رواية الصمت الباكي الفصل الستون
قبل رحيل ليث عن قصر الصياد، وقف قُبالت مؤمن أمام السيارة، فهتف مؤمن بهدوء:-
– في علاقة بينها وبين ليلى..
وأشار برأسه نحو المُلحق، فاستفهم ليث:-
– قصدك بين دكتورة أسوة وليلى!
– أيوا ليلى قالتلي على مواصفات صاحبتها واسمها كمان .. وهي كمان اتكلمت على ليلى كذا مرة قدامي، يعني بالعربي هما أصحاب، وبما إن صفية تبقى صديقة ليلى ويعرفوا بعض كويس وكمان اتقابلوا، وصفية تعرفها يبقى في كدا حلقات وصل كتيرة بينهم، وبكدا مهمتي في إن أبعدهم ومش أخليهم يتاقبلوا بقت صعبة، مش لازم يتاقبلوا أبدًا ولا إن ليلى تقرب مني الفترة دي .. وصول ليلى للقصر كان غلط ولو عرفت كمان إن المكان ده يخصني هتبقى مشكلة..
صمت ليث قليلًا وقال بحيرة:-
– عندك حق، بس قولي هنعمل أيه بقينا في مشكلة كبيرة، غير كدا ليلى كتير عليها كدا يا مؤمن دي هتتجنن من كتر الأسئلة وعايزة تقابل والدتها وتعرف الحقيقة.
زفر مؤمن ببطء يشعر أن الخطر يزحف نحوه والمشكلات تتكدس فوق رأسه، لقد اطْلخمّ الأمر، تلك حربه الشعواء لا يقبل خسارتها، أفاض بالحديث عاجزًا:-
– طب أنا أعمل أيه، هي سابتني واختفت مرة تانية، ومع إن ديرت ضهري وأقسمت إنها انتهت ومش هدور عليها تاني إلا إني قلبت الدنيا عليها علشان خاطر ليلى ومع ذالك ملهاش أثر .. وأنا مش عايز ليلى يمسها ضرر والأصح إنها تبقى مختفية كدا ومتقربش مني ولا تشيل اسم الصياد حاليًا ألا ما كل حاجة تخلص..
وخد بقاا الخبر الأكبر .. عاصم وأسرته هيجوا هنا بكرا.
رد ليث بفزع واستغراب:-
– نعم!! ليه يا مؤمن كدا .. وإزاي وأسوة موجودة في المكان .. وهو عارف إن هو جاي عندك.؟
– لا ميعرفش .. مصطفى ابنه عايز يتقدم لصفية وكالعادة هيجيب أهله يطلبوا إيدها زي ما الناس بتعمل، ودا بيتها ومكانها الوحيد..
تبدلت نظرات ليث إلى الإمتنان من أجل ما فعله مؤمن لأجل تلك الفتاة اليتيمة والسعي في أن تنال حياة أفضل، تسائل ليث بإرتباك:-
– طب هتعمل أيه.!
– عاصم هيقابلني للمرة الأولى بهيئة عاصم الشامي مش فؤاد إللي ضحك عليا بيه زمان .. هو الوحيد إللي أقدر من خلاله أعرف حقيقية النمر..
ابنه ومراته وهو هيواجهوا مؤمن الصياد وهايجي لغاية عندي، بس يكون في علمك أنا مش نيتي أي حاجة غير مصلحة صفية وبس..
عاصم عارف إن أنا مؤمن ابن أعز أصحابه قاسم الصياد بس غصب عنه هخليه يواجه الحقيقة إللي بيستغفل عنها..
أما أميرة مراته فلازم متلمحش ملاك لأن لو شافتها هتعرفها، ولا ملاك تشوفهم لأنها تعرف عاصم كويس متنساش موضوع التحليل وهو كمان لو شافها جمبي هيشك..
ابتسم ليث على نطقه الدائم لاسم ملاك بدلًا من أسوة، تنهد بثقل وهتف:-
– يعني هتمشي الدكتورة أسوة من القصر اليوم ده..
