رواية الصمت الباكي الفصل الخامس والخمسون 55 بقلم ساره نيل


     رواية الصمت الباكي الفصل الخامس والخمسون 

“الغيرة سعيرٌ حارق”
افترشت الأرض أسفل إحدى الأشجار بقلبٍ مُسهد مهموم، هي من ألقت بنفسها في هذا الجحيم، ضحكت بصوت مكتوم على نفسها وهي تتأمل السماء ثم تقول متضرعة:-
– إنت إللي عالم بالحال، إنت شاهد على كل إللي حصلي وعالم أنا بجاهد نفسي في اليوم كام مرة، عوضني عوض الصابرين وطيب قلبي من كل الجروح إللي فيه، أنا راضية ومتيقنة إن دا قضاء وقدر بس أنا .. أنا بتوجع أووي وحاسه إن وحيدة أووي، أنا يارب مش بنتمي لأي حد، إحساس إن مليش حد أنتمي ليه بيقتل.
يتيمة، لا أب ولا أم ولا عيله .. مجهولة الهوية، مُغتصبة ومهدور حقي.
صمتت تنظر للسماء تُناجيه بصمت وقلبها ناطق بكل ما أثقله، قطع تلك اللحظات صوت حمحمات تقترب منها اعتدلت مسرعة وهي تمسح وجهها، التفتت ترى مَن فوجدت ما كانت تخشاه.
– صفية.
استدارت بقلب متألم تواجهه بظهرها لا تُريد الحنين مرةً أخرى ولا أن يتشبث قلبها بما هو مستحيل وبالنهاية ستكون حِزمة من الأوجاع من نصيبها فور أن يعلم حقيقتها وما حدث لها سالفًا، حينها سيشمئز منها.
ابتلعت ريقها ورددت بصوت خفيض لكنه يحمل كمًا لا بأس به من البرود:-
– نعم يا دكتور مصطفي أنا تحت أمرك.
تعجب مصطفى أكثر من تعجبه من حالها التي تُبديه منذ مُدة، وهتف بعدم فهم:-
– دكتور مصطفى! وتحت أمرك! فيكِ أيه يا صفية ومالك بتعاملني بالطريقة الرسمية الجافة دي ليه.؟
قبضت على ملابسها خفيةً وواجهته ثم قالت بثبات:-
– مالها طريقتي حضرتك وهو كان في حاجة بينا علشان أعاملك بطريقة مش رسمية ولا إنت مين.
توسعت عيناه بدهشة وأيقن أن بالفعل قد حدث شيء لها، اتقدت أعينه غضبًا من تجاهلها واقترب يلتهم الأرض بنفاذ صبر غاضب ثم طلّ عليها وصاح بكَبت التجمه قلبه كثيرًا فقد ملّ الصمت:-
– إنتِ عارفة كويس جدًا يا صفية وفاهمة كل حاجة بس أقولهالك بصوت عالي وأفهمك أنا..
أنا بحبك يا صفية .. بحبك مش من دلوقت، من يوم ما عرافتك وإنتِ عارفة كدا كويس وحاسة بدا..
كنت متحفظ معاكِ لأبعد الحدود حتى النظرة مرفعتش عيني فيكِ وإنتِ مجرد ما كنتِ تلمحيني في مكان تغيري طريقك وتهربي مني قولت مفيش مشكلة، وبدأت أتعامل معاكِ بحدود في إطار الشغل هنا وتعاملنا بمنتهى الإحترام..
وبعد كدا تهربي فجأة حتى لما أنادي عليكِ ماترديش، كلامك جاف وبارد لأبعد حد..
أنا بحبك .. أيوا بحبك وعارف إن غلط أقول كدا دلوقت بس حقيقي إنتِ خرجتني عن شعوري، أنا قلبي مأسورك وعايزك ليه على سنة الله ورسوله وبالحلال.
لن تُنكر إرتجاف قلبها وجسدها وفرحتها الموءدة برُكام الماضي، ليتها تستطيع السعادة كأي فتاة لكن تلك السعادة ستُطمس لا محالة عند معرفته بالمستور.
تسلحت بالقوة وتمالكت مشاعرها ثم أردفت ببطء أخفى كسرت روحها:-
– بس مش قبل ما تحب حد وتطلبه للجواز تكون عارف هو مين.؟!
أكملت بإبتسامة موجوعة وهي ترفع رأسها:-
– أنا صفية بنت الملجأ .. أنا تربية ملاجيء يا دكتور مصطفى أظن دلوقتي لازم تفكر؛ لأن بنت الملاجيء أكيد مش هتناسب جنابك أبدًا..
**************
لن تُنكر، اهتز ثباتها الداخلي وشعرت بذبذبات من الصدمة تجتاحها، لكن مرحَى لها فقد نجحت بجدارة بوأد هذا كله،
أثبتت النظر فيه وعقدت ما بين حابيها متسائلة بعدم فهم:-
– دعارة!! مين شغال وعضو في الدعارة مش فاهمة قصدك مين.؟
اختلج الذي هو في صدره وهو يُدرك أنها تمّوِه عن الحقيقية وتدعي عدم الفهم، نفخ بنفاذ صبر وصاح بهتياج:-
– إنتِ .. أقصد إنتِ إللي شغالة في الدعارة كدا فهمتِ ولا تحبي أوضح أكتر.
وما تلّبثَ إلا يسيرًا ثم رفعت كفها بعزم قوتها ولطمت وجهه لطمة قوية أحدثت صوت رنّ بجوانب الغرفة، قبضت راحتها بقوة ورفعت سبابتها في وجهه وهي تضغط على كل حرف وكأنها تمضي على أشواك:-
– إياك .. اتعديت حدودك يا باشا وواضح إنك مش عارف بتقول أيه علشان تتهمني إتهام زيّ ده ولا علشان أنا تساهلت معاك تزيد فيها .. لا .. لا عاش ولا كان إللي يتهمني في شرفي وأخلاقي، إللي بينا مجرد إتفاق وورقة لمدة معينة ولما تخلص كل واحد هيروح في طريقه، أخويا لما كتب الورقة دي كان يقصد إن يكون في رابط علشان أقعد في بيتك بصفة شرعية ومش يكون في حُرمة، مفيش لا أكتر ولا أقل من كدا لا أنا مراتك ولا هكون في يوم من الأيام وإللي بعمله مش ليك أي علاقة بيه لإما قسمًا برب العباد أخرج من هنا ومحدش هيعرفلي طريق، ودا التحذير الأخير لك يا باشا، أتمنى يبقى في حدود بينا وتحفظ حدودك.
ولم تنتظر رده وخرجت كالعاصفة ينهار من خلفها جبال شامخة، جلس ليث على الفراش بصمت مُطبق وهو يُراجع كلماته وأفعاله، هل منّا نفسه كثيرًا وتجاوز معها، هل فاق بتخيلاته وأحلامه كثير.؟
شكك في الأخبار التي وصلت إليه، من الممكن أن تكون غير صحيحة وأن هناك خطئًا ما!.
هدر بإصرار وقوة:-
– وراكِ يا ليلى وهعرف إللي إنتِ مخبياه ومش هتنازل عن حقي فيكِ، إنتِ حُبي وقلبك من حقي وأنا هعمل المستحيل علشان أفوز بيهم.
خرجت ليلى بعد مُده بعدما ارتدت ملابسها تسير في أحد الحدائق العامة تستنشق الهواء وتفكر مليًا.
جلست على أحد المقاعد وهي تعيد ترتيب الأحداث بداخلها، مزق تلك الخلوة رنين هاتفها اللحوح، أخرجته من جيب سترتها مُجيبة بلهفة وهي تتسائل:-
– هاا في جديد..
قال الطرف الأخر بحماس:-
– جديد وجديد كمان يا دكتورة ليلى، جبت الخلاصة أخيرًا.
وثبت ليلى وهي تهتف بسعادة:-
– قول عالطول يا أخي.
– صفية مُرسي عايشة ومجددة بطاقتها الشخصية السنة إللي فاتت، كمان مكان إقامتها معايا.
رددت بفرحة سقطت لها دموعها وقلبها يتعالى قذفه تهليلًا:-
– لك مكافأة كبيرة جدًا مني، عرفت إزاي، وأيه هو العنوان.
– قدرت أوصل لواحد عزيز عليا في السجل المدني، كمان والعنوان .. هي بتشتغل في قصر لراجل أعمال مشهور وإقامتها كمان في القصر يعني بحْثنا من البداية ورا شبكة الدعارة كان مش صحيح.
– لأن عرفت وسمعتهم بنفسي لما اتفقوا يسلموا صافي للعصابة الوسخة دي هي والبنات إللي خرجت معاها، وعلشان صافي محدش كان يقدر عليها سابوها خرجت من الملجأ وبعد كام خطوة في الشارع الجانبي خطفوها، المسؤولة عن الدار كانت بتبيع البنات لهم حتى البنات الصغيرة إللي ماتمتش التمنتاشر.
وإللي أعرفه إن تم اغتصاب صافي ودا سمعت المسؤولة بتكلم القذرة دُنيا وهي بلغتها بكدا.
نطق الأخر بعدم تصديق:-
– أنا مش مصدق إللي بيحصل ده، معقول .. معقول دار أيتام بيحصل فيها القذارة دي، دا إيواء الأيتام إللي بيتكلموا عنه!!
بدل ما يساعدوا البنات ويحموا مستقبلهم يدمروهم بالطريقة دي، أنا مصدوم من إللي بيحصل في الدنيا.
تابعت ليلى تقول بأعين شاردة:-
– وأكتر من كدا يا زياد، دول بيشتغلوا كل إللي لا يخطر لك على بال، بيستغلوا الأطفال بطريقة بشعة لأبعد حد، بيجبروا البنات يشتغلوا دعارة إلكترونية، لما دخلت وسطهم حقيقي حسيت بقهرة هتموت قلبي.
أنا يا شيخ زياد كان هيكون ليا نفس المصير، بس إللي ماكنتش عرافاه المسؤولة إن كنت على علم بكل إللي بيحصل وأقدر أخلي دا في صالحي، وطبعًا دا كله يكمُن في أمك ست الكل أمل جارتي الحبيبة، زي ما إنت عارف القصة، خالتي أمل كانت بتيجي تزور الملجأ دايمًا، أنا كنت بحبها جدًا ومقربة منها، ولما قربت أتم التمنتاشر طلبت منها تيجي في اليوم إللي هخرج فيه وطبعًا هي ما ترددتش لحظة ودا أفسد خطة المسؤولة الشيطانة لأن بما إني هخرج وطبعًا هحتاج لسكن وشغل علشان أتابع حياتي…
اقترحت خالتي أمل إن عندها مكان للسكن وتعرف ليا شغل مناسب وكويس بدل ما أخرج أتبهدل وأدور هتكون كل حاجة جاهزة وأنا طبعًا رحبت جدًا ما دي كانت خطتي من البداية..
وهنا مقدرتش المسؤولة تعترض علشان ماتثيرش الشكوك وخطتها ربنا أضلها، وجيت عندكم وكنت جارتكم وخالتي أمل فضلت معايا دايمًا..
تنفست ليلى بعُمق وقالت بامتنان:-
– حقيقي وقفتك جمبي ووفقت خالتي أمل مش هنساها أبدًا يا زياد، إنت الوحيد إللي تعرف الحقيقية دي ولازم تكتم عليها لغاية ما يحين الآوان.
ردد بقلق وهو يفرك جبينه:-
– بس أنا قلقان عليكِ يا ليلى وسط الناس دي، خايف يقدروا يأذوكِ.
– اللاه اللاه .. إنت إللي تقول الكلام ده يا شيخ زياد، مش دايمًا كنت بتقولي إن إللي معاه ربنا لا يُهزم وتقولي طالما على حق ماخافش وإن لن يُصيبنا إلا ما كتب الله لنا.
– ونعم بالله يا ليلى، بس خدي بالك من نفسك كدا، وأنا معاكِ لو احتاجتي أي حاجة.
– طبعًا أمال هعذب مين معايا، المهم يا سيدي قول العنوان يلا متعرفش فرحانة قد أيه إن لقيت صافي وأخيرًا هقدر أترمي في حضنها.
– هبعتلك العنوان بس خدي بالك في حاجة غريبة جدًا، القصر ده وسط غابة كثيفة جدًا، كمان الغابة بتوه ومش أي حد يقدر يمشي فيها بسهولة ولا يوصل للقصر.
– سيبها على الله.
– ونعم بالله، في حفظ الله يا ليلى.
– وإنت كمان.
غامت أعيُن ليلى بسعادة تكاد أن تلامس السماء من فرطها ثم همست بانشراح صدر:-
– وأخيرًا يا صفية .. أخيرًا يا صافي بعد كل السنين دي.
****************
وفدت إليهم، وجلست بصحبتهم وهي تتأمل الأجواء المُبهجة، الفتيات يرتدين الثياب المزركشة والإكسسوارات المُميزة، وهناك بجانب أخر تجد مجموعة يقومون برسم ونقش الحِناء.
التفّ حولها هي ويزيد مجموعة من الفتيات وجاءت الخالة فردوس في ثوبها السماوي المزركش..
– منورة يا ست البنات يا مرات الغالي
شعرت أسوة بالحرج، وغمغمت تقول:-
– دا نوركم والله يا خالتي فردوس.
قالت فردوس باستنكار:-
– أيه يا شذى مش هترسمي للعروسة الجديدة الحِنة ولا أيه، زي عادتنا يا بنتي.
جاءت فتاة متوسطة الطول كان يلتف حولها كثير من الناس، ذات وجهه بشوش وبيدها كثيرًا من الأدوات ووعاء مليء بعجين حناء حضراء اللون.
– وهو دا اسمه كلام يا خالتي فردوس، ست الستات بما إنها مش اترسملها حِنة شذى في فرحها يبقى تترسم دلوقتي.
زيّن وجه أسوة بسمة ندية وقَبلت شذى ثم استفهمت بفضول:-
– أيه هي عادتكم دي بقاا يا ست شذى.
– أولًا ألف مبروك يا أسوة هانم، فرحت جدًا لما عرفت إن مؤمن باشا كمل نص دينه.
تبوأ الحياء من أسوة كلما جاء ذِكره، وهمست:-
– الله يبارك فيكِ يا قمري وربنا يسعد قلبك يارب، بس خليها أسوة .. أيه هانم دي.!
جاءت فتيات أخرى وتعرفوا على أسوة فما كان منها إلا أن أحبتهم وهم قد بادلوها الحُب واللُطف.
قالت إحدى الفتيات بمرح:-
– بصي يا ست البنات، كل واحدة فينا مخترعة ومنتجة لحاجة معينة، مفيش حد عندنا يقعد كدا ألا أما يكون لها نتاج وإنجاز ولو كان بسيط .. يعني ربنا عطى لكل إنسان في الوجود موهبة وواجب عليه يستغل موهبته ويشتغل عليها، يعني يكون ليه أثر في الحياة ولو بسيط مش نعيش علشان ناكل ونشرب وبس، عندك مثلًا شذى صنعت حِنة من نوع شجر معين عندنا ومش بس كدا دي عملت تجارب كتير جدًا علشان تفضل راسمة الحِنة مستمرة على الجلد ست شهور من غير ما تتمسح أو أثرها يبهت.. يعني تبقى زيّ الوشم كدا بس حلال طبعًا على الجلد من فوق ومش بتحول بين المياه والجلد، ضيفي لكدا أنها أستاذة في رسم أشكال خيالية ولا أشطر رسام وبترسم الحروف والأسماء بخطوط متعددة .. زي الخط الكوفي والفارسي وكدا.
كانت أسوة تصغي لهم باستمتاع شديد وإعجاب ودهشة لم تستطع إخفاءهما، تناولت خيط الكلمات تُردد:-
– بجد في كدا، إنتوا بنات عظيمة أووي بجد شطورين وأنا اتعلمت منكم درس عظيم جدًا، عاش يا بنات وربنا يقويكم.
