رواية الصمت الباكي الفصل الرابع والخمسون 54 بقلم ساره نيل


     رواية الصمت الباكي الفصل الرابع والخمسون 

“كَلفي – عسبرة”
احتدمت الأحداث وهي من تُحركها كـ عروس ماريونيت، حسنًا ستجعل الجميع يتجرع الحنظل وتنتقم لأجل كل فتاة، انثغر فمها بإبتسامة شجية حين تنائ لعقلها ذكرى أمس.
عقصت ليلى خصلاتها الصهباء ورقدت تتذكر بتريث الصدمة التي برعت برسمها على صفحة وجه خصيمتها.
لم يبقى بوجهها قطرة دماء وهي تعتدل، تمتمت بصوت متقطع جراء تلك الصدمة:-
– دعــارة، يعني إزاي مش فاهمة، أصل خالتي كانت قالت إنها قضية مخدرات.
ابتسمت ليلى أكثر بينما ليث فكان كأن على رأسه الطير، ما الذي تُفكر به وما تقصده؟ يجهل ما الذي تريده، ولماذا تكذب ليلى عليه؟!
ليلى تلك التي تجلس بأعينها ألغاز وفي نفسها غموض جما، اختنق قلبه حزنًا مما يدور حوله من أكاذيب، أصبح يشعر بأنه انغمس في قتامٍ لا يستطيع الخلاص منه.
ارتفع صوت ليلى تقول بما أثلج قلب الأخرى:-
– لا ما هو القضيتين مع بعض، إنتِ عارفة الوساخة إللي مشهورة اليومين دول، أنا كنت ساكنة في شقة في عمارة على حد علمي محترمة بس تفاجأت كذا مرة إنهم بيدخلوا الشقة كراتين غريبة وأنا كنت بتابعهم سرًا كدا، كانت الشقة إللي قبالي وبما إني كنت وحدانيه ولا بخرج ولا بدخل إلا نادرًا فكان أمري هادي علشان كدا هما كانوا مطمنين والعمارة أكترها مكانش ساكن..
ومرة في مرة لاحظت إنهم ييجيبوا بنات صغيرة في السن وبنات بردوة في التلاتين وأسمع بُكى وصويت وضرب طول الليل .. فقولت مبدهاش وروحت بلغت الشرطة واقتحموا المكان، ومقولكيش بقاا طلعت عصابة واعرة في تجارة البنات والدعارة وكمان المخدرات وكل حاجة وسخه.
كان ليث يستمع إلى تلك الدراما بإندهاش وتعجب شديدين، غير أن ليلى أكملت مُسلسلها:-
– وبما إني شاهدة على القضية دي وكمان وحيدة ومليش حد فالشرطة قررت تأمني لأن أكيد العصابة دي هتأذيني وهما قرروا أقعد ما والدة حضرة الضابط ليث.
كانت ليلى تحدجها بقوة وهي تضغط على أسنانها بقوة وغلّ بينما دُنيا فحاولت استجماع شتاتها المُبعثر وتستعيد ثباتها، وأردفت تقول بثبات ووِد مصطنع:-
– ربنا يحميكِ يا حبيبتي إن شاء الله مفيش حد يقدر يأذيكِ، وربنا ينتقم من كل ظالم.
دمدمت ليلى في شرود وأعيُن دامعة:-
– يارب .. ربنا ينتقم منهم ويأخذهم أخذ عزيزٍ منتقم، أكيد هيشوفوا من العذاب ألوان.
رفعت رأسها لليث الذي كان يقف وتُحيطه هالة من الصمت وأظلال الحيرة في ناظريه، استقامت وقالت موجهة حديثها لفراولة:-
– تصبحي على خير يا أحلى فرولاية.
ثم نظرت لدُنيا وقد افترّ جانب شفتيها عن إبتسامة ساخرة:-
– تصبحي على خير يا آنسة دُنيا.
ابتسمت لها بارتعاش داخلي:-
– وإنتِ بخير يا حلوة، إحنا كدا كدا قاعدين مع بعض يومين.