أجاب بغموض:-
– لا..
استفهم ليث بتعجب:-
– أمال هتعمل أيه.؟
– هنلعب لعبة جديدة..!
– واثق فيك، بس خد بالك من نقطة، العصابة إللي ورا الأعور شاكة إن إنت الجاثوم إللي بيدمر ثفقاتهم والمخدرات والأفيون ودا بعد إللي حصل مع الأعور وخداعك ليه..
– يفكروا إللي يفكروه .. أنا ما خدعتش الأعور أنا قضيت عليه لما عرفت إن ناوي يخدعني، يعني هو إللي خان الأول..
أكد ليث بحذر:-
– طب خد بالك..!
**********
جلس بغرفة مكتبه أمام ادواته، وباشر تصميم أحد المحركات الحديثة والمعقدة، شرد قليلًا في باقة من الأحداث المنصرمة والمستقبلية .. حربه تدور داخله ولا أحد يعلم الكامن في أطواءه..
أخرجه من بؤرة شروده وطرق لحوح على باب الغرفة، سمح للطارق بالدخول ولم يكن سوى مُعتز الذي ولج بإحترام..
– خير يا معتز.!
وضع معتز أمامه ظرف أسود اللون وقال:-
– الفاكس ده وصل لحضرتك بريدي على القصر وإحنا اتعجبنا من إن إللي وصله قدر يعرف طريق الدخول..
على إثر تلك الكلمات التي وقعت على أذن مؤمن كالرعد وثب بغير هدىً، وصاح بحدة:-
– مين وصله .. وشكله أيه..؟
هتف معتز مُجيبًا ببعض الإضطراب:-
– كان واضح عليه موظف بريد يا مؤمن باشا وكان معاه عربية ومشى عالطول..
نزع مؤمن الظرف وقد سارت على وجهه موجة من الغضب وأشار لمُعتز بالإنصراف وأخذ يفتح الظرف بأعين مشبوبة، جرت أعينه جري الموج على الكلمات ليقع قلبه في قاع الجحيم وقد أشعلت تلك الكلمات قلبه وعقله ووجدانه..
ورقة سوداء كلماتها بيضاء كتبت باللغة الإنجليزية، وكان فحوى تلك الورقة الأتي:-
“عزيزي الصياد، اعتقدت نفسك زكيًا وأسقطت تجارتي بمصر بعد أن خدعت الأحمق الذي يُدعى الأعور…
هل اعتقدت أني لا أعلم لك نُقط ضعفك!!
مُخطئ أيها الإعصار الناري، أعلم بأمر حبيبة قلبك التي أسعى خلفها منذ مدة، أعلم أنه يوجد قصة حب مشتعلة بينك وبين الطبيبة أسوة أو لنقول زوجتك.
تلك المرأة من حق عصابة(dark) سأجعلها تخضع لنا وسأُخرج من جوفها ما نريد ثم أجعل رجالي يستمتعون بها وبعد ذلك سأقطعها إربًا وسأبعثها إليك.
استمتع قليلًا معها قبل استمتاع رجالي بها.”
نارًا ذات لهب تسري بعروقه، صدره في ماراثون خاص جدًا، وقلبه بات ينغزه ألمًا..
لا لا من المستحيل..! لن يسمح أبدًا بحدوث هذا ولن يجعل طيفٌ يقترب منها..
اشتعل الغضب بقلبه وأخذ يجذب كل ما هو كائن بالغرفة يجعله هشيما حتى أصبحت خرابًا، حطم كل نافع وجأر بعروق منتفخة بكل صوته:-
– لااااااااااااااااا.
جعل يزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا يدور بها كالنمر الحبيس، استند على طرف المكتب بوجه مُعرق متضح عروقه وقد ثقلت أنفاسه..
همس من بين أسنانه بصوت يغلي شرًا:-
– فتحتوا باب الجحيم عليكم واتحملوا بقاا.
في هذا الأثناء كانت أسوة قد ذهبت للسلام على سلوى وعزة والمباركة لصفية..