أخذت شذى بيد أسوة مبتسمة وقالت:-
– عادتنا بتقول أيه أو تقدري تقولي أنا إللي افتكست الإفتكاسة دي، كل فرح في البلد برسم حِنة لكل البنات، كمان برسم للعروسة اسم زوجها على قلبها بخطوط مختلفة .. كمان الستات المتجوزة كل فترة بتيجي أرسملها اسم جوزها على قلبها كنوع من التغيير، الحِنة إللي برسم بيها الاسم بتفضل ست شهور مش بتختفي، أما إللي برسمها على الإيد بتختفي بعد شهر أو شهر ونص تقريبًا.
كمان في كف الإيد برسم رسومات كتيرة جدًا وفي قلبهم برسم حروف اسم الزوج بطريقة ملتوية جدًا جدًا بخطوط عربية عريقة، وعايزة أقولك ولا واحد قدر يطلع اسمه من وسط رسومات الحِنة .. أيوا سرقت الفكرة دي من الهنود بس بطريقتي أنا .. طريقة شذى المُبتكرة.
قالت الجملة الأخيرة وهي ترفع أكتافها وأنفها بطريقة مسرحية، فانفجرت أسوة ضحكًا وقالت بروعة:-
– حقيقي حقيقي إنتِ شطورة يا شذى ومبتكرة بجد…
– شكرن شكرن .. أنا مش عارفة أودي مواهبي العديدة فين، المهم يلا بينا يا عروسة علشان نرسم الحِنة لكِ أما نشوف مؤمن باشا هيقدر يطلع اسمه ولا لا..
لمعت عيون أسوة ومدت لها يدها وهي تقول:-
– بصي صعبيها جدًا عايزة حروف اسمه كاد تكون منعدمة.. عايزاها لُوغاريتمات..
– والله طلعتي ما سهلة يا أسوة .. دا إنتِ بتحبيه حُب.
– موووت يا بنتي أمال أيه..
– الله يعينه عليكِ، متقلقيش لأن أنا مش برسم الأسم على بعضه، أنا برسم الحروف متفرقة كل حرف في ناحية..
– يلا ربنا معاكِ.
بدأت شذى تخُط فنّها على يد أسوة التي كانت تتابعها بدقة وهي تُخبأ حروف اسمه، بينما يزيد فكان يجلس يتابع ما يحدث بحماس طفولي.
ابتسمت له شذى وهي تداعبه بقولها:-
– اسمك أيه يا باشا إنت.
أجاب يزيد ببراءة هبطت على قلب أسوة كـ زخَّات مطر قاسية:-
– اسمي يزيد .. يزيد مؤمن الصياد.
تصنمت أسوة وامتقع وجهها بمشاعر شتى، ظلت تحدق في اللاشيء وكأنها مدحورة عنهم جميعًا لعالم آخر.
ابتسمت له شذى وظلت تداعبه غير شاعرين بما هطل على قلب أسوة.
– أيه رأيك يا أُس أُس.
ابتسمت أسوة وقلبها صامت وهتفت وهي تتأمل يدها ثم قالت:-
– بجد مبدعة يا شذى يا قمر إنتِ حقيقي فنانة.
– دا بس حلاوة عيونك يا أسوة، يلا بقاا ابعدي طرف الفستان علشان أرسم لك اسم مؤمن باشا على قلبك.
اضطربت أسوة بشدة وضحل ثباتها وهي تنفي معترضة بتقطع:-
– لا لا .. ملوش لزوم يا شذى كدا كويس أوي.
حدجتها شذى بتعجب وجادلتها بنبرة لا تقبل النقاش:-
– أيه الكلام ده يا أسوة، إزاي مش عايزة يترسملك اسم جوزك مفيش واحدة تعترض على حاجة حلوة زيّ دي.
توترت أسوة بارتباك وهي تنظر للوجوه المترقبة فغمغمت بنبرة مرتعشة:-
– لا لا مش أقصد كدا طبعًا، بس مش عايزة أتعبك.
طالعتها شذى بعتاب وقالت:-
– عيب عليكِ يا أسوة مفيش أي تعب.
قالت الخالة فردوس بدعم:-
– يلا يا ست البنات متقلقيش شذى بتعمل دا كله وهي مبسوطة.
رضخت لهم أسوة بعد إلحاح حتى لا تُثير الشكوك كما أخبرها هو، فابعدت طرف فستانها من أعلى حتى تبيّن جزء من جسدها أعلى قلبها تحديدًا لتبدأ شذى بابتسامة ندية ترسم حروف اسمه.
بعد فترة وجيزة قالت شذى بفخر وهي تسحب أسوة نحو المرآة:-
– شوفي بقى النتيجة واحكمي بنفسك، وشم باسم حبيبك على قلبك من حِنة شذى المعتبرة وبريشتها كمان.
رفعت أسوة أنظارها نحو المرآة لترى عينها تلك اللوحة الفنية، رفعت أصابعها تتحس حروف اسمه التي نُقشت بالخط الفارسي القديم يُحيطه زخارف بسيطة، ثار قلبها وماج وهي تُغمض عينيها بتأثر، تلك المشاعر باتت تتحكم بها يومًا بعد يوم.
اقترب يزيد منها وقال ببراءة:-
– جميلة أووي يا ماما أسوة، بجد خالتو شذى شطورة جدًا.
انهالت عليه شذى تقبله وتقرص وجنتيه وهي تهتف بسعادة:-
– يخليك ليا يا عيون شذى..
– بجد تسلم إيدك يا شذى حقيقي إنتِ فنانة يا بنتي..
– خلاص بقى مش تكثفوني، أخجلتم تواضعنا.
كادت أن ترد عليها لكن قاطعهم صوت الدفوف والزعاريد التي أخذت تعلو في الأفق والفتيات تتهافت وهي تردد:-
– يلا العريس جه ياخد العروسة.
خرج الجميع ليُشاهد العروس بينما بقت أسوة شاردة وهي تعدل ملابسها وتدعوا ألا ينكشف هذا الأمر، اقتربت من النافذة تشاهد ما يحدث بالخارج فوجدت أن النافذة تطل على باحة خلفية للمنزل وبها بعض الرجال يُؤدون صلاة العشاء.
دققت أسوة النظر لتجده بينهم، اتسعت أعينها باندهاش، حقًا هذا الرجل عجيب لأبعد حدّ، سيجعلها تجن حتمًا!!
هذا الرجل جمع بين أشياء كثيرة، حقًا لا تستطيع فهمه.!
أهو سيء أم جيد، مظلوم أم ظالم، يُحبها كما تصرخ عيناه أم يبغضها.؟.
أخذت بيد يزيد وهي تقول:-
– يلا بينا يا زيدو ننزل تحت.
– يلا أنا كمان عايز أروح لمومي.
توقفت أسوة بُرهة تنظر له بتعجب وهي تُكرر باندهاش:-
– مومي .. مين مومي يا زيدو إنت اتعرفت على حد هنا.؟
قال وهو يركض نحو الخارج قائلًا:-
– أقصد بابا .. بابا مؤمن..
– لا كدا كتير أووي، يزيد اتعلق بيه بطريقة صعبة، واترسخت في باله فكرة إن هو بباه، لازم أشوف حلّ للموضوع ده علشان نفسية يزيد متتضررش.
خرجت تبحث عنه في الأرجاء فوجدته يأتي من بعيد بصحبة يزيد الذي يتعلق بيده بسعادة حقيقية والأخر يبتسم بهدوء ورزانة سلبت لُبها، ويحك أسوة فأنتِ تنجرفي في سيل عشقه وهيامه بكل نفس من أنفاسك أكثر.
اقتربت منه لينتبه لها وصوّب أنظاره داخل عينيها فأطرقت رأسها خجلًا، جذبها من ذراعها وأخذ يمشي معها متجهين نحو موقع الإحتفال..
– كنت بتعمل أيه.؟
– عادي كنت مع الناس.!
نظرت له بنصف عين وهو يُخبأ فكرة أنه كان يصلي وبتجنب ذكرها، تسائلت وهي تشاهد الأرجاء:-
– يعني مش كنت بتصلي.!
نمت بسمة على زاوية فمه وقال وهو يرفع يده يطوق بها خصرها:-
– طب لما إنتِ عارفة بتسألي ليه يا عسبرة.
قالت بتلقائية من فرط حماسها الداخلي:-
– حقيقي أنا لما شوفتك بتصلي مصدقتش عيني واتصدمت و..
توقفت بانتباه لما تقول وهو لم يندهش كثيرًا فواصل حديثها التي تركته مُعلق:-
– ليه كنتِ مفكراني أيه يا عسبرة، هو مش واضح إن أنا ديانتي مسلم ولا أيه، وطبيعي أيّ مسلم يصلي دا الشيء الأساسي على الأقل، أظن اسمي بيقول كدا ولا إنتِ شايفه أيه.
قالت سريعًا فهي لم تنتبه لكلماتها:-
– مش أقصد كدا صدقني .. يعني علشان .. يعني أنا استغربت علشان …
قاطعها وهو يقول بينما ينظر أمامه:-
– علشان أنا تربية سجون يعني .. وكنت في الأحداث ومجرم وقتال قتله وشخص مش كويس صح..
ترقرق الدمع بأعينها وهي تنفي سلبًا:-
– لا لا مقصدش كدا صدقني، أنا مش بقول كدا عنك.
– عادي يا عسبرة ما إنتِ قولتي قبل كدا، بس عمّي عثمان كان دايمًا بيعلمنا وعلى الأقل خلّانا أنا ومُصعب نتعلق بالصلاة وإللي بعد كدا ملحقش يعلمه لنا، وأظن دا الأساس.
غام أعينه بحنين وأكمل بابتسامة:-
– كمان هو كان دايمًا بيعلمني من وأنا طفل، علمني كل حاجة كويسة وزرعها جوايا، أبويا قاسم باشا الصياد.
ابتسمت أسوة ثم حركت يدها لأسفل ووضعت يدها بيده وهي تُشدد عليها مُخللة أصابعهما وهزّت رأسها هامسة له بما أثلج قلبه:-
– بقيت أشوفك من جوا أطهر وانضف راجل، عارفة إنك بتبني حواجز صعبة جدًا حواليك ودايمًا بتتقصد تظهر السيء، بس دا كله ليه يا كَلفي.!
أشاح بوجهه وامتعض وجهه متسائلًا بتنهيدة حادة:-
– عايزة أعرف معنى كَلفي الأول.
– لا طبعًا لما أعرف عسبرة.
جاء ليتحدث فقاطعه شذى التي أتت تهرول نحوهم بصحبة فتاة بيضاء الوجه حسنة الملبس، وقالت شذى بحماس:-
– أسوة .. فقرة الرقص جات، الأضواء كلها هتتقفل وكل زوج وزوجة هيرقصوا سوا تحت ضوء القمر..
اكتشفت شذى حماسها فنظرت لهم بحرج وهي تُخفض رأسها هامسة:-
– آسفة مأخدتس بالي يا مؤمن باشا، أهلًا بحضرتك.
– أهلًا بيكِ.
رفعت الفتاة الأخرى رأسها نحو مؤمن وقالت بأعين تفيض بالكثير، حالمة بارقة:-
– أهلًا بيك يا مؤمن منورنا أخيرًا.
ابتسم مؤمن بمجاملة وقال:-
– أهلًا بيكِ يا ملاك.
تجمدت أسوة بأرضها وهي تشاهد هذا الموقف وعندما خرق أسمعها هذا الأسم..
ملاك.!؟ أتلك هي صاحبة الأسم الذي يهرتل ويُهلوس به دائمًا!
ولماذا تنظر تلك الفتاة إليه بتلك الطريقة..
عادت خطوتان للخلف وهي تُحرك رأسها بنفي شاعرة بألم يمزق حُجرات قلبها، أهذا كان حُلم وكل ما شعرت به كان مجرد وهم لا أساس له من الصحة.!!
يا إلهي .. لن أطيق هذا الألم، هذا فوق طاقتي!!
لم يلحظ مؤمن ما حدث لها، فهو قد شعر باهتزاز هاتفه بجيبه مصاحب بصوت تنبيه..
أخرجه وهو يتفحصه بانتباه لتتسع حدقتيه وهو يقرأ فحوى الرسالة الملغمة بالغموض
-“متحاولش تدور على الخطيب، صدقني مش هتوصل لحاجة، ومحدش هيكشف قذارتك ألا أنا وهوصّلك للمكان إللي تستحقه، أنا بقيت قريب جدًا وخلاص آن الأوان إن تاخد عقابك وهتلاقيني قدامك في أي وقت … ‘النمر’.”
“الغيرة سعيرٌ حارق”
تجلت مشاعر عدة على صفحة وجهها حينها كان مؤمن يتفحص الهاتف بقلب مضطرب، تعجبت شذى من تعابير وجه أسوة فاقتربت منها ممسكة بذراعها وقالت:-
– في حاجة يا أسوة، خير يا بنتي وشك اتخطف كدا ليه.!
انتبهت من العواصف التي تأخذها ما بين مدٍ وجزر، تنحنحت وهي تُجبر إبتسامة على الإنبلاج، وهمست بمشاعر فاترة:-
– أنا لا مفيش أيّ حاجة أنا كويسة جدًا، بس حسيت بدوخة بسيطة كدا والحمد لله بقيت بخير.
– ألف سلامة عليكِ يا أُسوة، المهم يلا استمتعوا بقى ولو احتاجتي أيّ حاجة بس ناديني يا قمري.
حركت أسوة رأسها مرارًا وتكرار وهي تبتسم بمجاملة حتى ذهبت شذى وتلك التي معها ظلت تدير رأسها متأملة متبجحة في هذا الماثل بجانبها..
أغلق مؤمن هاتفه بلا اكتراث والغضب يستعير من عينيه وقد رمت به أمواج الأحداث على برزغ الحيرة، لكن ويلٌ لمن يتجرأ ويقترب من دائرته فهم لا يعلمون مدى مكر الصياد وحِيله في إعتقال فريسته..
التفت بجانبه فوجدها جالسة بسكون غريب وعلى وجهها معركة دائرة بين مشاعر عِدة لكن يغلب عليهم الحزن، وكأن أحدهم أمسك ببحرٍ من الحزن وصبه بقلبها صبًا.
مال نحوها قليلًا وقد رجّ قلبه هالتها، همس مستفسرًا دون أن يشعر:-
– مالك يا ملاك، فيكِ أيه، في حاجة حصلت؟!!
رفعت رأسها مسرعة وتطلعت به عن قُرب بأعين ينبثق منها شرارات من سقر، أحسّت بالهمّ يفيض بداخلها حتى بلغ التراقي، تيار عنيف سيُميته ممات لا قيامة بعده!
أدرك مؤمن ما لفظه فتراجع يُصحح بتوتر:-
– أقصد عسبرة، مالك!
أجابه صمت مُحلى بجحيمها هكذا عينيها تقول ولا يُنبئك مثلُ خبير، نظراتها مبهمة أضرمت النيران بها، هتفت من بين أسنانها وهي تضغط على كل حرف:-
– ولا كلمة يا بتاع ملاك، قسمًا عظمًا لو غلطت بإسمي تاني لتشوف إللي ما تتخيله مني، إنت مفكرني أيه!
إنت إللي مطلعتش سهل ومايه من تحت تبن.
ارتد مؤمن للخلف وهو ينظر من حوله يبحث عن من توبخه لكن لم يجد سواه مقابلها، هزّ رأسه بتيهة واستفهم هو يُأشر بإصبعه على صدره:-
– إنتِ بتكلميني أنا.!!
استشاط غضبها وقبضت على كفيها بشدة ومالبثت إلا أنها ظلت تهرتل وتجود بالكلمات:-
– أبرد إنسان شوفته في حياتي، بتاع البنات وعامل نفسه قال ملوش في الحاجات دي وهو أبو كدا، أنا إللي كنت غبية ومخدوعة فيه، وهو إنسان تحت العادي بدرجات وفاضي من جوا..
رفع إحدى حاجباه بهدوء، ومدّ سبابته يمسح بها على وجنتها فضربت يده تبعدها بقوة، ثم هتفت بشراسة:-
– إياكِ ثم إياكِ تعملها تاني وتلمسني، هقطعلك إيدك دي المرة الجاية.
لم يكن بمزاجٍ أن يبتسم، لكن تعابير وجهها كانت على قلبه كالنسائم الرقراقة، ابتسم وهو يتأمل حمرة الغضب التي طفت على وجهها وتودد إليها بقوله:-
– قوليلي بس عايزة أيه يا عسبرة، ومين زعلك كدا وأنا أطلع روحه.