– البيت بيتك دا أنا إللي ضيفة.
قالت فراولة بانزعاج:-
– متقوليش كدا يا ليلى إنتِ زيّ بنتي يا حبيبتي ويلا ادخلي ريحي وإنتِ من أهله.
ابتسمت لها ليلى بامتنان وسارت حتى وقفت بمحاذاة ليث الصامت وهتفت:-
– تصبح على خير يا حضرة الضابط.
استفاقت على صوت فتح الباب بقوة مزعجة، اعتدلت ببطء وتعلم حق اليقين من زائرها!
أسْفر فمها عن إبتسامة ندية حين رأته يقف ينظر لها ووسمٌ من الجحيم قد ارتسم على وجهه وجذوة من نار تشتعل بها عينه.
هرولت نحوه ثم أمسكت كفه وهي تنظر داخل عينيه بلؤم ثم همست له بصوت ينخر في عظامه حُبًا، فما زاده نبرتها غير حُبًا فوق حُب:-
– ليثي دا كله غياب، إنت كنت مستنيها تخرج علشان تشوفني، أخس عليك دا إنت واحشتني جدًا.
يرى أنها قد خلعت ثوب البرود وارتدت ثوب المكر، ورغم أنه يعلم أن ما تقوله غير صادق إلا أنه لم يستطع إلا أن يُحلق قلبه بتلك الكلمات طربًا.
تبدت في سماه أمارات الإنزعاج ونفث من صدره شحنة سالبة، ثم هتف من بين أسنانه بعدما اذدرد تلك الغصة:-
– لا عاش ولا كان إللي أعمله حساب يا ليلى، كنت مانع نفسي عنك علشان كنت مش هقدر مأذكيش بالكلام..
أنا محتار معاكِ ومعدتش عارف أعمل أيه، ليه الفيلم إللي قدمتيه إمبارح ده .. أيه غرضه يا ليلى أنا هتجنن ومش فاهم حاجة.
كانت تنظر له بصمت مُطبق نجح بإثارة حفيظته، سحبها نحوه بغضب وهو يطبق على خصرها بقوة طفيفة:-
– إنتِ عايزة أيه، ووراكِ أيه.!!
ابتسمت له بتوهج، ثم ألقت بنفسها تحتضنه، وهمست بأذنه:-
– ولا حاجة يا ليث ولا حاجة، عايزة حبك وثقتك.
ابعدها بغضب وصرخ بنفاذ صبر:-
– بطلي الأسلوب ده يا ليلى، بطلي تستغلي حُبي لحساب مصلحتك ومتستغفلنيش.
صاحت هي بالمقابل:-
– أنا مستغليتش حد يا ليث ولا استغفلتك أنا قولتلها كدا بس علشان ماتشكش في حاجة، ودا إللي جه في بالي وقولته لا استغليت ولا استغفلت، إنت مكبر الموضوع ليه.
لم تقم وزنًا لغضبه وحميته، وجَل قلبها وأصبح خاوي على عرشه حين رأت السعير تتقد بأعينه، وأصبحت عروقه نافرة يتوافد من خلالها حِمم من غضب، جذبها إليها لتصبح ملاصقة لجسده وقال بنبرة تصب غضبًا وحزنًا وحيرة وامقٍ:-
– مكبر الموضوع!! لما أعرف إن إللي قاعدة في بيتي وأعطتها اسمي بتشتغل في شبكة دعارة وعضو منها، وبتتجار في البنات وإللي جات على نفس سيناريو حكاية إمبارح يبقى أنا كدا مكبر الموضوع.!
****************
زفرت براحة فأخيرًا نجحت من تجاوزه والفرار منه، فقد أصبحت مشاعرها تجرفها نحوه وكأنه إعصار.
– الحمد لله مش شافتي.
– هو مين يا ست عزة.
صرخت بفزع وهي تضرب على صدرها وأصبحت أعينها تدور في جميع الأرجاء إلا وجهه، فركت يديها وقالت بتلعثم:-
– أقص.د .. أقصد الكلب..