كانت أعين سلوى تتأمل ملامحها الفرحة المشرقة التي تختلف بتاتًا عن ذهابها، وعزة تمرح معها بخفة في الحديث، بينما صفية فهادئة وتبتسم بين الحين والآخر..
هتفت أسوة بمزاح فرح:-
– وهيبقى عندنا عروسة بقاا .. متعرفيش أنا فرحانة قد أيه يا صفية، إنتِ طيبة وحقيقي تستاهلي كل خير، والدكتور مصطفي حد كويس جدًا ومحترم وواضح عليه جدًا إن بيحبك..
جالت صفية بأعينها على وجه أسوة السعيد حقًا لأجلها، إنها بحق رقيقة وخلوقة جدًا كم تأسف على نفسها لأجل تلك الهرتقات التي كانت تُفكر بها..
ابتسمت وطبطبت على كفها الموضوعة على يدها وقالت بصدق:-
– حقيقي أنا إللي مبسوطة إن ليا أصحاب زيكم، عقبالك يا ويسي إنتِ تستاهلي كل خير تسلمي يارب..
غمزت أسوة لعزة قائلة:-
– لازم نظبطها بقاا يا عزة احممم يعني هيجوا يشوفوها وكدا بكرا وأهل العريس هيجوا..
هتفت عزة بنبرة لا تقل مرحًا:-
– أمال طبعًا يا أوختي أومال، دي أول عروسة تطلع من هنا وعندنا فرح يا جدعان..
أتت سلوى تتحدث لكن قاطعهم صوت التحطيم الشديد وصراخ مؤمن الغاضب، فزعت أسوة وقُبض قلبها ووثبت للخارج..
هتفت عزة بقلق:-
– الصوت جاي من أوضة المكتب بتاعة الباشا مؤمن..
انقبضت ملامح أسوة وجاءت تتحرك تهرع إليه لكن قبضت سلوى على ذراعها وقالت تمنعها:-
– لا خليكِ ومتدخليش.
وزعت أسوة نظراتها بينها وبين الغرفة وفي النهاية نظرت لها بإيباء ثم حلّت يدها عنها وهرعت إليه بلهفة قلب يمتلىء بعشقه والهيام به..
غمزت عزة لصفية وقالت بهمس:-
– يبدو أنها قصة حب جديدة في القصر.
ضحكت صفية وقالت:-
– إنتِ لسه فاكرة .. دا واضح عليهم أووي يا بنتي من زمان..!
دون أن تطرق باب الغرفة هذه المرة هطلت عليه مثل السحابة السخية برشاش من النور النديّ يتخذ قطرات رقيقة منتشرة كأنها أنفاس تتثاءب بها الأمواج المستيقظة في بحر النسيان الذي تجري به السُفن الكبيرة من قلوب عشاق مهجورين برحت بهم الألآم..
وقفت مصدومة تجول نظراتها على المُحطم لا تُنكر ألمها قلبها فحقًا الألم الذي يحمله وفيرًا لأن يتحمله رجلٌ واحد .. ليته يبوح لها، ليته يُخرج كل ما في قلبه، تعلم أن هناك الكثير من الحقيقة مازال مبتور، هو مختلف .. داخله لا يُشبه خارجه أبدًا، داخله طفل توقف عمره في العاشرة..
يا ترى أين ذهبت الخالة جميلة، لماذا لا تأتي إلى هنا محاولةً تطيب النزيف..!
لكن هي لن تتركه ما حيّت..
فهي كانت تعتقد أن حالته لربما أن تكون بسبب مطاردة أطياف الماضي له، ليتها تعلم أن غضبه أصبح يتمثل لها وبها..
اقتربت بخطوات متألمة ووقفت أمام ظهره الذي يعلو ويهبط، اقتربت واحتضنت ظهره لصدرها بهدوء وحنو مطوقة خصره..
لم يتفاجئ مؤمن بها فقد علم أنها هي منذ فتح باب الغرفة فقد سبقها عبق الفُل..
