رواية الصمت الباكي الفصل الثامن والخمسون 58 بقلم ساره نيل


     رواية الصمت الباكي الفصل الثامن والخمسون 

تم السيطرة على المكان وعملت أفراد الشرطة على تكبيل الجميع ونقلهم إلى عربات كبيرة مصفحة، كان هناك سيارتان إسعاف يعملان على معالجة الجرحى.
وقف ليث بين يديّ الطبيب يعالج جرحه محاولًا إقناعه أن يذهب للمشفى بينما ليلى فتقف بمأزاته صامتة وكأن على رأسها الطير لم تجرؤ أن تُبدي ولو ثمة كلمة.
– ليث باشا لازم تروح المستشفى.
قال ليث بنظرة جليدية:-
– أعمل إللي تقدر عليه لغاية ما أخلص المهمة وأسلمهم للنيابة.
أماء الطبيب بصمت، أما ليلى فكانت تنظر للذين يخرجون مُصفدين بأعين مُرتاحة أخيرًا بعد أن ثأرت لكل فتاة ولصفية على وجه الحدود، الآن إرتاح قلبها.
وقف أرقم أمام ليلى ينظر لها بأعين صامتة وقد وقع فيما صنعته ليلى كالكبش الذببح، قد أحبها حقًا حسب إعتقاداته، لكن هل كل مُحب يُلقي بمحبوبه وسط الضِباع حيث الجحيم.!
أقتربت ليلى وهي ترى الكثير من الأسئلة تلوح بعينيه حتى وقفت أمامه وليث يُشاهد في صمتٍ تام، هتفت بصوت هاديء على الرغم من عاصفة الغضب التي تتخبط به:-
– دمرتوا حياة بنات كتير أوي يا أرقم، ذنوبكم لا تُحصى، وأخطائكم إجرامية، أخدت بحق كل بنت دمرتوها وأجبرتوها على القذرات دي، البنات إللي قتلتوهم بدم بارد وكدا أنا مهمتي خلصت، قدرت أوصلكم وأخترق مواقعكم القذرة وأدخل وسطكم وإنتوا صدقتوا بكل سذاجة.

افترّ جانب شفتيه عن إبتسامة ساخرة، وألقى على مسامعها بعض الكلمات المجهولة الغامضة قبل أن يسحبه الضابط:-
– خدي بالك يا ليلى .. لو فكرتي إن كدا خلصتي تبقى غلطانة، بالعكس دا كان تمهيد للبداية، وإنتِ فتحتي أبواب الجحيم السابعة على نفسك، إحذري.

ظلّ يتردد صدى الكلمات بعقلها، لكن حركت رأسها بلا إهتمام وهي تتنهد براحة شاعرة أنها خرجت للتو من ظلمات بعضها فوق بعض.
كاد ليث أن يتحرك لكن وقع صريعًا بين مخالب الصدمة حين رأى دُنيا ابنة خالته يسحبونها في ثوبها العاري الفاضح والذي له دلالة واحدة لا غير!
غير ممكن! .. بل مستحيل، ما الذي أتى بها إلى هنا.!
هرول بإتجاه الضابطة التي تسحبها وهو يأمرها بالتوقف:-
إستني .. أيه إللي بيحصل هنا.

أسفرت ملامح دُنيا عن أقصى صدمة حدثت لها، ما الذي جاء بليث هنا!! إذًا فُضح أمرها.
جاءت لتتحدث لكن لكزتها الضابطة وقالت لليث وهي تُحيطه علمًا بمن تكون تلك الساقطة:-
– دي يا ليث باشا إللي كانت مسؤولة عن تجنيد البنات في الدعارة وكانت بتشتريهم من الملاجيء وأكترهم أطفال، وتم التفتيش على كذا ملجأ بأمر من أنس باشا وخصص فِرق معينة، واعترفوا عليها، كمان في تسجيل من كاميرا مراقبة من قلب شقتها وهي بتمارس العمل ده، وزي ما حضرتك شايف إحنا مخرجنها من وسط الرجالة لأنها كانت تبع الشبكة دي والدراع اليمين لأرقم وداغر.

