رواية الصمت الباكي الفصل التاسع والخمسون 59 بقلم ساره نيل


     رواية الصمت الباكي الفصل التاسع والخمسون 

وقفت أمامها بأعين جاحظة مشدوهة وكلتاهما لا تصدق وقوفها أمام الأخرى.
طرق قلب صفية وأفاضت عينيها بالكثير، لقد كَبُرت ليلى وأصبحت فتاة يافعة، ابنتها التي اعتنت بها في أمسّ حاجتها هي أيضًا للرعاية، لقد عوضت بها نفسها عن كثير وعوضتها عن الحرمان التي لاقته.
هبطت دموع ليلى وهي تتأمل صفية النحيلة ولا تُصدق أن أخيرًا قد تحقق حلمها وما سعت سنوات من أجله، همست بشوق سنين قد فرق الهجر بينهما:-
– صافي..
شهقت صفية وجذبتها دون حديث -عفوًا- لقد تحدث العناق بما جادت به القلوب وشكت من كل ما أبلت به تلك السنون عليهم، كانت صفية تضمها بكل حنان وشوق وإحتياج، وليلى كانت تُحلق بين سحاب الحنان والذكريات، فمنذ أن أذن الله لها بالوعي وعَت ورأت صفية أمًّا لها.
كان مصطفى يشاهد بتركيز ودقة وإلى الآن لا يفهم ما يجري سوى أن صفية يبدو عليها السعادة وأن تلك الفتاة تُمثل لها الكثير..
أربت صفية في أشواقها وهتفت بنبرة متقطعة من أثر الصدمة وعدم التصديق:-
– ليلى يا ليلو .. حبيبتي وروحي من جوا .. أنا مش مصدقة إنتِ قدامي دلوقتي .. أنا فكرت إن مستحيل أقابلك خالص .. وقولت إنك نسيتني.
حركت ليلى رأسها بقوة نفيًا، وقالت بإرتعاش من هول الموقف الذي أثلج قلبها:-
– يخس عليكِ .. وأنا أقدر يا صافي .. إنتِ جزء مني لا يتجزأ مهما كنت ومهما روحت إنتِ في قلبي، وكنت مستنيا اليوم ده بقالي كتير وعملت علشانه أكتر يا صافي يبقى إزاي نسيتك.!
أشرقت الإبتسامة على وجه صفية وسحبت ليلى بحماس تحت أنظار مصطفى الذي يفتك به الفضول، وقالت:-
– طب تعالي علشان تحكيلي كل حاجة من أول ما سبتك لغاية ما جيتي هنا .. يلا.
بادلتها ليلى إبتسامتها الوضاءة وهتفت وهي تتأمل وجه صفية المُنطفىء رغم سعادتها:-
– وأنا عندي كتير عايزة أحكيه.
جلست صفية وسط حديقة الورد الجانبية وجلست ليلى بجانبها وهي تتنفس بعمق وتدور بأعينها في الأرجاء وهي تستشعر راحة غريبة وأُلفة تعجبتها كثيرًا، تشعر أن قلبها ينجذب بطريقة غير عادية لهذا المكان.
تنهدت براحة وتسائلت بهدوء ظاهري:-
– احكيلي .. أيه إللي حصل في السنين إللي فاتت دي؟
أسندت صفية ظهرها للخلف وشردت قليلًا ثم رددت بنبرة مليئة بالألم الصامت:-
– الحمد لله على كل شيء، يعتبر أنا زي ما سبتك، بس أنا عايزة أقولك على حاجة يا ليلى وعارفة إنك هتصدقيني، أنا حصلت ليا ظروف شديدة علشان كدا معرفتش أجيلك الملجأ بعد ما خرجت .. وفضلت هنا في المكان ده من ساعة ما جيت ومخرجتش منه نهائي.
هتفت ليلى بإنزعاج للفكرة الأخيرة:-
– عايزة تفهميني يا صفية إنك حبستي نفسك هنا من كذا سنة ومخرجتيش تشوفي الدنيا برا .. ليه يا صفية ليه دا كله.
نظرت لها صفية بأعين ضيقة وابتسمت بألم ثم قالت:-
– كدا الأحسن والأفضل يا ليلى، أيه إللي برا يعني .. عالم مليان كلاب صعرانة وذئاب بينهشوا لحم الضعيف من غير رحمة، أنا كدا مرتاحة .. إنت متعرفيش حاجة يا ليلى.
