رواية اسيرة زعيم المافيا الفصل السادس
مطاردة الظل
لم يكن الليل كريمًا معها.
السيارة السوداء تشق الطريق بسرعة ثابتة، والمدينة تمرّ خلف الزجاج كوميضٍ بلا روح.
جلست ليان في المقعد الخلفي، تحدّق في الظلام، بينما أصابعها تعتصر القلادة الصغيرة التي تركها سليم في يدها، كأنّها خيط نجاة في بحرٍ لا يُرى قاعه.
كان الصمت ثقيلاً… لكنه ليس هادئًا.
كل دقيقة تمرّ كانت تشعر أنها تبتعد عنه جسديًا، وتقترب منه شيئًا فشيئًا على مستوى آخر… مستوى لا يمكن قياسه بالمكان.
قال السائق بصوتٍ منخفض عبر المرآة:
"سنصل إلى النقطة الآمنة خلال عشر دقائق."
أومأت دون أن تتكلم.
كانت تفكّر في جملة واحدة قالها لها:
«إن لم تعودي… فلن أكون أنا.»
لم تفهمها بالكامل، لكنها شعرت بثقلها على صدرها كأنها وعد وخطر في آنٍ واحد.
في القصر، لم يكن سليم واقفًا على الشرفة كما اعتاد.
كان في غرفة العمليات، محاطًا برجاله، والخرائط تملأ الجدران، وأجهزة الاتصال لا تتوقف عن بثّ الأخبار.
قال آدم بقلق:
"تحركات رائد الحربي تزايدت، يبدو أنه عرف بخطة الإخراج."
رد سليم ببرود:
"هو يعرف كل شيء… لكنه لا يعرف النهاية."
رفع أحد الرجال رأسه:
"هناك سيارة مشبوهة تتبع موكب ليان."
تجمّد الهواء للحظة.
ثم قال سليم بصوتٍ منخفض لكنه قاطع:
"حوّلوا المسار… وشكّلوا دائرة حماية."
ثم أضاف وهو ينظر إلى الشاشة التي تعرض موقع السيارة:
"وإذا اقتربوا أكثر… أوقفوهم بلا ضجيج."
لكن داخله لم يكن هادئًا كما يبدو.
على الطريق، شعرت ليان بأنّ شيئًا ليس طبيعيًا.
السيارة خلفهم لم تختفِ منذ دقائق.
قالت للسائق بهدوءٍ مشوب بالخوف:
"هل نحن مراقبون؟"
لم يجب مباشرة، ثم قال:
"ربما."
في اللحظة التالية، ارتفع صوت جهاز الاتصال في السيارة:
"غيّر المسار فورًا، هناك محاولة اعتراض."
تسارعت دقات قلبها.
لم تكن تريد أن تعود إلى القصر… لكنها لم تكن تريد أن تُختطف أيضًا.
قال السائق:
"تمسكي جيدًا."
انعطفت السيارة بسرعة إلى طريق جانبي مظلم، والأضواء خلفهم ازدادت.
وضعت ليان يدها على صدرها، وهمست لنفسها:
"سليم… أين أنت الآن؟"
في القصر، كان سليم يقف أمام الشاشة، عينيه لا تفارقان النقطة التي تمثلها ليان على الخريطة.
قال آدم:
"نستطيع إرسال فريق إضافي."
رد سليم دون أن يرفع نظره:
"أرسلت."
ثم أضاف بصوتٍ خافت:
"ولو فشلوا… سأذهب بنفسي."
نظر إليه آدم بدهشة:
"هذا خطر."
التفت إليه سليم، وقال بهدوءٍ يحمل تهديدًا غير معلن:
"الأخطر أن أفقدها."
على الطريق، توقّفت السيارة فجأة عند حاجز غير متوقّع.
سيارتان سوداوان أغلقتا الطريق.
قال السائق عبر الجهاز:
"تمت محاصرتنا."
فتحت ليان باب السيارة قبل أن يمنعها، خرجت بخطوات ثابتة رغم ارتجافها الداخلي.
رأت رجلًا يقترب، ابتسامة باردة على وجهه.
قال بهدوءٍ مستفز:
"آنسة ليان… زعيمنا يودّ التحدث معك."
رفعت رأسها بشجاعة:
"قول له إنّي مش بضاعة تتنقل بينكم."
ضحك بخفة، ثم قال:
"لكنّك الورقة الأغلى."
مدّ يده إليها، لكنها تراجعت خطوة.
في تلك اللحظة، دوّى صوت سيارات أخرى.