ظل ثابتًا لم يبتعد عن مرمى عناقها الدافيء، هل يبكي صابرًا أم يصبر باكيًا من ذكريات أليمه وحاضر مُهدد ومستقبل باهت..
التفت لها وهي بين يديه فرفعت رأسها إليه لتتأمل أثر الغضب والعنفوان على وجهه والوسيم، رفعت أصابعها وقد تناست خجلها تتحسس وجهه ولحيته برقة هامسة:-
– ليه دا كله .. مالك .. احكيلي..
تراخت ملامحه وهدأ وجهه من مجرد ملامستها الرقيقة لكن فورًا تذكر تلك الكلمات البغيضة التي أحرقت روحه ليبتعد بثورة خرجت من عينيه وأعطاها ظهره..
قالت بصوت خفيض له به بحةٌ حزن:-
– أنا حكيتلك على كل حاجة تتعلق بيا وبأكبر سر عندي ووثقت فيك، وإنت حاجب كل حاجة تخصك عني، يعني إنت كدا مش عاوزني .. مش حابب وجودي ..عايزيني أمشـــــــ….
ولم تُكمل جملتها حتى باغتها بجذبها إلى أحضانه العاصفة يُكبلها بداخلها ويطبق عليها بقوة شديد لدرجة إيلامها، ابتسمت ورفعت ذراعيها تطوق عنقه وهي تتنفس أخيرًا..
ويطرب قلبها عند سماع همسه:-
– لا محتاجك .. إياكِ تمشي وتسبيني..
تجردت من ثوب الخجل هذه المرة وطبعت قبلة عزباء على لحيته ومسدت على شعره من الخلف، وهتفت بعشق:-
– وأنا معاك مش هسيبك أبدًا يا كلفي..
كانت خلف الباب تقف سلوى التي وضعت يدها على فمها بصدمةٍ حين رأتهم منغمسين ينهلون من الحب نصيبًا..
تسائلت بفضول:-
– يا ترى أيه طبيعة العلاقة إللي بتجمعهم.!
وأكملت بإصرار:-
– أنا لازم أبلغ النمر..
**********
– صالح عايزة أخرج.
رفع رأسه من العمل الذي بين يديه، قال بتعجب وهو يرمقها بتعجب أكبر فقد أرتدت كامل ملابسها للخروج:-
– خير يا عصفورتي .. طب اصبري لبكرا عندي شغل مهم أخلصه ونخرج.
اعترضت بتذمر:-
– مقصدش نخرج أنا بقول أخرج، عايزة أخرج واتمشى وأحس إن حرة.
نظر لها بعتاب وردد:-
– يعني أنا مقيد حريتك يا سارة، دا إللي حستيه.!
حركت رأسها نافية:-
– لا مقصدش كدا طبعًا .. بس أنا طول عمري بخرج وبقضي حاجاتي كلها لواحدي، مفيش داعي تخاف الخوف دا كله، ومش لازم أي مكان أروح إنت تعطل شغلك علشان تاخدني ليه، مقصدش إن أخرج دايمًا لواحدي .. عيزاك تعتمد عليا وعايزة أعتمد على نفسي.. نفسي أخرج وأتمشى وأروح الأماكن إللي بحبها .. حاسه إن حياتنا فيها حذر شوية وتقيد فاهمني..
مش عيزاك تزعل مني وعيزاك تفهمني تمام..
ابتسم لها بحب وقبل رأسها بعشق جارف ثم همس على رأسها:-
– عيوني لكِ يا ست العاقلين .. حقك بقاا .. هانت، السنة الجديدة هتبدأ وتبقي طالبة جامعية..
قفزت بفرحة وهتفت بسعادة:-
– متعرفش قد أيه أنا فرحانة يا صالح كل ما أفتكر، بعِد الأيام بفارغ الصبر..
