رواية الصمت الباكي الفصل السابع والخمسون
حلّ مساء هاديء مليء بالكثير من الأشياء المجهولة، فاح عطر الأزهار الخجلات في الأرجاء، وارتفع نقيق الضفادع وخرير ماء البركة الخلفية، وقفت تتأكد من الطعام الذي أعدته بيدها ووضعت فيه ما يبغض لينالوا قليل من المُتعة والمرح على حد إعتقادها المحدود..
شعرت بدفء يحاوط جسدها فعلمت أنه خلفها، انحنى يحاوطها وقال بنبرة تهفو على أذنها بلمسات عاشقة:-
– بتعملي أيه، بقالك مُدة مختفية!
لذائذ الوصال تُدغدغها، التفتت وجرفته ببصرها في لمحة واحدة قارئة أبجديات الشوق الذي تجأر بها عيناه لتكون كافية غنيّة عن أي كلام، ابتسمت بسمة لم يستطع تفسيرها، مليئة بالشغب وأكدت له حينما ارتفعت أصابعها تُداعب أزرار قميصه العلوية، ثم همست أمامه بإغواء جعله بقمة تعجبه:-
– أيه وحشتك! مش عارف تقعد من غيري..
احمم ما علينا عارفة إن أبو الهول مش هينطق..
قالت جملتها الأخيرة بهمس لم يستطع مؤمن ترجمته، فعقد حاجبها لتقول بصوتٍ مرتفع بنبرة مليئة بالدلال:-
– كنت بعملك الأكل إللي بتحبه يا كَلفي، توعدني إنك تاكل ومش تسيب أي حاجة ومش تكسف إيدي وتقول أيه رأيك .. اتفقنا..
رفرف قلب المسكين طربًا لكونها المرة الأولى الذي يُفكر أحد بطعامه ويصنع ما يُحبه، أشياء بسيطة جدًا قد حُرم منها تستطيع أن تجعله يُحلق من فرط سعادته إذا ما فعلها أحد من أجله .. وليست أي أحد، إنها المرأة التي يهيم بها عشقًا ويرجو عشقها من قلبه..
ابتسم إبتسامة مختلفة تراها أسوة لمرتها الأولى ولا تعلم لماذا توجع قلبها في تلك اللحظة!
تسربل قلبه بحبها وانحنى مُقبلًا جبهتها ثم إحدى وجنتها، وهتف وهو يتوجه نحو المقعد يجلس حول المائدة وهو يرى الكثير من الأصناف التي يُفضلها لكن لا يُدرك أنها مليئة بالسُ’م الذي سيجعله يتذوق أوجاع الموت..
– ماشي يا عسبرة أما نشوف الأكل إللي عملتيه .. دا إنتِ بقالك نص يوم في المطبخ.
نظرت له نظرة حا’دة لسخريته وجلست بغضب مُستدعية يزيد الذي جاء من معركة عن’يفة مع ألعابه..
– يزيد هدومك مش نضيفة .. يلا قبل الأكل نغير يا زيدو وتغسل إيدك..
ابتسم يزيد لمؤمن وقال:-
– عمو مؤمن هغسل إيدي وأرجع تاني .. استناني علشان ناكل سوا .. أنا جعان قد البحر..
ابتسم له مؤمن وهو ينظر لأسوة رافعًا حجباه:-
– ومين سمعك يا بطل دا إحنا اتذ’نبنا النهاردة أحسن تذ’نيبة وأنا كمان جعان جدًا .. أوعدك مش هاكل ألا حاجة بسيطة بس متغيبش..
نمت بسمة شر’يرة خبيثة على فم أسوة وقالت بلامبالاة:-
– مفيش مشكلة كُل على ما نيجي، بس توعدني هتاكل الأكل إللي أنا عملته كله بإيدي..
كانت تضغط عليه وتستغل نقطة ضعفه، وهي تعلم أنه إذا قطع وعد أوفى به مهما كانت الأسباب، تعجب من إصرارها لكن حرك رأسه بإيجاب معتقدًا أن هذا كله لربما أن يكون الطعام مثلًا سيء الجودة والصنع..
اصطحبت أسوة يزيد وأبدلت له ملابسه ثم قالت له:-
– خليك مستنيني هنا يا زيدو أجيب حاجة من أوضتي وأرجعلك.
– ماشي يا ويسي مش تغيبي..
بينما مؤمن فنظر للطعام وابتسم لكونها من صنعته له خصيصًا وشرع يأكل بهدوء واطمئنان .. ومع أول لقمة مرت بحلقه أدرك الأمر، وفهم ما كانت ترمي إليه وكأنها تتحداه..
ظلّ يسعل بقوة شديدة .. وذهبت سعادته أدارج الرياح وهو الذي اعتقد أنها فعلت لأجله..
نعم فعلت لأجله لكن مثل البقية قصدًا .. للإ’يذاء لا أكثر ..
هي قد دست السُ’م في العسل.
غصة مريرة اضطر لإبتلاعها وواصل الطعام حتى أن وصل إلى مرحلة لا إحتمال بعدها..
سقطت الملعقة من يده، وظلّ جسده ينتفض بشدة وعروق وجهه ورقبته نافرة بجنون..
فك أزرار قميصه العلوية وازداد حدة السعال، ثم جاء يقف ليلوذ بغرفته فرارًا قبل أن يلحظه أحد بعد قد ضاقت أنفاسه..