اصفر وجهه ونظر لها بنصف عين ثم هتف بعتاب:-
– بقى دي أخرتها يا عزة .. معتز بقاا كلب.
قالت مسرعة بلهفة:-
– اسم الله عليك، لا لا طبعًا مش أقصد، أنا أقصد كلب الحراسة مش إنت يا سي مُعتز.
– ااه بقاا كدا ماشي، هعتبر مأخدتش بالي.
صمتت وقد تخضبت وجنتيها، فتنحنح مُعتز وقال بجدية:-
– مش كفاية هروب مني بقى يا ست البنات، من ساعة ما جيتي هنا وإنتِ بتهربي مني يا عزة؛ ليه دا كله أنا عمري أذيتك أو تعرضتلك.
هاجمتها ذكريات أليمة وانسلّ عقلها مهاجرًا لذلك اليوم التي غربت به شمسها الساطعة.
– في داهية من هنا يا بت، هو أنا هستحمل قرفك كتير ولا أيه، أبوكِ مات وأمك المحروسة سبقته وأنا مش فتحها ملجأ هنا أربي في يتامى غوري في ستين داهية داخدك ولا شوفي قرايب أمك المحروسة تقعدي عندهم..
وقفت عزة تبكي بانهيار بقارعة الطريق، جرت في أعقابها تتوسلها ثم انحنت تُقبل يدها وهي تترجها عَل قلبها يلين:-
– بالله عليكِ يا مرات عمي سبيني أنا معرفش حد ألا إنتوا، هشتغلك خدامة بس مترمنيش في الشارع علشان خاطر ربنا.
مش هطلب منك أي حاجة وهشتغل ومش هتحسي بيا.
ألقتها الأخرى على طول ذراعها فجثت عزة على الأرضية الصلبة تبكي ثم قالت زوجة عمها بقسوة:-
– قولتلك أنا مش فاتحة بيتي ملجأ، مليش دعوة تغوري في داهية ولا تعملي إللي تعمليه.
ويلا من وشي بدل ما أسلط عليكِ شباب الحتة يعدموكِ العافية، يلا من وشي يا بومة.
استقامت تجر أذيال خيبتها تسير بعرض الطرقات مِشية عليل ووجهها متغضن بالألم يسقيه دموع عينيها، تسير بأكتاف مُنكسرة بعد أن تيتمت وما ذنبها في هذا!
تبكي بحرقة لعل نار قلبها تبرد، فتاة ذات الثمانية عشر ربيعًا تجوب الشوارع ولا تعلم ما تفعل..
هداها عقلها لعمها، ستذهب إليه بمقر عمله لَعله يُهدهد زوجته ويرضيها فتبقى بالمنزل..
عزمت وبدأت رحلة ذهابها لعمله بأحد الشركات العريقة كانت قد علمت بموقعها سلفًا جراء ذهابها دائمًا لإيصال الطعام له.
وبعد فترة طويلة، وقفت تتنفس وهي تمسح على جبينها بتعب وإرهاق أمام هذا الصرح العظيم.
وقفت أمام أحد رجال الأمن قائلة:-
– لو سمحت عايزة أروح لعمي، عايزة أكلمه في حاجة مهمة.
تسائل الرجل برقة لحالها:-
– عمك بيشتغل في أيّ قسم يا آنسة.
قالت مسرعة بلهفة فهذا طوق نجاتها الأخير:-
– في قسم الصيانة تحت في الورشة.
تحدث الرجل في الهاتف يُجري بعض الإتصالات فجاء شاب من الخلف يخرج من مقر الشركة وهتف يسأل:-
– في أيه هنا يا عمّ طه.
تنحنح الرجل والتفت يقول بإحترام لرئيس الأمن:-
– أستاذ مُعتز .. الآنسة عايزة تقابل عمها في حاجة ضرورية.
التفت مُعتز ليرى فتاة نحيلة الجسد يبدو عليها التعب والإرهاق التام، وأعينها تفيض بالدموع، رق قلبه لها فقال بهدوء:-
– عمك اسمه أيه يا آنسة، إهدي في حاجة.!
