رواية الصمت الباكي الفصل السادس والخمسون 56 بقلم ساره نيل


     رواية الصمت الباكي الفصل السادس والخمسون 

انحنى نحوها بوجهٍ يتغضن غضبًا ثم حملها ببرود ثلجي بين ذراعيه المتخشبتان تتدلى ستائر البندق خاصتها وثوبها الأبيض يُرفرف بعدما تلطخ بقليلٍ من الدماء.
دخل المزرعة بملامح وجه مكفهرة لا تنم على خير، وضعها على الفِراش ثم وقف ينظر لها قليلًا وخرج ينادي على ‘فردوس’ التي أتت مهرولة بخوف فور أن علمت بما حدث.
– ابعتي لدكتورة من الوِحدة في أقل من عشر دقايق تكون هنا.
– بعت وراها يا مؤمن يا ابني متقلقش.
جلس على مِقد يوازي الفراش بسكون وهدوء غريبين وعقل هرول نحو الشرود متخده ملجأ.
دخلت طبيبة بصحبة ‘فردوس’ تحت انظاره أشار لها بصمت لتبدأ عملها بإفاقة أسوة تحت نظراته الحادة.
قالت الطبيبة بعدما لاحظت تململ أسوة:-
– مفيش أي قلق هي أغمى عليها بس من الخضة.
ثم أخذت تكشف كتفي أسوة تبحث عن الجرح لتضمده فتجلى أمام عيناه وشم اسمه الذي على قلبها، ظل جامدًا لم يُحرك ساكنًا بينما سمع الطبيبة تطمئنهم:-
– دا خدش بسيط ناتج تقريبًا عن رصاص مطاطي .. الرصاصة مرت بحانب الكتف الحمد لله.
كانت أسوة قد بدأت بالإفاقة وولجت تلك الكلمات لأذنها، انتهت الطبيبة سريعًا واصطحبتها ‘فردوس’ للخارج، بينما هو فمازال لم يُحرك ساكن.
تأوهت بخفة وحركت عنقها بألم وهي تعتدل لتسكن فور أن وقعت أنظارها عليه لكن المدعو للريبة حقًا تلك الحالة التي هو عليها، ياللسخرية!! مَنْ مِن حقه أن يثور على الأخر..
هذا القاتل الذي كادت أن تفقد حياتها أكثر من مرة بسببه.
نظرت له بغضب وأشاحت بوجهها عنه..
وثب من مقعده واقترب منها ببطء ثم انحنى مستندًا على الفراش ودنا نحوها، ضغط على أسنانه بقوة وهمس بقسوة:-
– يبدوا إن اتساهلت معاكِ، وبتعلني تمردك بكل بجاحة ومعدش في لكلامي أي قيمة.
التفتت له مسرعة وهي تطالعه بتعجب وغضب ينبثق من مقلتيها عليه، وجاءت تثور وتتحدث، ليقاطعها صارخًا بشدة جاعلها تنتفض برعب:-
– إنتِ تخرصي خااااالص..مش عايز أسمع صوتك تاني، من هنا ورايح معدش لكِ حق الكلام وكل حاجة ترجع زيّ الأول وتحفظي حدودك وبالذات معايا؛ لأن كل غلطة هتبقى بحساب.
وخرج صافقًا الباب بعنف جعلها تنتفض بجزع.
بعد قليل كانت السيدة فردوس تلج للغرفة وبين يديها صنية تتراص عليها طعامٌ شهي، وضعتها أمام أسوة وجلست بجانبها ثم تحدثت بعتاب حين رأتها شاردة مغمومة:-
– حد يعمل إللي عملتيه ده يا ست البنات، هو العمر بعزقة يا بنتي.
تنهدت أسوة بإحباط وهتفت بشرود وهي تفرك ذراعها:-
– معرفش أنا اليومين دول حقيقي بتصرف بإندفاع، وفي كتير جوايا أووي اتغير .. أنا جوايا كل حاجة وضدها.
وقدامه مش عارفة أيه إللي بيجرالي.!
قالت جملتها الأخيرة بهمس وكأنها تهمس لقلبها وتستجوبه ما به؟! مُتيقنة بأنها مُتيمة بهذا الرجل!
ولا ضير في هذا، ولا يشوب هذا الحب مانع، فهو زوجها، وحلالها.
لكن وحشان داخلها يتصراعان، أحدهما يريد الخنوع وإرتشاف الحب المغطى بنكهة الغموض والألم معًا، وآخر يخشى تبيعات الحُب.
– إهدي يا بنتي والحمد لله إنها جات سليمة ومؤمن عرف يتصرف بسرعة ويوقفك.
جعدت أسوة وجهها وتسائلت بتعجب:-
– عرف يوقفني!! ليه يعني، وعدت سليمة إزاي بعد ما ضرب عليا الرصاص .. أنا مش قادرة أصدق لغاية دلوقتي إن عملها.
ربتت فردوس على فخذها وقالت موضحة؛ لتنجلي حقيقية صادمة لأسوة:-
– إنتِ كنتِ بتجري في الناحية الجنوبية للوادي عند أرض الألغام، كان بينك وبينها خطواط والمنطقة دي محظورة ومفيش مخلوق بيهوب ناحيتها.
اعتدلت فزعة من الفراش لتلك الحقيقة الغير متوقعة، ونهضت تقف بترنح طفيف.
– على مهلك يا بنتي ينفع تقومي كدا.
– خالتي فردوس إنتِ بتتكلمي جد، ألغام أيه إللي في المنطقة!
– فعلًا يا أسوة دا حقيقي، من زمان كان في خلاف على الأرض دي بين عيلتين كبار وكانوا بيقتلوا بعض علشانها وفي الأخر في عيلة زرعت ألغام في المنطقة علشان محدش يستنفع بيها وحوليها شبكة ولوحة تحذير تمنع أي حد ينزلها ومفيش حد من أهل البلد بيروح الناحية دي أبدًا.
أحاط الغم قلبها وسحبت ملابسها بصمت مطبق وخرجت ولم تمنعها فردوس تقديرًا لحالتها.
هبطت ببطء وهي تدور بأعينها تبحث عنه وتأنب نفسها فكلما أخذت علاقتهم خطوة للأمام عادت للخلف أميال..
تفاجأت بيزيد يأتي نحوها مسرعًا وأخبرها:-
– ويسي عمو بتاع الصبح برا وبيسأل عليكِ.
علمت أنه يقصد يوسف، عقدت ما بين حاجبيها وهي تشعر أنها ليست بحالة مزاجية للتحدث معه، تنهدت بثقل وخرجت للخارج ليأتي يوسف نحوها مسرعًا.
– أسوة .. أقصد دكتورة أسوة إنتِ كويسة .. أنا سمعت إنك روحت ناحية أرض الألغام، الحمد لله إن مؤمن باشا قدر يوقفك.
– مكونتش أعرف، والحمد لله عدت على خير.
قال يوسف وهو يوضح سوء التفاهم الذي وقع:-
– إنتِ فهمتي كلامي غلط، الأعور مات في السجن على الرغم من تحفظنا الشديد بيه لأن من خلاله كنا هنقدر نوصل للعصابة بس اتخلصوا منه علشان يمحوا أي أثر وراهم.
هذا يوم العجب الأكبر، استفهمت بحذر لتصفع قلبها بالحقيقة:-
– ليه هو مات إزاي.!!
– مات مسموم داخل السجن، وليث باشا وكل المجموعة بتحقق في موته والدنيا كانت مقلوبة.
عادت خطوات للخلف وهي تلعن غبائها، لقد ركضت خلف كبرياءها اللعين كمن كان يركض خلف خطأ ليأخذ منه مبرر لأجل شيء خفيّ بداخلها.
ودون أن تنبث بكلمة استدارت ولم تعبأ بيوسف الذي أخذ يناديها دون فائدة.
عرفت طريقها حيث غرفة مكتبه ملاذه حين يغضب، دخلت مسرعة ثم أغلقت الباب واستندت بظهرها تتنفس بسرعة وكأنها كانت تعدو أميالًا عديدة.
كان يقف أمام النافذة بثبات غريب متجمد يضع يديه بجيبي بنطاله ينظر للخارج بشرود.
تنفست بعمق وهي تلوم نفسها وغبائها .. قد أحزنته وخيبت أماله فقد كان يسعى لإرضاءها وبداية صفحة جديدة خالية من معكرات تنغص عليهم حياتهم، حاول تجاهل علامات الإستفهام التي تحاوطها من كل جانب رغم أنها تعلم أنه من الداخل يتآكل لأجل التساؤلات الخاصة بها.
اقتربت بأقدام تتخبط وهي تفكر بطريقة لائقة للإعتذار وإرضاءه، وقفت خلفه ووتيرة تنفسها تعلو حتى أصبحت مسموعة ومازال هو لم يُحرك ساكن، متجمد ينظر للخارج على نفس حاله.