كان يستند على كل ما يقابله وهو يصلب قامته بصعوبة، لكن خانته قدماه وسقط على أحد الدرجات وهو يتمسك بما بقى من قواه، وضع يده على موضع قلبه والسعال يزداد حدة بينما صدره اخ’تنق حد ال’موت..
استند على جدار السُلم الحديدي وواصل السير بظهر مُنحني يجر أقدامه وتكبد عناء التحمل متخذًا من كل ما يقابله دعامة..
لكن يبدو أن يد القدر قد سبقت تلك المرة ولا فرار..
وبمجرد أن وصل لباب غرفته سقط هزيلًا ضعيفًا خائر القوة وقد بدى وجهه يُحاكي الأموات دون ريب، لتهوي به الريح في مكانٍ سحيق..
بينما أسوة فولجت للغرفة بخطوات مسرعة لتجذب وشاحها، وقبل أن تضعه على أكتافها، جذب إنتباهها صندوق وردي مستطيل متوسط الحجم أعلى الفراش والكثير من الحلوى الوردية المسمى بعزل البنات تطفو فوقه..
قلبه المكدود يستطيع أن يجعلها فوق السماء، كيف علم أنها تُحب الحلوى القُطنية، هل لاحظ لمعت أعينها حينما رأته أثناء عودتهم من الزفاف.؟!!
نعم شيء يبدو بسيط، لكن تخيّل أن هناك أحدهم يهتم بأدق تفاصيلك، يهتم لأن يجلب لك ما لمعت أعينك عند رؤيته من أجل إدخال السعادة على قلبك فقط، يهتم لأن يعلم ما تُحب وما تحلم به وما تتمنى.
حملت الصندوق واحتضنته لصدرها بقوة وهي مغمضة الأعين وقلبها يدق كأنها امتلكت كنز ثمين، غير أنها فتحت أعينها مسرعة على آخرهم عندم تذكرت أنها فعلت به العكس تمامًا، وضعت له في الطعام ما يبغضه.
وضعت الصندوق على الفراش وأسرعت تركض للخارج لتمنعه من أن يأكل من الطعام كي لا تُحزنه لكن عندما جاءت لتهبط الدرج لفت إنتباهها شيء أمام غرفته النائية.
صاعقة، موجة رعدية هزّت بدنها وعصفت بقلبها حين رأت هذا المشهد أمام أعينها، شعرت وكأنها انفصلت عن الحياة وكأن يد قا’سية امتدت لصدرها وا’متزعت قلبها، همست في أذنها أن ما تراه مجرد تهيؤات من أثر تلك الكوابيس اللعينة لا أكثر، هو بخير وينتظر في الأسفل على رأس المائدة.
كان عقلها يعمل جاهدًا لإرسال كافة التعليمات لأعضاءها لإعطاء ردة فعل.
بلهفة جسد يُنقذ روحه كانت تهرول نحوه وسبقتها دموعها، سقطت بجانبه على ركبتيها وكافة بدنها يرتعش إرتعاش ورقة رقيقية أسفل الصيّب، حملت رأسه الغارق بعرق بارد وجسده فينتفض بقوة..
نظر داخل أعينها عندما احتضنت رأسه لصدرها، بينما هي فكانت تتأمل وجهه الذي انسحب منه ضوء الحياة بأعين يغشاها الدموع، تذكرت تحذير فردوس لها لكنها ظنت أنه يكرهها فقط لم تدري أنها تُمرضه لتلك الدرجة وتسحب يده إلى الموت..
كانت معقودة اللسان حتى استطاعت أخيرًا النطق بنبرة متقطعة متحشرجة:-
– مكونتش أعرف والله .. كنت بحسبك بس بتكرهها .. مكونتش أعرف إنها بتتعبك، أنا آسفة … هو .. أنا مقدرش أأذيك…إنت ممكن تصدق إن أأذيك دا روحي فداك والله صدقني..
وضعت كفيها على صدره الذي يلعو ويهبط بجنون ولا تعلم كيف تتصرف وأسوء كوابيسها تتحقق أمامها، كان مستقر على صدرها وهي محتضنة رأسه وتزيد بالبكاء حتى شعرت بسائل لزج دافىء يسقط على يدها، نظرت له بصدمة لتجد فمه مليء بالدم..
– لا لا .. مستحيل، قولي أعملي أيه .. آآه آآه الإسعاف، هطلب الإسعاف .. المستشفى..
وجاءت تقوم لكن أمسك يدها وهمس بضعف:-
– استني .. خليكِ.
– إنت بتموت .. أنا مستحيل أخسرك.
احتضن جانب وجهها وهمس بأنفاس متقطعة:-
– هشش خليكِ أنا كويس، بلاش دموع .. يا عسبرة.
– مكونتش أعرف، كان مجرد هزار والله، حقك على قلبي.
سعل وهو يشعر بأن معدل النبض لديه قد انخفض، هل آن وقت الرحيل:-
– كنت بحسبك عملتيه علشان أنا بحبه بس.
وأكمل بنبرة تجلى بها الألم والوجع وقد سقط ستار البرود والغموض لكن بقت كلماته مجهولة:-
– أنا كل إللي كان بيقرب مني كان بيقرب علشان يإذيني، وديمًا إللي بحسبه بيقدملي حاجة أنا محتاجها بيكون عايز ياخد مني روحي نفسها..