رجال سليم وصلوا.
تحوّل المكان إلى ساحة توتر مشحونة.
أصوات أوامر، حركات سريعة، وعيون تراقب بعضها.
اقترب قائد فريق سليم وقال بصوتٍ حازم:
"آنسة ليان، عودي إلى السيارة فورًا."
لكن قبل أن تتحرك، جاء صوت عبر جهاز الاتصال المحمول في يد الرجل الآخر.
صوت تعرفه جيدًا…
صوت سليم.
"لا تلمسوها."
تجمّد الرجل للحظة، ثم قال بابتسامة ساخرة:
"سليم باشا بنفسه؟ يبدو أنك مهتم جدًا."
رد سليم بصوتٍ هادئ لكنه مخيف:
"اهتمامي يعني نهايتك."
ثم قال موجّهًا حديثه لليان عبر الجهاز المفتوح:
"ليان… هل أنتِ بخير؟"
شهقت حين سمعت صوته، وقالت بصوتٍ متماسك:
"أنا بخير."
قال:
"انظري خلفك."
التفتت، فرأت السيارة السوداء التي تعرفها… سيارته.
كان هو داخلها.
نزل سليم ببطء، خطواته ثابتة، ونظراته لا تعرف التردد.
تقدّم نحوها، وقف أمامها، ثم نظر إلى الرجل الآخر ببرودٍ قاتل.
قال:
"انتهت اللعبة."
نظر الرجل بسخرية:
"تخاطر بنفسك من أجل فتاة؟ لم أعرفك هكذا."
اقترب سليم خطوة، وقال بصوتٍ منخفض:
"وأنت لا تعرفني حين أقرر."
مدّ يده إلى ليان، جذبها خلفه بحركة هادئة لكنها حاسمة، كأنه يعلن ملكيته للعالم أمام الجميع.
قال لها بصوتٍ خافت:
"قلت لكِ إنك تحت حمايتي."
شعرت ليان بشيءٍ يشبه الطمأنينة والخطر في آنٍ واحد.
بعد دقائق من التوتر، انسحب رجال الخصم، تاركين المكان مثقلًا بالأسئلة.
جلس سليم في السيارة بجانبها، صامتًا.
أما هي، فكانت تنظر إليه وكأنها ترى رجلاً مختلفًا تمامًا عن ذلك الذي تركها منذ ساعات.
قالت بهدوء:
"لماذا جئت بنفسك؟"
لم ينظر إليها، بل إلى الطريق أمامه، وقال:
"لأن الخطة فشلت."
قالت بإصرار:
"وليس هذا السبب الحقيقي."
التفت إليها أخيرًا.
نظراته كانت عميقة، متعبة، لكنها صادقة على نحوٍ مؤلم.
قال:
"أنا لا أخسر ما أختار حمايته."
صمتت للحظة، ثم سألت:
"وأنا… ماذا اخترت؟"
نظر إليها طويلًا، ثم قال جملة جعلت قلبها يتوقف لحظة:
"اخترت أن تكوني المشكلة الوحيدة التي لا أريد حلّها."
عادوا إلى القصر.
لكن هذه المرة، لم تشعر ليان بأنها تعود أسيرة.
شعرت بأنها تدخل عالمًا اختارها هو، رغم أنه يعرف أن اختياره قد يدمّره.
وفي غرفته، وقف سليم قرب النافذة، وليان خلفه.
قالت بصوتٍ خافت:
"لو كنت أعلم أن وجودي سيشعل حربًا… لما بقيت."
التفت إليها ببطء، وقال:
"الحرب كانت مشتعلة قبل أن تأتي… أنتِ فقط جعلتِها شخصية."
اقترب منها خطوة، ثم توقف، كأنه يخشى أن يتجاوز خطًا غير مرئي.
قال بصوتٍ منخفض:
"ليان… العالم الذي دخلتِه لا يعرف الرحمة."
قالت بهدوء:
"وأنت؟"
نظر إليها، ثم قال بصراحةٍ موجعة:
"أنا استثناء خطير."
وفي تلك الليلة، فهمت ليان أن قصتها لم تعد قصة فتاة أسيرة…
بل قصة فتاة أصبحت قلب صراعٍ بين رجال لا يعرفون الرحمة،
وقلب رجلٍ لا يعرف كيف يكون ضعيفًا… إلا معها.
والأخطر…
أنها لم تعد متأكدة إن كانت تريد النجاة من هذا العالم…
أم البقاء فيه لأجله.