ابتلعت ريقها وهمست بتردد وصوت متقطع:-
– أنااا .. أنااا كنت .. بصراحة مش عارفة أقولك أيه .. أناا آسفة…
صمتت بحرج وهي لا تدري ما تفعل وكيف لها أن تتصرف وخاصة عندما وجدته على حاله لم يتزحزح قيد أُنملة، ابتلعت غصة مريرة بحلقها وهي تلقي كامل اللوم والعتاب على أعتاقها، حقًا هي المخطئة هذه المرة والخطأ بأكمله يقبع فوقها.
تأملت جانب وجهه ذا الملامح الرجولية الخشنة وأعينه التي تفيض بمشاعر تقتلها وتؤلمها، لا تعلم لماذا لكن باتت تقرأ داخل عيناه ألمٌ عميق لا تعلم ماهيته؟!
فركت يديها بحرج وترقرق الدمع بأعينها ثم اندفعت تلف ذراعيها حول خصره واحتضنت ظهره بحنانٍ جارف يحمل بين طياته أسف وندم وعشق واحتياج…
– حقك عليا أنا مش عارفة أيه إللي حصلي وإزاي اتصرفت بهجوم كدا، يمكن علشان الأحداث الأخيرة إللي حصلت معايا مخلياني تايهة، أنا بعتذر حقيقي … سامحني ممكن.؟
أغمض أعينه بصمت ثم بعد برهة استدار وهو على حالته فرفعت رأسها نحوه وهي مازالت بين يديه وتعلقت أعينها الدامعة بخصتاه الصامتة، تأمل أهدابها المُبللة ثم رفع اصبعه ومرره فوق دمعها يُزيله ومازال على جموده، تحدث وهو يمسح على وجنتها اليمنى بغموض ونبرة حاسمة:-
– ماشي على إستعداد اسامحك في تهورك وتسرعك وقلة ثقتك …. بس بشرط .. هو مش شرط تقدري تقولي نفاذ صبر.
ابتعلت ريقها بقلق لكن تجرأت ودفنت نفسها بين أحضانه متمرمغة على صدره وهي تستقر برأسها فوقه براحة في محاولة ماكرة منها لإلهائة وصرف مشاعره نحوها لكن خيّب أملها عندما لم يقابلها سوى الجمود وعدم المبالاة، همست بقلة حيلة متسائلة بترقب:-
– وأيه هو الشرط؟!
– لغاية هنا وكفاية، أنا صبرت كتير، أيه قصة يزيد، وأيه علاقتك بآدم العشري؟ في أسئلة كتير أنا عايز إجابتها ولازم توضيح.
في الحقيقية هي لم تصدم تعلم أن الأمر أخذ أكثر مما يستحق وهو قد وفى بميثاقه معها ولم يُقدم سوى الطيب وحان دورها لتثبت له ثقتها…
آن الأوان عن كشف حكاية غيرت مجرى حياتها.
وضعت كفها تتلمس لحيته في مبادرة جريئة منها لإظهار بعض من الوِد والحب له، لم يعد يهمها شيء سواه والآن لا تملك سواه ويزيد، وهو رجلها جدير بحمايتها من العالم أجمع..
أطرقت رأسها وقالت بصوتٍ خافت بدلال فطري:-
– حاضر هقولك كل حاجة بس ممكن نطلع أوضتنا..
رفع إحدى حاجباه بتعجب وهو لا يفهم ما الذي تقصده لكن لم يكن أمامه سوى الرضوخ لها حينما أضعفته بنظرة من عينيها.
– تمام .. يلا.
– شيلني.
استدار لها بتصنم وهو يرمقها بعدم فهم، لتؤكد عليه بدلال:-
– تعبانة .. حاسة إن هبطانة .. أيه هتسبني أطلع ممكن أقع أو يغمى عليا أو..
قاطع وصلة عدها حين فاجئها بحمله لها بقوة بين ذراعيه وخروجه من الغرفة ومازال على تجهمه وجموده.
أحاطت عنقه وهتفت بغُنج:-
– بحنية .. إنت ناسي إن رصاصة المُهجة صابتني.
لم يُبدي أيّ ردة فعل على مصالحتها العديدة ومحاولتها لجعله يلين، وضعها على الفراش ببعض القوة وصفع الباب بقدمه يغلقه ثم وقف أمام الشرفة مُوليًا إياها ظهره وقال بصلابة:-
– سامعك.
– مش هعرف أحكي كدا.
استدار ليعلم حجتها تلك المرة فلاحظ للمرة الأولى داخل مقلتيها نظرة إحتياج .. إحتياج للدفء والحنان والدعم، إحتياج أنثى لرجلها ليحميها من خوف يداهمها.
اقترب منها وزفر يُخرج بعضًا من الطاقة السلبية التي تملئه وتسائل بنبرة لينة عن سابقيها:-
– طب عايزة أيه المرادي.
قالت ما جعل قلبه يهدر بعنف، ما جعل جبال الغضب تُبث بعيدًا، همست بصدق:-
– عيزاك إنت، خدني في حضنك وبس.
كانت نبرتها صادقة مصبغة بخوف فشلت في إخفاءه وأمام هذا الذائب بأنفاسها الغارق بهواها حد الألم لا يمكنه سوى تلبية دعوى معشوقته.
دون أدنى تردد جلس بجانبها مسند ظهره على الفراش لتسرع هي بزرع نفسها داخل أحضانه الدافئة وأغلق بذراعيه فوقها لتأخذ تلتحم به وكأنها تختبأ به من وحش ما.
استقر رأسها فوق صدره وقالت وهي تستدعي تلك الذكريات:-
– أنا هحكيلك كل حاجة.
***********
– بصراحة يا سارة يا بنتي أنا بعتب عليكِ، ملكيش حق في إللي عملتيه أبدًا .. كان الأولى تستني جوزك وتحكيله على كل حاجة.. إزاي تأمني لواحدة زي دي تاني، بعد كل إللي عملته معاكِ تهربي وتجري عليها .. وشوفي كان جزاءك أيه.
تنهدت سارة بحزن وقالت:-
– كنت خايفة يا دادة سميرة، أنا أيه كان يضمنلي إن صالح يصدقني بعد كل إللي حصل بينا وإنتِ عارفة طبيعة علاقتنا في البداية كانت عاملة إزاي..أيه كان هيضمن ليا إن مش هيصدق أمه أو يقف قبالها..
غير كدا أختي كانت هضيع وكانت هتقع في بير كله وساخة ومش هتعرف تطلع منه تاني خوفت على أختي إللي من ريحة بابا الله يرحمه..
أما أمي فربنا يهديها وأنا بعمل معاها إللي يرضي ربنا، يا دادة ربنا أمر ببر الوالدين لو كانوا حتى مشركين فمابالك بأمي، أنا جيت كتير على نفسي علشان خاطرها وهي مش قدمت ليا ألا الإساءة وبس .. بس أنا بعاملها بما يرضي الله لأن مسيري في يوم هكون أم ومش في إيدي ألا أدعيلها بالهدى..
أمي مسيرها تفوق من الكابوس إللي هي فيه ده وترجع لعقلها وتغلب الشيطان إللي مسيطر عليها ده.
– ربنا يهديلك العاصي يا بنتي ويكتر من أمثالك .. هقوم أنا علشان أحضر العشا وأجيبلك كوباية لبن تشربيها.
ابتسمت لها سارة ورددت بإمتنان:-
– تسلمي يا دادة.
وأخذت تشاهد فيلم الكرتون مرةً أخرى بإنتباه فسحبها بعيدًا عن الواقع ولم تشعر بصالح الذي جلس بجانبها..
همس بجانب أذنها بحرارة:-
– نفسي أخد ربع ما الكرتون واخد عقلك يا عصفورتي، واخدك مني على الأخر ودا ظلم والله.
فزعت شاهقة بخفة ورددت بعتاب:-
– صالح مش تعمل أي صوت خضتني.
سحبها نحوه جاعلها على أقدامه بين أحضانه وقال من بين قبلاته لوجنتيها وعنقها:-
– عمري كله فدا صالح دي .. إبقي قوليها عالطول.
تلوت على قدمه تحاول الفرار لكن كان هو الأقوى ولم يفلتها فأبدت إعتراضها بنزق:-
– عالفكرا البيت في ناس غيرنا عيب كدا حد يشوفنا.
قال بتلقائية:-
– تمام ساهلة .. تعالي نطلع أوضتنا.
هتفت بتحذير:-
– صالح..!
وضع رأسه بطيات عنقها وقال بنفاذ صبر:-
– صالح بيحاول يتماسك يا عصفورتي فماتزوديش المبلة طين..
وهمهم براحة ثم همس بعشق:-
– بحبك … عشقانك وغرقان فيكِ يا عصفورتي.