لم تفهم أسوة ما يُعنيه لكن كل ما أدركته الندم والتحسر وألم بقلبها لا يُحصى .. ليتها لم تفعل هذا، ليتها كانت تخلت عن هذا العناد وفعلت لأجله فقط دون مزاح فارغ..
مؤمن كان يقصد اللغز الأكبر بحياته، النمر ..
الذي قدم له الكثير ومهد له الطريق للأفضل فكان يظن أن هناك حارس له، لكن فجأة تحول الحارس إلى مُفترس شرس يُريد إفتراس روحه حتى الخلاص..
شعرت أسوة بالنبض يتباطىء بشكل سريع وازداد وجهه شحوبًا وقد تراخت قبضة يده عليها لتصر’خ أسوة بكل ذرة وجع بداخلها وقد تحقق أسوء وأقسى كوابيسها..
**********
عالم آخر .. دُنيا ثانية، ما الذي جرا لهؤلاء الشباب والفتيات حتى يلقون بأنفسهم للتهلكة، أصوات مرتفعة جعلتها تُجعد وجهها ألمًا عليهم..
هل هذا الجمع يتعالجون من إدمان المخدرات.!!
الأهالي التي تترقب إنصلاح حال أبنائهم وشفاءهم من هذا البلاء.
احتضنها صالح بدعم، من الأساس يثتثقل دخولها ورؤيتها لمثل هذه الأشياء، قال لها بنبرة حانية:-
– متقلقيش يا سارة بيبقوا كويسين وبيتعالجوا والمستشفى هنا من أحسن وأرقى المستشفيات بيشجعوهم ويصلحو من نفسيتهم وبيعملوا منهم شباب كويسة لها هدف في الحياة، حتى بيخرجوهم ويطلعوهم رحلات..
أنا واثق إن المكان ده عظيم أووي زائد كدا العلاج مجاني..
قالت سارة بإمتنان وهي تتأمل الأرجاء:-
– واضح يا صالح، بصراحة ربنا يجازي صاحب المستشفى خير، أفكار مختلفة للعلاج.
سحبها صالح برفق مُرددًا وهو يشكر من قلبه صديقه مؤمن على هذا المجهود وهذا الذي يُقدمه بسخاء لهؤلاء الشباب بدلًا من الدمار والموت على أرصفة الشوارع من مواد خبيثة تسللت بأرواحهم:-
– في حديقة خلفية بيتم فيها الزيارات والمرضى بيخروجوا فيها، كمان هنا فاصلين بين الشباب والبنات..
– بجد أفكار تجنن، كويس جدًا والله.
جلست سارة على أحد المقاعد واطمئن صالح عليها وقرر أن يتركها بمفردها مع شقيقتها.
– أنا هنا قريب منك علشان تاخدي راحتك.
طالعته بإمتنان وقالت بشكر وابتسام:-
– شكرًا جدًا يا صالح تسلملي.
– عيون صالح لكِ يا عصفورتي.
بعد دقائق كانت ندى تتهادى بمشيتها نحو الحديقه تُفكر من هذا الذي جاء لزيارتها بعد تلك المدة، وقفت بصدمة حين وقعت أعينها على شقيقتها سارة.
دمعت أعينها وركضت نحوها مسرعة وهي تصرخ بإسمها:-
– سارة .. سارة..
احتوتها سارة بحميمية وحنان وهي تُمسّد على ظهرها وأخيرًا قد انقشع الظلام عن علاقتهم.
– ندى وحشتيني أووي يا حبيبتي إنتِ عاملة أيه.
ابتعدتا لتمسح ندى دموعها عن وجهها الشاحب قليلًا، وهتفت بسعادة وفرحة:-
– أخيرًا جيتي، أنا كنت مفكره إن معدش ليا حد، وإن إنتِ اكتفيتي مني وحطتيني في المستشفى وريحتي نفسك مني، وماما كدا كدا ميهمهاش.
أجابتها سارة بعتاب:-
– وإنتِ تعرفي عني كدا!
– الحقيقة إنتِ أحسن حد شافته عيني يا سارة، أنا محظوظة بيكِ، مش عارفة من غيرك كنت أعمل أيه، كان زماني دلوقتي في عالم قذ’ر وفي دوامة عمري ما كنت هخرج منها..
يا سارة لولا إنك جيتي وأنقذتيني كان زماني كل يوم في أحضان راجل شكل .. كان زماني حد قذ’ر جدًا..
مش قادرة أتخيل لو كنتِ اتنازلتي وزهقتي مني وخرجتيني من الأوضة إللي حبستيني فيها كان حصل فيا أيه.!
أمسكت سارة بيدها وقالت مبتسمة:-
– إنتِ أختي يا ندى وأغلى حد عندي، إزاي أتخلى عنك إنتِ إللي ليا، دا ماضي وانتهى يا حبيبتي متفكريش فيه تاني أبدًا، ربنا رحيم بعباده وكريم أووي يا ندى..
احكيلي عاملة أيه هنا، وحصل أيه وبيعاملوكِ إزاي.