نفث قلبها النار بدمها وهدرت بقوة لا تليق سوى بليلى النارية:-
– لا يا صفية أنا أعرف كل حاجة .. أعرف كل حاجة من بعد ما خرجتي من الملجأ والقذرة أمال إللي كانت بتبيع البنات للحقيرة دُنيا..
وقفت صفية بصدمة تشعر أن صاعقة ضربت جسدها وهتفت بتسائل:-
– عرفتِ الكلام دا كله منين يا ليلى، حصلك حاجة منهم أنا حاولت أرجع أخدك بس مقدرتش..
جذبتها ليلى برفق وهتفت بقوة:-
– علشان أنا وقعتهم كلهم في شر أعمالهم وجبتلك حقك يا صفية وانتقمت منهم.
ارتمت ليلى بجسد هامد وأعين أغشتها الدموع وقالت بضعف:-
– إنتِ تعرفي إللي حصل.
أماءت ليلى رأسها وبدأت بسرد ما علمت وما عَملت عليه وكيف تخلصت من هؤلاء، وبحثها المستميت عنها.
كانت صفية تنتقل ببصرها على ملامح ليلى التي تغيرت كثيرًا .. هي مثل الشوك في الياسمين، قوية لا يُخاف عليها.
ارتفع الفخر بأعين صفية وهنا تركت لدمعها العنان فانفجرت باكية..
– أنا اتعذبت قووي يا ليلى، أنا حياتي ادمرت منهم لله .. منهم لله حرموني أكتر ما أنا محرومة، أنا مكسورة يا ليلى، حاسة إن عايشة من غير روح يا ليلى .. أنا الحياة عذاب ليا..
كانت ليلى تعتقد أن عندما تأخذ انتقامها أن الأمر هكذا سينتهي لكن بالنسبة لصفية الأمر ليس بالهيّن فهي من أين لها أن تتدرع بالنسيان، وكيف لها أن تنسى شعور أن تُنتهك روحها دون أدنى رحمة.!
اتقد الشرّ بأعين ليلى مرةً أخرى وجذبت صفية نحوها، فالآن حان دورها .. صفية قد بذلت في سبيلها كل غالٍ واعتنت بها مددًا .. والآن الأمر يقبع عليها .. يجب أن تجتر صفية من تلك الحالة ولن تُقصر.
– كله هيبقى تمام .. بوعدك إنك هتبقى أحسن من الأول كمان وهتلاقي السعادة إللي تستحقيها يا صافي، إنتِ مش اتخلقتي للضغف .. هتقومي واحدة واحدة وهتبني سعادتك ومجدك .. إنتِ علمتيني وإحنا صغيرين إن لازم نرضى بقضاء ربنا سبحانه وتعالى ونتعلم ونصبر وإن كل حاجة أكيد لحكمة هو يعلمها وبتظهر لنا بعد كدا .. دا اختبار لقلبك يا صفية وتأكدي إن العوض هيبقى على قدر الإبتلاء وهيبقى مُرضي لقلبك، أنا معاكِ من النهاردة ومش هسيبك أبدًا، هنفضل مع بعض وفي ضهر بعض العمر كله..
تنهدت ليلى وسقط دمعها وقالت بشرود وألم:-
– في وقت مكانش عندي أم ولا عمري جربت شعور الحنان، كنت إنتِ أمي إللي أكبر مني بخمس ست سنين وبس ودوقتيني الحنان إللي كان ناقصك واثبتي إن فاقد الشيء يُعطيه بجدارة وسخاء.
كنتِ صاحبتي وملجأي الدافي، أول واحدة علمتني أمسك القلم، وعلمتني إزاي أصلي وأكتر وأكتر..
طول عمرنا لوحدنا وواثقة إن مفيش حاجة هنعجز عليها بأمر الله.
ابتسمت صفية بهدوء فهتفت ليلى بمرح لتخفف من حدة الموقف:-
– أنا مقولتش بقى الجديد إللي عندي.
– صحيح .. طب يلا قولي يا ست ليلو.
– مش أنا لقيت أخويا .. وعرفت إن عندي أهل يا صافي.
قالت صفية بعدم تصديق:-
– دا بجد يا ليلى..
– بجد وجد الجد كمان .. في عنده شوية أمور كدا هحكيلك بعدين .. وبعد كدا هنتنقل أنا وإنتِ ونعيش سوا مع بعض، كمان قال إن أمي عايشة.
– طب هي فين يا ليلى .. ومش شوفتيها ليه..
– هو قالي فترة كدا لغاية ما يأمن شوية حاجات … وقالي دا الأفضل لحمايتي.