اهتزّ داخلها ورفرف قلبها سعادةً لأجل سماع تلك الكلمات والأهم الشعور بها، أغمضت عينيها وكانت على وشك أن تبادله الإعتراف لكن قطع لحظتهم مجيء سميرة التي ظلت تطرق الغرفة فعملت على إنتشالهم من سحابتهم الوردية
أفلتها صالح على مضض فجعلت سارة تعدل من وضع ثوبها ثم وقفت تتنفس بهدوء.
– اتفضلي يا دادة سميرة.
– صالح يا ابني محامي والدك الله يرحمه موجود وعايز يقابلك إنت وبسمة هانم ضروري.
ابتسم صالح وهو يدرك أنها بداية النهاية، نظر لسارة التي كانت لا تهتم لما يدور ثم اقترب منها وقال:-
– حبيبتي اعملي حسابك هتروحي تشوفي أختك بكرا إن شاء الله.
قفزت بسعادة وارتمت نحوه واضعة لثمة رقيقية على وجنته مردفة بعدم تصديق:-
– دا بجد يا صالح .. بجد ندى بقت بخير وأقدر أشوفها.
مجرد رؤيتها بتلك السعادة تكفيه، بادلها الإبتسامة وقال مؤكدًا:-
– أيوا يا روحي وهنروح بكرا بإذن الله.
– بجد شكرًا يا صالح تسلملي.
– عمري فداكِ يا عصفورتي..
سارت بسعادة وهي تهتف ببراءة ونقاء:-
– هطلع أنا أصلي وهستناك متتأخرش عليا.
ضحك صالح ونظر نحو سميرة وقال بغمزة:-
– سمعتيها.
ضحكت هي الأخرى وأجابت بطيبة:-
– تتهمني يا حبيبي وربنا يهديلكم العاصي.
– اللهم آمين يارب، يلا بعد إذنك يا دادة بلغي الست بسمة هانم بوجود المحامي خلينا نتخلص من الشوك المزروع وسطينا.
وقفت بسمة والقلق بادي على ملامحها خوفًا من أن يحدث ما تفكر به … وبالفعل.
نطق المحامي أخيرًا ليصفر وجه تلك الحية:-
– سمعت إن زوجة صالح باشا حامل وبكدا نقدر نفتح الوصية يا بسمة هانم.!!
نزحت إلى الذكريات تبثها إليه لتروي له تضحية فتاة بالسادسة عشر من عمرها الذي حفل بشتى أنواع الأوجاع، عند عودتها من المدرسة منهكة ذهبت للعمل بأحد المطاعم نصف دوام فهي متكفلة بدراستها بل بكافة حياتها .. طعامها، ملبسها، وكل شيء.
بعد إنتهاءها كانت تسير تجر أقدمها من خطوة لأخرى بين الشوارع المظلمة تبحث عن أيّ وسيلة تقلها حيث المنطقة التي تسكنها لكن بلا فائدة فالبلدة نائية بعيدة..
اعتمدت على جهدها المتبقي وواصلت السير بين الشوارع المظلمة والبنايات المتهالكة القديمة، وأثناء سيرها تناىء لسمعها صوت أنّات منخفضة تنازع وتقطع صمت الليل، تعجبت في البداية وتجاهلت الأمر بعد أن لبس الخوف قلبها وسارعت في مشيتها دون أن تُلقي بالًا لهذا.
لكن تعالت صوت الأنّات عند إقترابها من مدخل بناية بل الأحرى جُحرًا ضيقًا بزاوية مخفية داجية، وما أثار خوفها عندما شعرت بتلك الأنّات مكتومة، وبتردد بعض الشيء وحذر اقتربت من هذا المكان بقلبٍ يثور رجفًا..
تجمدت بأرضها وهالها ما رأت وجاشت دقات قلبها لكن من وسمها منذ أن كانت صغيرة أنها كانت ذات شكيمة وصاحبة مروءة عالية.
سعت نحو تلك المرأة الراقدة على كومة من القش غارقة بمخاضها ودماءها واللذان يدلان أن تنازع ألم الوضع، في البداية جزعت المرأة وزحفت للخلف برعب ووجهٍ معقود ينافس صفرة الشمس لكن نظرة واحدة من وجه أسوة المرتعب يزف إليها الطمأنينة.
ابتسمت المرأة بسمة طمأنينة وكأن أسوة بالنسبة لها زورق نجاة، أشارت لها لتقترب وهي في غمرة ألمها فاسرعت أسوة نحوها تجثو بجانبها فوق كومة القش ملقية حقيبتها بجانبها..
– إنتِ كويسة، أقدر أساعدك إزاي.؟!
كانت فتاة تبدو وأنها في الخامسة والعشرون من عمرها، أمسكت بيد أسوة بقوة وصدرها يعلو ويهبط إثر تلك الإنقباضات العاتية، همست بصوتٍ خفيض من بين نهجها متسائلة برعب:-
– هما برا، شوفتيهم .. عايزين يقتلوني ويقتلوا إللي في بطني، بعتتهم يقتلونا بعد ما عرفت بالحمل وإن جه ميعاد الولادة … آآه هي عايزة تقتل ابني..
انفجر الماء من بين أقدام الفتاة وأصبح لهاثها مرتفع، بينما بقت أسوة في قوقعة من الحيرة وهي لا تدرك ما تقول تلك الفتاة، جلّ ما أدركته أنها الآن تلد.
دعمتها أسوة وتسائلت بقلق:-
– إنتِ بتولدي ولازم نخرج من هنا نروح على أقرب مستشفى.
أسرعت الفتاة بإمساك أسوة وكأن صاعق كهربي ضرب بدنها واعترضت بلهفة:-
– لا لا .. مستحيل هيقتلوني أنا وابني .. أنا هربت منهم بالعافية، بالله عليكِ ساعديني إنتِ ربنا بعتك نجدة، أنا بقالي ساعة ونص بقول يارب وهو عالم إن مظلومة ومليش حد وهو ميرضاش الظلم أبدًا .. وأنا واثقة إن هيقف معايا وهينجدني ويكتب لإبني يعيش..
كانت تتحدث من بين مخاضها وهي تنظر لأعلى باكية فأصاب الألم قلب أسوة وبقت تقف حائرة عاجزة عن تقديم يد العون لها، ابتلعت ريقها وقالت بهمة وبسالة:-
– أنا مش فاهمة حاجة بس قوليلي أعمل أيه وأنا مستعدة أعمل أي حاجة..
بسمة ضعيفة انبلجت على فم الفتاة ورددت بضعف:-
– كنت عارفة إنك بنت حلال، خدي الشنطة دي هتلاقي فيها ملاية وغيّار .. خلاص أنا حاسة بيه وربنا هيسرها عليا وهولده بسلام ساعديني .. وخديه امسحيه ولبسيه ..
اصفر وجه أسوة خوفًا وقلقًا .. فكيف ستلد الفتاة في مثل هذا المكان؟!
لكنها تركت التساؤلات جانبًا وهي ترى ألمها يزداد وتضغط بأسنانها على قطعة قماش بينما يندفع كثيرًا من الدماء والماء من بين ساقيها..
جثت أسوة تدعمها وتفعل ما تُمليه عليها وتشجعها أن تدفع بقوة وتتنفس بعمق..
ومن بين ألآم الفتاة ودموعها نادت ربها نداء يعج بالحُرقة:-
– يارب ساعدني وابني ينزل بسلامة واحميه بحمايتك يارب العالمين … يارب احفظ حبيبي وجوزي آدم يارب ابعد شرها عنه ونجيه منها يارب..
ولم تلبث سوى القليل وأطلقت صرخة محملة بألمٍ جم وعقبها خروج طفلٍ بحجم الكف على يديّ أسوة الصغيرتان واللتان أصبحتان ملطختان بدم يشهد على حلول أحدهم للحياة..
شعرت بمشاعر متناقضة وهي تحمل بين يديها طفلٍ خُلق للتو وأيضًا شاهدت ولادته بل وسحبته من رحم أمه، نظرت له بدهشة وهو ساكن مغمض العينان بينما استرخت والدته تتنفس براحة مغلفة بالوجع..
ابتسمت أسوة ثم قامت بضربه بخفة على ظهره ليصرخ صرخة الحياة كما علمت بمادة ‘الأحياء’ توسعت ابتسامتها وأخذت تنظفه من الدم وجعلت تُلبسه برفق وتلفه جيدًا وقربته من أمه التي مدت ذراعيها بشوقٍ جارف وفور أن استقر بينهم اقتربت من أذنه اليمنى وأخذت تردد الأذان وهي تبكي وتزداد في البكاء بينما كانت دهشة أسوة تزداد من هذا الفتاة..
قالت من بين بكاءها:-
– كان نفسي بابا هو إللي يأذن في ودنك يا يزيد وهو كان منتظر اللحظة دي أووي بفارغ الصبر بس حسبي الله ونعم الوكيل في إللي حرمته منها..
تسائلت أسوة بعدم فهم:-
– إنتِ مين؟ أنا مش فاهمة حاجة .. ومين دول إللي عايزين يقتلوكي، هو في حاجة كدا !! البلد مش سايبة.