غامت أعينها قليلًا وهتفت بنبرة حماسية مُمتنة:-
– المكان هنا أروع مما تتخيلي، تعرفي يا سارة لو كان حد حكالي إن ممكن يكون كدا عمري ما كونت صدقت، الدكاتره والطاقم الطبي كله والمختصين النفسيين في منتهى الرقة والمراعاة، هنا أبدًا مش جو مستشفى، وبيعملوا لنا تحديات وإن نبقى أحسن، أنا كنت جايه منهارة زي ما كنتِ عارفة وكان عندي اعتراض شديد على العلاج وعذبتهم كتير، هنا بيخلوا الحياة لها معنى وبناخد كورسات تنمية وبيساعدون نبني هدف ونتعرف على مهارتنا..
يعني نيرة عرفت إن عندها موهبة الرسم..
وياسمين عرفت إن صوتها حلو..
وتعرفي بقاا نورهان اكتشفت إن عندها موهبة الشعر..
وأنا اكتشفت في نفسي حاجات كتيره أووي، خرجنا رحلات وبدأت كورس العلاج معاهم وساعدني الدكتور سليم المسؤول عن المستشفى.
قالت الجملة الأخيرة بأعين حالمة ووجنتان تضرّجتا حُمرة، ابتسمت سارة الذي كانت تستمع لكل ما تقول بحذر شديد وفرحة وسعادة لا توصف، فأخيرًا قد بدأت شقيقتها الحياة الحقيقية بعيدة عن كل السقطات والمُنغصات..
ابتسمت ندى وكأنها إنسانة آخرى غير التي تعلمها سارة وأكملت بحماس شديد:-
– تعرفي حتى عندنا مدرسات حلوين قوي يا سارة بدأوا يعلمونا الصلاة وحاجات كتير مكونتش أعرفها وبيحفظونا قرآن وحقيقي كمية راحة لا توصف، عرفت لما كنت بشوفك بتصلي وتقرأي قرآن الراحة والسعادة إللي كنتِ فيها رغم إللي كان بيحصلك وقولت قد أيه كنتِ في نعمة كبيرة وخير.
ترقرق الدمع بأعين سارة من جديد وأدركت أن أمامهم حياة جديدة سيحيونها معًا..
ليظلوا يثرثران وتأتي ندى بما في جُعبتها، وتسرد لشقيقتها الطرح والمرح اللذان عاشته وكم الألم التي مرّت به حتى وصلت لما هي عليه..
***********
عمّ سكون مُهيب على المكان وشعرت ليلى بتنميل بأطرافها وإنزعاج يصل حد النخاع من حديث هذا الأهوج.
أشار داغر لِـ أرقم إشارة يعلمها جيدًا وقال آمرًا بنبرة حازمة:-
– براا .. وكل إللي في المكان برا، مش عايز ألا قطتي الشر’سة بس.
قبع الخوف على قلب ليلى وألهبت الغيرة بقلب أرقم نارًا سعيرا وهو يرى نظرات الزعيم تجاة ليلى التي حاق بها القلق، وأصبح قلبها يمور بإضطراب.
وقفت بكبرياء وجمود عكس ما يعبق داخلها من قلق، وهتفت بنبرة يلبسها القوة:-
– مش هيحصل يا زعيم، أنا خلصت شغلي لهنا وأقدر أمشي، وحقيقي عندي مصالح تانية كتير وزيّ ما قولتلك أنا مش زي حد ومش بدوق من الس’م إللي بطبخه.
كان من المفترض أن يغضب لكن أُعجب بشجاعتها وقوتها وأشار لأرقم مرةً أخرى بالخروج وسحب الفتيات معه وأتبع بقوله:-
– خير يا أرقم هو أنا بكرر أمري مرتين ولا أيه.
خنع أرقم وأخفض رأسه بطاعة لترمقه ليلى بإشمئزاز ويخرج مصطحبًا الفتيات معه، وثب قائمًا واتجه نحوها وكان كل خطوة يخطوها كأنه يخطوها على قلبها، تسلحت بقوة وشكيمة، هي تعلم أن الأمر ليس باليسير وأنها قد ألقت بنفسها في عذ’ابٍ وبيلا، لكن عليها الصمود وسيُرسل الله من يُنجدها..
وقف أمامها وهو يتأملها بجرأة تصر*خ بالإعجاب وهتف:-
– إنتِ غالية ومش يناسبك ألا الغالي يا قطتي.
زفرت بضيق واستفهمت بجهالة:-
– قصدك أيه؟!
– نتجوز يا ليلى، ودي محصلتش ألا لكِ.
ارتدت ليلى للخلف بفاه مفتوح لا تُصدق كم تلك الحقارة والبجاحة، كانت تناجي ربها أن ينقذها من مخالب هذا الضبع الشر’س الذي يتربص بها الدوائر، كان قلبها كأنه في ماراثون عنيف، بهت لونها وابتلعت ريقها قائلة:-
– لا .. مش هنتجوز طبعًا.
تسائل بكل بردود وهو يُشعل لُفافة تبغ:-
– ليه يا قطتي بس.
سحبت ليلى حقيبتها وابتعدت وهي تنوي الخروج وعندما وضعت يدها على المقبض تفاجأت بالباب مُغلق، هتفت بقوة:-
– افتح الباب.