ارتجف بدنها وتعلقت به باستنجاء تقول:-
– عمي المعلم اسماعيل قنديل، عايزة أشوفه ضروري بالله عليك.
نظر معتز لِـ طه وقال بحسم:-
– كلم قسم الصيانة تحت وبلغهم يبعتوا اسماعيل قنديل..
– حاضر يا فندم حالًا.
شعر بألم يجتاحه لرؤيتها بتلك الحالة المنهارة، يُريد أن يبذل من سعيه ليواسها لكنه اكتفى بقوله:-
– ممكن ترتاحي على استراحة من دول، عمك عشر دقايق وهيكون وصل..
رفعت وجهها الباهت وأردفت بتعب وقلة حيلة:-
– حاضر هقعد حاضر، شكرًا جدًا لحضرتك.
ابتعد معتز بحيرة وهو لا يُدرك ما يفعل لكنه ظل على مقربة منها يراقبها خفيةً بينما هي جالسة تهتز وهي تحيط جسدها ترتجف كقطة ضعيفة أسفل صيبًا قاسيًا ينخر عظامها.
بعد قليل جاء رجل يدق الأرض بقسوة وملامح وجهه تحمل كمًا وفيرًا من الغلظة والفظاظة فكان الجواب واضحًا.
وثبت واقفة ثم هرولت إليه بترجي ليقابلها هو بقسوة عمياء.
– عمي .. عمي إلحقني يا عمي أنا مش عارفة أروح فين ومرات عمي طردتني من البيت بالله عليك يا عمي اطلب منها تسيبني وأنا مستعدة لأي حاجة.
ما حدث بعد ذلك نزل عليها كَـ سوط عذاب فقد انهال عليها ضربًا مُبرحًا ثم صفعها صفعات عديدة جعلتها تفقد اتزانها ثم انحنى يجذبها من ذراعها ضغطًا عليه بقوة كادت تخترق عظامها، وصاح دون رحمة:-
– ملكيش حاجة عندي يا بنت دعاء وملكيش مكان في بيتي، جايه تفضحيني في مكان شغلي يا بنت عبد الرحيم إللي كان دلدول لمراته .. أيه راحوا في داهية وماسبوش لكِ مليم واحد ولا أنا شوفت منهم حاجة ودلوقتي أأكل وأشربك وأقعدك في بيتي دا بُعدك يا شؤم إنتِ.
انحنت على يده تُقبلها وقد مرمرت الألآم جنبات روحها، وترجته باكية:-
– طب هروح فين يا عمي .. أنا مش لاقيه مكان أروحه، ماما كانت تعبانة والفلوس كلها اتصرفت على علاجها، بالله يا عمي ما ترميني في الشارع..
سعلت بقوة وهي تشعر أن روحها تُسحب من صدرها، ترددت قليلًا ثم تشجعت وقالت:-
– هو .. هو بابا قبل ما يموت كان قالي إن ليه حق معاك من جدي الله يرحمه وهو قالي عمك هايعطهولك.
وكأنها قد فتحت باب موصد من الجحيم، دار رأسها إثر صفعة قاسية عن سابقيها وجذبها من حجابها وهو يصرخ:-
– يجيكي كسر في حُقك يا بجحة يا قليلة الرباية، ما هقول أيه تربية دعاء .. الله يجحم أبوكِ الملعون..
غوري في ستين داهية يا بت إنتِ مش عايز أشوف وشك الشؤم ده قدامي ولو ظهرتي مرة تانية مش هتردد إن أفرمك بالعرابية.
عندما علا صوته وارتفع توجع “عزة” انتبه رجال الأمن وتوجهوا نحو الإستراحة بينما “مُعتز” فكان يقف متخشبًا كأنه منوم مغناطيسيًا لا يُصدق ما يقع أمام ناظريه..
هرول الجميع ليفصل الفتاة من يد هذا المُتجبر..
ارتفع الصوت أكثر ليسحب مُعتز من سبات الصدمة خاصته فجعل يأكل الأرض بأقدامه وهو يسرع نحوها بقلبه.
– أبعد عنها يا راجل إنت…إنسان متخلف.