ولدهشة أسوة وضعته بين يديها وهتفت وهي تعتدل ببطء وتمسح ساقيها بتعب شديد وهي بالكاد يُغمى عليها:-
– أنا لازم ألحقه، هيقتلوه ويدمروه لازم أنقذه ولازم يزيد يفضل معاكِ.
– يزيد!
ابتسمت وقالت وهي تنظر له بحنان:-
– أيوا يزيد آدم العشري ..
نظرت لأسوة باستنجاد وأكملت:-
– أنا عارفة إللي بطلبه منك مستحيل وصعب، بس أنا لازم أعمل كدا علشان خاطر يزيد لو هضحي بحياتي علشانه، أهم حاجة إن أبعده عن الخطر وأبعده عن أي أذى، هي لو علمت بوجوده مش هتتردد ثانية واحدة إنها تتخلص منه..
أنا واثقة فيكِ وعارفة إنك قدها وقدود؛ لأن أكيد ربنا بعتك ليا وقت الشدة دي استجابة لدعواتي..
يزيد هيبقى معاكِ .. خدي يزيد وابعديه عن هنا خالص لو هتروحي أخر الدنيا..
مدت يدها بحقيبة صغيرة واسترسلت حديثها تحت أنظار أسوة المصعوقة:-
– عيونك أبدًا مش بتقول إنك صغيرة، أنا واثقة في إختيار ربنا وواثقة إنك هتحافظي عليه وهتحميه لغاية ما أرجع، الشنطة دي فيها قسيمة جوازي أنا وآدم وفيها شوية ورق كمان .. دا اسم واحد وعنوانه هتروحيله وهيساعدك وهيطلعلك شهادة ميلاد مزورة بإسمك واسم آدم هتكون موجودة في إيدك بس مش هتتسجل أبدًا في السجل المدني..
ودا عنوان واحدة هتروحيلها عندها ملجأ صغير، هي ست طيبة وهتساعدك لو مالقتيش مكان، بس بالله عليكِ أووعي تسيبي يزيد، خليكِ على تواصل مع صاحبة الملجأ علشان لما أرجع أتواصل معاكِ من خلالها هي عرفاني .. قوليلها بس أنا معايا ابن زمهرير وهي هتفهم كل حاجة..
نعم اتصفت أسوة دائمًا أنها ذات عقل راشد يكبر عمرها بسنوات، لكن ما تقوله تلك الفتاة المدعوة بـ ‘زمهرير’ لا يستوعبه عقل، فكيف لها أن تذهب للمدرسة وتخرج للعمل ثم تعود بمولود..!!
حاولت تجميع بعض الكلمات وهتفت بإعتراض وتيهة:-
– إنتِ بتقولي أيه .. عايزة تسيبي ابنك ليه، وبعدين إنتِ متعرفيش حياتي عاملة إزاي، ولا أهلي هيقبلوا بحاجة شبة كدا ! ولا أفرض أنا إنسانة مش كويسة.
ابتسمت زمهرير بتعب وتحدثت تقول:-
– كل حاجة واضحة من عنيكِ .. عارفة إنك وحيدة في الدنيا دي وملكيش حد شبهي؛ لأن لو لكِ حد عمرك أبدًا ما هتكوني هنا في الوقت ده … مش قدامي ألا أتوكل على الله وأنا قولتلك أنا واثقة في إختيار ربنا..
على عيني أسيبه بس زي ما قولتلك أنا مستعدة أضحى بعمري علشانه..
لو خرجت من هنا بيه هموت أنا وهو، ولازم أمشي علشان ألحق آدم قبل ما تقتله لازم ألحقه علشان يربي أبنه وعلشان يبقى ليزيد الحق يتنسب لإسم أبوه قبل ما تخلص عليه، هي هدمره وهتقتله لازم أروح أنقذه أهم حاجة هو يعيش علشان خاطر يزيد..
وإنتِ اعملي إللي قولتلك عليه بالحرف الواحدة وإن شاء الله هرجعلك تاني علشان أخد يزيد ونعيش سوا أنا وهو وآدم ونربيه ويبقى من الصالحين..
صرخت أسوة بجنان وعقلها لا يستوعب ما تقول:-
– إنتِ مين، وأيه حكايتك، ومين إللي عايزة تقتلكم وتقتل جوزك؟!!
– بسمة العشري مرات أبو آدم .. أما حكايتي فهي طويلة صاحبة الملجأ هتحكيلك عليها .. بس طلبي منك مش تسيبي يزيد أبدًا وابعدي عن عيلة العشري وكل طريق يودي لهم، وأوعي تثقي من أي حد من طرفهم..
دلوقتي قوليلي اسمك أيه .. بصراحة لايق عليكِ يبقى ملاك..
قوليلي كل حاجة عنك..
تنهدت أسوة ونظرت للطفل المستقر بين يديها وهي تدرك صعوبة بل إستحالة الموقف التي يحطّ عليها، أخبرتها بكل شيء عنها ومكان سكنها وحالتها المادية والإجتماعية:-
– أنا اسمي أسوة محمد الخطيب، عايشة مع جدتي بس يعتبر لواحدي؛ لأنها بتغيب غيبات طويلة عن البيت ولسه في الثانوي وبشتغل ومتكلفة بكل حياتي..
أخرجت زمهرير كل الأموال التي بحوزتها ووضعتهم بحقيبة أسوة:-
– دول مبلغ تقدري تشتري بيه شوية هدوم ولبن ليزيد لغاية ما أرجع إن شاء الله.
ومدت ذراعيها وأخذت يزيد ثم بدأت ترضعه بأعين فاضت بالدمع وهي تشبع أعينها منه وقلبها يبتهل لمولاها أن يحفظه ويرعاه بعينه التي لا تنام، تعلم أن ما تفعله مجازفة كبيرة لكن تلك الطريقة الوحيدة لإنقاذه..
ظلت تقبله وتشتم رائحة وهي تبكي فلم تتمالك أسوة نفسها وشاركتها ببكاءٍ صامت وهي لا تعلم ما هذا الشعور الذي بداخلها، وما هذا الشيء الذي يجذبها نحو هذا الطفل!
ما يحدث مغامرة مجنونة لكن لا يسعها سوى أن تقبل، فكيف لها أن ترد يد تحتاجها، وكيف لها أن تفرط في هذا الطفل وتتسبب له بأذى..
فكرة أن تصاب تلك الأسرة الصغيرة أذى توجع قلبها، لا يمكنه أن يصبح يتيمًا ويتذوق ما تذوقته..
لا .. لن تتركه أبدًا، ستبذل قصارى جهدها لتوصله لبر الأمان، ستقدم كل ما بيدها..
وبعد مدة قصيرة بشق الأنفس انتزعت زمهرير الطفل عنها وسلمته لأسوة بقلبٍ مفتور يتمزق .. كيف لها أن تترك وليدها، وتتنازل عنه لأحد لا تعرفه؟!.
ماذا إن وجدته تلك الشيطانة، ماذا إن لم تراه مرة أخرى؟؟
حركت رأسها تنفض تلك الوساوس وتتوكل على الحي الذي لا يموت فهي حسنة الظن بالله وتوقن أنه لن يضيعها أبدًا.
جعلت أسوة ترتدي عباءة وحجاب طويل وظهرت بمظهر سيدة وليست فتاة، ثم وضعت زمهرير يزيد بين يديها فشددت أسوة من ضمه لها بحماية، ووقفت زمهرير بألم وإنحاء تمسح دموعها وهي تُسلّم روحها وتترك قلبها بين يدي أسوة..
بترقب وحذر خرجتا من القبو وسط ظلمة وضباب الليل وأسوة تحمل الحقيبة وتضم يزيد لصدرها في لفافة سميكة..
– أسوة بستحلفك بالله تحافظي على يزيد وتحميه، بالله يا أسوة وأنا مش هنسالك المعروف ده أبدًا أنا مديونة لكِ بحياتي..
– يزيد في عنيا بس لازم ترجعي إنتِ وبباه .. وإن شاء الله ترجعوا علشان تربوه سوا، أنا هنتظرك.
من بين دموعها وهوانها حركت رأسها وهي تراقب أسوة تبتعد مصطحبة معها روحها بل أحب من روحها، مسحت دموعها ونادت أسوة للمرة الأخير:-
-أسوة.
التفتت أسوة وقد ابتعدت بعض الخطوات عنها، فقالت زمهرير بنبرة تقطر حسرة ورجاء:-
– لو مرجعتش أنا وآدم أوعي تسيبي يزيد وخدي بالك منه وربيه وخليكم سواا عالطول .. ربيه على الطيّب وعلميه مباديء دينه وقوليله إن ربنا معاه دايمًا ومش هيسيبه..