كظمت وجع قلبها الكهل من أوجاعه، ورفعت رأسها ثم همست بترجي:-
– لو سمحت عايزة أروح أنا إتخنفت، يلا نروح.
صمت قليلًا متأملها وأيقن أنها ليست على ما يُرام، سحب كفها بين كفه فحاولت هي الفكاك لكنه شدد من قبضته مانعًا فرارها، وهتف ليزيد:-
– يلا يا بطل كفاية لعب كدا نلعب وقت تاني.
أتى يزيد على مضض وقال متذمرًا:-
– كمان شوية، إحنا لسه جاين.
سبقت أسوة مؤمن بالرد:-
– زيدو يا حبيبي مرة تانية الوقت إتأخر، اسمع الكلام يا زيدو.
ومدت يدها لتمسكه فتركها ودار ليمين مؤمن ممسكًا بيده، وقال بطفولية:-
– همسك في إيد مومي.
توقف مؤمن بصدمة وأخفض نظراته حيث يزيد، متسائلًا بوجه مبهوت وهو يكرمش جبينه:-
– هو مين البتاع إللي قولته دا لا مؤاخذة يا بطل.!!
– إنت يا مومي طبعًا مش إحنا خلاص بقينا أصحاب..
ونظر الطفل تجاه أسوة وقال:-
– وويسي بتقول مفيش حواجز بين الصحاب.
نظر لأسوة التي تشاهد الموقف بحرقة داخلية، ورفع حاجبه قائلًا:-
– خلاص يا بطل طالما ويسي قالت كدا يبقى أكيد صح.
عاتبت أسوة يزيد بلطف وهي تتمزق لأجل تلك العلاقة التي يُغذيها كل يومٍ يمر عليها، وبالنهاية سيخيب أمل يزيد:-
– كدا غلط يا زيدو، مش ينفع نتكلم كدا مع إللي أكبر مننا.
صمت الطفل بحزن فنظرت هي لمؤمن وقالت بصوتٍ منخفض:-
– يزيد اتعلق بيك ودا غلط عليه، متخلهوش ياخد عليك علشان لما يجي كل شيء ينتهى هيتعذب ويخيب أمله.
انتفخت أوداجه من حديثها السام على قلبه وقال باستنكار:-
– أيه الكلام إللي بتقوليه ده، أيه يخيب أمله دي، وقصدك أيه بالنهاية ومتقوليش إتفاق وغيره!!
وبعدين اضرب الولد ولا أعمل أيه علشان أبعده، كلامك غريب! إنتِ مالك فيكِ أيه، كنتِ كويسة وفجأة اتشقلب حالك وبدأتِ تقولي كلام غريب.
ألقت عليه نظرة سخرية وصمتت، ليواصلوا السير والصمت قد احتلّ الموقف بينما هناك قلوب تبكي لتقطع صمت العقول.
برُقت عيناها حينما لمحت بائع غزل البنات الذي يقف أمام محلّ لبيع فساتين صيفية مزركشة بالورود المتباينة..
وقفت وأجبرت من معها على قطع السير ولم يصدر عنها سوى التأمل بأعين مبهورة لطالما حُرمت من مذاق الطفولة.
التفتت إلى الساحة المقابلة لتجد العديد من ألعاب الأطفال كجزء مخصص للملاهي البراقة.
– في حاجة، وقفتي ليه!!
أفاقت أسوة من حلم طفولتها المغتصب، وتلبدت ملامحها ثم هتفت وهي تحرك رأسها مسرعة:-
– لا لا .. مفيش حاجة، يلا بينا.
وعادت السير ببطء ووفدت جميع الأحداث منذ أن وعَت أعينها على أحداث الدنيا، كل شيء سيء، أيام مريرة حرمتها واغتصبت أقل حقوقها، لم تعلم الراحة طريقها يومًا ما..
آآآآهــٍ من تلك التراكمات والتكتمات التي يكتظ بها وجدانها، تريد صرخة تبلغ عنان السماء لا تنقطع حتى تفرغ ما بجوفها.
لم تشعر بما دار أثناء الطريق كانت بعالم آخر، أفاقت وهي أمام المزرعة، قالت وهي تسحب يدها من يده:-
– أنا هطلع أغير هدومي وهاجي أخد يزيد علشان يغير هدومه وينام.
وتركته وصعدت للأعلى، بينما نظر مؤمن نحو يزيد وهتف:-
– يلا يا بطل تعالى نقعد هنا في الهوا ندردش شوية.
جلس يزيد بفرحة جانبه ثم تسائل بطفولية:-
– عندك أسرار يا مومي.
رفع مؤمن إحدى حاجباه بدهشة، وقال:-
– إنت عندك كام سنة يا بطل.!
– ماما بتقولي سته وداخل على السابعة..
– امم .. طب أنا معنديش أسرار .. إنت بقى عندك.؟
– بصراحة أنا عندي سر يا مومي، سر بقاله يجي ساعتين بس.
اقترب منه مؤمن بتحفز وتسائل بود:-
– طب تقولي السر ده يا بطلي.
وضع يزيد اصبعه على فمه بطفولية وفكر مليًا ثم قال:-
– هو سر، بس إنت صاحبي وهقولك ويبقى سر تمام.
– تمام أكيد .. يلا بقى قولي.
اقترب يزيد من مؤمن ورفع طوله وهو جالس حتى وصل لمستوى أذنه وقال:-
– ماما النهاردة خالتو شذى رسمتلها رسومات كتيرة على إيديها، وكمان كتبت اسمك هنا.
نظر له مؤمن بتركيز وتسائل بفضول:-
– فين يا بطلي، كتبته فين.!
أشار نحو جانب صدره الأيمن بطفولية فابتسم مؤمن ونقل يده الصغيرة نحو الجانب الأيسر وقال:-
– قصدك هنا .. فوق القلب.
– أيوا عند القلب، بس دا سر متقولش لحد بقاا .. وعد.
وضع مؤمن اصبعه بإصبع يزيد وقال مبتسمًا:-
– وعد..
انتبه لخطوات تقترب من مكانهم فرفع بصره ليصرخ قلبه بقوة آلمته حتى أنه قد رفع يده ممسكًا موضعه بألم، فقد غزت أنظاره من توجها ملكة على عرش قلبه، كانت طلتها تنثر بهاءً وجمالًا، جاءت أسوة تسير بقوة خائرة ترتدي ثوبًا خفيف من طبقات التُل الكثيف ذا أكمام تنتهي بإتساع لطيف يصل طوله حتى منتصف ساقها، يثناثر بسائر القماش حبات لامعة كأنها مرايا صغيرة.
خُطفت أنفاسه وأعينه تلتهم تفاصيها بالأخص خصلاتها البُندقية الساحبة لعقله منسدله على ظهرها، وقفت أمامه وقالت بلا اكتراث:-
– يلا يا زيدو علشان تغير وننام، الوقت اتأخر.
قفز يزيد ممسكًا يدها وهتف:-
– إنتِ جميلة أوي يا ويسي.
ابتسمت له بلُطف وقرصت وجنته:-
– عيونك هي الأجمل يا عيون ويسي، يلا بينا.
– تصبح على خير يا مومي.
نظر لأسوة وهو يقول دون تركيز:-
– وإنت من أهله يا بطل.
استدارت أسوة وهي ترمقه شذرًا ليقف خلفها هامسًا ويكاد يجن من طريقتها الجافة معه:-
– عسبرة نيمي يزيد وتعالي علشان عايزك في حاجة مهمة.
– لا .. مفيش بينا كلام.
قال بحسم من بين أسنانه واشكًا أن يفقد زمام نفسه:-
– بقول عايزك، اسمعي الكلام وبلاش دلع.
رمقته بحده ورحلت من أمامه ليتبعها للداخل وهو يُعيد ما حدث يريد التوصل إلى ما أزعجها.
ظل يجوب الردهة الموصلة للغرف ذهابًا وإيابًا ليقف أمام حاجز الدرج الخشبي والذي يطلّ على الطابق السُفلي من المنزل، مرّ ساعة وتلك العنيدة لم تأتِ بعد.!
بعد قليل خرجت من غرفتها وسارت حتى وقفت أمامه ثم عقدت ذراعها وهي تقول ببرود:-
– خير.!
تأمل وجهها الفاتن بقوة يريد سبر أغوارها، وهتف بهدوء:-
– مالك .. بقالي خمس ساعات بسألك، أيه قلب حالك كدا، كنتِ كويسة وفجأة اتغيرتي وبقيتي تقولي كلام غريب.
لم تتغير عن حالة البرود خاصتها بل زادت من الشعر بيتًا حين قالت:-
– ودا إللي عايزني فيه مخصوص، لو كنت أعرف مكونتش جيت، عن أذنك.
واستدارت لتذهب فأمسك رسغها بقوة وجذبها حتى التصقت به وأصبحت محاصرة بين جسده والحاجز الخشبي وخصلات شعرها تتدلى لأسفل.
شهقت بوجل، وضربت صدره وعطره يعانقها وقالت بألم:-
– عايز مني أيه، إنت بتعمل ليه كدا.
اقترب منها أكثر حتى بات لا يفصلهما سوى مقدار حركةٍ واحدة، مرمرت جنبات روحه بتقلباتها تلك، أينقصه همًا فوق كومة همومه، همس وهو يمحو تلك المسافة واضعًا جبينه فوق خاصتها:-
– إنتِ إللي عايزه مني أيه، أبقى كويس معاكِ مش راضيكِ، أبعد عنك وأتجنبك مش راضيكِ، أقسى عليكِ مش راضيكِ..
قوليلي أعمل أيه.!
حاوطها الألم والغيرة سعير تقتل تعقلها، ابتعدت عنه انشًا ورفعت ذراعيها تقبض بكفها بقوة على تلابيب قميصه تجذبه نحوها بشراسة، واندفعت الكلمات من فمها:-
– عيزاك صادق معايا يا بتاع ملاك، بدل المرة تناديني بإسم غير اسمي، وكام مرة أسمعك بتخترف بإسم ملاك وإنت نايم..
كله عندك ملاك .. ملاك .. مين دي إللي مهووس بيها بالطريقة دي، وسبحان الله بمحض الصدفة نقابل من شوية مع حبيبة القلب ملاك تقف تبحلق فيك من غير حياء ولا خِشى..
وبعد ما تمشي تقولي ملاك .. ملاك أنا كرهت الإسم ده كُره.
صرخت بأخر جملة وقد نفرت عروقها وانتفخت أوداجها، أمّا عن بطلنا فالليلة أسعد لياليه، أغمض أعينه وهذا الأحمق الذي خلف أضلعه بات يؤلمه، رباااه حتى الحُب بات يؤلمه ويخمش به دون رحمة .. حتى هدرات السعادة لا يسمح بها.
استرقت النظر إلى وجهه ترى وقع كلماتها الهوجاء عليه، فوجدته على حال لم تفقهها لكن شعرت بيده تزداد قبضًا وحصارًا عليها يجذبها نحوه أكثر ويكبلها بحنان، حرر قيد جفنيه يغوص بعالمه الأخضر بعينيها التي تعكس نظرة وديعة حالمة تقطر طهارة..
كوّب وجهها يُحيط وجنتيها التي احتلها الشفق الأحمر، مسدهما وكأنه يرسم فوقهما طلاسم الحُب خاصتهما ليحصل على تعويذه لا تجعلهم ينفكون عن وادي شوقهم.
همس بحروف مدبلجة لمشاعر جما تخنق القلب تريد التحرر من سجن الصمت، نبرة غشيها الصدق خرجت من قلب رجلًا ثمل القلب والعقل والكيان حد النخاع، رجل عذري القلب لم يمس قلبه طائفٌ من وِد إلا لها، ولم يسكنه الشوق إلا إليها:-
– معرفش ومش هعرف غيرك يا ملاك، في كل مرةٍ لم أقصد بملاك إلاكِ، لا يمتلك قلبي إلا إمرأة واحدة أسرته وهي مازالت نطفة لم يكتب لها الحياة بعد، لا ملاك غيرها.
الحمقاء كانت قد غرقت هي الأخرى بسيل هيامه الذي جرفها معه به وأفل عقلها إلا عنه، لم تدرك أنه قال بين جملتيه كل الحقيقة ولو دققت قليلًا كان قد أقرّ لها كطفلٍ صغير.
هبطت أصابعه تحلّ عقدة فستانها الأمامية فيجأر عقلها بها منتشلها من فيضان غرامه، حاولت إبعاده لكن كان قد كبل يديها، ثم وضع عينه بعينها وردد:-
– متخافيش مش هعمل حاجة، أنا بس عايز أشوف حاجة كدا.
تعجبت من حديثه وعقدت وجهها بعدم فهم وكاد الخجل أن يبتلعها وهو يُبعد طرف فستانها الأيسر فتجحظ عينيها وهي تتذكر وشم اسمه على قلبها، لكن كان قد فات الآوان وهو ينبلج أمامه بكل وضوح، وشم حروف اسمه على بشرتها المرمرية أعلى قلبها، كان دق قلبها يتعالى بالتزامن مع أصابعه التي بدأت تتحسس حروف الأسم ببطء.
قالت بحروف متقطعة وصدرها يعلو ويهبط:-
– أنا … قولتلهم لا .. بس هما يعني صمموا وقالوا عاداتهم وكدا .. فأنا وافقت علشان محدش يشك زيّ ما إنت قولتلي يعني.
سطعت إبتسامة كانت قد وُأدت من طويل الأزل وشهقت أسوة وقد ضرب جسدها تيار كهربائي سحيق حين شعرت به ينخفض بسرعة البرق ويطبع لثمة رطبة فوق قلبها واسمه، وهمس بجانب أذنها بينما هي تُلمل طرفي الثوب:-
– أحسن حاجة شوفتها بعد عشرين سنة.
هزت كلماته قلبها وهي تتأمل الصدق بأعينه والفرحة التي تفيض منها، لم تعلم أن شيئًا بسيطًا كهذا سيُدخل السرور على قلبه القاحل.
لكن ما جعلها تتقلب على حصير الحيرة حين قال بنبرة غريبة غامضة بعض الشيء تحمل التمني:-
– الأحسن من ده إن يكون موشوم من جوا فوقه .. للأبد.
أتلك جملة عادية أم أنها تحمل معنًا أخر، أمسك كفيها في ظل شرودها وهو يتأمل رسوم الحناء عليهما..
تذكرت أسوة حديث شذى، فقالت بحماس:-
– شذى كتبت حروف اسمك متفرقة بين الرسم وبتتحدى إن أي حد يقدر يخرجها، حاول كدا يلا أما أشوف تقدر تكونه ولا لا..
مال برأسه وهو يسير بأصبعه فوق كفها ببطء وتارةً أخرى يسير بكفه فوق كفها، ضحكت بقوة وهتفت:-
– بلاش تعمل كدا أنا بغير..
– حاضر يا .. يا عروق قلبي.
ظل يدقق برهة قصيرة وهو يُضيق عيناه ثم تحسس موضع بيدها وهمس:-
– أدي الميم ‘م’
وانحنى يلثم الموضع بحنان ورقة فابتسمت بخجل وأردفت بحماس:-
– شطور.
بموضع أخر تحسسه برقة وهمس:-
– وأدي الواو المهموزة ‘ؤ’
وانحنى يلثم الموضع بحنان ورقة فابتسمت بخجل وهمست:-
– شطور.
بموضع ثالث مرّ بإصبعه فوقه ذهابًا وإيابًا ينظر له نظرة صقر وهمس وهو يضرب جبينه بجبينها بخفة:-
– وأدي الميم التانية ‘م’
ثم انحنى يُقبل أصابعها، رفعت أنظارها نحوه وقبل أن تقول كلمة “شطور” سبقها وقال:-
– المرة دي متنفعش شطور حاف كدا.!
نظرت له بتعجب واستفهمت:-
– أمال أيه مش فاهمة.!
دار وجهه وأشار نحو جانب فكه وقال:-
– يلا هنا.
حركت رأسها برفض تام وقالت:-
– لا.
– يلا.
– قولت لأ.
– خلاص يبقى مش هطلع الحرف الباقي وهنمشي الصبح من هنا..
قالت مسرعة:-
– لا لا .. نمشي من هنا لا.