ضحك بملء فمه فهي حقًا مثل الأطفال، قال وهو يتحرك يُخرج من وحدة الأدراج بعض النقود وبطاقة إئتمانية، وقال بمرح:-
– بكرا تزهقي وتقولي بالله عليك سيبني أجازة النهاردة يا صالح..
– معتقدش يا أبو الصواليح..
ضحك بحنان على تصرفاتها ومد يده بالأموال وقال:-
– اخرجي وانطلقي واعتمدي على نفسك وروحي الأمكان إللي بتحبيها..
طبعت قبلة قوية على وجنته وقالت:-
– يسلملي الجنتل مان..
– اممم طالما مش هتبطلي شقاوة تبقي تلغي الخروجة دي وأوريكِ أبو الصواليح هيعمل فيكِ أيه..
ركضت مسرعة وهتفت بصوت ضاحك كان يصل لبسمة في غرفتها فيجعلها تغلي ويتعزز شرها:-
– لا يا أبو الصواليح لما أجي بقاا يا حبيبي.
– يووووه .. فكراني مقدرش أجيبك يعني..
تنحنحت وقالت ببعض الوقار:-
– صالح ممكن طلب..
– امم خير تاني..
– ممكن بعد ما أخلص أروح لأسوة، نفسي أشوفها وأطمن عليها..
حرك رأسه بإيجاب وقال:-
– تمام مفيش مشكلة، هتبقى معاكِ العربية بالسواق وهقوله يوديكِ وهكلم مؤمن يبعت حد يقابلكم..
بس مقولتليش أماكن أيه إللي بتحبيها وهتروحيها..
عدت على أصابعها بشغف:-
– هروح النيل وهاكل آيس كريم ڤانليا، وهشرب عصير قصب وبعدين أروح المكتبة بقالي كتير مش اشتريت كتب..
– انطلقي يا عصفورتي وأنا هبقى أكلمك..
– شكرًا يا قرة عيني..
وخرجت مسرعة بفرحة لا تقدر..
بينما صالح فابتسم وهمس:-
– بعشقك يا روح صالح .. هانت يا حبيبي..
تحولت نظراته بإتجاه غرفة بسمة وقال من بين أسنانه:-
– هانت .. خلاص كلها ساعة زمن وأقطع راس الحية إللي كانت في وسطنا عمرنا كله..
أخرج هاتفه وضغط على بعض الأزرار وقال بحسم:-
– يلا متتأخرش دا الوقت المناسب..
بعد مرور ثلاثون دقيقية بعدما انغمس صالح في العمل، رفع رأسه مبتسمًا فور سماع صوت طرقات على باب الغرفة..
– اتفضل..
أطلت بسمة برأسها وقال بمرح مزيف:-
– تسمحلي يا باشمهندس.
– بسبوسة ودا سؤال..!
دخلت للغرفة تحمل كوبًا من القهوة تتصاعد منه الأبخرة ثم وضعته على سطح المكتب وقالت بكذب:-
– لقيتك منعمس أووي وشكلك مُرهق في الشغل قولت أعملك فنجان قهوة تظبط بيه دماغك..
دار حول المكتب وجلس أمامها ثم أخذ يدها بين يديه وقبلها بخفة وقال بمكر خفي:-
– طول عمرك وإنتِ كدا يا بسبوسة بتهتمي بأدق تفاصيلي.
– هو أنا عندي أغلى منك يا صالح، إنت إللي بقيت ليا بعد موت آدم الله يرحمه..
حمل كوب القهوة وأعطى ظهره لها وهو يبتسم بمكر:-
– الله يرحمه يا بسبوسة..
أسند مرفقيه على جدار الشرفة المُعلق بها الكثير من أصص الورود والزروع، تصنع الشُرب والإرتشاف وهو يُلقيها على مهل بداخلها..
هتف بتصنع وهو يمثل الإستمتاع:-
– يا سلام يا أمي.. دايمًا القهوة بتاعتك لها طعم مختلف تسلم إيدك يا غالية عليا..
ابتسمت بسمة بخبث وشر، وقالت بغل مُبطن:-
– بالهنا يا حبيبي..