– إنتِ متأكدة يا ليلى.
– طبعًا وعملنا التحليل كمان، وتعرفي طلع مين، الشخص إللي دايمًا مكانش بيسيب أحلامي وكنت بحكيلك عليه، شوفتي رحمة ربنا يا صفية .. القدر غيّر فيّا حاجات كتير ورسخ جوايا معتقدات أكتر يا صفية .. علشان كدا بقولك خلي عندك ثقة بالله واطمئني.
– ونعم بالله يا ليلى .. حقيقي أنا فرحانة بيكِ أووي ومش مصدقة نفسي .. قوليلى وصلتي فين لتعليمك..
– حافظت على وصيتك ونصيحتك وكملت وحاليًا أنا في صيدلة .. كمان اتعرفت على بنوتة وصاحبتي إللي هتحبيها .. ربنا يفك كربها أيًّا كان مكانها.
– ليه هي فين..
سردت لها ليلى بإختصار علاقتها بأسوة واختفاءها..
– إن شاء الله تبقى بخير .. وربنا يحفظها يارب.
ومرت ساعتان وكلاهما يستمعان ويُنصتان لبعضهم البعض، حتى شعرت ليلى بإنفلات الوقت وأن من المؤكد أن ليث قد اكتشف عدم وجودها.
قالت وهي تستعد للخروج:-
– خلاص عرفت مكانك واتقابلنا.. لازم أرجع دلوقتي ضروري وهجيلك تاني علشان أخدك ونخرج نشوف العالم … اتفقنا.
وقفت صفية وأمسك كفيها وهتفت بحنان:-
– خدي بالك من نفسك، متغبيش عليا علشان عايزة أقولك على موضوع ناقص.
احتضنتها ليلى وقالت:-
– دا أكيد ومتقلقيش عليا.
رافقتها صفية للخارج ورأت مصطفى مازال ينتظر وبأعينه تساؤلات جما..
قالت صفية لليلى:-
– الدكتور مصطفى يوصلك لبرا .. اصبري أقوله.
نفت ليلى قائلة:-
– أنا عرفت الطريق وحابة أتمشى.
قال مصطفى بإحترام:-
– ثواني أوصلك يا آنسة.
– شكرًا جدًا لحضرتك كفاية إن وصلتني للقصر وشوفت صفية، أنا عرفت الطريق وأقدر أرجع لواحدي.
وخرجت بعدما ودعت صفية إلى لقاءٍ آخر.
********
قبل هذا التوقيت..
وقبل مغادرة مؤمن وأسوة المزرعة..
وقفت بثوبها الأصفر الخفيف المزركش بالزهور تجول ببصرها أرجاء المزرعة تودعها بحزن صامت، انحنت تحمل دجاجةٌ حمراء كانت قد أحبتها ورافقتها حتى أنها أطلقت عليهم اسم <بيجا>.
– سلام يا بيجا، لو ليا نصيب أكيد هاجي هنا تاني بإذن الله.
وضعتها على الحشائش الخضراء، ثم حملت الأرنب الأبيض الذي ائتلف عليها جدًا وكان لها صاحب أيضًا، تحسست فروه بنعومة وقالت بوداع:-
– سلام يا أرنوبي إن شاء الله هشوفك تاني.
تحمل قلب طفولي طاهر جدًا رغم مرارة الأيام، لا عيب لديها أن تصادق الطيور والأشجار والطبيعة .. الطبيعة صديقتها الأولى وتعشقها حد الجنون.
تأملت الأشجار والنبات وعلى الأخص شجرة التوت التي احتضنت أول ذكرى لهما معًا، وحملت ذكريات جميلة.
جاء من خلفها وهو يعلم مكنونها، هو أيضًا أصبح يحب هذا المكان كأنه لم يُحبه من قبل، روحه أضحت مرتبطة به، أهذا لأنه هو المحطة الفارقة بعلاقتهم.!
تنهد بثقل واقترب منها ثم هتف بهدوء:-
– يلا .. أنا وعدتك هانيجي هنا تاني..
رفعت عينيها نحوه بنظرة مليئة بالخوف، خائفة من الحياة التي بعد الآن، خائفة من أن يعود كل شيء لسابقه وأن يبقى هذا المكان مجرد ذكرى لن تتكرر.
همست بعدم تصديق ونفسٍ مملؤة:-
– بجد.!
– بوعدك.
حركت رأسها وأزالت بعض الدمعات الخفيّة، رأت فردوس تقف على مقربة منهم يتجلى الحزن منها، اقتربت منها ودون تردد احتضنتها لتقول فردوس ببكاء:-
– أوعي تنسينا .. وتعالي هنا عالطول إحنا هنستناكِ.