– طب يلا.
اقتربت منه على استحياء ووقفت على أصابع قدميها ثم وشمت قبلة رقيقة فوق لحيته الخفيفة وابتعدت مسرعة لتجده مغلق العينين يشتم رائحة شعرها بنهم.
– يلا مش هتضحك عليا خرج الحرف الأخير.
تمتم بنزق:-
– أيه الفصلان ده .. حقيقي يليق بيها اسم عسبرة عن جدارة.
– بتقول حاجة.
سحب يدها وهتف:-
– بقول هاتي إيدك اطلعه.
سار بإصبعه على بطن كفها بقلب وردة كبيرة وردد وهو يغمز لها:-
– وأدي النون ‘ن’ .. يبقى كدا أيه.
رددت وهي تطالعه بانبهار:-
– كَلفي.
حرك رأسه بعدم فائدة، ورفع كفها الأيسر وهو يتحسس خنصرها وقال:-
– وهنا حروف الأسم تحت بعضها على الصوبع لأنه الأقرب للقلب.
ضم أصابعه بأصابعها وكأنهم خلقوا ليندمجوا هكذا، واستهام بها وهي تجذبه إليها بسحرها الأخذ فاشتعلت عيناه بما هو فوق الحب، ارتعشت بين يديه فزاد من ضمها، رغبة مُلحة تجذبهم لترجمة حبهم وقد تضعضع ما هو ساكن مستكين، سار بأنفه على طول وجهها هبوطًا بجيدها فأذنت لذراعيها أن تتمسك به كي لا تُسقطها تلك الدوامة العاتية، دعمت نفسها تلف يديها حول عنقه بارتعاش وهو يحتويها كطفلته بحنان وهو يرمقها بهدوء ألهب مشاعرها، فآآه من نظراته تلك والتي تكشف مدى عشقه لها، تلك النظرات التي تجعلها تنزوي في كنف غرامه.
ابتلع ريقه بصعوبة محاولًا التحكم في تلك العاطفة الحارقة التي انفجرت من بقاع الكتمان.
رفرفت بأهدابها عدة مرات وهي تسقط ببئر عاطفته تنهل منه وينهل هو من جنتها بجنون منفلت.
مال إليه وحاصر وقفتها أمام الحاجز بأنفاسه المتسارعة وقد بات يشعر بوخزاتٍ حادة تهاجم قلبه إثر تعالي دقات تصرخ بالعشق .. ما بال هذا الكنود؟
فهل يقتل الدواء المستشفَى به! هي دوائه الذي تصالح معه قريبًا، ألمٌ يستعمر أباجله يصرخ بأنك باخِعٌ لا محالة.
سقطت إبتسامته وهو يشعر بمعدل أنفاسه تقل ويزداد حدة الألم الذي ينعق بلا يأس، علامات الكلال نُقِشت على ملامحه لكن زاد في عناده وهو يجذبها نحو عالمه المعطوب، ثقل جفن أسوة وهو يقترب منها محيطًا وجهها يقصد منهل يستقي منه وهي بأُهبت إستعدادها قد تبرمج عقلها على ما ألقاه له قلبها.
يشعر أن في بُعده هلاكه لكن مُحال .. رهقًا شديدًا حطّ فوقه وتفاقم الألم فما كان عليه إلا أن يبتعد كالملدوغ قبل أن يتأزم الأمر.
تسربت البردوة إليها ففتحت أعينها ببطء لتجده لفظها وابتعد عنها مستديرًا كالمذنب، رجّت الصدمة جسدها وقد فهمت الأمر على نحوٍ أخر.
عبس وجهها وتسائلت بهدوء والظنون تعصف بها:-
– قصدك أيه بالحركة دي. !
كان يقاوم بشدة يريد الفرار من أمامها بأيّ طريقة، حاول تنظيم أنفاسه وقد سيطرت عليه نوبة الألم، حاول صبغ صوته بالبرود إلا أنه خرج رغمًا ضعيفًا:-
– ابعدي عني.
حمم بركانية جرت بعروقها وشعرت بالإهانة الشديدة لإنوثتها، واستخفافًا بها .. خدعها مرةً أخرى وهي بكل سذاجة وقعت بفخه.. المخادع..
كان مارد من نار يتراقص أمام وجهها ولم تشعر إلا وهي تجذبه وبكل ما أوتيت من قوة حطّت على وجهه بصفعة تردد صداها على جدران المنزل، لطمة كانت مُحملة بالخيبة والخذلان والغضب الحارق وعزة نفس وكبرياء منكسر.
كرمش جبينه ونضح العرق يُغرق جبينه وهو بالكاد يحافظ على توازنه كي لا يسقط، استدار يذهب وهو يجاهد فرد ظهره لتخترق آذانه كلماتها المُثقلة بسيل من غضب ماحق:-
– خليك متأكد إن هخليك تندم على الحركة دي الباقي من عمرك.
الوصول لغرفته كان حُلمًا، استند على باب الغرفة بقوة خائرة وهو يضغط على موضوع قلبه بشدة..
أخذ يسعل بقوة وهو يغلق الباب من خلفه، يحاول التقاط أنفاسه الهاربة لكن هيهات..
سقط أرضًا بضعف وقوة خائرة وكل ذرة من جسده تنتفض، جاهد الوقوف والوصل لدوائه بعد أن انسحبت الدماء من وجهه وأصبح يُحاكي شحوب الأموات غير أنه عجز ليميل بألم برز له عروق رقبته ووجه فاستند على الفراش مبتسمًا بوجع على حاله..
فنوبة الألم تلك المرة أتت بفعل الحُب لا الحُزن..
تلك المرة تختلف فليكن ما يكن فداء ملاك.
تلك المرة إن انقضى أجله ستكون على يد الشوق..
حتى السعادة تثور عليه وقد غار الحُزن على قلبه عندما رأى السعادة قد بعثت طائف منها مسّ قلبه المسكين فثار وأقسم بالقصاص والثأر لأجل تلك الخيانة..
“الغيرة سعيرٌ حارق”
تأوهت بألم وهي تُفرِق جفونها تشعر أن ثمة جبلٌ فوق رأسها يسحقه سحقًا، باتت الرؤيا مُشوشة والأفكار غير واضحة لكن سرعان ما داهمت الذكريات عقلها المُبعثر، نشرت رؤيتها بأرجاء الغرفة فأخبرتها معالمها أنها بغرفة المشفى.
أقتربها يُناديها من مكانٍ بعيد رغم إلتصاقه بها، رفع يديها بين يديه وقبض عليهم بدعم، ثم انحنى فوقها مُقبلًا جبينها برقة وحنان هامسًا:-
– الحمد لله على سلامتك يا سرور أيامي وقلبي.
غُصت الكلمات بحلقها القلب مفجوع، والروح مُنهكة، غامت بأعينها سحابة رقيقة من ماءٍ شفاف، امتدّت أصابعها تتحسس معدتها ببطء وإلى الآن لا تكاد تُصدق أن نُطفة منها ومنه تكونت في رحمها وبتلك الطريقة..
ماذا ينقصها بأن تحيا حياة هادئة كغيرها، ما الذي يحجب هذا عنها؟!!
لماذا لها الشيء البديل فقط، وكأن كُتب بأقدارها أنها ستحيا أسفل تلك الظلال القاتمة أبد الأبدين.!
– ألف مبروك يا حبيبة روحي الحمد لله العملية نجحت وبقى جواكِ حتة مننا.
اشاحت وجهها عنه فتحركت أصابعه يُدير وجهها له مرةً أخرى وقال بلوعة:-
– بلاش كدا يا سارة، حبيبتي هعرفك كل حاجة في الوقت المناسب، بس اتحملي الوضع ده اتحملي معايا شوية صغيرين وخلاص هانت وهنعيش بهدوء وهنا يا روحي.
أردفت بصوت متحشرج مُتغضن بمرار:-
– أنا معدتش منتظرة حاجة يا صالح حقيقي قلبي زهد حتى السعادة، أنا مش لعبة علشان تحركها زيّ ما إنت عايز، أنا حقيقي مليت من الوضع ده، بس إنتَ صح، خلاص هانت..
لأجل أتحرر وأعيش بهدوء لازم أتحمل، ولأجل أختي الغلبانة إللي ملهاش ذنب في إن أمها ست مستهترة وعمرها ما حبيتها ولا حبتني .. هتحمل للمرة الأخيرة.
فطِن مغزى هذه الكلمات المُغلفة بمعانٍ لا تُرضيه، استوطن قُربها حتى أصبح وجهه أمام أنفها وردعها بخشونة قاطعة رغم تقاسيمه الثابتة:-
– أنا عارف إن دا مش وقت كلام ووقت إتخاذ قرارات، بس إللي في بالك ده شوية أحلام تبليهم وتشربي مايتهم، إنتِ هتعيشي عمرك كله في حضني غصب عنك كمان يا ست سارة .. قولي عليا زيّ ما تحبي بقاا همجي مُستبد .. كل إللي تحبيه أنا هستحمل منك كل حاجة لغاية ما الفترة دي تعدي..
بس زي ما اتفقنا يا سارة مش عايز غلط واحد، مفيش مخلوق هيعرف إن الحمل إللي في بطنك عن طريق الزرع.
رمته بنظرة حادة استقبلها ببتسامة عاشقة، ثم فجأة أخذ يُحكم حجابها بعد أن لملم خصلاتها وتنهد وهو يحملها برفق بين ذراعيه:-
– همم يلا بينا بقى على بيتنا..
واستطرد يقول بإستفزاز:-
– متحمس للجاي أوي يا عصفورتي، صدقيني الأيام الجاية هتعجبك أوي والنوم في حضن صالح هيريحك مووت يا حياتي.
نصيبه كانت قرصة شديدة من عضده وقالت موبخة:-
– في أحلامك يا بابا، إنسان سافل ومعندوش ريحة الدم..
– هبقى بابا وماما وأخوكِ وصاحبك كمان لو عايزة يا عصفورتي دا أنا روحي لكِ وأسير عيونك.
وظل يغازلها دون توقف حتى أنها لم تشعر بمدة وصولها أمام فيلا “العشري” وما زالت أقدامه لها فِراشًا رافضًا بشدة أن يُحررها.
ترجل من السيارة وهي مازالت بين ذراعيه يبتسم لها بفرحة عارمة يُقربها لقلبه وكأنها لؤلؤة ثمينة يخشى عليها من الريح فتخدشها.
وقف حينًا ثم طالعها بجدية وألحق نظرته بقوله:-
– الوجه إللي كيف القمر ده لازم يتفرد شويتين تلاتة عشرة، هنتعامل بطبيعتنا يا سارة وانسي زعلك مني اليومين دول أرجوكِ يا عصفورتي .. بصي عايزك هيمانة فيا … اتفقنا يا حبيبتي..
زفرت بضجر ورددت بحدة بعض الشيء:-
– حبك بُرص يا شيخ .. ماشي موافقة بس بشروط..
تأملها بافتنان ووشم قُبلة على حُمرة الغضب التي تلون بها خدها وقال بعاطفة:-
– أنا عايز سارة هي بس إللي تحبني، أؤمريني أنا رهن إشارتك يا عصفورتي..
تجاهلت عاطفتها ودهست على قلبها ثم أردفت بقوة:-
– عايزة أقابل أختى وأزورها باستمرار كمان وعايزة أروح لأسوة، وديني المكان إللي هي فيه..وأعيش حياتي من غير قيود..
أكمل صالح سيرهُ وأجاب بصدق:-
– وأنا إمتى قيدتك يا سارة .. اعملي ما بدك يا عمري بس كل إللي طالبه يكون عندي خبر، بس تشدي حيلك وأنا هوديكِ لأختك كل يوم .. وهتصل بمؤمن وتروحي تقابلي صاحبتك لو هي موجودة..
تسائلت سارة بتعجب:-
– لو هي موجودة! ليه هي أسوة حصلها حاجة!
– لا لا متقلقيش مفيش حاجة، بس مؤمن من يومين مش موجود مسافر يعني سفرة داخلية.
– مش فاهمة .. وأيه علاقته بأسوة.. هي مالها وماله.!
– آآآه هو أنا مقولتلكيش، شكلهم بيقضوا شهر عسل عقبالنا يا روحي.
صُعقت سارة من هذا الحديث، ولكزته بغضب وهي تقول:-
– قطع لسانك .. إنت إزاي تفكر على صاحبتي كدا، أسوة أطهر من الوساخة دي وهي مش كدا.
طالعها صالح بذهول وهتف بحاجب مرفوع:-
– هي أيه إللي وساخة!! شهر العسل! يا ميلة بختك يا صالح، طول عمرك فقري بس دا كله علشان نقيت على الباشا مؤمن.
– أنا مش فاهمة حاجة، إنت قصدك أيه.!
– بعدين يا عصفورتي هقولك، بس دلوقتي استعدي علشان مقابلة بسمة هانم والقنبلة إللي هنفجرها في حِجرها وإللي هتقلب كل خططتها..
كرمشت وجهها بعدم فهم وقد باتت لا تفهم شيء مما يجري حولها..
فتحت إحدى العاملات لهم وأول من وقعت أنظارها عليهم كانت سميرة التي أسرعت نحوهم بلهفة وأردفت بسعادة عارمة:-
– سارة حبيبتي الحمد لله على سلامتك يا بنتي نورتي بيتك.
التفتت بسمة التي كانت ترتشف كوبًا من القهوة، غُصت بشدة وظلت تسعل بقوة فور وقوع أنظارها على صالح الذي يقترب منها حاملًا تلك النكرة كما تُسميها بين ذراعيه.
داهمة سارة تلك الذكرى وهي تستعيد كل ما مرّ بهذا المنزل وكل حدث وقع بكل رُكن منه، ارتعش بدنها من أسهم تلك النظرة النارية التي أطلقتها بسمة المصدومة إليها، لاح لها ما جعلتها تتجرعه في الآونة الأخيرة، تهديدها لها، وإجبارها الخضوع لها وإخراجها من المنزل في الليل البهيم.
وصلت تلك الرعشة لجسد صالح فقربها منه داعمها بحماية، وهمس فوق أذنها بحنان رغم قوته:-
– بوعدك بشرفي محدش هيقدر يمسّ شعره منك يا غالية عليّا، خليكِ قوية يا سارة وافتكري مفيش حد هيقدر يقرب منك ولا يعملك حاجة.
جرت الحماسة بعروقها وغزت الطمأنينة قلبها، تنفست عدة مرات وتنهدت وهي تُصلت نظراتها داخل أعين غريمتها بتحدٍ واضح.
– إزيك يا أمي، أيه مش هترحبي بينا ولا أيه .. مش فرحانة برجعتنا..
أسرعت في محو الصدمة من على وجهها وهي ترسم إبتسامة مُزيفة وترسم اللهفة والسعادة الكاذبة بدقة ونجاح أثار إشمئزاز صالح منها أكثر، اقتربت منه وهي تجبر بعض الدمع أن يحضر، وهتفت:-
– يا روحي دا أنا مش مصدقة عنيا، دعيتلك كتير ربنا يسدد طريقك وتلاقي سارة أو هي ترجع تاني بعد ما هربت..
ليه كدا يا سارة ليه يا حبيبتي دا صالح كدا هيتجنن ااه لو شوفتي منظره وعلى إللي جراله..
صُدمت سارة من مستوى كذب وتمثيل تلك الحية، فرغت فاهها وهي لا تُصدق لكن كانت ردة فعلها صادمة للجميع وهي تعزم أن تُعلّمها درسًا لا تنساه وتقتص منها حقها المهدور فقد أتتها الفرصة السانحة.
التفتت سارة نحو “صالح” ودار بين أعينهم حديث الأحبة ثم رفعت ذراعيها وكبلت عنقه بعشق خالص وبراءة صافية ثم انحنت وطبعت على لحيته قُبلة رقيقة كنسمات الربيع على رياح السموم تقتلها، لتجعل صالح متصنم بصدمة وكأن صاعق كهربي ضرب جسده بعنف.
– دا كان قرار متهور مني، أنا مقدرش أعيش لحظة من غير حضن حبيبي، كانت أيام جحيم إللي مرت عليا من غيره..
بوعدك يا طنط بسمة إن مش هسيبه لأخر العمر.. مش هسيبه أبدًا.