ألقى لُفافة تبغه، واقترب منها حتى وقف خلفها وقال من بين أسنانه بنبرة تحمل كمًا وفيرًا من ا’لشر وقد نفذ صبره:-
– أنا متعود بقول كلامي مرة واحدة، وعرضت عليكِ عرض متحلميش بيه وفيه إللي فضل سنين علشان يوصله وموصلش وإنتِ اتجرأتي ورفضتي، يبقى تستاهلي إللي يجرالك، إنتِ إللي اختارتي، قولتلك هتبقي ملكي بأي طريقة وقولت إنتِ غالية فاخترت الطريقة الأغلى، بس إنتِ بقاا مش وش نعمة، وإللي أنا عايزة هاخده غصب عنك..
وهنا أدركت ليلى كم الفاقرة التي هي فيها، ولم تشعر إلا بوابل من المفاجأت تسقط فوقها، فصر’خت بكل صوتها بصوتٍ مكدود..
النجاة سرابٌ بقيعة، وليلى تلك الظمأى التي ظنت أن ذلك الهجوم هو الغيث الذي سيرويها، لكن بابٌ من جحيم سيُفتح وسيُزجى نحوها بجارف من تساؤلات لن تنتهي ووجع حبيب لم تُحيطه علمًا حتى بالقليل مما أخفت.
هجوم قوي مع سبق الإصرار وساد صوت الرصاص بالأفق حتى غطى على صراخ ليلى.
قطب داغر ما بين حاجبيه ثم أردف بإستغراب وهو يسحب سلاحه:-
– الأصوات دي أصوت هجوم على المكان، يبقى في خاين موجود هنا.
وهنا اشتع’لت حدقتاه بسعير حامٍ مُلتهب والتفت نحو ليلى واستنبط تلك الحلقة التي نقُصت، قبض على ذراعها بقوة وغلّ وهتف وهو يضغط على نواجذه:-
– هعرفك معنى الخيانة دي، هتدفي التمن غالي أووي، إنتِ ساذجة بشكل .. لا تكوني مفكرة إن حد من الكلاب دي يقدر عليا، مش داغر إللي تستغفليه .. إنتِ لعبتي في عداد عمرك لما قررتي تدخلي في وكر الضباع وللأسف مفيش حد بيخرج منه سالم يا حلوة..
وضغطت على بعض الأزرار ليُفتح باب خفيّ في حائط، يبدو أن هذا الأ’هوج يأخذ حِيطته، سحبها بعــ’نف وهي تقاوم بما لديها من قوة.
استقر عزمها في الفرار وكانت تتلوى للفرار لكن كان هو أقوى منها وهو يسحبها بإتجاة الباب.
صر’خت بأعصاب مُهتاجة:-
– يا حيو’ان ابعد عني، مش هتقدر تعمل حاجة واعرف إن نهايتك على إيدي يا قذ’ر لو آخر حاجة هعملها في حياتي، هاخد حق كل بنت دمرتوها، أنا الصياد إللي هيلم الضباع كلها وينهيهم، أنا محدش يقدر عليا.
وبكل عزمها أفلتت إحدى ذراعيها وتشجعت حين اخترق أسماعها صوت طرق قويّ على الباب يبدو أن أفراد الشرطة قد نجحت في المداهمة، كان نصيب وجهه صفعة حارة من فتاة فاحت منها رائحة الإ’نتقا’م والكُر’ه، ا’شتع’ل لهيب غضبه أكثر وقيد’ها مرددًا وقد نجح في جرها داخل هذا الممر:-
– همحي وجودك يا ليلى، والخدامة هيبقى لها قيمة عندك صدقيني يا قطتي، اصبري عليا نوصل بيتنا بس.
خيّم عليها شبح الموت وطرق قلبها بجزع وقالت بصوتٍ جهور قبل أن تسقط مقاومته وتنتهي لآخر الممر اللع’ين:-
– الحقوني، أنا هنا .. في ممر سري في الحيطة…
ولم تستطع المتابعة فقد كمكم فمها وهو يجرها لبعض الدرجات الصاعدة التي انتهى إليها الممر.
كان هجوم كالعاصفة التي ضربت بجدران هذا الوكر حتى أسقطته عن بكرة أبيه، اتجه ليث ومعه حسام بقوة وعزيمة حيث هذا المخزن السُفلي الذي يقبع أسفل القصر، تلك الساعات التي مضت كان ليث قد تعرف على غَور القضية وكُنهها فصارعهم ببأس شديد وهو يعزم على إبادتهم، أحدَّ البصر في كل زاوية بالمكان فتشنجت ملامحه من هذا الكم الهائل من المساحيق البيضاء، قدح الغضب من عين ليث وأشار لفرقته قبل أن يصيح بصوت جهوري:-
– يلا يا شباب شدوا الهمة المكان عايزه يتزال إزالة قاهرة، إصابات غير مُميته يا رجالة التصويب هيكون على الأعضاء إللي ذكرتها، بعد ما نخلص فريق هيبقى هنا يكلبش المكان ويحرز على المخدرات وفريق هيجي معانا علشان نساند أنس باشا.
أشهر سلاحه بوجه الجميع وفرض قوته وسيطرته على الجميع، كان ينقض عليهم كالليث المفترس دون رحمة يمزع أرواحهم دون أن يهمد فعاث بالمكان خرابًا حتى بعد القليل من الوقت قبع تحت سيطرته.