دلو ماء مثلج وقع فوقه ولم يستطع أن ينبث ببنت شفة حتى أنه لم يسمع نداءات دُنيا بالتوسل، عاد للخلف بأعين جاحظة وتوالت على عقله ومضات حين كانت ليلى دائمًا ما تُلقي بكلمة دعارة في وسط الحديث فتضطرب دُنيا..
إذًا ليلى كانت تعلم! تبًا لتلك الماكرة.
غير أن ليلى كانت تقف تشاهد بإستمتاع شديد وهي ترى دُنيا خصيمتها وعدوتها اللدود منذ أن كانت طفلة بين أحضان الملجأ واستطاعت الفرار من قدرها برحمة من الله ودهاءٍ منها، حقًا قد جاد التصنت نفعًا، عادت بذاكرتها عندما أخرجت نسخة من المفتاح لمنزل دُنيا ونجحت أثناء فترة مكوث دُنيا في بيت ليث أن تضع كاميرات صغيرة التقطت كل مستتر مجهول وكشفت الوجه الأقذر لدُنيا، حيث كان المنزل بمثابة مخزن لفتيات صغيرة بشتى الأعمار.
ها هي الآن ترى سقوطها وهوانها وذلتها بعد كشف الستار عن حقير قذر، ابتسمت للفتيات التي أنقذتهم وخاطرت واستخدمتهم في تلك الخطة لكن كان هذا لإنقاذهم، فقد كانوا مرشحين لدى دُنيا من البداية وما فعلته أنها سبقتها فكونهم معها أأمن وأفضل من وجودهم مع دُنيا.
ترقرق الدمع بأعينها وهي تشاهد إنقاذ المغتصبات من الفتيات التي لكلٍ منهم قصة مختلفة، منهم اليتيمة ومنهم التي اختفت فجأة من حياة أهلها ومنهم من خُدعت باسم الحُب أو العمل للفرار من الفقر فوقعت في الدمار وهوت بها الريح في مكانٍ سحيق، انهم مدمرين مؤكد أنهم الآن يحتاجون إلى علاجٍ نفسي أكثر من جسدي.
فلقد مُورسَ عليهم الوحشية والحيوانيه بعينها، شعرت بالفخر وغمرت السعادة قلبها وهي ترى كيف يهرعون إلى ستر أجسادهم.
التفوا حولها باكين، وهتفت إحداهن بإمتنان ودمع لم يجف:-
– مش عارفين نشكرك إزاي، إحنا كُنا متأكدين إن في يوم حد هيحس بينا ويعرف قصتنا ويعافر علشان ينقذنا، كُنا واثقين إن هايجي يوم ونتحرر من القذارة إللي لزقت في جسمنا، لما شفناكِ وإنتِ داخلة المكان كُنا واثقين إنك مختلفة وإن مستحيل تكوني شيطان جايب شوية أطفال علشان يشوفوا الموت بعنيهم بل بيتمنوا الموت ومش بيلاقوه، نظرة الطمأنينة إللي رمتيها لنا كلنا عارفنا إن دا آخر يوم لنا في وكر الضباع.

لم يكن من ليلى إلا أن بكت وفتحت ذراعيها لهم ثم قالت بكل قوة وعزيمة:-
– متقلقوش هتبقوا كويسين .. الكل هيعرف قصتكم وهتاخدوا حقكم وانتقامكم، وإن شاء الله تبدأوا حياة جديدة كلها طهارة لأنكم مليانين عفاف، ووظيفتكم كلكم عندي.
تنوي ليلى أن تروى لشقيقها مؤمن ويوفر لهم مصدر دخل وحياة جديدة.

اقترب ليث منها بجسد متخشب وأعين فارغة وقال بنبرة يملؤها الإنكسار والخذلان:-
– عايز أعرف كل حاجة من البداية.

صمتت قليلًا وسارت بعض خطوات ثم تنفست وهي تلتفت له وبدأت بسرد جميع الأحداث من البداية منذ أن علمت بما يجري في الملجأ حتى موقعهم هذا..
لطالما ألّح عليها أن تروي له ما يحدث لكن كانت جامدة..
كانت تخوض معارك مائجة وهي بين أحضانه ولم تكلف نفسها الثقة به لمرةٍ واحدة وإخباره.
وهو الأحمق الساذج الذي أحبها وهي لم تراه، كان يرى أن الظفر بقلبها قاب قوسين أو أدنى لكن الآن يرى أنها بعيدة كل البُعد، التي يعرفها شخص آخر!.. هو لم يعرفها من الأساس.
أبواب قلبها مستغلقة وهو استكفى..
ليلاه قد طارت بعيدًا وغدت كأن ليس لها وجود.
قال يقضي بموجبها النهاية:-
– طب وأنا من كل ده .. أنا فين!