كان صالح في حالة لا يُحسد عليها يشعر أن الأرض تزلزلت من تحت أقدامه وصار يُحلق بسماء العاشقين، اتسعت إبتسامة سميرة وهي تتمتم بالحمد مرارًا وتكرارا، غير أن بسمة كانت في قمة تعجبها وكثير من التساؤلات تدور في فلك عقلها..
كيف حدث هذا، وهل أخبرت تلك النكرة صالح بشيء، يستحيل هي لا تجرؤ وأيضًا صالح لن يصدقها مهما فعلت!
تصنعت الإبتسامة وقالت بفرحة:-
– دا أنا فرحتي متتقدرش يا حبيبتي فرحة عمري أشوف صالح حبيبي مُستقر وفرحان مع إللي قلبه أختارها.
شدد صالح من ضم سارة إليه وقبلها من جبينها ثم ألقى بقنبلته التي أبادت الطمأنينة بقلب بسمة:-
– وربنا استجاب لكِ يا أمي، وأخيرًا ربنا فرحني وحبيت أفرحكم بأغلى خبر في حياتي..
أنا لقيت سارة من كام يوم كدا، وحطينا النقط على الحروف واتعاتبنا والحمد لله بقالنا كذا يوم عايشين في جنة.
ثم استكمل حديثه وهي يُفرق أنظاره بين الحضور:-
– بس رجعنا لما سارة تعبت شوية وعدينا على المستشفى وإحنا جايين، وجايبلكم أجمل خبر في الدنيا..
سارة .. سارة حامل.
توقعت بسمة كل شيء إلا هذا .. لم تستوعب ما قال، فنظرت بتساؤل وهي تستفهم بحاجبين معقودين:-
– مش فاهمة يعني أيه، قصدك أيه؟!!
ابتسم صالح وأردف بمرح:-
– أيه يا بسوم إللي مش مفهوم في كلامي، بقولك سارة حامل هي حامل لها كام معني .. حامل يا بسومه وقريبًا جدًا هيبقى عندك حفيد.
عَلا صوت سميرة تزرغد بسعادة بينما سقطت بسمة مغشيًا عليها بصدمة…
****************
– ممتاز يا ليلى ممتاز .. كنت عارف إنك هتبقى مختلفة عن الجميع، قوليلي اتفقتي مع دُنيا.
جلست ليلى تضع قدمًا فوق الأخرى بكبرياء، وأردفت بقوة:-
– كلمتها على الواتس واتفقنا، أنا معايا ستاشر بنت واحتمال يكملوا عشرين، عمرهم بيتراوح بين إتناشر لتمنتاشر سنة.
اقترب منها وحاوطها واضعًا كلتا يداه على ذراع مقعدها دون مساسها، ابتعدت ليلى للخلف وهي تقلب عينيها وزفرت بإختناق هادرة ببرود:-
– ابعد يا أرقم عايزة أتنفس.
اشتم عبيرها الطبيعي بجنون فقد كان لها رائحة تميزها وكأن أنفاسها تنشر عبق طاهر يملأ الأرجاء، تأملها بشوق وجنون وتمني وعشق حد النُخاع:-
– بعشقك يا وردتي، بعشقك يا ليلاي هترضي عني إمتى يا ملكة قلبي.
مدت قلمٌ بيدها وأبعدته عن طريقه واضعةً إياه على صدره ثم استقامت وقالت بوجه مُتهجم:-
– خلينا في الشغل أفضل يا باشا، قولتلك ألف مرة مليش في الطريق ده .. بمعنى أصح مش بعرف في مواويل الحب دي.
خطى نحوها وقال بلهفة:-
– حُبي يكفينا يا حياتي، بحبك حُب يكفينا إحنا الأتنين يا ليلى.
التفتت له وقالت بقوة وأعين تشتعل غضبًا:-
– مش هيحصل يا أرقم، أنا لا ليك ولا هكون ليك.
استغرق أرقم في الضحك وأخذت ضحكاته تعلو وتعلو لتتعجب ليلى من ردة فعله، وضع يده على رأسه يحاول تماسك نفسه ثم فجأة توقف واقترب منها حتى بات لا يفصلهم سوى مقدار شعرة، نظر داخل عيناها بنظرات أُضرمت النيران بها، وهمس ببأسٍ من بين أسنانه:-
– تعرفي يا ليلا، إنتِ مش هتكوني ألا ليا يا حياتي، ليا أنا وبس ولو هتكون أخر حاجة أعملها في حياتي.
هزت ليلى رأسها بلامبالاة ثم هتفت تتسائل بجدية:-
– الميعاد هيبقى إمتى، العملية هتم إمتى بالظبط.!؟
أجاب مبتسمًا، وحرك رأسه:-
– هتجيبي إللي معاكِ يوم ‘1 مارس’ الساعة 12 بعد نص الليل وهتعرفي الموقع في رسالة.
– امم يعني أول الأسبوع الجاي.
– أيوا هيكون في زباين وهيتم تقيم البضاعة من ناس مختصة، ودُنيا هتقابلنا بالبضاعة إللي معاها بردوة.
حملت الحقيبة مُحركة رأسها بإيجاب وهتفت:-
– تمام هنتظر الموقع.
– هتمشي!
التفتت له وسخرت:-
– إنت شايف أيه، ولا إنت أيه رأيك!
رمقها بهدوء نظرات تكشف عن مدى عشقه وهيامه بها، تلك العاطفة التي لا يستطيع التحكم بها، وهمس بحنان ينافي شخصه:-
– إذا كان عليا عايزك قدام عيني ومتغبيش عن عيني لحظة واحدة، عايزك في حضني بأسرع طريقة ممكنة يا حبيبة قلبي.
حركت رأسها دون فائدة ودون أن تلتفت وصاحت:-
– سلام يا أرقم.
صرخ بصوتٍ مرتفع:-
– ليلى معدتش عارف لكِ مكان يا حُبي، المكان إللي كنتي قاعدة فيه سبتيه .. بتروحي فين يا ليلى؟
وقفت ليلى متخشبة بصدمة لكن تداركت نفسها سريعًا وصاحت بقوة دون مبالاة:-
– متشغلش بالك يا باشا.
ورحلت سريعًا وعقلها يغرق في فيض من التساؤلات والشكوك، هل يُعقل أن يكون قد ساورته الشكوك حولها، أو قد أمر أحد بتتبعها، لكنها تأخذ حذرها وتُحكم الأمر جيدًا..
ماذا عساه أن يكون يا تُرى؟!
تربد لونها فما هو آتٍ ليس باليسير فهي وحدها بتجابه جيش عرمرم لا يُستهان به، ستُماري لهم خطة تصفرّ منها الأنامل، لقد حميّ الوطيس، ابتعدت في هدوء ينافي الإعصار الدائر بين ضلوعها، وقِّرت بصوتٍ خفيض:-
– اطمنت وعرفت إنك عايشة وفي مكان آمن يا صفية، مش هسمح لنفسي أقابلك ألا لما أخد حقك وأنضف القذارة دي، هاخد حقك يا صفية وحق كل بنت وهكون لهم بالمرصاد لو مقابل كدا هتبقى روحي.
استطاعت بمهارة أن تُضيع أثر من كان يتتبعها من رجال أرقم، لكن لاحت لها فكرة شيطانية وقررت تنفيذها، ابتسمت بشر وظلت تدور وتتخفى بعد أن هبطت لمحطة المترو وهي تشعر بعيناه تسيران معها..

ثم فجأة اختفت ليظل الرجل يدور يبحث عنها دون رجاء..
وقفت أمام محلّ صغير بالمحطة وبخفة فتحت هاتفها وأعملت كاميرا الفيديو ثم وضعته بين أكياس الحلوى والمُسليات، ووقفت تنتقي بعض الأكياس وسط الزحام الشديد وكاميرا جوالها تعمل جيدًا..
بعيدًا كان الرجل يدور يبحث عنها وسط الزحام وعندما استدار لمحها بين الزحام فاقترب منها مسرعًا قبل أن تضيع منه ووقف خلفها على مقربة شديدة منها يتظاهر بالبحث عن شيءٍ ما، وعندما تكاثر الناس واشتد الزحام بعد أن توقف المترو وهبط الرُكاب مالت ليلى للخلف وكأن أحد ضرب بها وكردة فعل وقف الرجل خلفها ولف ذراعيه حول خصرها لئلا تسقط وكان مُلتصق بها وهذا ما كانت تُريده، وبسرعة البرق التفت ليلى وبشدة شديدة نال وجه الرجل صفعة لا بأس بها لفتت أنظار الجميع..
صاحت بأعين من جمر:-
– قطع إيدك يا حقير .. أنا هعرف إزاي أعلمك الأدب يا قذر..
صُدم الرجل وحاول أن يُبرر موقفه بتبرير لكن كانت قد تجاهلته وسارت نحو باب المترو الذي أوشك على الغلق ثم ولجت وانطلق المترو يحمل تلك الماكرة.
ابتسمت ليلى ثم نجحت بإلتقاط الصورة المناسبة من تسجيل الفيديو وأرسلتها إليه وأعقبتها برسالة نصية
“إنت باعت راجل من رجالتك قذر يتحرش فيا، هحاسبك على الحركة القذرة دي يا أرقم باشا”
أمّا عند أرقم فور أن رأى اسم ليلى فابتسم بحُب لكن سرعان ما مُحيت ووثب وهو ينظر للهاتف بأعين ينبثق منها السعير، من أين لهذا الحقير أن يضع يده القذرة عليها، كيف يتجرأ أن يمسها، اشتعلت الغيرة بقلبه كالهشيم وصاح بغضب يُكسر كل ما تطوله يده بجنون مُنفلت..
صاح بغضب ووجه مُلأ بالعرق وكل شريان بجسده ينبض بجنون وأصبح شعره مُشعث، فرد كفيه أمامه ونظر لهم:-
– أنا .. أنا إللي بعت الحقير ده .. أنا السبب بس وحياتك عندي يا ليلى لأقطع إيده إللي لمستك قبل ما أطلع روحه وأكل لحمه للكلاب، هعرفه إزاي يمد إيده على إللي يخص أرقم صفوان….
اقتربت ليلى من باب المنزل وهي تتنهد براحة فقد كام يوم مرهق بحق والوقت قد تأخر على عودتها..
أما بالداخل كانت رأس ليث تغلي كالمرجل من أفعالها الهوجاء، تأخر الوقت ولم تعود بعد، غير غلق هاتفها..
مر كثيرًا من الوقت وهو يتوعدها بأصناف شتى من التأديب..
ألقى بجسده على إحدى المقاعد يشعر بالألم ينخر رأسها، أغمضت عيناه بتعب وإرهاق فأصبح بين الوعي واللاوعي لم يشعر إلا بيد رقيقية تُدلك رأسه هبوطًا بكتفيه وتكررت تلك الفِعلة، ابتسم دون وعي وهو يظن بأنها تفعل ذلك لمُصالحته، تنهد براحة وهمس بصوتٍ متقطع غير مفهوم:-
– لي .. لى .. ليلى .. بحب..ك.
وضعت ليلى المفتاح بفرجة الباب ودخلت ببطء وهدوء وهي تغلقه برفق وفور أن استدارت تخشبت بأرضها وهي ترى هذا المشهد أمامها…
سعيرٌ حارق نهش روحها وعَلا وجيب قلبها ليصبح موطنًا للطبول، تمزقت روحها فأصبحت هشِيمة تذروها الرياح..
ما الذي تفعله تلك اللعينة، كيف تقف بهذا اللباس الفاضح وتفعل ما تفعله، وهذا الخائن الذي يبدو عليه الإستماع.
ألمٌ سحيق استبد بها، لكنها لم ولن تخنع لمثل هذه المشاعر وتصبح ضحية وعُرضة لها.
أفاق ليث وفتح عيناه ليجد نفسه في موقف لا يُحسد عليه، كيف لم يشعر بيد دُنيا، كيف تغيب عقله وظل يحسبها ليلاه.!
وقفت ليلى مُبتسمة ليقفز ليث كالملدوغ وهو ينظر لدُنيا التي تنظر ببراءة وخجل مصطنع..
حاول تدارك الأمر وهتف بصوتٍ متحشرج:-
– أنا .. أنا أصل نمت ومكونت..ش
قالت ليلى مسرعة تقطع مواصلة حديثه:-
– ولا يهمك يا حضرة الضابط، اتفضلوا كملوا أنا بعتذر جدًا عن مقاطعتكم.. بعتذر يا آنسة دُنيا..
وأسرعت بإتجاة الغرفة، حاول ليث اللحاق بها لكن دُنيا تشبثت بذراعة تقول بحياء مصطنع:-
– آسفة يا ليث … أنا بس شوفتك مُرهق وليلى شكلها فهمتنا غلط.
صاح ليث بغضب وصدره يعلو ويهبط من فرط سخطه:-
– إنتِ اتجننتي يا دُنيا إنتِ إزاي تلمسيني كدا، بأي حق تلمسي راجل مفيش أيّ صلة بينك وبينه، وهو من إمتى بينا التجاوزات دي ولا أنا بسمح بيها لأي بنت..
متتكررش تاني لو سمحتي..وإلا هتكون ليا ردة فعل مش هتعجبك.
وتركها ودخل غرفته ثم صفع الباب بحدة والنار تلتهمه، لن تصدق ليلى .. تلك الماكرة حولت نفسها من الظالم للمظلوم بطرفة عين، لن يترك حسابها مهما زعمت..
– حسابك الصبح يا ليلى لازم أعملك حد وأدبك الأدب الشرعي يا بنت الصياد..
*****************
اقترب من مجلسهم بعد أن بدل ملابسه وقلبه يخفق بعشوائية، فقد اتخذ القرار وانتهى الأمر لن يستطيع التحمل أكثر من ذلك.
– السلام عليكم.
رفع “عاصم” رأسه وابتهجت “أميرة” وأردفت بحنان:-
– مصطفى حبيبي الحمد لله على سلامتك يا حبيب أمك، ثواني أحضرلك العشا..
ردد سريعًا وهو يجلس مقبلًا يديها:-
– لا يا أمي متتعبيش نفسك أنا مش جعان.
زفر عاصم بسُخط وتسائل بسخرية:-
– خير جاي النهاردة بدري يعني، الساعة لسة مجيتش واحدة بعد نص الليل.!
ابتسم مصطفى وانحنى يُقبل رأس والده وقال:-
– حقك عليا يا عاصم باشا، أنا خلصت شغل بدري النهاردة وجيت عالطول أيه لزوم التأخير.
نظرت أميرة لعاصم برجاء ألا يتشابك معه ويبدأ بجلسات التشكيك خاصته مع ولدها، قاطع هذا الرجاء “مصطفى” الذي بدا عليه التوتر:-
– كنت عايز أبلغكم بموضوع كدا.
اختلست أميرة النظرات إليه تحاول سبر أغواره متشوقة لما سيُلقيه على مسامعها عَله خبرٌ مُفرح يُنعش القلب، أردف عاصم بخشونة وصلابة قائلًا:-
– خير في أيه يا مصطفى.
استعاد مصطفى رباطة جأشة، وتنحنح قائلًا:-
– بصراحة بقالي فترة طويلة قلبي متعلق ببنت، مش بس بقى متعلق بيها لا أنا بحبها وعايز أتجوزها على سنة الله ورسوله، وقولت أقولكم نروح نطلب إيديها.
ولم يكد يُكمل مصطفى حديثه حتى تفاجأ بوالدته تهبط فوقه وتغرقه بوابل من القُبل والأحضان ولم يسع المسكين سوى أن ينكمش بذعر..
– فرحت قلبي فرحة يا ابن بطني، ومقولتليش من ساعة ما شكيت ليه يا واد إنت، طبعًا يا حبيبي في أقرب وقت ممكن خد ميعاد من والدها وهنروح أنا وأبوك نتقدملها ونطلب إيدها.
هاجمه القلق واستبد به، فماذا سيكون ردة فعلهم على هذا الأمر وهل سيتقبلونه بصدرٍ رحب أم أنهم سينجرفون لما يُسخره المجتمع من أقاويل حول فتيات الملاجىء.!
ما ذنبهم، أليس من حقهم أن يحيّوا مثلُ الباقين؟!!