ركض وخلفه بعضًا من فريقه الذي أشار إليهم وصعد حيث وكر الضباع يمد صديقه بالدعم للتخلص من القذارة التي يعج بها هذا المكان..
صعد للأعلى ليُسيطر الأشمئزاز على ملامحه حين رأى هذه المناظر المُقززة، تماسك بالكاد من أن يفتك بهؤلاء المنحرفين، حقًا يحمد الله أن وظيفته بعيدة عن قسم الد’عارة وإلا كان قد تخلص من الجميع وما أستطاع التماسك فقد إزداد حقًا مُقتًا إليه.
المكان ملىء بالفوضى والكثير من النساء أشباه العرايا تم جمعهم وحصرهم والسيطرة عليهم من قِبل الضابط أنس وفريقه.
– ليث باشا أيه الأخبار تحت.
ردد ليث وهو يتلفت بالأرجاء يشعر أن هناك شيئًا ما خاطيء، قلبه يصر’خ بصدره بقلق لا يعلم مصدره:-
– تمام وتم السيطرة.
وأعقب ليث بتسائل:-
– أيه الأخبار .. سيطرتوا على المكان؟
قال الضابط ببعض القلق:-
– سيطرنا هنا وتم القبض على الجميع، بس أنس باشا بيطارد الزعيم .. وفي واحدة معاه.
كان حسام ينتظر بترقب ويبحث عن ليلى، لكن مجرد أن قال الضابط هذا الحديث حتى علم أن من معه هي ليلى لا غير، صاح بتشوش:-
– أكيد ليلى .. مش هيسبها لازم ننقذها.
تشنجت ملامح وجه ليث واستدار نحو حسام مستفهمًا بعدم فهم وكأنه انفصل عن الواقع:-
– ليلى مين؟!
أخفض حسام رأسه وترجرج في الحديث:-
– بصراحة يا باشا .. هي حكاية طويلة، كان لازم تعرف بس هي طلبت كدا .. هي الآنسة ليلى..
لم يشعر ليث إلا وأنه يهج’م على حسام بغضب العالم أجمع، قبض على تلابيبه وقذف كلماته التي تنبض بالغضب:-
– قصدك ليلى مراتي .. مراتي هنا بتعمل أيه! وأنا إزاي معرفش، يعني جايبيني هنا زي الحما’ر ومراتي بين إيديهم .. بتعلموا أيه من ورايا.. مش هفوتلك الموضوع ده وهطلع عينكم..
وركض للأعلى وأفراد الشرطة منتشرة في الأرجاء، غرفة في نهاية الممر علم أنها المقصودة كان يتسابق مع الرياح وقلبه متأجج بنار حامية، أخرج سلاحه يشد أجزائه وهو يُشهر به حين ولج للغرفة لكن لا أحد..!
ظل يدور بجنون وهو يجأر:-
– ليلى .. ليلى إنتِ فين.؟
لمح ممر بأحد الجُدران ودون تردد ركض بداخله وصعد الدرج الذي أوصله أعلى القصر..
إختبأ خلف أحد الأعمدة بحذر فاتسعت أعينه ودق قلبه مُسرعًا حين وقعت أعينه على ليلى التي تقاوم بشراسة بينما أنس وبعض الأفراد مُشتبكين مع بعض المجرمين الذين يحاولون منعه من الوصول للزعيم الذي يُريد الصعود بليلى إلى مروحية تستقر أعلى سطح القصر.
تنفس بهدوء وسيطر على أعصابه وهو يبحث بعقله عن الحلّ المناسب لتلك المُعضلة ويُجنب التساؤلات التي تفتك به في قائمة الإنتظار حتى يتم الأهم وهو إنقاذها، زفر ببطء وصوب سلاحه تجاة ذراعه المُمسكة بليلى وهو يتحرك بها للخلف يسير بظهره، وبمهارة اخترفت الرصاصة ذراعه فانفلتت ليلى منه لتهرول بعيدًا وهو تبحث عن صاحب الرصاص فتقف مصدومة حين رأت ليث يخرج من وكره..
ركض ليث بإتجاة الزعيم الذي لم يكن بالهيّن، فقد قفز داخل المروحية وكانت يده أسرع في الضغط على الزناد وأطلق رصاصة نحو مجهول لم يكون سوى ليلى، ليركض ليث نحوها صارخًا:-
– لـــــيــــــلــــى.
وجذبها بأحضانه لتسعد ليلى ولم تدري ما الأمر وهي تسرع بالتخبئة بأحضانه فتستقر الرصاصة بظهر ليث الذي كتم الألم وكظم غضبه ليُحلق داغر بالمروحية ويهتف بصوت جهوري يضج به الشرّ:-
– مش هسيبك يا ليلى .. أنا راجع تاني، وهحاسبك على كل إللي عملتيه .. ومش هتكوني لغيري يا قطتي..
صر’خ ليث بغضب يحرق الأخضر واليابس وأفرغ غضبه بسلاحه وفرّغ ذخيرته في الهواء.
أدركت ليلى ما وقعت به، ابتلعت ريقها بإضطراب وابتعدت عن ليث الذي رمقها بنظرة نارية تحمل الكثير لن تنساها ما حيّت.
أخفضت رأسها وجاءت تتحدث لكن رماها بنظرة زاجرة وقال من بين أسنانه:-
– ولا كلمة .. منك لأخوكِ، مؤمن باشا هو إللي يتصرف.