– إن شاء الله، متقلقيش أنا مش من النوع إللي بنسى أي ذكرى حلوة .. وبإذن الله هجيلكم عالطول، بلغي سلامي لشذى والبنات.
– حاضر يا ست البنات .. مع ألف سلامة.
– الله يسلمك.
استقلت أسوة السيارة بجانب مؤمن وبقى يزيد الذي أخذ يشاهد المكان ويُودعه بعينه في الخلف.
والتزم كلًا منهم الصمت بعدما مسك مؤمن طريق العودة للقصر.
وبعد مرور بعض الوقت جذب أسوة من صمتها رنين هاتفها، أخرجته من حقيبتها فعقدت حاجبيها عندما رأت اسم المتصل، تنحنت وأجابت تحت أنظار مؤمن.
– السلام عليكم، أهلًا بحضرتك يا دكتور.
تفتحت أذان مؤمن وبقى صامتًا وقلبه يشتعل ويفور من الطريقة اللطيفة التي تتحدث بها أسوة مع من تُحدثه..
قالت أخيرًا قبل أن تُغلق:-
– شكرًا جدًا لحضرتك يا دكتور، هحصل إللي فات مني، متقلقش أنا عارفة ميعاد إمتحان العملي..
ضغطت مؤمن بكفه على المقود حتى ابيضت مفاصله ورفع يده يمسد على شعره حتى يُهدأ من تلك الثورة التي هاجت بداخله.
تسائل من بين أسنانه وهو ينظر للطريق:-
– من إللي كان بيكلمك.
أجابت بسلاسة:-
– دا معيد في الكلية.
هتف بنبرة حادة:-
– كمان مُعيد .. ودا رقمك معاه بيعمل أيه، هو من إمتى والمُعيدين بيحتفظوا بأرقام الطلبة ويتصلوا يبلغوهم بميعاد الأمتحان … دا أيه التعليم الأسود على عينهم ده.
تجاوزت أسوة الحِدة بنبرته؛ وقالت بهدوء:-
– عادي هو كان عامل جروب للطلبة علشان لو في أي حاجة في المحاضرات، وهو حد كويس جدًا ومش بيتأخر وو…
ظلت باقي جملتها مُعلقة حين باغتها بإلتفافة نحوها ونظرة ينبثق منها الجحيم.
جذب الهاتف وعلى طول ذراعه ألقاه حتى هلك على الطريق، صُدمت أسوة من ردة فعله مع وجود يزيد الذي بدأ يتململ من نومته، وقال لها بنبرة لا تقبل النقاش:-
– مش محتاجين المساعدة دي، الله الغني عنها..
رددت بصدمة:-
– الموبايل ..!
– مش مهم هجيبلك غيره ميكونش عليه رقم المعيد الننوس.
أبعدت رأسها للجهة الأخرى وانفلتت بسمتها على غيرته الواضحة.
انعطفت السيارة لمدخل الغابة، وبنفس الزمان والمكان كانت ليلى بالجهة الأخرى للطريق تسير وسط الأشجار والنباتات، التفت مؤمن يتأمل الأرجاء فقد اشتاق للغابة والأشجار وأسوة أيضًا كان بمحاذتهم تمامًا ليلى التي انحنت تجذب أحد الورود الجميلة وكُتب ألا يلتقيا تلك المرة..
ولجت السيارة لداخل القصر، وأخذت أسوة تتأمل الأركان بشوق فمهما حدث القصر له مكانة بقلبها فهي تعشق الهدوء والسكينة والغموض الذي يضج به.
فتحت الباب الخلفي لحمل يزيد فأشار لها مؤمن بتركه وانحنى هو يحمله لتجذب أسوة حقيبتها بتنهيدة طويلة ووقفت بحيرة حين رأت مؤمن متجه لمدخل القصر، لحقته وأوقفته قائلة باستنكار:-
– إنت هتروح فين.؟
التفت نحوها، وقال بهدوء:-
– مش هتدخلوا ترتاحوا جوا.
التفتت للملحق وهتفت:-
– مش هينفع .. إحنا هنرجع للملحق زي ما كان.
أردف بإحتجاج وهو يقترب منها:-
– مكانك جوا ..
– بس صدقني مش هينفع، هيفكروا عليّا أيه وأكيد مش هيصدقوا لو قولت مرة واحدة كدا إن إحنا اتجوزنا ومن غير أي مقدمات .. الأفضل إن نمهد الموضوع وبلاش مرة واحد كدا..