وتسائلت بإهتمام كاذب:-
– أخبار شغلك في شركات الصياد أيه..
– والله ماشي الحال بفكر أشتري أسهم وأعمل شغلي الخاص..
تفتحت أذانها وقالت بتشجيع:-
– وماله يا صالح بدل ما تشتغل عند إللي اسمه مؤمن ده بصراحة مش برتاحله..
قال وهو مازال على حالته:-
– ليه بس يا أمي دا مؤمن ده حاجة تختلف عن الكل، نجحت معاه .. وبعدين بنشتغل مع بعض مش عنده وهو ماشي بالمبدأ ده..
همست بسخرية:-
– كلها دقايق ولا هتشتغل لا عنده ولا معاه..
التفت مبتسمًا وهو يضع الكوب الفارغ على الصنية وتصنع أنه يمسح فمه، وجاء ليُكمل سير فاختنق وضاقت أنفاسه وتراخت أقدامه واضعًا يده على قلبه ثم سقط تدريجيًا وهو يتلوى ألمًا..
قامت بسمة ووقفت أمامه ليصبح تحت أقدامها وضحكت بأعلى صوتها ثم انحنت نحوه وقالت بفحيح:-
– المنظر إللي كتير اتمنيته .. البيه أبوك والسنيورة أمك من كام سنة كانوا مكانك كدا وداقوا نفس القهوة إللي شربتهالهم…
وعلت ضحكاتها أكثر عندما ارتسمت الصدمة على وجه صالح ببراعة فأكملت وهو يُحرك رأسه نفيًا ولم يستطع الحديث:-
– أيوا أنا قتلتهم وتعرف عملت أيه في البيه أخوك، فضلت أشربه قهوة مليانة مخدرات كل يوم من غير ما أفوت يوم واحد لغاية ما بقى مدمن على الأخر وحالته ميؤوس منها .. أمال فاكرين هسمحلكم تلهفوا الفلوس بتاعة الوصية كلها..
راح جاب بت من الشارع يتجوزها وبقت حامل منه قضيت عليه وخليت بت تضحك عليه وتديه جرعة زايدة لما بقاا زي المجنون ومات فيها، وإنت بتدور عليا وقعت في لعبة تشابه الأسماء وجبت الزباله مراتك وعملت نفس غلطة أخوك يبقى لازم يكون مصيرك نفس مصيره..
أنا كدا ريحت ضميري وبعتكم كلكم تبقوا مع بعض، ميصحش بردوه يا صالح تسيبهم تتبت فيها..
ومتقلقش أول ما السنيورة سارة تيجي هبعتهالك هي وابنك..
أنا كدا جففت نسل أبوك وقضيت عليهم..
أمك وأبوك كانوا بيتلوا زيك كدا بردوه…
سلام يا صالح وابقى سلملي على أبوك وقوله دا جزاء إللي بيرفض بسمة العشري وبيفضّل عليها بنت الشحاتين..
كانت دموع صالح تهبط بغزارة .. يبكي بكاء الرجال، يبكي حسرةً على تلك التي اعتنى بها بعينيه وهي قد قتلت والديه وشقيقه وأذاقتهم العذاب..
يبكي كطفل على فقد والده ووالدته وشقيقه..
أعطته ظهرها دون مبالاة وهمت بالخروج لكن كان صالح يقف معتدلًا ويمسح وجهه بقوة وغلّ، وصاح بقوة:-
– لسه مش دي النهاية يا بسبوسة..
حجظت أعينها والتفتت لتجده يقف بكامل قواه وصحته، ليُفسر رحمةً بها:-
– أيوا كنت عارف دا كله .. كنت عارف إن السيانيد في القهوة .. المرة دي أنا سبقتك بخطوات يا بسبوسة..
غزى الغل قلبها وجاءت تهجم عليه لكن تفاجأت بأعضاء الشرطة تُداهم المكان لتقف بصدمة وهي تدرك أنها النهاية..