*****
تمزق جنبها حزنًا وهي تحتضن رأسه بإنهيار تغرق في ضباب من الأسى، الرعود تدب بقلبها وأعينها تفيض بدمعٍ يحمل نشيج لا يُضاهىَ.
سعل بشدة ليتشنج جسده بالكامل وأكثر ما يؤلمه هو إنهيارها بتلك الطريقة، تنهد بتعب ثم همس لها بصوتٍ متعب أتاها من بعيد كسُراج لحادي ضلّ في دُجنة الصحراء:-
– عسبرة .. أنا كويس مش مستاهل دا كله، بدل ما .. تقعدي كدا .. قومي جيبي الحقنة وهاخدها وهبقى كويس، دي مجرد حساسية بس من .. الحرّاق.
مسحت دموعها وانتبهت كل حواسها هاتفة بلهفة:-
– فين .. بجد .. هي فين..
وهرولت داخل الغرفة تبحث كالمجنونة فقد انتشلها من لحظات الخوف الذي سقطت فيها، لهفتها، حزنها، إنهيارها ولوعة قلبها قد شفت كثيرًا من جراحه، ابتسم بضعف وقال ومازال على انطراحه على أعتاب الغرفة:-
– براحة يا عسبرة .. عندك جمب السرير عالطول.
خطفتها خطفًا وجثت بجانبه وهي تحمل رأسه على قدمها وأمسكت بذراعه بيد ترتعش بجنون وهي تستجمع كل ما تعلمته في دراستها، أبعدت ملابسه بلهفة ودون تردد غرزت الأبرة بيده ليُسرع المحلول في السير داخل عروقه عَله يُصلح من قلبه في شيء.
– خلاص .. كدا هتبقى كويس صح، قولي صح..
طب تعال هنطلع على السرير .. ترتاح.
نظرت له ورأسه على ذراعها فغمز لها بخبث من وسط تعبه وقال بخفوت:-
– وماله نطلع على السرير يا .. عسبرة ونرتاح.
لكزته وهي تسانده للفراش وقالت بتذمر ودمعها مازال عالقًا بأهدابها:-
– سافل حتى وإنت تعبان.
أسندته وافترش الفراش بارهاق يحاول ويُجاهد قدر الأمكان أن يبدو بخير أمامها، يتجاهل الوغزات القوية التي تدق قلبه دون هوادة..
رقد على الفراش وجلست بجانبه تمسح على رأسه بحنان وأردفت:-
– مش المفروض نروح المستشفى نطمن.
قال برفض:-
– مش لازم أنا بقيت كويس، الحالة دي ساعات بتيجي ولما باخد الحقنة بتحسن.
قال وأجفانه تُغلق بإرهاق ليُتمم الجملة ويسقط في ثُبات عميق.
وهنا سمحت أسوة لنفسها لتزيد في البكاء، إزداد إنهيارها وهي تتذكر ما مرّ منذ دقائق، كانت على وشك قتله، والآن تسببت في إيلامه .. كيف ستسامح نفسها..
كم تستحقر ما فعلت، كيف وصلت إلى تلك الدرجة من السُخف.
لحّت الذكرى عليها وهي تُزيل قطرات الدماء من على فمه ولحيّته تتذكر حالة ضعفه وهوانه فقد كان الموت ينظر داخل عينيه، كانت على وشك أن تفقده.!
كيف كانت ستستمر إن حدث له شيء، هو قد أصبح قطعة من روحها، سقطت تستند على جبهته وتبكي بشدة وهي تكور وجهه وتمسح عليه هامسة:-
– أنا مش مصدقة إللي حصل، لو كان جرالك حاجة كنت موت نفسي، سامحني .. آسفة على الوجع إللي سببته ليك، يارب أنا وإنت لا .. زودت على أوجاعك وجع يا حبيبي.
خرجت “حبيبي” للمرة الأولى بتلقائية كإعتراف قولي منها بالحب وهي قد نسبت كل الحب لها، ومؤمنها قد ذاب من فرط حُبه لها، هي إمرأة على مقاس قلبه ولكنه رجل ليس للحب بل للألم والأوجاع.
هربت لغرفتها مسرعة وتكومت في زاوية على نفسها تضع وجهها بين يديها وتواصل البكاء وتبوأ الندم منها مكانة.
بعد مرور ساعة، تململ مؤمن ينظر من حوله بتعجب يبحث عنها لكن لا أثر، وثب قائمًا ببطء وهو يضغط على موضع قلبه بألم وخرج من الغرفة ينظر بجميع الجهات لكن كان المنزل ساكنًا ويبدو أن الليل قد حلّ.
اقترب من غرفتها، وولج يُنقب عنها كأنه ينقب عن جوهرة ثمينة .. وقف مصدومًا وهاله ما أمامه، الذي يراه حقًا يُؤلمه أكثر من الألم الذي مرّ به منذ قليل.
اقترب منها وهو يراها متكومة في زاوية الغرفة ساقيها عند ذقنها وفي حالة من الإنهيار الشديد، وجهها شحب من كثرة البكاء، ركز بجانبها وأبعد كفيها عن وجهها لكن هذا المنظر الخلاب الساحر يَسُره كثيرًا، أنفها المُحمر وشفتيها المزمومة، ووجنتيها المشربتان بحُمرة فطرية، زمردتها الزجاجية اللتان تتطلع به بحزن وبراءة.