وقبل أن يُجادلها ويرفض ترجته بأعينها قائلة:-
– علشان خاطري … اعتبرنا بنبدأ من جديد وبلاش الرفض.
انهزم أسفل نظراتها لكن بقى التذمر على ملامح وجهه فابتسمت وقالت:-
– وبعدين الملحق من القصر مفيش، وأنا بصراحة بحبه وبحسه دافي.
التزم الصمت وسبقها للملحق وهي تسير خلفه ببسمة خفيّة، وضع يزيد على الفراش وخرج ليجدها تقف تعطي له ظهرها وتُزيل حجابها مُطلقة حرية حدائق البندق خاصتها.
وقف هادىء خلفها صامت وشيءٌ ما يُخشخش داخل صدره يزعجه، هو لم يكن هكذا من قبل، فكرة أنها ستكون بمكان آخر غير جانبه تُنغص عليه قلبه.!
التفتت نحوه مبتسمه تتأمل ملامحه الهادئة التي تُترجم إنزعاجه، تنفست وابتسمت بوجهه وهي ترفع أنظارها وتضعها داخل عيناه .. وبرقق أمسكت كفه ووضعت كفها به وخللت أصابعها بين أصابعه ثم قالت ببعض المرح:-
– هنا بيتنا الصغير الدافي، إحنا جمبك وتحت عينك بس إنت تزورنا بقاا .. ولا هتنشغل عننا..
قالت الجملة الأخيرة ببعض الحزن فانتشلته من بؤرة أفكاره، حبها يرتع ويلهو بقلبه، وما الحب سوى معركة بين قلبين ينتصر فيها من له القدرة على التجرع أكثر والغرق في بحوره أكثر وأكثر..
كوب جانب وجهها وأخذ يُمسد خدها بلطف وخشونة فأغمضت عينيها وهمس بصوت مصبوغ بأشد قصائد العشق:-
– باقي القليل يا عسبرة وهنبدأ من أول وجديد بداية نضيفه تليق بيكِ.
انتعش قلبها ووضعت يدها على يده، وقالت بهمس:-
– وأنا منتظرة .. بس بردوه هشوف..
ورفعت أكتافها قائلة بمرح:-
– أصل إنت هنا بقاا بتبقى حد تاني وكدا يعني.
جذبها إلى صدره فاستندت بكفيها عليه ورمقته بنظراتها التي تُحسن التوقيع على شغاف قلبه اللجوج، أخفض رأسه وقال أمام جبهتها بصوت عذب على أسماعها:-
– ببقى حد تاني إزاي يا عسبرة، مش فاهم كلامك.
ضحكت فأشرقت شمسه وأردفت بنبرة غنية بالدلال:-
– يعني بتبقى شرير ..
– امم شرير.
اندمجت أنظارهم كلًا منهما يروي حكاية قلبه للأخر، أفلتت العقول واقترب منها حد الهلاك ينوي وشم ذكرى جديدة واقترنت أسوة معه بغياب العقل، لكن انتزع كلاهما من سُكر لحظتهم الهاتف الذي أبدى إنزعاجه، ابتعدت أسوة كالمصعوقة وانفصل عنها مؤمن ماسحًا على خصلاته بقبضة قوية، بينما أسوة فلاذت بالفرار إلى غرفتها بقلب يزف طرقات تثقب صدرها..
تلون وجهها بلون الشفق وثقلت أنفاسها رددت بصوت خفيض وهي تُطبطب على صدرها:-
– هتقتلني يا شريري، الصبر يا كلفي .. الصبر .. يا ترى النهاية أيه.!
جلس بغرفة مكتبه وبالكاد انتظمت أنفاسه من الثورة العنيفة التي غزت قلبه لأجل زمردتها.
طرقات خفيفة على باب الغرفة ينتظر صاحبتها، دخلت صفية للغرفة على استحياء بعدما أذن لها بالدخول..
أشار لها بخفة لتجلس أمامه، تنحنح وقال بنبرة جادة هادئة:-
– حبيت أفاتحك في موضوع مهم، أتمنى تسمعيني للنهاية.
أجابته صفية بإحترام:-
– اتفضل يا مؤمن باشا.
واصل حديثه بسلاسة:-
– مصطفى طلب إيدك مني وأنا مكانش ينفع أرد عليه ألا ما أعرف رأيك.
وقبل أن يُكمل كلامه رفعت رأسه نحوه بأعين بها ما يعرفه جيدًا .. وجع صامت، وحيرة، ووحدة، وخوف..