اقتربت منه وحاولت أن تتلمس ذراعه لكن ابتعد للخلف نافضًا يدها:-
– إحنا إنتهينا .. إحنا أصلًا مش موجدين أنا إللي كنت مُغفل.

*******

وجدته أخيرًا، حملته بين يديها بفم مبتسم واسترخت على الفراش ثم قامت بفتحه وهي تبحث عن مسلسل كرتوني، زادت إبتسامتها وهي تتكأ على الفراش واندمجت في عالمها الخاص فقد ملت من الجلوس بمفردها وصالح لم يعود بعد.

بعد مُدة اعتدلت وهمست بشرود وهي تضع يديها على معدتها:-
– بقالي فترة حلوة حامل المفروض أحسّ بأي بوادر حمل حتى استفراغ ونفسي تغم عليا لكن مفيش.
وأكملت بحيرة وخوف تمكن منها:-
– ليكون البيبي فيه حاجة، عايزة أروح أكشف حتى أطمن.

دقائق وكان صالح يدخل الغرفة وهو يُصفر بإستمتاع والضحكة الخبيثة تقفز من وجهه، تأمل سارة الشاردة بحب وهو يراها ويُطمئن قلبه أنها بخير، لن يدع أي مكروه يصيبها أو يمسها أي ألم.
جلس على طرف الفراش وعندها اتسعت إبتسامته وهو يرى الكمبيوتر المحمول الخاص به موضوع على قدمها وتشاهد أحد الرسوم الكرتونية المهوسة بها..
قبل خدها وهمس بعشق:-
– مسائو يا عصفورتي.
جزعت واضعة يدها على صدرها قائلة:-
– صالح خضتني، اتأخرت ليه كدا.
قبل الخد الأخر وقال غامزًا:-
– أيه وحشتك.
تأملته عن كثب وابتسمت بسعادة وهي تتذكر كيف حال شقيقتها بفضله، قد غفرت له من كل قلبها فحقًا هو رقيق القلب وتعلم أنه يهيم بها عشقًا، مالت قليلًا حتى لصقت جبهتها بخاصته وهمست:-
– طبعًا وحشتني يا أبو مُزن.
اتستعت إبتسامته وأخذ يُقبل كل أنش بوجهها بحنان وقال:-
– أيه الرضا دا كله .. وكمان أبو مُزن.
ابتعدت قليلًا تنظر لوجهه وهي تتلمس عليه بلمسات خفيفية؛-
– شكرًا يا صالح على كل حاجة .. شكرًا على إللي عملته علشان خاطر ندى .. مش عارفة أوفي حقك إزاي.
رفع يديها وقبلهم ثم قال بجدية:-
– بس يا سارة في البداية مش عايزك تبقى مجبرة إنك تسامحيني علشان إللي حصل، خدي وقتك يا عمري لغاية ميبقاش في أي حاجة جواكِ، دا واجبي وعملته يا سارة ومفيش داعي تشكريني عليه.
انغمست بأحضانه بطمأنينة فحقًا بعد العسر يسر وبعد الصبر جبر، سارة التي باتت محرومة من الحب والحنان بشتى أنواعه، الآن يوجد رجل يهيم بها عشقًا ويتمنى رضاها عليه.