– إنتوا مالكم أنا حُر بنت أخويا وأربيها..
في هذا الأثناء كان يخرج “مؤمن الصياد” من مقر عمله فلاحظ تلك الضجة فاقترب يشاهد بصمت..
– مليش مكان أروح فيه يا عمي ماتسبنيش لكلاب السكك.
رفسها الرجل بعدم رحمة وصاح:-
– قولتلك بيتي مش ملجأ ومش بأوي يتامى فيه يا روح أمك، غوري من وشي يا بت إنتِ ومن هنا ورايح ملكيش علاقة بيا ولا تطلعي في وشي هو إنتِ هتتلزقي فيا بالعافية، أيه البلاوي إللي بتتحدف عليا دي.
وألقها ثم رحل بقلب متحجر تاركًا فتاة ينزف قلبها قبل بدنها وجعًا وحسرةً تلتحف بالسماء والأرض لها فِراشًا، بلغت من العمر عِتيًا في عِز شبابها.
اقترب منها الناس يتفضلون عليها بالمواساة بينما يقف معتز بأعين دامعة لقسوة البشر مكتوف اليدين..
– يارب إنت العالم بحالي، مليش غيرك يارب الكل سابني وبقيت في حماك يا حنين يارب العالمين.
انجدني يارب وابعتلي أي مساعدة إنت رب المستضعفين إللي زيّ إنت رحمان رحيم أنا مليش أيّ حيلة.
وقد أقسم بجلاله وعزته سبحانه بأنه سيتولى تدبير الأمر لمن لا حيلة له حتى يتعجب أصحاب الحيّل فهو دائمًا عند المُنكسرة قلوبهم.
اقترب برزانة وهدوء ثم أشار لهذا الجمع فرحل الجميع باحترام ولم يبقى سوى ‘مُعتز’.
تنحنح حتى قال بخشونة:-
– بتعرفي تحضري أكل.
سار لأسماعها هذا الصوت وتعجبت من هذا السؤال الذي ليس مجاله مطلقًا، رفعت رأسها وانبسطت عقدة حاجبيها قائلة:-
– أيوا بس ليه بتسأل ومين إنت.!
نبش مُقدمة رأسه وأردف بصوت مهندم وهو يرمقها شذرًا:-
– أنا صاحب المكان، وكنت بقولك لأن عامل إعلان عن موظفة تشتغل في القصر بإقامة في المكان كمان فقولت أقولك لو بتعرفي تطبخي والكلام ده.
نظرت له بعدم تصديق لا تعلم هل تصدقه أم أن هذا رجل سيء مُحتال، لكن هيئته لا تدل على ذلك بل ملامحه تقول أنها مجرد عون منه ومساعدة، كأنه ملاك أرسله الله لينتشلها.
ابتسم معتز بفرحة على موقف رئيس عمله “مؤمن الصياد” فحقًا رجلٌ تظهر رجولته في أفعاله ويعكس ذلك طهارة قلبه الخفيّة..
قالت “عزة” بصوت متقطع من البكاء وحرقة تضطرم بجوارحها فهذا هو الجبل الذي يعصمها من الماء:-
– شكرًا جدًا لحضرتك مش هنسالك الموقف دا أبدًا، ربنا يجازيكِ خير ويحققلك كل ما تتمنى ويزيدك.
الحمد لله بعرف أطبخ وأعمل كل شغل البيت ماما الله يرحمها عرفتني كل حاجة.
أومأ مؤمن بصمت وانتقل ببصره إلى معتز مردفًا:-
– يلا يا معتز.
واستدار راحلًا بهدوء كما جاء.
أماء له معتز بإحترام، ثم نظر لِعزة مبتسمًا وقال يطمئنها:-
– متخافيش هو إنسان كويس وأنا بشتغل عنده كمان هترتاحي جدًا في القصر ومش هتكوني لواحدك هتحبي الخالة سلوى جدًا.
مسحت دموعها وأردفت مبتسمة:-
– شكرًا لك .. الحمد لله ربنا أنقذني.