استرسل الحديث بصدق ففي النهاية هو الوحيد الذي يعلم بما حدث ماضيًا خلاف ليلى..
– الماضي بقى في الماضي وانتهى، مفيش داعي تفتحي في الجروح القديمة، حقك تبدأي حياة جديدة وتعيشي حياتك، وجت الفرصة والعوض إللي تستحقيه..
أنا أضمنلك مصطفى، إنسان كويس وأخلاق ومكانه، وأهله ناس كويسين .. متمسك بيكِ ومستعد لأي حاجة تشاوري عليها..
لو وافقتي هيجي هو وأهله يطلبوكِ رسمي، وتأكدي إن مفيش أي حاجة هتنقصك، المكان هنا بيتك ومفتوح لكِ العمر كله … إللي يريحك هعمله أكيد..
ترقرق الدمع بعينيها ورفعت أنظارها تجاهه، حقًا بعضًا من الأشخاص تُرسل كالأرزاق وهو كذالك، هو غيمة داكنة من الخارج لكنها مليئة بالخيرات وهذا درس لنا ألا نُطلق أحكامنا جُزافًا طالما لم نعلم الدواخل..
ارتعشت حدقتيها وقالت بإمتنان:-
– كل إللي عملته مش هنساه أبدًا، ربنا يجازيك عليه يارب، إنت كنت نجدة ليا في الوقت إللي كل حاجة فيه انتهت..
تابعت حديثها بتسائل مرير:-
– طب وإللي حصل زمان مش من حقه يعرفه.
أجابها مؤمن بجدية:-
– إللي حصل إنتهى .. مفيش داعي أبدًا تفتحي دفاتر الماضي، هتقولي نص الحقيقية التاني والأول انسيه .. هتقولي كنت متجوزه فترة بسيطة وجوزك مات، وبردوا بلاش يعرف هو مين..
نطقت بتلقائية دون قصد أي شيء:-
– بعيد الشر عنك.
حرك مؤمن رأسه فقط فأخفضت رأسها بحرج ووثبت قائلة:-
– تمام .. إللي حضرتك تشوفه .. يعني أقصد هجرب وهعطي لنفسي فرصة .. عن أذنك..
وخرجت مسرعة تتنفس بهدوء، دخلت المطبخ لتجد عزة وسلوى في انتظارها، قالتا بصوتٍ واحد:-
– أيه قالك أيه..؟
عادت للخلف من هجومهم الغاشم، وهتفت:-
– براحة عليا يا وحوش.
لكزتها عزة وقالت بشوق:-
– بطلي رخامة وقولي قالك أيه وقولتيلوا أيه؟
– ما إنتوا عارفين قال أيه..
– بت.
– قالي على مصطفى ولو أنا موافقة هيجي هو وأهله .. ارتاحتوا..
– طب وإنتِ قولتي أيه.؟
قالت سلوى:-
– أنا شايفه إن مصطفى حد مناسب جدًا وشاب كويس وأخلاق، بقاله كام سنة هنا ومحدش شاف منه حاجة.
نظرت عزة لصفية نظرة ذات معنى، لتقول صفية بهدوء حتى لا تُثير الشك حولها داخل سلوى:-
– ما أنا قولتله إللي يشوفه وإن شاء الله خير..
ابتسمت عزة بفرحة حقيقية وقالت سلوى:-
– ألف مبروك يا حبيبتي وربنا يسعدك يارب.
– اللهم آمين تسلمي يا سوسو..
كانت سلوى تُدقق النظر من النافذة الخلفية للمطبخ تحاول رؤية أسوة، هتفت بتسائل جعل كلًا من صفية وعزة بقمة تعجبهم ونظروا لبعضهم البعض بتعجب:-
– يا ترى أسوة كانت مع مؤمن بقالهم أسبوع ولا عشر أيام بيعملوا أيه وفين ..جاين سوا مع بعض ودخلها لغاية الملحق جوا وغاب يجي نص ساعة وبعدين خرج..
لم تُدرك أن فضولها جعلها تفكر بصوت مرتفع، لم يكن بعقل كلًا من صفية وعزة إلا أن ألهذه الدرجة تتابعهم وتراقبهم، صفية كان عقلها أيضًا أصابه الفضول غير أن عزة كانت أكثرهم تعقلًا فقالت بهدوء:-
– أيًّا كان إللي بيعملوه دي حاجة مش تخصنا، ودا دايمًا كنتِ بتقوليه لنا يا خالتي سلوى، ولا لنا الحق إننا نتابع حياة غيرنا ونراقب أدق تفاصيلهم.. أنا بحب أسوة ومتأكدة إن عمرها ما تعمل حاجة غلط غير إن مؤمن باشا إنسان نضيف وكويس حقيقي..