تسائل بسخرية:-
– شوفتي بسمة النهاردة.
– لا .. تقريبًا هي كانت برا وجت ومش بتحتك بيا وبعدين الدادة سميرة عملتلي عشا خفيف وشربتني اللبن زي ما أمرت.
ابتسم لها وأطبق عليها في أحضانه لتقول وهي تضع الكمبيوتر المحمول على قدمه:-
– يلا اتفرج معايا على الكرتون وهحكيلك حكايته.
قبل رأسها وهو يشاركها ما تحب لكن عقله كان بوادٍ آخر، يحمد الله أنه فعل هذا في آخر دقيقة..
لقد اقترح عليه المحقق الذي يعمل على قضية والديه أن يقوم بمراقبة الهاتف الخاص ببسمة ويحمد الله أنه استجاب رغم معارضته في البداية وفعل.
وتم رصد مكالمة تُخطط الحقيرة شراء عقار يقوم بقتل الجنين دون أن يبدوا الأمر فعل فاعل، وقام هو بمراقبة المنزل جيدًا وعمل على إستبدال الزجاجة التي تحمل السم التي تريد قتل زوجته وولده بها إلى زجاجة بها قطرات ماء وساعده هذا شبه المادة بالماء.
والآن ترقد زوجته بجانبه في سلام معافاة بينما تتلوى تلك الحية في غرفتها على نار الحيرة والصدمة..
شعر بثقل على ذراعه التفت ليجد أن سارة تغط في نومٍ عميق، وضع اللاب توب جانبًا بعدما أغلقه وأحكم الغطاء فوقها ثم جاء ليعتدل هو الآخر حتى ينام لكن شعر بإهتزاز هاتفه بجانبه.
تقلب ليأخذه ثم خرج به في الشرفة بعدما وجده أنه المحقق، رد مسرعًا:-
– في جديد .. قولي يا حضرة المحقق.
– بصراحة وصلت للطريقة إللي مات بيها والد حضرتك يا صالح.
ردد بلهفة:-
– قول عالطول.
– والدك مات بجرعة كبيرة جدًا من السيانيد. !

كانت تفرك بغرفتها وتُكسر كل ما تطوله يدها صاحت وكأنها إحدى الجنيات الشريرة:-
– إزاي نجت .. إزاي أنا شوفتها بتشرب اللبن بعيني.

وأكملت بشر أكبر:-
– في حاجة غلط بتحصل ولازم أعرفها، وإنت إللي جبته لنفسك يا صالح .. قدرك تموت نفس الموته إللي ماتها أهلك.

***********

أخذت ترتدي رداء ثقيل بعد حمام دافيء أزالت به إرهاقها بآخر الليل، وضعت وشاح خفيف على أكتافها وخرجت بعد أن أطئنت على يزيد غارقًا بنومٍ عميق.
الجو هادىء صامت يقطعه صوت صرصور الليل اللحوح ونقيق الضفادع الذي يردد غنوته، تنفست براحة شاعرة بثمة حُرقة بأعينها لكثرة بكائها لم تستطع أن تُسلم نفسها للنوم وألحّ عليها عقلها أن تتمتع بتلك الطبيعة قبل عودتهم في الصباح الباكر.
غاصت أقدامها في الحشائش الخضراء المُرطبة بقطرات الرطوبة، ولسعة برودة خفيفة لطيفة تصيب قلبها وجسدها بالقشعريرة، متعت أعينها بتلك المناظر الخلابة والحقول المُحببة للقلوب، سارت وسط أشجار الفواكة والتوت الكفيلة بجلب السعادة لروحها.

– أيه إللي جايبك هنا يا عسبرة..؟
1

صرخة قويّة أخذت تتردد بالأرجاء صدرت منها وقد شُغف قلبها فزعًا، التفتت ترى مصدر الصوت بوجه معقود.

– أنا هنا فوق.

وجدت جالسًا على أحد أفرع شجرة عالية عاتية، زفرت بضجر وهي تنظر للأعلى حيث رّقت صفحة السماء، وقفت أسفل الشجرة واضعة يديها بخصرها، وهتفت بسخط:-
– أيه إللي جابك هنا، وقاعد فوق ليه كدا.

تنحنح في خشونة مستندًا على جزع الشجرة وقال رافعًا حجباه في تعجب:-
– بتردي على سؤالي بسؤال ودا مش بحبه يا عسبرة، إنت فاكرة محدش بيحب يقعد فوق كدا ألا إنتِ.