كان عاصم يُدقق النظر بوجه ولده، وعلم أن هناك أمرٌ ما يحبسه عنهم، هتف بهدوء:-
– عايز تقول أيه يا مصطفى.
نظرت أميرة بترقب وحرك عاصم رأسه بإيجاب لينطق مصطفى بحسم:-
– بصراحة في حاجة كمان، هي يتيمة معندهاش أيّ قرايب، يعني علشان أكون أوضح .. صفية اتربت وعاشت عمرها كله في ملجأ.
ظلت تقاسيم عاصم ثابتة، بينما تفاجأت أميرة بهذا الخبر، وتابع مصطفى يقول بلهفة وحُب:-
– بس صفية مفيش زيّها، مؤدبة وأخلاق وملتزمة جدًا بأمور دينها كمان إنسانة مثقفة أوي وأنا واثق إنها هتعجبكم.
ابتسم عاصم برزانة وربتت أميرة على كتفه بحنان وطيبة ليقول عاصم ردًا على حديثه:-
– ومالهم الأيتام يا مصطفى ومالهم البنات إللي اتربت بملجأ، ذنبهم أيه! يا بني أنا فخور بيك وحقيقي مكونتش أعرف إن تفكيرك عاقل كدا ودماغك متفتحة.
ابتسمت والدته إبتسامة خلابة وهتفت بحماس:-
– أنا هكون لها أم وهعوضها عن كل حاجة، مبروك يا حبيب أمك ربنا يهنيك، طالما بتحبها وقلبك وعقلك إختارها متترددتش يا مصطفى، أنا وأبوك مش ناس راجعية ولا متخلفين علشان نؤمن بالفوارق دي..
أصلًا مفيش فوارق بين الناس يا بني والأفضلية بالتقوى، لا فرق بين عربيًا ولا أعجميًا إلا بالتقوى والعمل الصالح.
ارتمى مصطفى بحضن والدته كالطفل الصغير فقبلت رأسه ليُقبل يديها بإمتنان وقال:-
– ربنا يخليكم ليا ويبارك في عمركم.
ضحكت أميرة وقالت بمرح:-
– للدرجة دي بتعشقها، آآه منتظره أعرف قصة الحب الملحمية دي..
وطالعت عاصم المُبتسم بسعادة لكن يغلب عليه الشرود وهتفت:-
– شوف يا عاصم مش قولتلك الفرحة مسيرها تدق بابنا يوم، ومسير الغايب يرجع، وبكرا هفكرك لما نلاقي ملاك وأخدها في حضني وأجوزها للي قلبها يختاره..
آآه فينك يا بنتي فينك يا حبيبتي نفسي أشم ريحتك وأخدك في حضني.
قبل مصطفى رأسها وقال وقلبه يتضرع لأجل شقيقته الغائبة:-
– إحساس الأخوة بيبقى شديد أووي يا أمي، وأنا قلبي بيقولي إن ملاك عايشة وقريبة مني أووي، بعد ما كنت مفكر وبقول إن المفروض نقفل على الموضوع ده وإنها عمرها ما تكون عايشة، بدأ إحساس شديد يسيطر عليا إنها قريبة مني ومش عارف أيه السبب.!!
***************
هذا الألم سؤَّمه سوء العذاب، كادت روحه أن تُمتزع منه مزعًا، ألقى بالأبرة جانبه بعد أن وصل إلى دوائه بشق الأنفس، ابتلع حبات الدواء وشعر أن أنفاسه تعود إليه شيئَا فشيء بعد هذا الجُب الذي قد ألقاه فيه الحُب.
ظلّ يسعل عدة مرات وتلك المرة شيءٌ ما هزّ أمان قلبه بعنف، كلما اقترب منها خطوة أُلقي على عاقبيه بضع خطوات.
قد أخذت الأمر على عاتقٍ آخر بكل تأكيد، نفث من صدره هذا الضيق وهو يعتدل بضعف ثم جلس على الفراش وارتمى فوقه بتعب والعرق ينزح من وجهه يُغرق صدره بغزارة.
وثب قائمًا بضعف وعزم على رؤيتها، قلبه يتضعضع شوقًا إليها دون انقطاع، هل بكت ولعنته وقررت ألا تثق به مرةً أخرى؟!
وبإلحاح من قلبه كان أمام غرفتها وهو يُقنع نفسه بأنه سيطمئن عليها فقط، فتح باب الغرفة ليجدها غارقة في الدُجنة لكن المصابح الجانبية للفراش مُضائة، اقترب وأعينه لم تبرح عن تلك الغافية بعالمٌ أخرى ولجته وهي تبكي.
اقترب من الفراش ودار بإتجاه الطرف الذي تنام عنده، جلس بهدوء ورفق وهو يتأكد أنها سهدت في النوم، انحنى يتأمل ملامحها التي افترسها الحزن وخيبة الأمل، مدّ أنامله يُزيل شِباكها البُندقية التي التفت حول قلبه فجعلته مُقيد بها ولا أمل يُرجى من الفكاك.
أخذ يبعده عن عينيها برقة ورفق ومال فوقها يضع شفتاه فوق جبينها يلثمه لثمة طويلة بث بها .. حزنه، وإعتذاره، وقلة حيلته، وعشقه الصامت، واحتياجه لها.
سار بأنفه على أطراف أغصان البُندق المُنسدلة التي تفوح منها طيب الفُل المُمتزج بعبق طهارتها.
همس بخفوت ونبرة تحمل الرجاء:-
– حقك على قلبي يا عروق قلبي.
قالها بوجعٍ أكثر حين لمح الوسادة التي تشربت بلورات دمعها وتركت فوقها أثر لتُخبره بما فعل، كانت تشعر به وتحتسب أنها بأحد الجِنان التي تُبعث إليها كل ليلة بمنامها، تنهدت براحة فابتعد عنها بعد أن خلّف قُبلة على شعرها وقام وهو يُعدّل الدثار فوقها جيدًا وجاء ليرحل لكن دُهم حين أن شعر بها تعلقت بأصابعه تتشبث بكفه، رجّ قلبه وشعر بدغدغةٍ ناعمة في شراين قلبه، انبثقت على فمه تهلُل وجلس على طرف الفراش بُرهة قليلة حتى أدركت هي ومازالت مُغلقة المُقلتين فنزعت يدها منه بشراسة وتقلبت على الجهة الأخرى وأعطت له ظهرها فقبض على أصابعه في خزي.
أغلق الغرفة من خلفه وذهب حيث الغرفة المجاورة وارتمى على الفراش بتعب ولم يمضي سوى القليل حتى سبح في سُبات غائِر.
مضى الليل وانسلخ منه النهار وسطعت شمسٌ جديدة تتمطع بنشاط مُبتسمة، زفر بضيق وهو يعقد جبينه بإنزعاج ثم قام وهو يتكأ على الفِراش بإجهاد ثم هب يرى الوقت فوجد أن الساعة تعدت التاسعة..
ولج المرحاض وبدل ملابسه وانغمس بالماء البارد ليستعيد نشاطه المدحور..
بعد قليل كان يخرج من غرفته ينتوي الذهاب إليها وفور أن فتح الغرفة وجدها فارغة لكن ما رنّ أجراس الخطر لديه حينما وجد ملابسها مفقودة وحقيبتها، هرول إلى أسفل يبحث عنها كالمجنون لكن لا أثر فقد تبخرت ولم يبقى سوى طِيبها الذي يملأ الأرجاء.
وقف كالمقهور وراح العالم يدور من حوله والألم يتسرب لروحه، فاض يقول وهو مغلوب:-
– ليه كدا .. ليه كدا .. هان عليكِ إنتِ كمان تسبيني وتمشي!
“الغيرة سعيرٌ حارق”
“أســـــــــــــــــــوة”
خرج من المزرعة يشعر أنها تضيقُ به ذرعًا يجتر أحزانه بنظرة ساهمة، لاحت على وجهه الحياة إثر أن تسرّبت لأذانه صوت مرحٌ ضاحك يأتي من الباحة الخلفية للمنزل، قطع المسافة بخطوتين لترتد الروح بجسده فور أن رأها تقف على أغصان شجرة التوت تقطف وتُلقي حبات التوت بفمها بتلذذ شديد.
– يلا يا ويسي جيبي ليا شوية، إنتِ خلصتي الشجرة كلها.
نظرت أسوة لأسفل بوجنتين محمرتين موشومة بحُمرة التوت وكذلك شفتيها التوتية، وضعت يدها بخصرها وهي تستند على أحد الأغصان:-
– التوت للبنات بس يا زيدو لا يجوز الرجالة تاكل توت، مش إنت راجل ولا أيه.
ضرب يزيد أرجله بتذمر، وهتف:-
– ماشي يا ويسي لكِ زنقة.
اقترب مؤمن منهم حتى صار أسفل الشجرة الوارقة فانتبه له يزيد الذي قفز فوقه بسعادة:-
– مومي إنت صحيت..
حمله مؤمن بحنان وقبل رأسه قائلًا:-
– صباح الخير يا بطل.
– صباح النور يا مومي، كنت هدخل أصحيك بس ويسي مش رضيت.
نظر مؤمن لأعلى ليراها منغمسة بإلتهام التوت ولم تُعرة أية إهتمام، ابتسم ليزيد وقال:-
– وأنا صحيت أهو يا بطل تقدر تروح تجيب كل ألعابك مكونتش أعرف إنهم في الأوضة إللي نمت فيها.
أسرع يزيد بلهفة طفل نحو الداخل بينما أستند مؤمن على جزع الشجرة رافعًا قدمه مستندًا عليها وتنفس براحة.
– أيه كنت فاكر إن مشيت، يا حرام لونك مخطوف أووي وأصفر شبة اللمونة يا باشا، للدرجة دي متعرفش تعيش من غيري.
طالعها ببرود وقال بحسم:-
– انزلي هنا.
ارتقت أحد الفروع ثم استند عليه وهتفت بعناد:-
– ولو قولت مش نازلة هتعمل أيه.
ردد بنفاذ صبر:-
– قولت انزلي.
– ملكش حُكم عليا يا بتاع الحريم.
ردد بدهشة وزهول وهو يصلب طوله:-
– بتاع الحريم!! أيه بتاع الحريم دي، لمي ألفاظك بدل ما ألمها بطريقتي يا عسبرة .. أنا صابر عليكِ.
اجتذبت أحد الأغصان وألقتها فوقه بغضب وأتبعتها بقولها:-
– أيه صابر عليكِ دي، ليه يا أخويا بعمل فيك أيه، وأيه لمي ألفاظك دي، مالها ألفاظي يا شرشبيل.!
متقلقش مسير في يوم هتقوم مش هتلاقيني وهمشي من وشك للأبد.
انقبض الذي بصدره واستطاعت إلجامه بتلك الجملة المسمومة، وفي تلك الأثناء كانت مشغولة بأكل حبات التوت بغضب منه وعليه بعد موقف أمس.
ابتسمت بخبث ثم استدارت تقول بحماس:-
– مش هتصدق شوفت مين، ومين كان قاعد معانا قبل ما تقوم.
زفر بضيق وتسائل بلامبالاة:-
– مين!
مالت على أحد الأغصان وقالت بنبرة رقيقة عن عمد واضعة كفها أسفل ذقنها:-
– يُوسف.
كرمش وجهه ورفع رأسه نحوها واستخبر بتعجب وقد اتقدت شُعلة هينة من الغيرة لم تتفاقم بعد بعينه من هيئتها ونُطقها لإسم ذكوري بتلك الطريقة:-
– ومين يوسف ده.!
تجاهلته وأخذت تجمع التوت وتضعه بجوفٍ بملابسها إثر رفعها لطرف كِنزتها وأجابته بإنشغال مقصود:-
– فاكرة الظابط إللي كان في المهمة بتاعة الأعور إللي كان مع الضابط ليث، كان فضل واقف معايا وجابلي مايه أشرب وكدا، شوف يا محاسن الصُدف يا أخي طلعت دي بلد يوسف وكان جاي أجازة وإحنا بنلعب أنا ويزيد من بدري شوفته وهو رايح على القرية وهو اتفاجأ بيا، وجه قعد معانا شوية ودردشنا…
آآآه نسيت أقولك إنه كان جالي في المستشفى يشوفني لما انضربت بالرصاص وجابلي كمان ورد..
بصراحة يُوســــ…
وقبل أن تُكمل جملتها شعرت بأنفاس كالجمر تأتيها من خلفها تنم عن تنفيس بركان يمور بالكثير، ابتلعت ريقها باضطراب قابضة على أحد أوراق الشجرة بتوتر ثم ببطء التفت له وياليتها ما التفتت..
ابتسمت بإرتعاش وقالت بتلعثم:-
– أيه ده .. إنت جيت هنا إمتى..!
اقترب منها بشدة حتى أصبح ظهرها يحتضن الشجرة من خلفها، وهمس من بين أسنانه بنبرة باتت أشبه بالفحيح:-
– لما كنتِ مشغولة في حكاية سي يوسف..
ابتسمت بوجل وهي تشعر بجسده مُلتصق بجسدها، زادت حُمرة وجنتيها وهمست بتوتر واضعة كفها على صدره أو بالأحرى فوق تلك الحُمم البركانية التي تُبقبق محاولةً إبعاده:-
– طب .. ابعد شوية، لو حد شافنا هيقول أيه.!
ضرب الجذع الذي خلفها بقوة جعلتها تفزع، تسارعت أنفاسه وهو يقترب منها ليضع يده على خصرها بتملك شديد يمنعها من أن تبتعد عنه إنشًا واحدًا فانفرطت حبات التوت وانفرطت معها دقات قلب أسوة الذائب بهواه.
– هيقولوا مجنونة.
وتابع وهو يضغط على خصرها بقوة، وهمس بجانب أذنها حتى لامست شفتاه أذنها:-
– تعرفي لو نطقتي اسمه تاني هعمل فيكِ أيه!! صدقيني حاجات عقلك البريء ميقدرش يتصورها، هتتحاسبي وحسابك معايا عسير، أقسم برب العباد لو حاولتي أو فكرتي بس تجيبي سيرته بأي طريقة همحيه من وسط البشر..
على الرغم من طيور السعادة التي أخذت تُرفرف بداخلها ومن الشعور الذي كان يُرضيها ويُشعرها بأنوثتها ومدي هيمنتها عليه لكن لم تروق لها طريقة حديثه معها واستخدامه العنف بتحذيره، أزاحته عنها بقوة، وصاحت بعناد وتمرد إمرأة على رجُلها:-
– قولتلك ملكش دعوة بيا ولا حُكم عليا، أنا أعمل وأكلم كل إللي يعجبني يا قاسي، مين عطاك الحق تأمرني وبأي حق، إنت ناسي كلها أيام وكل واحد هيروح في طريقه و…
– اخرسي بقاا وبطلي الكلام ده.
واقترب منها مرةً أخرى وهو يحدجها بنظرته المرعبة وكزّ على أسنانه يقول وإبتسامة سخرية تُزين فاه:-
– إنتِ للدرجة دي ساذجة، فكراني ممكن أسيبك ولا أطلقك، دا بُعدك نجوم السما أقربلك يا حلوة، إللي بيدخل وكر الصياد مش بيخرج منه، بمعنى .. طول ما فيّا نفس وعايش مش هتغيبي من تحت عيني لحظة..
لمّا يبقى قلبي ده يخرج من مكانه ابقى إمشي..
قالها وهو يضرب موضع قلبه بقوة، نظرت هي بشرود وتصاعدت الذكرى لعقلها فصعقتها رجفة عنيفة وتلبسها الإرتياب ومشهده وهو يسبح بدمائه يهاجم عقلها بلا رحمة كفلاشات سريعة فامتُزع قلبها من أرضه…
كان يظن أن تضوج وتثور عليه لكن قابله صمتها البالغ.
انسل من أعلى الشجرة، وهتف بهدوء وهو يمد يده:-
– يلا تعالي انزلي كفاية لعب صغار بقى.
أفاقت على كلماته واستمرت في عنادها متذكرة مواقفه السابقة مُعتقدة أن له علاقات نسائية عديدة، عارضته بشراسة:-
– مش محتاجة منك حاجة يا شرشبيل، كفاية التوت بتاعي وقع بسببك، إنت شغلك بس تنكد عليا يخربيت كدا.