– ليه دا كله.
ردت بشهقات كالأطفال وهي تمسح وجهها:-
– كنت هتموت، مش قادرة أنسى إللي حصل، أنا بإديا دي كنت هموتك.. لا لا مش قادرة.
فردت كفيها أمام وجهها ونظرت له وهي تتحس وجهه وتقول تحت صدمة مؤمن:-
– مكونتش هقدر أعيش لحظة من غيرك، تصدق أنا أذيتك بإيدي، أنا مكونتش أقصد والله .. أنا أصلًا مقدرش.
انعشت قلبه ولا يحتاج إلى علاج من الآن، اشتعل الحُب بعروقه وأمسك كفيها برفق يغمرهم داخل كفيّه وابتسم أمام وجهها ثم انحنى يُقبل باطن كفيّها كلًا على حِده، وانتقل يُقبل جبينها، ثم عينيها نزولًا بوجنتيها وأخيرًا شفق أرنبة أنفها.
وهمس لها بمشاعر مُأججة وهي تستمتع بهذا الدفء والحب:-
– قولتلك أنا كويس، محصلش حاجة ولو فضلتي على حالتك دي حالتي هتسوء.
الحُب يريد أن يرفع صوته، لم يخْف عليها أنّ لدغة حبها وقعت في قلبي، وأن صبرها قد غلب كبريائي، عشق لا قِبل لهم بإيقافه، دفنت نفسها بأحضانه وهو استقبلها بحفاوة وأغلق عليها وقد ذهب قلقها أدراج الرياح.
اشتدت ذراعها حول عنقه تُحرك كفيها على ظهره وكأنها تُطمئن نفسها أنه بخير وبين أحضانها الآن، قالت متنهدة وقد اشتد نسيج الغزل بينهم:-
– الحمد لله، كنت حاسة إن روحي بتنسحب مني.
– سلامة روحك يا عسبرة، ويلا متبقيش خفيفية كدا وشدي الهمة علشان تجمعي كل حاجتنا لأن الصبح هنرجع القصر.
قالت حزينة:-
– بجد .. يا خسارة المكان هنا مش يتشبع منه.
– هنيجي تاني عالطول، بس لازم نرجع علشان شغلي، وكمان أهل مصطفى هيجوا علشان يطلبوا صفية.
لم تصدق ما قال وقفزت بسعادة:-
– يا الله أيه الخبر الجميل ده .. بجد مبسوطة أوي، وأخيرًا هيتجمعوا بعد حبهم، فرحانة أووي علشانهم، هيبقى في القصر خطوبة يا هنا..
رفع إحدى حاجيه وهو يعتدل متعجبًا من حماسها وفرحتها وقال:-
– امم دا إنتِ متابعة بقاا.
أجابت وهو تتحرك بحماس تجمع أشياءهم:-
– طبعًا أمال، أنا بنبسط لما بيتجمع راسين في الحلال وخاصةً لو كانوا بيحبوا بعض.
جاءت لتسدير فتفاجأت به خلفها يُحاصرها، عمق النظر داخل جنته في عينيها، وانحنى هامسًا بما جعل أسوة في قمة خجلها:-
– طب وإحنا.!
ابتسمت بحياء واستدارت للجهة الأخرى وهي ترى هذا التقدم الملحوظ وقالت بمكر أنثى:-
– إنت شايف أيه!
همس بأذنها من الخلف بنبرة مُتشبعة بالغموض:-
– لما نرجع هقولك.
******
كانت سميرة تُجهز وجبة خفيفية لأجل سارة، وقامت بسكب كوبًا من الحليب الدافيء وعندما جاءت لتحمله وجدت باب الفيلا يدق تركته وخرجت ترى الطارق..
وهنا قد وقعت في الفخ الذي رسمته، ولجت الحيّة بسمة مُسرعة متسللة وأخرجت زجاجة صغيرة من جيبها وأفرغت محتواها في كوب الحليب وخرجت كما جاءت.
– بالهنا يا سنيورة وأبقي وريني ولي العهد إللي هيشرف.
جاءت سميرة وحملت الطعام وصعدت لسارة وهي جاهلة ما الذي ستقدمه لها..
– يا مساء الورد على الجمال كله.
تركت سارة المصحف وهي تُصدق وابتسمت قائلة:-
– اتفضلي يا سمورة أيه النور ده.
– مش عيزاكِ تدلعي عليا وتسحبيلي ناعم، الأكل ده كله هتاكليه وقبله هتشربي كوباية اللبن لأخر نقطة.
ابتسمت سارة ضاحكة وقالت ببعض التذمر:-
– بس أنا مش جعانة والله يا دادة.
قالت سميرة بحزم:-
– مش هينفع يا سارة، إنتِ حامل يا حبيبتي وأكلتك ضعيفة خالص وصالح مشدد عليا وتلاقيه على وصول وهيلبدلك بقاا.
زفرت بضيق وحملت كوب الحليب وهي تنظر له بتذمر لتُشجعها سميرة فترفعه سارة على فمها وترتشفه دفعة واحدة لتتسع إبتسامة تلك الحيّة التي تقف خلف الباب وهي تتأكد من نجاح مخططها الخبيث.