اقتربت تضع أقدامها في محاولة منها للصعود، صعدت فرعين حتى اقتربت منه وهو يراقبها، مدّ يده لها فتمسكت به حتى حملها بخفة بين يديه فتسقط جالسة على فخذيّه، ثكِلت ثباتها وتذبذبت لهذا القرب.
حاولت الإعتدال والإبتعاد للجلوس بعيدًا بجانبه لكن عندما رأت الفرع من الخارج رفيع ضعيف لا يتحمل.
ابتسم مؤمن بمكر وأطبق عليها لترتعش مِقةٍ فكانت جالسة مستندة بظهرها على صدره.
تنهدت براحة واستكانت ليهمس مؤمن داخل أذنها:-
– خليكِ.
مسد ذراعيها بدفء وهي سمحت لنفسها تستمتع بكل لحظة تجمعهم،ازدانت شفتاها بإبتسامة كشمس ساطعة وهتفت:-
– الجو رهيب .. هادي .. وبسيط .. بحب الطبيعة بشكل، الطبيعة تقدر تسحرني وتفرحني.
همس بنفس نبرتها:-
– بنجتمع في النقطة دي.
– لاحظت كدا … إنت بتحب الزروع والطبيعة، هي بصراحة تتحب.
همهم بهدوء لتلتفت له تتسائل بشكل مفاجيء:-
– عملوا أيه في بتول.؟
قال باستغراب:-
– هتزعلي يعني عليها.
– أبدًا، متفكرش إن قاسية وإن قلبي جامد، بس هي لازم تتعاقب وتستحق، هي مجرمة وأذت ناس كتير وأنا أولهم، عيشتني في ذل وقهرة وفي أكبر وهم في حياتي..

تحركت في مقابلته وهي مازالت على أقدامه، واسترسلت في حديثها بإختناق وأعين زجاجية مترقرق بها دمع رقراق:-
– تعرف أقولك على حاجة، أنا لما اكتشفت إن محمد الخطيب ومراته إللي عشت طول عمري شايلة اسمهم مش أهلي مش اتصدمت ومش اتصدمت.

كان ينظر لها بإنتباه شديد وحثها على الإستمرار مشجعها وهو يكوب وجهها بحنان أغمضت عينيها لتردف بنبرات مرتعشة:-
– مش مصدومة لأن طول عمري أصلًا مشفتهومش، أسمع إنهم موجودين وخلاص وسابوني مع إللي المفروض كانت جدتي، مصدمة إن دلوقتي هما مش أهلي .. أمال مين أهلي وهما فين؟! وليه سابوني ولا أنا فعلًا بنت شوارع زيّ ما قالوا، أسئلة كتير أووي ووجع كبير لما تلاقي نفسك مجهول الهويّة.

كانت تتحدث بعروق منتفخة وإثارة شديدة وانفعال حتى أنها وضعت كفيها على صدر مؤمن تقبض على ملابسه بقلة حيلة، وقالت باستجداء:-
– إنت بتقول دايمًا إنك عارفني أكتر من نفسي صح، يعني متعرفتش حاجة عن أهلي؟ أنا مين، قولي ..
إنت متعرفش كدا أيه من جوايا قلبي بينكوى، أنا ساكته بس جوايا بيغلي .. قولي أنا مين لو تعرف، أو ساعدني أعرف أنا مين..

للمرة الأولى تطلب منه شيء .. وأيضًا تتراجاه، ليته يستطيع آلامه قلبه لعذابها، الغضب يلوح بعينها والعذاب المكتوم يفوح الآن، فتحت عيناها ببطء فالتقت عيناها بعينيه في حديث طويل، صمت فيه كلاهما للحظات ولازال يحتضن وجهها بكفيّه كأنها كنز عمره الذي يخشى فقده، ولازالت تتعلق بخيوط العشق في عينيه وكأنها شفاء روحها من كل أوجاعها رغم أنها تجهله ويستتر بغموضه.
جذب رأسها على صدره يربت عليها برفق وقال بنبرة منسوجة بالغموض:-
– أوقات الجهل بيبقى أفضل كتير، في حاجات لو بقت مجهولة أفضل لنا صدقيني.
غرست نفسها بأحضانه قائلة بلوعة:-
– إزاي .. نفس يبقى ليا أم تحبني وتخاف عليا وأدوق الحنان، ويكون ليا أب يخاف عليا ويحميني، ولا دا مش من حقي..
بكت على صدره بأحضانه حتى غطت في نومٍ عميق ودموعها معلقة بأهدابها.
حملها وسار بها حتى المنزل بعقل شارد يعج بالكثير، وقد زاد همًّا فوق همه.
وضعها فوق الفراش وأزال وشاحها مُربتًا على خصلاتها بحنان وهمس بعدما قبل جبينها:-
– آسف بس صدقيني يا عسبرة كدا أحسن ليكِ كتير..