قال مبتسمًا إبتسامة تنم عن عشق بدا يترعرع بقلبه:-
– أنا مُعتز.
– وأنا عزة.
– فرحت بشوفتك يا عزة.
ورحلوا ذاهبون للقصر الذي ضم بين جوانبه الكثير وأوآى من لا مئوى لهم تحت جناح رجل رحيم لبس ثوب البرود.
سحبها معتز من هذه الذكرى على قوله:-
– هاا هفضل واقف كدا كتيرر يا ست عزة ولا أيه.!
– هاا في أيه.
– خلاص يا عزة مش هتعرفي تهربي مني تاني أبدًا.
نظرت له بتعجب وعقدت حاجبيها متسائلة:-
– قصدك أيه.!
قال بحسم لا يقبل النقاش:-
– أنا طلبت إيدك من الباشا مؤمن.
******************
لبست السماء رونق المساء فازدات الأجواء جمالًا فوق جمال، النهر الصافي الذي يجري كأنه دموع السحر من أجفان هاروت وماروت، الشجرة الناضرة الممتلئة بالأوراق كأنها مكتبة يتصفّحها الهواء.
والآن وقد بدأت الطبيعة تتنهد كأنها تُنفِّس بعض أكدارها، أو تُملي في الكتاب الأسود أخبار نهارها.
وقفت أسوة والسعادة تتقاذف من أعينها تلتفت حول نفسها بعدما أرتدت هذا الثوب الرقيق، فبعد أن صعدت للأعلى وجدت صندوق مستطيل موضوع على الفراش وعندما قامت بفتحه وجدت رادء جميل ذا لون أبيض ناعم الملمس وطويل وبنهايته تجد ما أشبه بالذيلين..
على الرغم من بساطته إلا أنه غاية في الروعة والإحتشام، ومُلحق به حذاء من نفس اللون ذا كعب صغير مُربع، وأيضًا حجابٌ أبيض ناعم.
وقفت تلتف حول نفسها بفرحة فقد أخبرها بأنها سيصطحبها ويزيد إلى القرية حيث يُقام مراسم زفاف تبع تقاليد القرية.
جاءت لتخرج فتقابلت به بصحبة يزيد لتقف تتأملهم بدهشة، فقد كان يرتدي بناطل أسود أعلاه قميص من قماش الكتان باللون الأبيض ويزيد يرتدي مثل ملابسه تمامًا.
هرول يزيد نحوها وهو يدور حولها بإعجاب ثم هتف بطفولة:-
– إنتِ حلوة أووي يا ماما أسوة، شكلك جميل جدًا.
ابتسمت هي الأخرى بفرحة طفلة، وتسائلت وهي تدور:-
– بجد يا زيدو، أيه رأيك لايقين عليا.
– جدًا يا ماما، شبه الملاك.
والتفت الطفل نحو مؤمن الذي يقف أعينه تتحدث بدلًا عنه، تصرخ عشقًا وإعجابًا يتأمل هيئتها النقية بقلب يقطر هيامًا، اقترب نحوها ثم وقف أمامها لتخفض رأسها بخجل ويُشرق لون الشفق على وجنتيها، وضع اصبعه أسفل ذقنها يرفعه صوب وجهه ومسد وجنتها بإبهامة هامسًا ببحة تقطر شوق:-
– حلوة كابتسام الربيع، عيّا قلبي بكِ شوقًا اقتحم العروق لينبض كل عرق بهمسات يعجز مثلي عن قولها.
لايق لكِ يا عسبرة وإنتِ زدتهِ إبهار.
بدلًا من أن تطمئن وتسعد تفاقم شعور القلق بداخلها، هناك شيء ليس طبيعي به وبنظراته وأفعاله وأيضًا قوله، جأر قلبها بوجل فور أن هاجمتها ذكرى هذا الكابوس اللعين، غامت أعينها خوفًا فعكس ذلك على إرتجاف جسدها وأحاطت نفسها بذراعيها تبتعد عن محيطه مما جعل مؤمن يفور قلقًا وهو يعتقد أنها تنفر منه.