لكن لم تُخلق لأجل الإستسلام، خرجت تركض وهي تصيح:-
– مش هتقدر عليا يا صالح .. إنت لازم تموت يا ابن أسما ..
وهي تركض بينما الشرطة تطاردها لم تنتبه وسقطت من أعلى الدرج حتى أسفله لتُصدم رأسها بقوة وترشق أحد قطع الحديد الصلبة التي تُحيط بجانبي السلم بوجهها لتصرخ صرخة هزت أرجاء المكان..
والأرحم لها الموت لكن قضاء الله دائمًا يأتي عادلًا، فيبدو أنها سيُكتب لها العيش مع هذا العذاب بين جدران السجن بإعاقات شتى…
*********
في هذا الوقت كانت سارة تمرح وتفعل ما تتمناه، ظلت تشاهد النيل بعقل شارد مدة النصف سارة تتذكر كل الأحداث منذ أن قابلت صالح حتى الآن..
ثم أخذت تأكل المثلجات بنهم، وبعد ذلك ذهبت لأحد المولات العريقة المتكاملة وظلت تتفتل بها وتشاهد كل ما تقابل حتى ولجت لأحد المكتبات فأخذت تنتقي الكُتب بنهم وتبضعت أعدادًا لا بأس بها..
أثناء خروجها لمحت لافتة لطبيبة نسائية، روادتها فكرة ما لكنها تراجعت وسرعان ما حسمت أمرها..
وضعت يدها على معدتها وقالت:-
– عايزة أطمن عليه وأشوفه .. يلا مش هخسر حاجة..
صعدت حتى موقع الطبيبة وأملت أسمها لفتاة الإستقبال وجلست تنتظر دورها، قالت بفرحة:-
– هخليها تصوره وأفاجىء صالح بالصور..
– مدام سارة … اتفضلي..
وثبت سارة بقلب مضطرب ودخلت غرفة الطبيبة وهي تُسمي الله، أشارت لها الطبيبة بوجه بشوش مريح، فقد كانت طبيبة بمنتصف الخمسون من العمر تقريبًا..
– اتفضلي يا بنتي، ألف سلامة عليكِ.
ابتسمت سارة وقالت باستحياء:-
– أهلًا بحضرتك يا دكتورة، بصراحة أنا حامل من فترة وكنت عايزة أطمن على البيبي وأشوفه..
ابتسمت لها الطبيبة برفق على حماسها وقالت:-
– ربنا يكملك على خير يا سارة، مفيش مشكلة نطمن على البيبي ..
وأشارت للفراش الطبي قائلة:-
– اتفضلي..
استلقت على الفراش ببعض التوتر والحماس وكشفت عن بطنها وساعدتها الممرضة..
– الحمل طبيعي يا سارة؟
– لأ .. نتيجة التلقيح الصناعي..
أشارت الطبيبة برأسها ووضعت سائل الجلّ على معدتها المسطحة ثم بدأت بالفحص..
وفورًا بعد دقيقتان تلبدت ملامح الطبيبة بالتعجب وبدأت تُكثف الفحص وتقترب أكثر من الشاشة ثم تضغط على بطن سارة بقوة حتى تسلل القلق لقلبها فتسائلت بصوت مرتعش:-
– في أيه يا دكتورة طمنيني.
ألقت الطبيبة سؤالًا نزل على أُذن سارة كالصاعقة:-
– إنتِ متأكدة إنك حامل يا بنتي..؟!
اعتدلت بصدمة وقالت بفزع:-
– إنتِ بتقولي أيه .. بقولك أيوا حامل ومن تلقيح صناعي كمان.. قصدك أيه..!!
حركت الطبيبة رأسها بنفي قاطع وقالت بيقين جعل قلب سارة يهوي صريعًا وتقاذفتها رياح الحيرة والجنون:-
– للأسف يا بنتي مفيش أي حمل، حتى مفيش أي حاجة تدل إن كان في حقن، وإنتِ لسه بنوتة..
مفيش أي جنين دخل الرحم..
– مستحيل..!!