كانت تضغط على كل كلمة تقولها تريد أن تصل الكلمات لصفية أيضًا، أدركت سلوى الخطأ الذي وقعت به فقالت مسرعة:-
– لا لا … طبعًا يا عزة كلامك صح وأنا مقصدش كدا يا بنتي، وبحب أسوة وعارفة إنها بنوتة كويسة، أنا بس قلقت عليهم..
– محصلش حاجة .. يلا أنا هطلع أتمم على أوضة مؤمن باشا وإنتِ تابعي الغدا يا صفية..
وخرجت تاركة صفية بمنحدرات ذكرياتها وسلوى تفكر في الخطأ الذي وقعت به..
********
جلست ليلى بمقابل ليث وفراولة التي تنظرت لها بعتاب ولم تتوقف عن ذرف الدموع حزنًا وحسرةً عندما علمت بأمر دُنيا ابنة شقيقتها..
– بقى تبقي عارفة يا ليلى ومتقوليش ليه يا بنتي.؟
انتقلت ليلى بجانب فراولة وأمسكت كفها وقالت بصدق:-
– حقك عليا بس دُنيا كان وراها ناس تقيلة ووكر مليان ضباع كان لازم أخد حق صافي منهم..
أنا حكيتلك الحكاية كلها وقولتلك على كل العذاب إللي شافته دي أمانة وواثقة إنك هتحافظي عليها..
دُنيا كانت تستاهل أكتر من كدا .. لازم تدفع تمن إللي عملته في الأبرياء..
مسحت فراولة دمعها وقالت بقوة وغضب:-
– الحق حق يا ليلى .. صدقيني أنا مقروفة منها .. ولازم تاخد جزاتها .. دي عار علينا كلنا الله يكون في عون أختي، هي عملت أيه علشان البلاء ده .. يا حبيبتي مصدقتش بعد التربية دي كلها وإللي عملته علشانها تبيعها وتبيع نفسها..
حسبي الله ونعم الوكيل..
احتضنتها ليلى بينما كان ليث ثابت بارد كالجليد، تماسكت فراولة وقالت لليث:-
– أنا هروح لخالتك يا ليث لازم أكون جمبها .. خد بالك من ليلى..
رد بثبات وجدية:-
– تمام يا أمي .. البسي وأنا منتظرك هوصلك..
– بلاش علشان جرحك.
– أنا بخير يا أمي .. يلا البسي أنا منتظرك..
دخلت غرفتها وتركت ليلى بمواجهة ليث، ابتلعت ريقها باضطراب ثم حاولت الإقتراب وجلست بالقرب منه، وهي ترى بروده وصمته الذي يوجعها.
– اتعلمت أكون لواحدي .. اتعلمت مش أثق في حد..
ألزمت نفسي مهمة إن أخد حق صفية..
مش تزعل مني لأن يهمني زعلك مقدرش أعيش كدا وإنت مش راضي تبص في وشي..
ظل ينظر أمامه لم يُهديها نظراته، وتسائل بجمود:-
– روحتي فين الصبح من بدري يا ليلى..
صُدمت من سؤاله .. كيف علم بهذا الأمر، تنهدت بثقل وقالت:-
– عرفت مكان صفية وروحت أشوفها.
ابتسم بسخرية وحرك رأسه بدون فائدة، جاءت توضح له فأنهى الحوار معها بنظرة حازمة..
خرج دون أن ينظر خلفه وأوصل والدته لمنزل شقيقتها وبعد مدة قصيرة كان قد وصل أمام قصر مؤمن الصياد..
كانت الشمس قد غابت خلف الغيوم فأظلم النهار واشتدت البرودة..
البرق المُعقرب يلمع في خطوط مُتَعرَّجة تضرب الأرض بقوة، أغضفت السماء فجأة وبدأ المطر الدِّفاق يهطل بغزارة، كان الوميض يتذبذب مُلامسًا خط الأفق العريض وكأنه سيف من لُجين يضوي.
وكأنما حالة الطقس تُعبَّر عن محتوى تلك المُحاورة الدائرة بين الصديقان “مؤمن وليث”
قال “ليث” بغرابة وعدم فهم:-
– بصراحة يا مؤمن عندنا المبنى”مكافحة المخدرات” مقلوب ومش وراهم سيرة ألا الموضوع ده، أنا ذات نفسي الفضول هيجنني والمُدراء والقادة نفس الحالة.