استفهم يقول بعد أن التفت يتأكد أن يزيد قد ابتعد يلهو:-
– مالك في أيه، فيكِ حاجة لو إللي قولته زعلك خلاص أنا ….
قطعت استرسال حديثه مُلقية بنفسها بعرض أحضانه وهي تهمس بنشيج باكٍ:-
– إنت كويس .. أنا حاسة إنك مخبي عني حاجة أو فيك حاجة، أنا مش عارفة مالي.
كانت تبكي رغمًا عنها، مشاعر تفوق قوة تحملها لم تعد تستطيع التحمل، غرست رأسها بصدره فابتسم ورفع يده يسير بها على رأسها وأصبح هو الأخير يتوق شوقًا ليفيض بما داخله من مشاعر مكبوتة، متيقن هو لما له بداخلها..
قبل رأسها وهو يمرمغ أنفه يسحب جرعة من عبقها الأخاذ، وغمغم بهمس:-
– هاخبي عليكِ أيه يا عسبرة، طمني روحك أنا كويس، وبعدين طالما الكلام الحلو بيقلقك كدا يبقى بلاشه ولا تزعلي .. يلا يا بت اتجري قدامي..
غرقت تضحك بينما الدمع بأعينها ليسحبها ممسكًا يدها قائلًا:-
– يلا يا غمامة وبطلي غم.
تأملته بحب جارف وشددت من تمسكها به وكأنهم زوجين محبين ولا يوجد أكثر من ذلك..
ناد مؤمن يزيد وهو يمد يده له:-
– يلا يا بطل بينا.
سعى إليه يزيد ممسكًا يده بسعادة كبيرة وهو يرى السكينة البادية على ملامحهم وهمس الصبي بفرحة:-
– بقى عندي بابا وماما، يارب خلينا دايمًا كدا.
وساروا براحة بال شاعرين بأنهم أشخاص مختلفة عن ذي قبل وكأن الحزن لم يكن له مكانًا بينهم يومًا ما.!
يدرك مؤمن أن ما هم به لن يستمر طويلًا وأن قريبًا جدًا ستحل الظلال السوداء على حياتهم.
كانت تتمشى بصحبته وسط جداول المياة الرقراقة، والأشجار الخضراء الكثيفة وتُحيطهم الأراضي الزراعية من كل جانب، وانتشر أهل القرية التي تنطق سيماهم بالطيبة، علمت كم هو محبوب بينهم والجميع يحترمونه ويوقرونه، فيقف الرجال يباركون ويهنؤون بزواجهم.
اقتربوا من أجواء الإحتفال بالزفاف فانحنى على أذنها وقال:-
– هنا لهم عادات وتقاليد مختلفة إللي يجي يحضر فرحهم بتطبق عليهم.
ارتفعت أنظارها نحوه وتسائلت بفضول:-
– وإنت بقى حضرت أفراح هنا قبل كدا؟!
أجاب مردفًا:-
– في ناس هنا لهم مَعزة عندي فلما كانوا بيعزموني فلو أنا فاضي كنت باجي ودا نوع من إحترامهم.
أعجبت بمبدأه وهتفت:-
– الناس هنا واضح انهم طيبين أووي.
حرك رأسه بإيجاب وقال:-
– أكتر من طيبين، الناس هنا محترمة وبيحبوا الخير لغيرهم كمان مش عندهم حقد يعني نضاف من جوا.
وحقيقي أنا بحبهم جدًا، وبحب المكان هنا فوق الوصف وأكتر مكان برتاح فيه بعد القصر.
لا تعلم أتهيمُ به عشقًا أكثر أم يزداد إعجابها أكثر، فهو على النقيد تمامًا مما يُبين، داخله نظيف رقيق وهذا ما يجهله الكثير.
تسائلت بتعجب:-
– إنت بتحب القصر والغابة أوي كدا!
– مكان القصر والغابة فيهم أغلى ذكريات في حياتي وأنا عايش على أنقاضها والمكان هادي وبعيد عن العالم الخارجي.
– طب دا شيء كويس إن الإنسان يعيش منعزل عن العالم.
