متسلط وجابرك، جهزي نفسك علشان هاخد كل حقوقي الشرعية منك..
وختم كلامه:-
-يا عسبرة….
تململت وحاولت إخراج كلماتٍ مُفيدة من جوفها، فجاءت تنفي وهزّت رأسها بقوة مُرددة اسمه للمرة الأولى تستجير منه إليه:-
-مؤ……
بتر اسمه الذي كاد أن تتلفظ به وتزيد من حِدة الموقف:-
-أخرسي ولا حرف زيادة، بعد كدا كلامك يتعدل علشان معدلكيش أنا بطريقتي..
ودفعها عنه لتنزوي بطرف الفِراش وقام عنها ليُكمل إبدال ملابسه بجسد ينبض غضبًا منها ومن نفسه…
جذبت الغطاء على رأسها وتدحرجت بعض قطرات الأسى وهي تلعن لسانها على جُملته المُتهورة..
إنتهى من إرتداء ملابسه ثم أطفأ الضوء وذهب للفراش مُستلقيًا على الطرف الأخر منه لتتكوم على نفسها وتُكفكف دمعها محاولة الهدوء…
من بين الظلام استطاع أن يُميز رجفة بُكائها فاشتعلت أعينه غضبًا واستدار للجهة الأخرى مُعطيًا ظهره لها..
بعد مرور بعض الوقت استدار وهو يزفر بغضب ونظر لجسدها التي تُدير ظهره له، أقترب منها ظنًا أنها قد ذهبت بثباتٍ عميق، هو بحاجة لأن يشعر بها ليرتاح فينام بحاجة ماسة لعناقها..
وضع رأسها أعلى ذراعه وكبل بالذراع الأخر جسدها مُحتضنها بقوة من ظهرها ثم غمس أنفه وسط ستائر البُندق خاصتها فغزت رائحة الفُل قلبه قبل عقله فتأوه بخفوت وهو يُقبل فروتها ووجنتها وعيناها الباكية..
همس بخفوت بجانب أذنها:-
-كل حاجة هتبقى كويسة، بس ارحميني أنا وصلت لحالة ميؤوس منها .. عمري كله فداكِ يا عروق قلبي.
وطبع قُبله على أذنها ثم أعاد غمس أنفه بفروتها مغمض عينه محاولًا الولوذ إلى النوم..
بينما أسوة فاتسعت إبتسامتها وجأر قلبها عشقًا له وأيقنت أن لا أحد بمحراب قلبه سواها، أغمضت عيناها براحة وهي تستمتع برائحته وبكل لحظة هي بقُربه..
وهمست سرًا:-
-وأنا كلي لك يا روحي بل أنت منها أحب، عشقاك يا سُلطان الغموض..
*********
بعيدًا، خارج البلاد بين جدران قصرٍ أسود مُحاط بسياج عاتية، يُحاط به غمامةٌ سوداء، هُنا تجد كُل شيء؛ الجريمة، الممنوعات، السلاح، علاقاتٍ مشبوهة، دعارة، خمر، وتجارة بالبشر.
كل ما هو قذر هُنا وأكثر.
جلس على أحد المقاعد الجلدية السوداء كبقية الأثاث والطلاء، من يحصل له شرف الدخول هُنا يسقط قلبه صريع الخوف..
مد يده المليئة أصابعها بخواتم فضية على شكل جماجم وأخرى ذهبية برموز عجيبة مُبهمة، حمل كأس مُمتليء بنوع من أجود أنواع الخمور وأخذ يرتشفه بتلذذ بينما سحاب رمادي كثيف من خليط السجائر ومسحوق أخر مُذهب للعقل.
رفع رأسه لأعلى وهو ينفث موجة من سحابة أخرى خارج صدره، هيئة تبُث الإرتعاب والجزع في اللُبّ وترتعب لها الفرائس..
قال الذي يجلس أمامه والذي لا يختلف عنه بشيء:-
-إلى الآن لم يتضح شيء، مازال يبحث عنها لكن دون جدوى، وحده الخطيب من يعلم من هي أبنة ‘عاصم الشامي’ إلا أنه أختفى فجأة ولا أحد يعلم أين ذهب بعد خسارة صفقته الأخيرة.
تلاعب الأخر بكأسه وتسائل بنبرة ذات بحة باردة قاسية:-
-والصياد ما هي أخباره، لم تظهر له نقطة ضعف بعد، ولم يقع بالعشق أو ليس له إمرأةً خاصة؟!’
-آآآه مؤمن الصياد ليس له أية علاقة بالنساء وليس له إمرأةً خاصة،تبًا فقد تشتت عقلي معه يا صاح حتى قد بدأت أتشكك في أمره.
رنت ضحكة جلجلت الأرجاء وتردد صداها بين الجُدران ثم أردف:-
-مُغفل … سأخبرك بأمر وأجعله نُصب عينيك وحلقة بأذنك، مؤمن الصياد عاشق لذروته يا رجل .. عاشق بجنون..
هناك من يعشقها حد الجحيم وستعلم هذا..
ولم يكاد يُكمل جملته حتى جاء أحد رجاله مُسرعًا وهو يُنادي:-
-سيدي .. سيدي هناك جديدٌ سيدي..
نمت بسمة على زاوية ثُغره وردد بغموض:-
-تكلم يا هذا.
-لقد علمنا أين اختفى الأعور منذ عدة أيام؛ الأعور ورجاله تم القبض عليهم وهم الآن بحوزة الشرطة.
-كيف تم القبض عليهم؟!
تسائل بهدوء مُريب وبرود.
-أثناء العملية التي كانت بينه وبين مؤمن الصياد، لقد غدر به الصياد وسلمه للشرطة بعد أن خدعه وصار بينهم تصادم قوي.
-إذًا الصياد خائن، لكن لماذا فعل هذا؟!
-على حسب ما وصل إلينا أن ما فعله لأجل إنقاذ الفتاة التي كانت بحوزة الأعور، الفتاة التي تُدعى ‘أسوة’.
ردد بتفاجأ وصدمة:-
-الفتاة التي تعمل على صناعة الأفيون والمضاد الذي نجهله إلى الآن!!
-نعم سيدي هي.
انثغر فم الرجل وأضاءت عينيه بالكثير ثم أردف:-
-كما قُلت لم تخيب كلمتي، إذًا هذه الفتاة معشوقة مؤمن الصياد وفعل كل هذا لأجل أعينها، وأخيرًا قد علمت ما سأقضي على مؤمن به.
ثم تابع أمرًا بأعيُن اسودت شرًا:-
-تخلص من الأعور واترك الصياد لي، وأجمع كل ما يخص تلك الفتاة … نقطة ضعف الصياد..
واستطرد يقول بروْع:-
آن الأوان للتخلص منك مؤمن الصياد.
وقال للذي يجلس معه:-
-مؤكد هناك علاقة تربط بين مؤمن الصياد والجاثوم الذي نجهل هويته، لقد اقتربت النهاية..
اقتربت جدًا…