واستدارت راحلة فضمت أسوة يزيد إليها بقلق وقلبها الصغير المعبق بأتعاب الحياة يحاول التشبث بالأمل وأنها ستعود بصحبة زوجها لينشأوا أسرة صغيرة دافئة لهذا الصغير..
لكن ما كتبته أقلام الأقدار كان غير ذلك، وتُدفن تلك القصة التي سُطرت بمداد من التضحية بأعمق حجرة بقلب أسوة التي لم تسمح لها الحياة أن تحيا أيًّا من طفولتها أو شبابها..
وتفي بعهدها وتحفظ أمانة آدم وزمهرير بنور عينها، أليس لمثل هذه يُسلم المرؤ روحه وقلبه..!!
تنهدت بتعب وهي تمسح الدموع العالقة بأهدابها بعدما انتهت من سرد حقيقية عتيقة خبئتها لسنوات داخل صدرها.
اعتدل مؤمن من الفراش وهو يشعر بصدمة جلجلت كيانه، ثبت أعينه يتأملها ويُحدق بها وكل الأحداث الماضية تتوالى أمام ناظريه، كم كان حقيرًا بشأن تلك الأفكار والإفك الذي رماها بها..
حقًا أجادت خفاء الحقيقية حتى أنه مع كثافة بحثه واستمراره لم يستطع أن يصل لشيء..
كيف استطاعت أن تفعل كل هذا؟!
يبدو أن امرأته هي المعنى الحقيقي لرمز القوة، لم يُخطأ حينما أسماها ‘عسبرة’.!
أكملت أسوة قائلة:-
– مدام داليا مشرفة الملجأ وعمّ رضا إللي قالتلي عليهم زمهرير ساعدوني كتير جدًا ووقفوا معايا، روحت للعنوان إللي قالتلي عليه وقابلتهم وكنت بعتني بيزيد في الملجأ، ومدام داليا حكاتلي حكاية زمهرير..
فردت خصلاتها وأخذت تمشطها بهدوء بينما جلس مؤمن أمامها ملتزم الصمت يُصغِي جيدًا فتلك المرة الأولى التي تبث إليه ما بداخلها..
تابعت بحزن:-
– آدم وزمهرير كانوا بيحبوا بعض جدًا، وزمهرير كانت بنت بسيطة أهلها متوفين وملهاش ألا خالها، شافها آدم وحبوا بعض وطلبها من خالها عالطول .. بس دا طبعًا مش عجب الحية إللي اسمها بسمة وعارضت الجوازة جدًا..
بس آدم مش إتخلى عن زمهرير وتمم الخطوبة والجوازة من غير علم بسمة ولا حتى كان عند صالح أخوه علم؛ لأنه بيحبها ويحترمها جامد وخاف صالح كمان يعارض..
وبعد مدة من جوازهم وكان آدم استقل بحياته وهي مشغلتش بالها بيه لأن فكرت إنه زعلان منها ومدة ويروق ويرجعلها بس اتصدمت لما رجع آدم بزمهرير حامل وفي شهورها الأخيرة .. وهنا ظهر الوجه الحقيقي للحية، كانت بأي طريقة مش عايزة الولد إللي في بطن زمهرير، حاولت بشتى الطرق إنها تتخلص منه ومش عارفة السبب.!
وثبت من الفراش ووقفت أمام النافذة تنظر للخارج بشرود وقالت بصوتٍ مرتعش مصبوخ بكل معاني الترح:-
– استنيت كتير زمهرير ترجع بس للأسف لا رجعت ولا عرفت عنها أي خبر، كان كل يوم الأمل يتجدد جوايا .. النهاردة يبقى بكرا .. يبقى الشهر الجاي .. أو السنة الجاية..
لكن مفيش فايدة، وبعد كدا سمعت كلام غريب .. بصراحة أنا مقبلتش أخاطر أبدًا وأسأل عن أهل يزيد بل كنت بخبيه عن الدنيا كل خوفًا من الخطر..
لغاية ما قابلت سارة .. وهنا كانت صدمة ليا حقيقي لما عرفت بالحكاية بتاعتها وإن صالح اشتبه بإسمها مع اسم البنت إللي دمرت آدم ووقعت في شباك حبها وقتلته بجرعة زايدة من المخدرات، حكاية ملهاش أي أساس من الصحة، عرفت إنها من تأليف المجرمة إللي اسمها بسمة..
كان في صدمات كتير أووي .. اولها إن عرفت إن آدم مات وكمان زمهرير، وأكبر خطر واجهته إن بإيدي أخدت يزيد لبيت المجرمة دي من غير ما أعرف والحمد لله ربنا ستر..
أنا ولا مرة مليت أو كليت من يزيد، بالعكس أنا حاولت أقدم له كل إللي اتحرمت منه، حافظت عليه من الدنيا كلها..
كل إللي كان قلقني .. زمهرير، كان نفسي ترجع، وبعد كل سنين الإنتظار دي أعرف إنها ماتت..
صمتت وتحدثت دموعها بدلًا عنها، وأخذ دمعها يروي حدائق وجنتيها الفردوسيتان، اقترب منها وهو يتأملها بأعين جديدة، يعترف أنه قد شطط في حكمه عليها وجار، أحاطها من الخلف وشدد عليها كأنه يريد أن ينتزع كل لحظة سيئة ويلقيها بعيدًا عنها، نزع إرتعاش بدنها وزرع الطمأنينة والسكون يجتاز كل حواجز روحها، همس بحب نبض من بين حروفه بكلمات صادقة خرجت من قلبه لم تسمعها أسوة سوى منه، ولم يبثها مؤمن سوى لها:-
– إنتِ أعظم بنت شافتها عيني، عيني عمرها ما شافت غيرك من الأساس، إنتِ بنت مفيش منك، شجاعة، وقوية وأم حنينة ومُضحية، إنتِ كل حاجة حلو عرفتها ولسه معرفتهاش، إنتِ كل المشاعر الحلوة إللي دوقتها وعشتها وإللي مدوقتهاش ومعشتهاش .. مفيش منك وواثق إللي عملتيه محدش غيرك يقدر يعمله.
إللي حكتيه كان أخر حاجة ممكن أتوقعها في حياتي، غصب عني قولت إللي قولته قبل كدا بس أنا كنت هتجنن، وتمسكك بيزيد كان بيضاعف عجبي منك..
كلمات عرت جوع روحها لكلمات وشعور الحنان، لماذا تشعر بأن وطنها أحضانه، لماذا هذا الشعور أنها تنتمي إلى تلك الأضلع لا لغيرها؟!!
مشاعر تستطيع أن تنتشلها من أشد نوبات ذعرها وحزنها، دفء لم تعهده وهي التي ظلت في العراء مديدًا .. ثلاثتهم مؤمن .. أسوة .. يزيد كلًا منهما ضلع بمثلث الحرمان والعطاء والوفاء لمن يحب، مثلث إذا حُذف أحد أضلعه ضاع، لا ينفك ضلعٌ عن آخر كلٌ منهم يُسلم للآخر..
فيا من تقولون أن فاقد الشيء لا يُعطيه هلموا إلى هنا وتعلموا كيف يكون العطاء ممَن عانوا الحرمان على أشده لكن لم يعمي الحقد ألبابهم ففاض عطائهم بما حُرموا منه.
وجهت وجهها نحوه فظلّ يمسح على جفونها ووجنتيها مرارًا برفق، تنفست براحة وابتسمت بهدوء فتعلو صافرات ووجيب دقات قلبه التي تدوي كالرعد المزلزل..
من بين حيرتها وتخبطها وجدت ذراعي تنتشلها من هوجاء تخبطاتها ليدخلها وطنه الحاني بين ذراعيه، سجنها المحبب الذي لا إكراه فيه.
علقت قائلة بعبث خفي:-
– يعني إنت معترف إنك غلطت فيّا وبتعتذر وندمان كمان ومش عارف تعمل أيه علشان أسامحك.!
رفع إحدى حاجبيه بمكر وهمس داخل أذنها ببحة رجولية خشنة وهو يلف أحد خصلاتها على اصبعه:-
– امم حاضر هقولك تعملي أيه علشان أسامحك شوفي أنا طيب إزاي.
صرخت بصوت مرتفع وهي تتخلص منه وتعرز أصابعها بخصرها:-
– غشاش .. إنت قلبت كلامي ليه، أنا إللي هطلب هنا .. هو أنا كنت زعلتك ولا أيه، إنت إللي كنت شرير يا أخينا..
– شرير..
– أيوا شرير بس استريح أنا أصلًا مكونتش بخاف منك لأن بقدر أسيطر عليك.
ردد بزهول:-
– تسيطري عليّا .. دا الموضوع شكله كبير بقى ووصل للسيطرة..
– امم أمال إنت مفكر أيه .. أنا مش أي حد وعارفة نقط ضعفك.
– نقط كمان.!!
جذبها من خصرها بقوة نحوه لتُطلق ضحكة رنانة أشعلت قلبه، قال أمام وجهها وهو يحصرها داخل أحضانه:-
– أنا قولت من البداية إنك مش سهلة أبدًا يا عسبرة..