*********

خرجت الشمس بدلال من مخدعها تلقي بثوبها الذهبي على الخلائق، عند السابعة صباحًا كانت تتهرب من المنزل ونجحت في الفرار بعد ليلة مليئة بالأحداث فَـ ليث لم يعد منذ الأمس، سارت بلهفة وبيدها قصاصة منقوش فوقها عنوان السعادة، طيور السعادة تُحلق بها حتى بعد وقت قياسي جدًا كانت تقف بمكان هاديء ساكن مليء بالأشجار الكثيفة والنباتات المختلفة، وقفت حائرة وهي تتأكد من العنوان بالورقة الذي يُشير أن هذا القصر يوجد بداخل تلك الغابة.
وقفت حائرة تنظر لبعض الوقت وتتمشى ذهابًا وإيابًا..
جلست على أحد الأحجار لمدة النصف ساعة، وقفت متلهفة فور أن رأت سيارة قادمة يبدو أنها ذاهبة بداخل الغابة.
أشارت بإلحاج حتى توقف السائق والذي لم يكن سوى مصطفى الذي تعجب لوجود هذه الفتاة في هذا المكان بمثل هذا الوقت.
أوقف السيارة يتأملها وهي تسرع نحوه متسائلة بلهفة:-
– لو سمحت إن داخل جوا الغابة أو الحديقة دي.؟

عقد وجهه ورد عليها بسؤال:-
– إنتِ مين .. وعايزة تروحي فين..

اعتدلت ليلى تنظر للأرجاء المهجورة بنزق وقالت:-
– في قصر جوا الغابة دي أنا عايزة أوصله.

تعجب مصطفى بشدة واستفهم بإستغراب:-
– ليه .. هتروحي لمين..

نظرت له ليلى من أعلى لأسفل واحتملت فضوله وقالت:-
– ليه .. بتسأل ليه.

– علشان أنا شغال في القصر ده.

توهج قلب ليلى بالسعادة وقالت:-
– واحدة صاحبتي شغالة هناك وعايزة أقابلها.

زاد تعجب مصطفى وأول من جاء بعقله أسوة، تسائل مرةً أخرى ليُميت الحيرة:-
– مين صاحبتك دي.

قالت ليلى بنزق من تدخلاته:-
– ليه الأسئلة دي كلها، لو سمحت لو تقدر توصلني لهناك أو توصفلي الطريق قولي.

– على فكرا محدش بيقدر يدخل الغابة دي، ولو دخلتي هتقابلك متاهة ومش هتقدري توصلي لو وقفتي على راسك، إنتِ من حسن حظك إنك قابلتني، قولي إنتِ راحة لمين علشان أقدر أساعدك.

تأملته ليلى فيبدو أنه ليس بالشخص السيء، قلبت أعينها وأجابت بهدوء زلزل قلب مصطفى:-
– صفية.

صدمة عنيفة هزّت بدنه ولم يجرأ أن يفتح فمه أو أن يتسائل عن تفاصيل وتساؤلات كثيرة تلّح على عقله، حرك رأسه بهدوء وقال:-
– اتفضلي.

ركبت ليلى على عُجالة وقاد مصطفى بذهن شارد وهو يصبر قلبه أنه سيعلم، من المؤكد أن صفية ستسعد عند رؤيتها فمنذ أن جاء ولم يكن لها علاقة بأحد في الخارج..

وقفت صفية تروي بعض الزرعات الصغيرة شاردة فيما قاله مصطفى وأن ليس لديه مانع في كونها يتيمة ترعرعت بأحد الملاجيء، لكن ماذا لو علم بالسرّ الأخر.!
نظرت للسماء بقلب مُثقل، وقالت بإلحاح:-
– يارب الفرج من عندك، إنت أعلم بإللي شوفته، أجبر بخاطري يا كريم.

سمعت صوت سيارة تلج القصر، مسحت وجهها وهي تحمل الدلو بنية الدخول وهي تعلم تمامًا من هذا..
جاءت لتدخل لكن وقفت متخشبة حين أخترق أسماعها هذا الصوت المألوف لها .. بل المألوف جدًا.

– صــــفــــــــــيـة..

التفتت ببطء لترى من لا تتوقع رؤيتها أبدًا…

*******

وفي هذا الأثناء كان مؤمن وأسوة يتجهزون للعودة للقصر، وقاد مؤمن ممسكًا طريق العودة…

تعليقات