حرك رأسه بعدم فائدة وهو يرتاح بأن عَسبرة قد عادت، مدت أسوة قدمها بحذر للغصن المُنخفض لتتفاجأ بمن يسحب قدمها بشدة فتسقر بين أحضانه.
– لما أقول كلمة تتسمع، إنتِ بقيتي شرسة ليه كدا.
– أيه عايزني أفضل خاضعة لِسي السيد ولا أيه، أوعى تفكرني ساهلة يا باشا دا أنا أسوة على سن ورُمح، فاكرني مقدرش أنزل من على شجرة، أنا نص عصابات مصر كنت ملففاهم حولين نفسهم وكنت بطلع أسوار قد الشجرة دي مرتين..
كانت تصرخ غاضبة بوجه مكتوم أمام وجهه مباشرةً أمّا هو كان بعالمٍ آخر خاص به فقط، عالم مليء بكثير من الأشياء الذي يُريد أن يحيا بها معها..
يتأمل ملامح وجهها عن كثب بحرية تامة، هي إمرأته، حلال ربه، وحبيبة قلبه الذي عشقها قبل أن تُدب بها الروح، ملاك أيامه التي لم تتبدل وظلت كما هيّ.
هي مكافأته على صبره وسلوانه .. هي معجزته .. نعم مُعجزة!!
كان ينتظر ولادتها على أحر من الجمر يعُد الأيام عدا، ويوم أن تنفست كُتب لكُلًا منهما أقدارًا مُفترقة، ويحول بينه وبينها أكثر من عشرون عامًا متروك بهم لخياله الجموج..
أين هي ملاكه، كيف هي، ما هي ملامحها، هل كبُرت وهي لا تعلم شيء عن وجوده من الأساس، هل روت لها “أميرة” عن فارسها الذي طوته الأيام؟ هل بينما كانت بأعشاء أمّها كان يصلها همسه .. وتشعر به.!..
بينما كان يتسائل بين الجدران المُظلمة كانت ملاكه تُسارع قدرًا أخر وكأن أقدارها تمدرت إلا أن تتذوق مما تذوق به فارسها، كانت تجابه الأيام تلتحف السماء، والأرض لها مهادًا.
وبعد تلك السنون تتقلص الدائرة وتتقارب الأطراف حتى يجتمعان .. الحارس والملاك..
فتكون له تارةً دواء لداءه، وتارةً أخرى داءً ليس له دواء.
ويكون لها أحيانًا وطن تختبأ مُلتحفة بدفئه، وأحيانًا زمهريرًا يضرب بجوانب قلبها .. غير أن العرّافة قد نقشت على الأحجار أن لن يفترق الحارس والملاك، كلاهما روحان ملتحمتان بجسدٍ واحد.
أليس تلك بمعجزة..؟!!!
تلك العينان مروجه الخاصة جنته هو فقط، وذاك الوجه الحريري المصبوغ بالشفق لا يحل سوى لعيناه فقط أن تغوص به، وتلك الشفاه التوتيتين ليست مُباحة إلا لسواه، أمّا حقول البُندق برأسها فهي لأجل أن يُمرمغ بها أنفه يشتم فُلها إلى اللانهاية..
انفكت عنه أسوة بعد محاولات عديدة بأنفاس سريعة تتلاحق وتركها هو رحمةً بها، لم تجرؤ أن ترفع رأسها بعد ما حدث أو تنبث ببنت شفة، رفعت تنورتها وركضت بتعثر إلى الداخل بقلب يخفق بجنون ثائر..
صعدت لغرفتها وهي تكاد تبكي من فيض تلك المشاعر التي تسكنها، أغلقت الغرفة بإحكام وظلت تستند على ظهر الباب تتنفس بصوتٍ مسموع وصدرها يعلو ويهبط بجنون..
أغمضت أعينها تهدأ لكن هيهات الخيالات تقتحم الذكرى بإلحاح..
اقتربت من المرآة تتأمل هيئتها .. بُقع التوت الأحمر وشمت على خديها وشفتيها..
رفعت أناملها المرتعشة تتحسس شفتيها .. لا تتذكر شيء ولا تعلم حقًا كيف حدث ذلك!!
– إزاي حصل كدا، أنا محسيتش بحاجة وكأني كنت بعالم تاني، أنا .. أنا مش عارفة حصل إزاي .. ودا معناه أيه..!
أنا إزاي سمحتله أصلًا .. هو إللي سافل وقليل الأدب، إنسان مش محترم وخادني على خوانة أصلًا..
ماشي يا شرشبيل والله لأعرفك..
******
– مستحيل مؤمن يكون كدا، مستحيل ابني يكون زي ما بتقول عليه.
وقفت “جميلة” تقول معارضة بتأهب.
قال الماثل أمامها وهو يُثابر نفسه على الصبر، وقال دون رأفة:-
– مؤمن أسوء من كدا كمان بمراحل، بقى أسوء إنسان ممكن تقابليه.
صرخت مهتاجة وقلب الأم يضطرب بداخلها لأجل فلذة كبدها:-
– مش هصدق ولا كلمة عنه أبدًا، أيوا هما فرقوني عنه بس أنا ربيته عشر سنين وزرعت جواه كل الخير والنقاء، مهما كانت سوء الأيام والمُحيط إللي كان فيه بذرتي تتغلب عليهم، الخير جواه عمره ما يموت أبدًا..
أنا عرفاه كويس، مؤمن أحن حد ممكن تقابله، حنين وقوي وشجاع وراجل أووي..
لما خدته في حضني بعد أكتر من عشرين سنة .. الحضن ده اكتشفت بيه كل المعادن إللي جواه، بالرغم من كل إللي حصله وإللي شافه بس مجرد ما عرف إن تعبانة جرى عليا، أهتم بيا وشالني زي الطفلة بين إيديه..
تعرف .. فضل قاعد اليوم كله قدامي يبصلي بس..
أيوا اليوم إللي قبل اليوم إللي سيبته فيه بعد ما أجبرتني أكتب له الكلام ده..
يا كبدي ونور عين أمك يا مؤمن يا روحها من جوا .. يا ترى عملت أيه لما شوفت جريمة أمك على الورقة إللي سبتها..
تنفست وأكملت بينما كان الطرف الأخر يحاول إيقافها عن الحديث:-
– أيوا جريمة .. تلاقيه يا حبيبي ادمر، دمرته بالكلمتين دول وكسرت نفسه .. أنا دمرت ابني بإيدي ياريتني كنت مت ولا عملت كدا …
تعرف اليوم ده .. اليوم الوحيد إللي حسيت إن ابني رجعلي فيه .. كان قاعد يبصلي وعيونه مبطلتش تنزل دموع، كان بيعيط زيّ الأطفال وموقفتش دموعه.
نام في حضني وهو بيعط بشهقات شبة الأطفال، ويقولي إنتِ رجعتي يا جميلة، رجعتي لمؤمن.. قولي إنك بتحبيني يا جميلة قولي إن جميلة بتحب مؤمن..
قالي احضنيني يا أمي .. احضنيني أنا بقالي عشرين سنة مانمتش..
مؤمن هو الضحية الوحيدة في الحكاية دي..
أنا بقولك أهو أنا هرجع لإبني .. رجعني لابني..
ألقى بعض الأوراق أمامها وأشعل شاشة يُعرض بها أحد المقاطع عن ولدها، وقال وهو يحاول التماسك:-
– طب كدا .. مصدقة ولا لسه، كدا تصدقيني ولا لا.!
ظلت تُشاهد بصدمة احتلت كيانها ثم أخذت أصابعها تُقلب بين الأوراق دون تصديق، رفعت رأسها وحركتها بجنون دون تصديق:-
– مستحيل، دا مش حقيقي، مؤمن ابني مش كدا.
أعطها ظهره وقال بقوة حاسمة:-
– للأسف حقيقي يا جميلة، ومؤمن لازم يتم التخلص منه في أقرب وقت….
********
اعتدلت من تسطحها على الفراش بينما كانت تُكمل قراءة كتابها، مسدت على معدتها برفق ثم رفعت رأسها وتسائلت بهدوء:-
– هو أنا ليه مش حاسة بحاجة، وكأني مش حامل.
ابتسم صالح بمرح ثم اقترب منها وتسطح بجانبها وأجابها وهو يُمسد على بطنها:-
– لسه يا عصفورتي، دا يادوب لسه نُطفة صغيرة، كل ما تكبر هتحسي بيها في كل مراحلها..
ابعدت يده بعنف، وهدرت:-
– ماشي ابعد إيدك وإياك تلمسني تاني طالما إحنا بعيد عن العيون.
– عصفورتي على مهلك يا حبيبتي النرفزة مش حلوة علشانك وعلشان إللي في بطنك.
طالعته بأعين تبعث شررًا من نار وقالت:-
– ملكش دعوة باللي في بطني، هو يخصني بس.
رفع صالح إحدى حاجبه وقال بعدم فهم:-
– إزاي يخصك لواحدك مش فاهم، يعني إنتِ جبتيه لواحدك ولا أيه.. جات إزاي دي.!
– آآه لواحدي، هو في بطني ولا في بطنك، أنا إللي هولد ولا إنت، أنا امه ولا إنت.!
– آآه قولي بقااا هي هرمونات الحمل بدأت من بدري بدري كدا.
– لا هرمونات ولا غيره، بعد ما كل اللعبة دي تخلص همشي من هنا أنا ومُزن وهربيها لواحدي .. هي بنتي أنا، هنتقابل أنا وأسوة إن شاء الله وهنعيش سوا، وهي تربي يزيد وأنا مُزن.
كان عقل صالح يذهب ويأتي وهو ينظر لها بتيهة، يحاول استيعايب حديثها، وبعد ما يقرب العشر دقائق تسائل بفضول:-
– بغض النظر عن الدراما إللي حكتيها دي ممكن أعرف مين مُزن.
وضعت يدها على معدتها وقالت:-
– بنتي طبعًا.
– ااه قولي كدا، هو إنتِ حددتي النوع وكمان سميتي، لا يا ما شاء الله عليكِ حقيقي.
تسائلت بهجوم وشراسة:-
– أيوا بنت، عندك اعتراض ولا أيه..
– لا يا عصفورتي اعتراض أيه، كل إللي يجيبه ربنا حلو وأنا راضي بيه..
– عادي ولا تعترض هو إنت ملكش فيها.
– يا مُثبت العقل والدين يارب، نامي يا حبيبتي نامي يا عصفورتي وارتاحي شوية.
صمتت قليلًا ثم قالت بهدوء:-
– صالح.
– يا روحه وقلبه وعيونه.
تسائلت بشرود:-
– هي مامتك بتعمل ليه كدا، وأيه إللي في بالك، يعني عايزة أعرف أيه إللي هيحصل؟
وقبل أن يُجيبها قاطعه رنين هاتفه، التقطه واقترب منها ولثم جبينها قائلًا بابتسامة:-
– خامسة وراجعلك يا عصفورتي، دا تلفون مهم.
حركت رأسها بإيجاب وهي تتابعه يذهب حيث الشرفة.
خرج صالح للشرفة ورفع الهاتف مُجيبًا..
– أيوا يا مُراد.
– أيوا يا صالح عامل أيه وأخبارك، كل حاجة تمت زيّ ما خططنا..
ابتسم صالح بخبث وهتف:-
– تمت يا مُراد، مش قادر أقولك الخبر نزل عليها إزاي، صدمة كبيرة أووي لها.
– أكيد يا صالح، خطتها كدا ادمرت، المهم دلوقتي إنت تحذر لأنها هتهاجمك ومش هتسكت أبدًا، هتبدأ تإذي سارة وكمان خد بالك من نفسك يا صالح.
قال صالح بألم وخيبة ألم وخذلان:-
– عارف يا مراد .. عارف إنها ممكن توصل للقتل.
– لازم نبقى حذرين لأنها وراها كتير وإحنا عايزين نعرف المستخبي يا صالح.
– إن شاء الله يا مراد ربنا موجود.
– نعم المولى ونعم النصير.
بغرفة بسمة التي أصبحت موطنًا للحُطام بعد أن هشمت كل ما وقع تحت يديها.
جلست والجحيم يتناثر من حولها بينما يجلس الشيطان بحضرتها هو وأبناءه يصفقون لها بحرارة.
صرخت بجنون وأعين يتطاير منها الشرّ:-
– إزاي .. حصل ده إزي، الحقيرة كانت بتخدعني، كنت نايمة على وداني وهما نايمين في حضن بعض لغاية ما بقت حامل منه..
أكملت بمهمس تقول من بين أسنانها بنبرة غريبة وكأن روحًا شيطانيًا تلبسها:-
– بس مفيش مشكلة الحمل زي ما جه يغور تاني مفيش أسهل منها، أمّا إنت بقاا يا صالح فإنت إللي عملت كدا في نفسك، مصيرك هيكون نفس مصير أخوك إللي اتخلصت منه بخطة ماتخرش الميا وقدرت أبعده عن طريقي بعد ما كان ناوي يتجوز واحدة من الفلاحين ويعملها هانم .. قدرت أتخلص من واحد من عيالك يا “أسما” زيّ ما اتخلصت منك ومن أبوهم وجه الدور على ابنك الكبير .. هبعته لكِ قريب علشان تكونوا مع بعض..
أصل هو كمان ماشي على منوال أبوه وراح جاب واحدة من الشارع يتجوزها زي ما أبوه جابك كدا وأتجوزك بدالي .. بدل بنت عمه بنت الحسب والنسب .. فضلك عليا وأهو في الأخر أنا إللي كسبت..
قدرك جه يا صالح .. لازم أبعتك عندهم بقاا هتفضل تعمل أيه.
*******
ختمت في نهاية المُهاتفة وهي تبتسم بسعادة:-
– خلاص هانت يا مومي بقاا ويجمعنا سقف واحد متعرفش إنت واحشني قد أيه ومحتاجة حضنك أوي.
جاء صوت مؤمن من الطرف الأخر قائلًا بحنان وصدق:-
– وإنتِ وحشاني عالطول يا ليلو، هانت وخلاص مفيش أي حاجة تاني هتفرقنا، بس علشان خاطري يا ليلى خدي بالك من نفسك واسمعي كلام ليث، ليث مهمته حمايتك يا ليلى، وأهم حاجة محدش يشم خبر إنك لكِ علاقة ولو بعيدة بمؤمن الصياد.
– مع العلم إن مش فاهمة حاجة يا مؤمن وحقيقي احتارت أوي، بس أنا بثق فيك كفاية إن أخيرًا حسيت بالأمان حتى لو إنت بعيد.
– وحياتك عندي لأعوضك يا ليلى وطول ما فيّا نفس محدش هيقدر يمسّ شعره منك ولا يفكر وإلا يكون كتب موته.
– إنت بطلي وسندي في الدنيا ربنا ما يحرمنا من بعض ونجتمع على خير يا مومي.
– هنجتمع يا ليلو، يلا ذاكري علشان إمتحاناتك مش عايز سقوط يا بت.
ارتفعت ضحكات ليلى وقالت بتلقائية دون أن تشعر:-
– نفس كلمة البت أسوة .. لو مش ذاكرنا يا ليلى مصيرنا السقوط..
تأهبت أسماع مؤمن واعتدل بجلسته متسائلًا بترقب:-
– مين هي .. قصدك مين.!
أجابته ليلى وقد غامت عيناها دموعٌ رقراقة وهاجمها حنين قوي لصديقة روحها التي فرقتها عنها الأيام:-
– أسوة .. صاحبتي وصاحبة عمري، أيوا إحنا اتعرفنا على بعض من بداية الكلية بس كأني عرفاها من سنين ومقدرتش أصحاب وأتعلق ألا بيها ومكونتش محتاجة وقت علشان أتعلق بيها أصلًا بعد صافي .. يمكن صافي وتعلقي بيها يرجع للأيام والعشرة والتضحية والمحبة .. بس أسوة غير.