رفعت مروجها إليه لتثبت له انها تحفظ نقاط ضعفه بل رسوبه عن ظهر قلب، أولى أزماته العصيبة .. شدة المجال المغناطيسي نحو المروج الخضراء لتسقطه نحوها بقانونها الخاص..
*********
نظرت إلى الفتيات التي أحضرتهم وثبتت النظر على تلك الفتاة ذات الثانية عشر عامًا نظرة تفهمها جيدًا، نقلت أنظرها إلى المكان تتأمله عن كثب وداخلها كل مشاعر الإشمئزاز والنفور..
فيلا كبيرة قديمة وسط مكان منعزل مقطوع عن الحياة، كأنه يقول من يأتي هنا لا يخرج للحياة الطبيعية مرةً أخرى..
لاحظت إقتراب أرقم خِفيةً فتنحنحت وقالت بحذم:-
– تنفذوا إللي قولته يا بنات وصدقوني هتتبسطوا هنا جدًا وهتجربوا حاجات جديدة .. غير كدا هتكون كل حاجة متوفرة لكم..
انتفخت عروق أرقم فخرًا ووقف بمحاذاة ليلى ثم هتف بإبتهاج:-
– حقيقي فخور بيكِ يا ليلى، أول مرة في بضاعة تيجي بكل الرضى ده ومفيش حد غصب عنه، غير الأعمار إللي بنتلهف عليها والمطلوبة النادرة جدًا..
حقيقي شابوه يا ليلاي، علشان كدا وصلتي لمقر العمل الرئيسي والبوص موجود وهيرحب بيكِ بنفسه..
رددت بلامبالاة:-
– أنا عملت شغلي مش أكتر .. المهم العمولة بتاعتي ومكافئتي، ويلا من غير تضيع وقت شوف هيعملوا أيه..
– هيتم تقيم البنات من قِبل لجنة مختصة وهيتم تعليمهم المطلوب منهم..
قبضت ليلى على يدها بقوة وحركت رأسها وهي تتبع أرقم وخلفها مجموعة من الفتيات التي تتراوح أعمارهم ما بين العاشرة والثامنة عشر..
ولجت لداخل هذا المكان الذي يقبع به كل أنواع الرذائل وأشدها، تمالكت نفسها بشدة كي لا تتقيأ مما ترى أمام أعينها وهي لا تصدق ما يحدث..
أمثل هذه الأشياء توجد في هذا الكون..!!
إنهم رجال كبيرة قد نال الشيب منهم، كيف يفعلون هذا بأطفال لم يتعدوا الخامسة عشر؟!
والنساء التي على كافة الألوان والأشكال، والمشروبات التي حتى لم تراها في التلفاز، والأصوات المقززة التي تتعالى في الوسط..
الجميع عرايا .. الجميع نسى وجود الخالق .. الجميع قد باعوا ضمائرهم لشيطان شهواتهم..
تلك النساء تتخذ من هذا العمل القذر مصدر دخل لها تُطعم منه أهلها وأطفالها إن وُجد..
أي طعام هذا، أي عمل هذا؟!
كانت تضغط على أسنانها بقوة كي لا ينفرط دمعها والتزمت الصمت وإلى الآن لا تصدق وجود مثل هذا العالم..
ألا يوجد من يُوقف تلك الأشياء، ألا يوجد من يُطبق شرع الله في هؤلاء..!
دخلت خلف أرقم إلى غرفة كبيرة بعض الشي وبها أشياءٌ غريبة لم تراها من قبل..
دخلت الفتيات منكمشنّ على أنفسهنّ لتنظر لهم ليلى نظرة تشجيع واطمئنان ووقفت ليلى عاجزة قليلة الحيلة وهي تشاهد ما لم يخطر على بال .. حين تم تجريد الفتيات من ملابسهم وبقوا يتفحصون أجسادهم بقذارة ويقيمونها وكأنها سلعة..
تبًا لهم .. نار مؤصدة تحرقهم جميعًا وتذوب أجسادهم فهي حلالٌ على النار وربما نفرت منها..
ستنتقم منهم أشر إنتقام، ستأخذ بحق كل فتاة أُجبرت أن تحيا بهذا المستنقع، وبحق كل رجل خانته زوجته وأتت تركض هنا باحثة عن ما حرمه الله، وكل زوجة خانها زوجها وركض خلف شهواته الحيوانية، وكل أب وشقيق خانتهم من بذلوا لأجلها كل غالٍ وثمين..
تلك الليلة ستكون الحرب على أوزارها، وستقع هنا معركة سيسطرها التاريخ ويمجدون مناضلة فتاة ملجأ يتينة معدومة البغاة الفاسقون…
كانت أصابعه تدق على المكتب برتابة بينما اصطف أكفأ الضباط أمامه يتلقون التعليمات يوفد إلى كل واحد منهم دوره، لم يُنكر أن هذه المهمة جاءت بوقتها تمامًا لتطرد من داخله كل الطاقة السلبية التي يعج بها عقله..
كان الجميع يدرس كل النقاط التي أشار إليها، ليقترب ليث من حسام بعدما أشار إليه.
تسائل بنبرة جادة وبقلبه بعض الإلتباس:-
– متأكد من المعلومات دي يا حسام، إنت عارف معنى إللي قولته..
قال حسام بتأكيد ويدعو الله بقلبه أن يفلح الأمر:-
– متأكد يا ليث باشا، المعلومات دي أكيدة، في كمية مخدرات مهولة في سرداب تحت الفيلا دي .. غير إن الفيلا مقرّ لأكبر شبكة دعارة في مصر..
– المخدرات وشغلنا يا حسام، لكن إنت عارف إن موضوع الدعارة يخص شرطة الأدآب..
– وعلشان كدا عملنا حسابنا والهجوم هيحصل بالتعاون مع بوليس الأداب، أنا بلغتهم من أسبوع كل التفاصيل وعلى تواصل مع أنس باشا .. وهما عملوا تحرياتهم وفعلًا الكلام أكيد، أنس باشا وفريقه بقالهم فترة بيسعوا ورا شبكة الدعارة دي، وبيقولوا إنهم بيستغلوا البنات اليتامى وكمان الملاجيء ودور الأيتام إللي أصحابهم باعوا ضميرهم وفي كذا ملجأ مشتبه بيه، وفي كذا فريق تفتيش هيداهم الملاجيء دي في سرية تامة..
إهتاجت أعصاب ليث لتلك القذارة التي ملئت نفوس هؤلاء البشر الّذين لا يستحقون إندراجهم تحت طائفة البشر، والحيوانات أيضًا بريئة منهم..
غمغم ليث بشكيمة والنار تتقد بدمه:-
– جهزوا نفسكم يا حسام هنقضي عليهم مهما كان السبب وهنضف القذارة دي، وأنس هيقابلنا بالقوة إللي معاه.
– تمام يا باشا..
قالها حسام بعقل شارد بعض الشيء وهو يتذكر مقابلته مع ليلى التي أخذت منه العهود ألا يُخبر ليث بشيء..
تجهز ليث فارتدى بنطال أسود أعلاه قميص من نفس اللون ووضع فوقه سترة جلدية شاركت القميص في اللون، غرز سلاحه بحذامه من الخلف وبعض الأسلحة الصغيرة..
واستعد جميع الضباط والمجموعة بالكامل ثم خرجوا ينطلقون بالسيارت في طوائف تجفل لها القلوب كأنهم ليوث سينقضون على فريستهم حتى الخلاص..
في ذات الأثناء كان يقف أمام ملجأ [بسمة أمل] مجموعة من ضباط الأداب، فزعت المسؤولة ‘أمال’ حينما علمت بالأمر وأدركت أنها وصلت خط النهاية، لكن كيف تم كشف الأمر، من الذي أبلع عنهم؟!
وضع الضابط أمام وجهها إذن بالتفتيش، وقال بصرامة:-
– بكل هدوء وعلشان منقلقش الأطفال هيتم الكشف عن الملجأ بواسطة مجموعة من الرقابة .. ابعدي..
هتفت بإرتعاش وهي تحاول جمع الكلمات:-
– يا باشا كل حاجة عندنا تمام .. إحنا موفرين كل حاجة للبنات ومفيش عندنا أي مشكلة..
نظر لها نظرة نارية وأشار لفريق الرقابة بالدخول، تم فحص جميع المناطق الخاصة بالملجأ، وبعد ذلك تم حصر عدد الأطفال وجميع الفتيات..
جلس الضابط وجلست أمامه المجرمة أمال، ليتسائل بنبرة شديدة نارية:-
– دلوقتي مختفي من الملجأ حوالي خمستاشر بنت وطفلة، بيتراوح عمرهم ما بين العشر سنين والتمنتاشر سنة، ومحدش فيهم لسه كمل السن القانوني للخروج من الملجأ..