– وهو أنا كدا منعزل عن العالم، بالعكس أنا طول اليوم في شغلي وبسافر وبتعامل مع ناس كتير جدًا بس من حقي في أخر كل يوم إن أحس بالهدوء والراحة وافصل شوية، ولا إنتِ أيه رأيك.
حاجز الصمت الذي كان بينهم تشعر به يذوب شيئًا فشيء، فها هو قد بدأ يُحدثها فيما يُفضل ويحب.
ابتسمت وهي تحرك رأسها بتأكيد مرح:-
– كلام في السليم يا باشا.
ابتسم لها ثم همس بصوتٍ خفيض:-
– عيون الباشا يا عروق قلبي.
– ما شاء الله الأجواء هنا شكلها جميل أووي شكلنا هنهيص يا زيدو..
– ايوا يا ماما أسوة .. وشوفي في هنا حصان، أنا نفسي أركب الحصان أووي.
أوشكت أسوة على القفز لكن تمالكت نفسها وهي تهتف بحماس:-
– وأنا نفسي .. نفسي بجد أركب حصان.
مسح مؤمن الأجواء بناظريه وسرعان ما هرع يستقبله عدد من رجال القرية وشبابها، ثم جاءت بعض الفتيات يصطحبون أسوة ويزيد..
– روحي معاهم لأن هنا الرجالة بيتفصلوا عن الحريم.
أماءت له ثم أمسكت يزيد جيدًا وسحبت يدها من يد مؤمن الذي ظل مُطبقًا عليها فاقتربت منه وافترّ ثغرها عن بسمة هادئة بينما مشاعرها فتمور وهمست وقد أشاحت عيناها عنه:-
– ممكن تسيب إيدي.
طالعها بتعجب وخفض نظراته لأسفل وتمعن جيدًا ليترك يدها سريعًا بصدمة ورحلت عنه ملطومة الخدين بالورد بعدما كلمتها عيناه بما يحوي قلبه.
أنا كوبٌ من الشاي.
وهي قطعة من السكر
لا يُذيبُها غيري!
ولا أصبحُ حلوًا .. إلا بِسُكرها.
نعم دام صمتهم طويلًا، كان صمتٌ ضائع كالعبث، ولكن له في القلبين عمل كلام طويل، فهي كانت تتكلم ساكتة وكان يرُد عليها بسكوته.
– والله نورت يا باشا وحصلنا الشرف يا مؤمن يا ابني.
رد عليهم مؤمن بوِد ومحبة:-
– منور بأصحابه يا حاج أيوب والشرف ليا طبعًا يا طيب.
انغمس مؤمن معهم في الأجواء لكن قطع عليه تسامره معهم رنين هاتفه، ابتعد عنهم قليلًا ثم رفع الهاتف يُجيب بهدوء:-
– أيوا يا ليث.
قال ليث مسرعًا:-
– مؤمن أنا قلبت الغابة حتة حتة مع معتز وبحثنا عن أي أثر بس للأسف ملقيناش أي حاجة..
الخطيب ملهوش أي أثر ومفيش أي أثر لعربيات مثلًا أو أي حاجة غريبة..
واضح إللي عمل كدا عارف وحافظ مداخل الغابة ومخارجها كويس جدًا..
وأكمل ليث باستنتاج:-
– ودا يوضحلنا إن في خاين في القصر بتاعك.
أفل الضوء الذي كان بعينه وحلّ بدلًا عنه عتمة شديدة وهدر وهو يقبض على كفه حتى ابيضت مفاصله:-
– عارف .. وكان عندي احساس قوي، يا ويله إللي هيقع بين إيدي، أوسخ صفة ممكن تكون في إنسان إن يكون خاين ويعض الإيد إللي اتمدتله.
صمت ليث قليلًا ثم قال بهدوء:-
– كمان عايزة أقولك خبر ضروري..
– همم قول يا ليث عالطول.
سعل ليث بخفة إستعدادًا لما هو آتٍ فهو يعلم خطورة الآتي، وأردف:-
– الأعور اتقتل في السجن.

تعليقات