دق قلب مؤمن بعنف .. هل من الممكن أن تكون هي، هل يمكن أن يتلاعب بهم القدر إلى تلك الدرجة، استفهم أكثر وهو يحاول أن يصبغ نبرة صوته بالهدوء:-
– طب وهي فين … يعني مش بتتقابلوا في الكلية.؟
قالت ما جعلت الأخر يتصنم:-
– بعد الحادثة إللي حصلت ليا في السجن وكدا استغربت طول فترة غيابي دي كلها إزاي أسوة مسألتش عني، ولما رجعت الكلية مقبلتهاش وقالوا إنها بقالها مُدة مش بتحضر الكلية، روحت الحارة إللي كانت قاعدة فيها ولما سألت قالولي تعيشي إنتِ .. تخيل قالولي أسوة ماتت..
أنا اتصدمت الأول بس إحساس جوايا قالي لا في حاجة غلط واتأكدت لما سمعت من كذا بنت إن أسوة جات الكلية بس أخدت بعض الأوراق ومشيت عالطول ومحدش كتير شافها..
دورت كتير عليها بس من غير أي فايدة وأملي الوحيد الإمتحانات وخلاص الحمد لله هي قربت أهي، وهقدر أنا وأسوة نتقابل إن شاء الله.
كأن العالم يدور من حول، هي لا غيرها لا محالة، تقصد ملاك، هل كانت ليلى على علاقه بملاك..؟!
رباه رُحماك…!
استطاع النطق بصعوبة وحذرها:-
– خلاص تمام يا ليلى، حتى لو اتقابلتوا متعرفش هي كمان أي حاجة عني ولا علاقتنا ببعض، هي مش مُستثناه يا ليلى..
– خلاص يا مؤمن تمام متقلقش، يلا سلام يا حبيبي.
– سلام..
أغلقت ليلى الهاتف وجذبت رداء الصلاة وأخذت تُصلي بخشوع ثم جلست فور أن انتهت على المصلاه ورفعت رأسها للأعلى وهمست بدموع سمحت لها أن تهطل بين يدي خالقها:-
– إنت عالم إني مش بعمل حاجة غلط، أنا في أمسّ الحاجة لقوتك يا قوي، عني وقويني مدني بالقوة الفترة الجاية دي علشان أقدر أنهي ولو بعض من الفساد ده، أنت لا تُكلف نفسًا إلا وسعها وإنت سخرتني علشان أنقذ البنات دي، خليك معايا وخليني في حماك وسدد خُطايا وسامحني على أخطائي يا حليم..
شعرت بالقوة والحماسة تتسرب داخلها شيئًا فشيء، وأن ذخيرتها تُشحن مددًا وعونًا من الرحمن، ابتسمت ثم أمسكت كتاب الله تقرأ وتلتمس السكينة حتى هدأت..
إرتدت ملابسها وحملت حقيبتها وعزمت على الخروج.
سارت حتى وقفت بوسط الممر، لمحت غرفة دٌنيا شبه مفتوحة ويبدو أنها ليست بالداخل، حسمت أمرها ثم ولجت للداخل ببطء، ظلت تلتفت تمسح أرجاء الغرفة بعينيها فتنأى لها صوت خرير الماء يأتي من قِبل المرحاض فعلمت أنها تستحم.
همست بأمل:-
– قدامي أقل من عشر دقايق، لازم أعرف هو فين.!
ظلت تبحث بحرص وهي تُعيد كل شيء لأصله مرةً أخرى، سمعت صوت الماء يتوقف فقررت الإنسحاب لكن قبل أن تخرج لمحت شيئًا بارزًا أسفل الدثار.
اقتربت ورفعته حتى وجدت كومة من المفاتيح..
ابتسمت بإرتياح وفتحت حقيبتها وأخرجت قطعة من الصابون ثم أخذت تطبع المفاتيح بها حتى أصبح للمفتاح صورة بقطعة الصابون، نظفت المفاتيح بحرص ثم وضعته محله مرةً أخرى وخرجت كما أتت.
ثم خرجت من المنزل قبل أن تلتقطها فراولة بينما ليث فبعمله وهذه فرصة لتُرتب بعض الأمور..
استقلت سيارة أجرة وبعد مدة قصيرة كانت تترجل أمام إحدى الكافيهات التي تطُل على النيل.
دخلت برزانة وهي تبحث بعينها عن المنشود حتى وجدته جالس بإحدى الطاولات النائية.
– أهلًا آنسة ليلى، يا ترى عايزاني في أيه.
– أهلًا بحضرتك، هحكيلك كل حاجة بس قبل دا كله ليث مش هيعرف ولا كلمة ولا كأني قابلتك.
********
كانت لازالت بداخله مِرْيةٍ حول أمر صديقة ليلى، وقف على باب المطبخ يتاكلها بعينيه وهي منشغلة بتحضير كعكة التوت المهوسة بِها، تُدندن بصوتٍ عذب جميل تشوبه مسحة ألم وأنين كنوح الحمام.
تنهد يُروح عن قلبه الحسِير المصاب بقطُورٍ كثيرة، لَجّ في الإقتراب حتى صار على مقربة منها ثم استند على حافة المطبخ.
قيّدتها رائحة قضّت مضجعها وسلبت عقلها فور أن آوت إلى أنفها فأدركت أنه يُحاوطها، سرت قشعريرة في جسدها كلّه كالنار وقد زاغت نظراتها وحاق بها التوتر من كل جانب، كيف ستضع عينها بعينه.!!
ابتسم بخبث وهو يعلم ما يدور بخلدها، هتف وهو يثقبها بنظراته:-
– أيه يا عسبرة ماله وشك مش عايزة تطل عليّا يعني.
شددت على أعينها بشدة وهي تلعن خُبثه، انتفخت أوداجها وتصاعد الدم لوجهها ثم استدارت وهي ترفع اصبعها بوجهه تقول بتحذير:-
– ماله وشي .. وبعدين أيه جابك، عايز مني أيه.!
بسرعة البرق كان يطبع قبلة على اصبعها المرفوع بوجهه، ارتدت للخلف وهي تُنزل يدها بصدمة وهي تشهد تبدل حاله وتغيره معها يومًا بعد يوم، رابط مجهول يتجذبهما نحو بعضهم دون هَوَادة.
ابتسم برزانة وقال:-
– جاي أساعدك يا عسبرة، سمعت إنك هتعملي الغدا لواحدك.
– لا متشكرين مش عايزة مساعدتك يا باشا، بعدين بجلالة قدرك جاي تطبخ معايا.
وقف أمامها وكلمتها عيناه بما يحوي قلبه، حمحم بخشونة وقال:-
– كله فداكِ يا عسبرة، الغالي يرخصلك يا عسبرة الباشا.
جأر قلبها بعنف من تلك الكلمات التي ينسجها ببراعة على أوتار قلبها الشغوف.
مدّ مؤمن يده وهو يُحيطها بينما تعطي ظهرها لها تقطع بعض الخضروات، أراد أن يأخذ مكانها وجاء ليتناول السكين منها لكن على عين غرة وهي تُبعد يده فضربت السكين بيده ليُحدث جرحًا غائرًا.
سحب مؤمن يده بألم بينما شهقت أسوة بذعر واقتربت منه مسرعة وهي تُمسك بيده بإرتعاش، فاضت أعينها بالدموع وتربد لونها.
ثم قالت بتحشرج وقلبها يؤلمها:-
– أنا مأخدتش بالي مكونتش أقصد، آسفة، بيوجعك، سيبني أعالجك.
هرولت نحو أحد الأدراج تُخرج علبة الأسعافات ووقفت أمامه بلهفة تُمسك يده أمّا هو قد غاب بها وضاع الدليل لعودته.
رفع يده الأخرى واحتضن وجنتها يُمسدها ويُزيل دمعها بحنان ولهج يقول:-
– على مهلك يا عسبرة مفيش حاجة دا جرح بسيط..
ضمدت جرحه ورفعت أعينها التي التقت مع عينيه في حديثٍ طويل، همست بألم ممزوجٍ بالخوف:-
– حقك عليا مأخدتش بالي والله.
أغمض إحدى عيناه بلُطف وقال ليُخرجها من حالتها:-
– يااه عادي أنا اتعودت يا عسبرة هي دي يعني أول مرة تعمليها، بتحبي العنف إنتِ، وتحبي تشوفي دمي عالطول صح، امم والله خلاصي هيكون على إيدك يا عسبرة هتقضي عليا.
ضربته بخفة وابعدته بشراسة ثم هدرت:-
– أنا يا شرشبيل يا قاسي القلب والله ما تستحق أعالجك، أوعي كدا أما أمشي أكل الكيكة قبل ما تعكر مزاجي.
وقبل أن يُجيبها كانت الخالة فردوس تستأذن الدخول ثم قالت بإبتسامة:-
– يوسف برا وكان عايز يقابلك يا أسوة.
التفت مؤمن بسرعة ونظر لها بأعين استوطنها السعير لتبتلع بجوفها الكلمات، أشار لها برأسه دون كلام بعلامة محذرة باردة غاضبة..
حقًا هذا الرجل يجمع بين كل شيء وضده.
خرج مؤمن للخارج وبقت أسوة في الداخل لم تجرؤ على الخروج..
فور أن رأي يوسف مؤمن ردد بإحترام:-
– مؤمن باشا أهلًا بحضرتك البلد كلها نورت والله.
قبض مؤمن قبضته بقوة وأردف ببرود:-
– أهلًا .. خير في حاجة.
شعر بالجفاء بحديثه ولم يعلم ما هو خطأه، مؤمن صاحب أفضال لا تحصى عليه، فهو من توسط لأجل تعينه بمركز المكافحة وبالتحديد بفرقة الضابط ليث وذلك لأجل خاطر والده، أجاب يوسف المسكين بإبتسامة وحسن نية:-
– عرفت إن حضرتك هنا، وكمان قابلت أسوة وجيت….
بلع الباقي من جملته حين باغته مؤمن بلكمةٍ قوية جعلته يرتد للخلف وسيل رفيع من الدماء هبط من جانب فمه، هدر بنبرة تحمل غضبٌ أعمى:-
– إياك ثم إياك اسمها تنطقه، المرة الجاية لسانك هيوحشك.
ابتسم يوسف ولم يحتاج إلى بيّنة ليعلم ما في الأمر، كان يعلم بأمر زواجهم لكنه كان لا يُدرك هذا العشق الثائر في الوسط، قال يوسف في هذا الأثناء يُغاير مجرى الحديث بينما كانت أسوة تقف خلف أحد الأشجار القريبة من الباب والسعادة والفرحة لا تسعها وهي تستمع وترى نتيجة سعير غيرته الحارقة:-
– احمم ليث باشا بلغك بقتل الأعور في السجن.
رد مؤمن بلامبالاة وبرود:-
– أيوا اتقتل وهو يستحق .. أمثاله القتل حلال فيهم.
كانت أسوة تستمع بصدمة شديدة، مُحت إبتسامتها وأول ما جاء بعقلها أنه هو من قتله جراء خداعه إياه..
لكن لماذا.! فلقد كان بأيدي الشرطة وسينال عقابه، لكن كيف لهذا المتعجرف القاتل أن يفوت هذه الفرصة المغرية لسفك الدماء وينال شرف معاقبته..
خرجت من خلف الشجرة بصدمة وتسائلت بنبرة مملوءة بالإتهام:-
– إنت إللي قتلته..
تعجب مؤمن مما يسمعه ودار للخلف ليراها تنظر إليه بإتهام وشر كبير، غضب من خروجها بعد أن حرص عليها عدم الخروج، ابتسم يوسف وجاء يتحدث لكن سبقه مؤمن الغاضب يأمرها بعد أن وقف أمامها يجذبها من ذراعها برفق ويحثها للدخول:-
– إدخلي جوا وهتتحاسبي على عدم سماعك للكلام.
نفضت يده بقوة وابتعدت عنه وهدرت صارخة:-
– كنت عارفة إنك مش هتسكت، ومش هتعديها كدا، قتلت الراجل ليه ما الشرطة كانت موجودة وهياخد عقابه، ليه لازم توسخ إيدك بالدم… بس إزاي إزاي الباشا يتنازل عن كبرياءه..
ليه كدا .. ليه كل حاجة عندك حلها القتل..
انسحب يوسف فالأمر يحتاج لتوضيحٍ بينهم ولا يجب عليه التدخل بين رجل وزجته..
كان الغضب يمور داخل دماءه وهو مصدوم من حكمها السابق عليه وفكرتها عنه دون أن تكلف نفسها السؤال والنقاش، قال من بين أسنانه وهو يُحذرها ليُنهي هذا الأمر:-
– أيوا خاين وقتلته .. اتجرأ وكان مخطط لخداعي وأنا خلصت عليه علشان غلط معايا أنا مش غلط مع الشرطة كدا إرتاحتي بقاا، يستاهل القتل وقتلته..
عادت للخلف بصدمة وهي تشعر أنها ترى أحدًا أخر غير الذي كان بأحضانها، تحجر الدمع بعينيها واستدارت تركض خارج المزرعة هاربةً منه ومن نفسها وقلبها وكل العالم..
خرج خلفها وهو يجأر يُناديها بالعودة لكن لا فائدة، كانت تركض وكأنها تهرب من وحشٍ ما يلاحقها، عرجت إلى وادٍ سحيق بالجهة الغربية للبلدة ومؤمن يلحقها بغضب ناري.
بأقدام مُتعثرة، وأنفاس مُنقطعة تركض بقوة والخوف يتلبسها وكأن وحشًا يُطاردها.
تسقط بين الحين والآخر بسبب تلك العطوب المُنتشرة بتلك البُقعة المهجورة، والشمس تتوسط كبِد السماء وتنشر أشعتها الحارقة في الأفق مُسببه إرتفاع كبير بدرجة الحراره تُماثل حرارة شهر أغسطس بالرغم من انتصاف أشهُر البرودة لكن ساعات النهار تتقلب بين الفصول المُختلفة.
وقفت بُرهة وأَحنت ظهرها للأمام مُستندة بكفيها على ركبتيها تطلب الهواء لرئتيها طلبًا حثيثًا.
تسارعت خطواته وهو يركض نحوها سريعًا ويجأر مُناديها بصوتٍ مُرتفع جعلها تستقيم وتواصل الركض مرةً أخرى غير مُنتبهة لحجابها الذي انزلق عن رأسها دون أن تُدرك، فقد غشى الرعب والذعر على عقلها فلا تُدرك إلا الهرب منه فقط.
التفتت من حولها وهي ترى أرضًا واسعة جدباء مليئة بنباتات شوكية، عرجت إليها وأخذت تعدو مسرعة..
بينما هو فقد توسعت مقلتيه على أخرها عندما رأها تعرج إلى تلك البُقعة من الأرض وأدرك أن لا مفر مما سيفعله..
صرخ بصوتٍ مُرتفع بإسمها للمرة الأولى منذ لقائهم:- -“أســــــــــــــــــــــــــــــــــــــوة”…
تحجرت بأرضها فور سماعها صراخه باسمها للمرة الأولى، فدائمًا يتحاشى لفظه وكأنه نكره بذيئة وبدلًا منه يُناديها بملاك دون شعوره.
كانت ستسعد ويطرب قلبها فرحًا لو لم تكن بالموقف هذا.
التفتت تنظر إليه فرأته يقترب منها وقد تقلصت المسافة بينهما فلم تَضنُّ بالركض وشرعت تركض من جديد.
في حال أن “مؤمن” وقف مكانه ولم يعد لديه خيار سوى هذا.
جذب سلاحه من خلف ظهره، ورفع صمام الأمان الخاص به ثم وبدقة شديدة ومهارة لا تليق إلا بسواه صوَّب تجاهها وحدد هدفه، وأطلق مُسرعًا برصاصة خرجت من فوهة سلاحه كالبرق لتخترق كَتِف “أسوة” التي شهقت بألم جراء إختراق الرصاصة كتفها.
تعثرت خطواتها وسقطت أرضًا، وهُنا استطاعت أن تُحرر دموعها من خلف قضبان جفونها وانسابت على وجنتيها المُشربة بالحُمرة إثر حرارة الشمس.
تقوست شفتيها بألم، وأخذت تتقهقر زاحفة للخلف وهي تراه مُقبلًا إليها يَدُك الأرض دكًا.
شعرت بالبرودة تتسرب إليها من الخوف والألم معًا، وقالت وهي غافلة عن مِضمار فِكره:-
– لااا يا مؤمن …لااا
ثم أغمضت عينيها ساقطة ببحر من الظلام لا تُجيد السباحة به، لتُدرك أنها النهـــــاية…


تعليقات