شحب لونها ونظرت حولها بإضطراب ثم أجابت بنبرة متقطعة:-
– هما .. يعني يا سعادة الباشا في أُسر يعني اتكفلت بيهم وكدا..
أطرق الضابط على المنضدة بعنف لتقفز من مكانها وصاح بنبرة جهورية:-
– هو إنتِ شايفني داقق عصافير يا روح أمك، فين الورق إللي يثبت إن تم كفالتهم .. وبعدين باقي البنات بتقول إن أصحابهم اختفوا إمبارح بس، يعني لغاية إمبارح البنات دي كانت موجودة .. إضافة لكدا إن في بنات بتختفي شهريًا من الملجأ والورق إللي يثبت إن تم كفالتهم كله مزور، والبنات إللي بتم السن القانوني وتخرج بيتبخروا أول ما بيخرجوا من باب الملجأ..
فين البنات دي، وبتعملي بيهم أيه؟ إنتِ كدا كدا لابسه الموضوع ده فتعترفي أحسنلك يا ست إنتِ..
انفجرت في بكاءٍ مرير ولا تعلم بماذا تخبره وقد ضاقت عليها الأرض بما رحبت وجاء اليوم الذي ظنت أنه لن يأتي أبدًا وكُشف الستار عن تلك القذرات والجرائم التي صنعتها بحق الكثير من الفتيات والأطفال..
– كان .. كان غصب عني والله يا باشا، أصل أصل…
أشار الضابط لأحدهم وقال:-
– يلا يا ابني خد الست دي على البوكس، ولم كل الناس إللي بتشتغل هنا، وأمن للبنات حماية وموظفة الرقابة تفضل هنا معاهم..
– تمام يا باشا .. يلا انجري قدامي يا مجرمة..
صرخت أمال تستنجد دون فائدة..
وإلى هنا انتهت الخطوة الأولى في خطة ليلى، واستطاعت أن تُخلص هذا المكان من نجس هؤلاء وتلفت الأنظار عمّا يجري من وراء حجاب..
********
جاءت المرأة لتُكمل تفحص جسد الأطفال والفتيات فوجدت صفعة عاتية مشحونة بالكثير مما يمور بقلبها..
صُدمت المرأة وكل من يقف وأولهم أرقم من تصرف ليلى، واشتعلت عينان تلك الساقطة بجذوات من سعير لم تُضاهي ما اشتعل في أعين ليلى الثعلبة الماكرة، صاحت ليلى في وجهها موجهه حديثها وتحذيرها للواقفين بغرور:-
– إزاي تكون ليلى حبيب هي إللي جابت البنات بإديها لهنا وتعيدي على شغلها وتشككي في إللي هي جابته، قولتلكم مفيش فيهم غلطة يبقى مفيش فيهم غلطة، أما شغل قلة الثقة ده مش بحبه ولما مش بحب حاجة مش بيحصل طيب ومعرفش أشتغل، ابعدوا إديكم عن البنات لإما تعتبروا كل حاجة منتهية..
لم يستطع أحد في الغرفة إلا أن يُعجب بـ ليلى وكبريائها الذي لا حد له وثقتها بنفسها..
زاد حبها بقلب أرقم وابتسم بثقة وغرور، لكن التفت الجميع على صدى التصفيق التي دق به أرجاء الغرفة، التفتت ليلى في كبرياء فوقعت أنظارها على رجل بمنتصف عقده الرابع يختلط الشيّب القليل بخصلاته السوداء، يرتدي ملابس شبابية مكونة من بنطال رمادي وقميص أسود يرفع أكمامه لمنتصف ساعديه، وبين أصابعه لازمه لُفافة تبغ عبقت رائحتها الخبيثة أرجاء الغرفة وسبحت سحابة رمادية فوق رؤسهم..
فتاة بذكاء ليلى لا تحتاج إلى أن تخمن من هو؟! عرفته على الفور حين أخفض الجميع رؤسهم لتبقى هي تقف بشموخ في مقابلته..
أفرج فمه عن بسمة جانبية وهو يتأملها من رأسها لأخمص قدميها ويزيد التأمل بأعينها .. لكن ما ثار ثائرته هذا الحجاب الذي ترتديه .. ما هذا الذي يراه…!!
هتف بنبرة ذات بحة خاصة:-
– عجبني جدًا ومختلفة بالإستايل الجديد ده، فكرة جديدة.
وجاء يقترب ليُمسك بيدها مُقبلًا لكن فجأة أخرجت سكينًا طويلًا بعض الشيء وأشهرت به على صدره لتمنعه من الإقتراب، فرفع ذراعيه بحركة مسرحية علامة على الإستسلام لتقذف به إلى قمة تعجبة ليقول رافعًا إحدى حاجبيه:-
– قالوا عنك الكتير بس طلعتي أحسن من إللي قالوه، شرسة.. وأنا بعشق الشراسة..
جلس واضعًا قدمًا فوق الأخرى بينما كانت أعين ليلى تتابعه ببرود كان قلب وعقل أرقم يغليان كالمرجل، نفخ سحابة كثيفة من صدره وأشار لمن في الغرفة آمرًا:-
– محدش يعيد ورا القطة ولا تمدوا إيدكم وتلمسوا البضاعة بعد لمسة إيديها، ويلا برا..
خرج جميع الساقطات وبقت ليلى وأرقم والفتيات، التفت نحوها وتسائل وهو يُشير إليها بالجلوس بجانبه:-
– اسم الشرس ليلى صحيح.
حركت ليلى رأسها بكبرياء وجلست بعيدًا عنه واضعة قدمًا فوق الأخرى لتتسع إبتسامته، تأملها بخبث وتسائل بوقاحة:-
– وإنتِ بقى يا ليلى بتفضلي أيّ صنف.؟
عقدت جبينها بعدم فهم لتشتعل النيران بقلب أرقم وهو يفهم ما يرمي إليه الزعيم، استفهمت بأعين ضيقة:-
– تقصد أيه..!!
– أووه شكلك لسه وردة مقفولة، بس ليا الشرف إن أفهمك، زي ما بيقولوا كدا طباخ السم بيدوقوه، وأنا شايفك مش بتخوضي التجارب معانا .. يعني ينفع تجيبي البضاعة وتنفذي المطلوب منك ومحدش يوجب معاكِ ولا تتمتعي..
وأشار نحو أرقم الذي سقط قلبه بيده، وقال:-
– يعني مثلًا أرقم كل يوم بيستمتع بنوع شكل، وليه حتة لواحدة خاصة بيه..
وعندك دُنيا بتستمتع وتمتع معانا الزباين، حتى ليها أوضة هنا خاصة بالملكة دُنيا وبتنطلب بالإسم.
شعرت ليلى بالإضطراب لكن بقت قوية لم تُظهر شيء، وظلت تدعو بكل ما تحفظه وتطلب من رب العباد الحماية والحفظ.
أجلت صوتها وهتفت بصلابة ونفور:-
– بتتكلم وتناقد نفسك يا زعيم، إنت قولت من البداية إن ليلى مختلفة .. متقارنيش بالقذارة دي يا زعيم؛ لإن أنا حقيقي أختلف .. ليلى مش بتمتع حد ليلى بتقطع عمر إللي بيقرب منها، ليلى لنفسها وبس .. ليلى لِـ ليلى وبس..
وثب من مكانه وثبت أنظاره فوقها، ثم قال من بين أسنانه بصوت مليء بكثيرٍ من الإصرار والإعجاب:-
– وعلشان إنتِ مختلفة هتكوني للزعيم، ليلى لـِ داغر وبس.
*********
– أول مرة أعرف بوجود وصية لبابا الله يرحمه.
قالها صالح بمكر دفين لترتبك بسمة وتُجيب بكذب:-
– وأنا أول مرة أعرف بوجودها يا صالح يا ابني.
نظر لها المحامي صديق والد صالح بنفور وإشمئزاز وكُره دفين ثم تحدث:-
– والد صالح قبل ما يموت بشهرين كتبها، كان دايمًا نفسه يشوف أحفاده، خاف يموت وميلحقش يشوف ابن صالح أو آدم الله يرحمه، فحب يسيب لهم حاجة منه فكتب أملاك لأحفاده من صالح .. وأملاك لأحفاده من آدم، ووثائق الأملاك كلها معايا، وبما إن آدم الله يرحمه توفى يبقى الأملاك كلها تروح للوريث إللي هيشرف من المدام سارة .. ابن صالح.
وقفت سارة مذهولة لما تسمع، ألهذا أرادها أن تُنجب له ولدًا بأقصى سرعة! ووضع نطفته داخل رحمها جبرًا!
صعّدت النظر إليه وصوّبته وهي تتوعده بالكثير..
أما صالح فكان يتأمل هيئة بسمة التي تحاكي الأموات وقال:-
– الله يرحمه يارب..