غمغم “مؤمن” بهدوء بارد، فالأمر لا يُعنيه بتاتًا:-
– دي العصابة السابعة إللي بتقع بالطريقة دي.
أردف “ليث” بذهول:-
-دي مش أي عصابة يا مؤمن دي أقوى عصابات المافيا في العالم، إنت متعرفش مين هو “ألبرت أوليڤر” دا محدش قدر عليه بس “الجـــــــــاثوم” هو إللي دمرهم وبطريقة غامضة جدًا.
رفع “مؤمن” منكبيه بلامبالاة، فمن هو هذا “الجاثوم” الذي يُهدد “الصياد”!
وكيف سيجرُأ الإقتراب من إعصاره المُتفجر؟!!
تسائل بنبرة باردة:-
– إنتوا موصلتوش لأي حاجة تخُصه؟
– للأسف محدش يعرف عنه أي حاجة، لا شكله ولا أسمه ولا جنسيته ولا أي شيء غير لقبه بس “الجاثوم”
أَشعّ وميض الغموض من أعيُن الأخر، ووضع قدمًا فوق الأخرى وهو يُردد بنبرة مُمِيته:-
– الجــــــــــاثوم!
– المهم كنت عايز أقولك على موضوع..
– خير؟
– ليلى..
انتفض مؤمن من مكانه وصاح بقلق:-
– مالها .. حصلها حاجة..؟
– اهدى مش كدا..
– انطق يا ليث.
– ليلى كانت في قصرك النهاردة الصبح.
ردد مؤمن بعدم تصديق:-
– نعم .. إنت بتقول أيه.!
أكد ليث قائلًا:-
– فاكر صاحبتها إللي قالتلك عليها، إللي كانت في الملجأ ورعيتها..
– قالتلي، وكنت بدور عليها بس انشغلت..
– مدورش بعيد يا مؤمن لأنها في بيتك، وليلى جات النهاردة علشان تشوفها بعد ما وصلتلها قبلنا..
تسائل بفضول شديد وقد توقع قبل أن يُجيبه:-
– مين؟.
– صفية.!
*********
بعيدًا .. خارج البلاد بريف أحد بلاد أروبا، الثلج الأبيض كان كالبساط على الأرض الخضراء، الأكواخ الريفية تُغطى بالثلوج..
بأحد الأكواخ وفوق فراش أرضي مليء بالدثارات الثقيلة من صوف الحيوانات لتقيهم شدة البرودة، كان يرقد بعالم آخر يمكث داخله منذ سنوات..
تكومت بجانبه تنظر له بترقب وقد ملّ الصبر من صبرها، نظرت إلى السيدة العجوز وهتفت تتسائل بلهفة:-
– لماذا لا يستفيق؟ ألست قد قولتي أنه سيصحو بتلك الأيام!
لقد تألمتُ من كثرة الإنتظار..
حزنت العجوز لأجلها فهي منذ سنوات على هذه الحال وعجزت عن الرد، أسندت رأسها على صدره، وجعلت تُحدثه وتتراجه كما تفعل دومًا:-
– هيا عزيزي، يكفي هذا الكم من النوم لقد قتلني الصبر حبيبي .. هيا لنعود لبلادنا لأجل طفلنا الذي ينتظرنا..
وحتمًا يوجد نهاية مشرقة للصبر، بألم حاول مرارًا وتكرارًا مدة الربع ساعة فتح أعينه، ساعدته إضاءة الكوخ الخافتة التي تنبعث من السراج والمدفأة الخشبية..
لم تلحظ إفاقته بل كان جرس إنذارها أنّاته الخافته، رفعت رأسها بلهفة تتفحصه ليتسع فمها مبتسمًا حين رأت أعينه تعتاد على الضوء شيء فشيء..
صرخت بفرحة تخبر العجوز:-
– لقد أفاق .. وأخيرًا قد أفاق .. لك الحمد يا الله لك الحمد…
كانت الصورة مهزوزة مشوشة وأول ما رأت عينيه كانت طلعتها الوضّاحة..
قالت بلهجتها المصرية ولغتها العربية:-
– آدم …حبيبي آدم إنت كويس .. أخيرًا يا آدم..
حرك رأسه قليلًا، وحاول إخراج الكلمات من حلقه الجاف كالصحراء بتسائل غريب:-
– إنتِ مين.؟!.

تعليقات