ثم اتبع قوله بما جعل العالم ينسحب من أعين بسمة:-
– وعايز أفتح ملف موت آدم وبابا وماما .. عايز أعرف أهلي ماتوا إزاي يا عمي..
حرك المحامي رأسه بإيجاب وقال:-
– حقك يا صالح، في حلقات مفقوده في موتهم وأنا بنفسي هتابع الموضوع ده وهقدم طلب..
وقف قائلًا بنبرة ذات مغزى:-
– هنتظرك في المكتب يا صالح تبقى تشرفني..
شعرت بسمة كأن مطرقة سقطت على رأسها، لقد اقتربت نهايتها لكنها قد أخفت كل شيء .. مهما بحثوا لن يجدوا ما يُدينها .. أما هذا الجنين الذي حقق لها أسوء كوابيسها فستعلم كيف تتخلص منه قبل أن يأتي..
اقترب صالح من سارة مبتسمًا ثم انحنى يضع قُبلة على وجنتها ليزيد من غضبها، همس جانب أذنها بشوق:-
– وحشتيني يا عصفورتي.
– ابعد عني يا صالح واحترم نفسك مش شايف أمك قاعدة كأن حد مات لها.
انحنى فجأة يحملها لتعترض بضراوة وظلت تفرك،.هتفت بإعتراض:-
– عيب كدا والله إحنا مش لوحدنا في البيت يا صالح..
وضع قبله على عنقها وهو يصعد، وهمس لها بعشقٍ جارف:-
– عيون صالح وقلبه من جوا، إنتِ مراتي يا عصفورتي، حلالي يا حبيبة قلبي .. أشيلك قدام العالم كله وألف بيكِ..
ثم قال بحزن عميق وهو يضعها:-
– وبعدين هي مش أمي .. أمي ماتت .. وأهلي كلهم ماتوا وسابوني مش باقي ألا أنا..
شعرت بالحزن المُبطن بحديثه وآلامها قلبها لذلك، رفعت كفها وأحاطت جانب وجهه فوق لحيته وهمست بحنان وصدق:-
– الله يرحمهم .. إن شاء الله في الجنة ونعيمها، أنا موجودة وهنفضل سوا عالطول مش هنسيب بعض.
طرق قلبه مسرعًا ورفع رأسه غير مصدق لما قالت ثم جذبها نحوه محتضنها هاتفًا:-
– الهرمونات عاملة شغلها .. بس خليكِ على كدا يا عصفورتي، آآه لو تعرفي بحبك قد أيه.
أغمضت أعينها براحة تجدها داخل أحضانه ودفء وحنان صادق حُرمت منه، أسكتت كل الأصوات وانصاعت لصوت قلبها لتهس له هي الأخرى وهي تطوق عنقه:-
– وأنا بحبك يا صالح .. بحبك بس فهمني كل حاجة ومش تسيبني لأفكاري.
تنهد براحة وقال:-
– هحكيلك كل حاجة بس قبل كدا يلا جهزي نفسك أنا أخدت ميعاد تشوفي أختك فيه وبالمرة نتعشى برا.
قفزت إليه ولثمت فكه بقوة وتعالت ضحكاتهم بعدما تذوقوا أخيرًا من كأس الطمأنينة..
******
وقفت أسفل الماء الفاتر براحة تُزيل الإرهاق عن جسدها وهي تبتسم بصفاء وتُعطر جسدها برائحة الفُل الطبيعية بعدما غابت أكثر من ساعتين تقوم بعمل روتينات لجسدها وبشرتها وماسكات طبيعية..
جذبت فستان قطني مزركش بالورود ويصل إلى ما بعد ركبتها، وشعرت أن جبال سقطت من على أكتافها..
خرجت من المرحاض وهي تجفف خصلاتها لتتخشب أمام اخر مشهد تتوقعه..
اقتربت ببطء وأعينها لم تتحرك قدر أنمله عنه، فقد كان يرقد على الأريكة غارقًا بنومٍ عميق.
وقفت أمام الأريكة ثم جلست على أعقابها أمامه وهي تتأمل ملامحه بعشق، ملامح مليئة بالخشونة وتنطق بالرجولة، ملامحه الهادئة بعد أن انفردت عقدات الحزن الذي تنطبع على وجهه طوال فترة إستيقاظه، جبهته المسطحة، أهدابه التي تُخفي خلفها مُقلتاه العميقتان، وأخيرًا ما تهيم بها عشقًا لحيته الخفيفة التي لطالما عشقت وتمنت تحسسها..
ردعت عقلها بعنف وجاءت تُجبر نفسها على الإبتعاد لكن لم تستطع سوى أن تقترب وتنجرف أكثر وراء مشاعرها، أغمضت أعينها وهي تستنشق رائحته الفواحة بعمق، ما بها تهيم برائحة الليمون!! أصبحت مدمنةً لها.
كانت مُغمضة أعينها بشدة تستنشق رائحته بعمق وغرقت بعالم أخر، فتح مؤمن عيناه ليجدها على هذه الحالة فابتسم وأغلقها مرةً أخرى لتواصل أسوة ما تفعل.
تنفست بعمق وهي تقترب أكثر تتأمله عن كثب وتملأ قلبها به، ثم تشجعت وبأصابع مرتعشة امتدت نحو وجهه حتى استقرت تتحسس لحيته بخفة كرفرفة الفراشات، ابتسمت بحنان وهمست بتتيم:-
– أكبر وأصعب لغز عندي، بتغاضى عن حاجات كتير أوي نفسي اعرفها، عينك فيها ألغاز كتير نفسي أعرف حلها، خايفة أووي وإنت بر أماني، بس بخاف لأني متعلمتش مخافش حتى وأنا في عز أمني بكون خايفة..
ياريتك تفتحلي قلبك مرة واحدة زي ما فتحتلك قلبي، مش عايز تريحني ليه يا كلفي، ليه دايمًا في عيونك النظرة دي، نظرة خوف من القرب وكأنك بتقولي مش عايز أقرب علشان هبعد تاني .. مش عايز أقرب علشان مش عايز أأذيكِ..
وضعت رأسها على صدره واسترسلت بحديثها والجوى يكوي جدران قلبها:-
– تعرف مفيش حاجة هتأذيني ألا بعدك عني، أنا بقيت مصابة بحالة مرضية نادرة ومفيش منها شفا ولا خلاص..
تعرف أنا حاسه إن عرفاك من سنين طويلة، قلبي بيقولي إن عرفاك ولما التقينا مكانتش أول مرة نلتقي..
أوعى تخذلني علشان ساعتها هقتلك وهقتل نفسي..
كانت تدفن رأسها بصدره ولم تشعر به يبتسم إبتسامة صافية حين قالت هذا..
مسحت أنفها وابتعدت عنه بهدوء ثم انسحبت للخارج على أطراف أصابعها.
اعتدل من رقدته وأطلق العنان لضحكته على شراستها المحببه، عاد للخلف وهو يتذكر تلك اللحظات ويتذوقها بشوق ولهفة جامة، أسعده صنيعها يشعر وكأن قلبه العليل يريد الخروج من مكانه والفرار لها لإحتضان قلبها ولكي يبث إليها كل ما يحمله لها، لقد فجرت كل المشاعر الكامنة والمكبوتة منذ سنوات.
سار وهبط للأسفل يبحث عنها لكن تذكر شيء فابتسم وقرر فعله..
بينما ذهبت أسوة للمطبخ لتتقابل مع فردوس التي كانت تعد الطعام، وقفت بجوارها تساعدها قائلة:-
– قوليلي باقي أيه وأنا أعمله.
قالت فردوس بإعتراض:-
– يا بنتي مش مستاهلة خليك إنتِ كتفك متصاب وارتاحي وأنا هكمل الباقي..
هتفت أسوة بتصميم:-
– لا أنا حابة ياكل من إيدي النهاردة وعلى بالي أعمل كذا حاجة بيحبها، وبعدين دا حرج بسيط مش مستاهل.
– طب يلا المطبخ بين إيديك يا ستي طالما لكِ مزاج تأكلي مؤمن من إيدك، اعملي ما بدك بس إياكِ والحراق، ابعدي عن الشطة أهم حاجة.
عقدت أسوة حاجبيها متسائلة:-
– اشمعنا يعني .. دا أنا عايزة أكل حاجة حراقة.
– بس مؤمن مش بيحب الحراق ولا بياكله أبدًا لأن على حسب معلوماتي بيتعبه..
ابتسمت أسوة بخبث وهي تقرر اللعب معه قليلًا وترد له شيئًا مما عليه، لكنه أثار عجبها فدائمًا الرجال يميلون للحار فما سر ابتعاده عنه..
بدأت تصنع بعض الأطعمة الخفيفة وعملت على إضافة الحار بكثرة بل بمبالغة لجميع الطعام فيما عدا طعام يزيد، أضافت بكثرة وهي تبتسم بمرح ولم تدرك أنها ربما ستُفلته من يدها وتقذف به للموت وسيكون على شفا الهلاك..

تعليقات