رواية الصمت الباكي الفصل الواحد والستون
“ألا تعلمين أن قلبي هذا مسكينٌ يا أمي، لذا فصدقة حُبك هو أحقُ بها، فالتُخرجيها له.”
– مــؤمـــن الصــيــــاد.
أشحذ الليل النهار وفرد ثوبه الكُحلي فأبخس النور وحلّ ظلام مُمطر هادىء بلسعة برودة خفيفية تُقشعر القلوب والأبدان..
الهموم لا تُميت عواطف القلوب وقلبه يعج بعواطف استروحت بمحيطه وتمددت ولا فِرار منها.
وقف بطوله الفارع وسط الظلام والبرودة يبدو عليه الصمت والهدوء لكن النفس عامرة بالضوضاء..
صمته دائمًا باكي بشتى الأوجاع..
ليلٍ كموج البحر أرخى سُدُله
عليّ بأنواع الهموم ليبتَلى.
تنفس بعمق متنهدًا ينظر للسماء الواسعة المُظلمة وكأنها تشاركه ظلمته لكن دائمًا هناك نهاية لظلام الليل، إذًا فمتى نهاية ظلامه؟!
همس بصوت متهدج وانبعاثات الماضي لا تبرح عنه:-
– إنت كنت شاهد على كل حاجة من البداية..
إنت أكيد لك حكمة من دا كله..
ثم رفع كفه وضغط فوق قلبه وقال:-
– بس أتمنى ماتعجلش بنهايتي قبل ما كل حاجة تنتهي.. وهنا يكون طريقي انتهى ….. يارب.
ابتسم بخفة وذكريات العشر سنوات الأولى من عمره تطوف من حوله فقال بشوق:-
– أبي … وحشتني أووي يا قاسم باشا ياريتك كنت موجود، ذكرياتك معايا هي كانت المُسكن على المُر، كلامك كله وصوتك لسه بيرن في عقلي..
وشمل الغابة من حوله بنظرة وخاصةً الجهة الشرقية وأكمل:-
– وكل مغامرتنا هنا في الغابة حاضرة دايمًا قدام عيني، ودا السبب إللي خلاني استحمل سنين سجني واصبر واشتغل وأواصل علشان أعيش الباقي من عمري هنا وسط ذكرياتك وأخر مكان كنا في هنا..
روحي كانت متعلقة بيك أووي يا قاسم باشا وكنت ومازلت مثال أعلى وقدوة ومعجزة .. بيقولوا إنّ قتلتك ميعرفوش إني اتقتل بموتك بين إديا ولسه بشوف دمك عليها..
أنا وصلت للكلب إللي خدك مني وكنت ناوي اشربه العذاب ألوان وأدفعه تمن إللي عمله بس الكلب هرب..
بس متقلقش هوصله لو أخر حاجة هعملها في حياتي..
وجميلة سابتني واتخلت عني بدل المرة اتنين..
ولقيت ليلى وأخيرًا بقاا عندي حد..
انتقل ببصره إلى المُلحق الذي مازال ضوءه مشتعلًا، يعلم أن لديها اختبار بعد الغد ومازالت مستسقظة..
سار للداخل ثم هبط لأسفل ودخل ركن المطبخ وغاب لبعض دقائق ثم خرج وبيده شيئًا..
خرج من القصر متجهًا للمُلحق وعندما اقترب توقف متخشبًا يستمع لأشياء سُجلت بذاكرته ومُحال محوها..
كانت أسوة قد أخرجت دفتر مُذكراتها وأخذت تكتب وهي تُردد بصوت هادىء أسفر عن ما يتمناه قلبها..
– أريده رفيقُ دربٍ هيِّن الطِباع، ليِّن الحَديث، كالطَيفُ لا يُثقّل الكهِّل، ولا يُثيرُ الفوضى في عُمري، ولا يُضيُّقُ العُمر عليّ، ولا يُصّعب عليّ الصِعاب، يُعاملني بالحُسنىٰ، ويَدفع أذى الدُنيا عني بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، أستَند عليه وكأنهُ أكثر الأشياء ثباتًا في هذا الكَون، ألوذ بـ الأُنسِ بهِ، وأعتصم بقُربهِ، يجعلني أنطلق في الطَريق بعزَّة.
يَتقبّل عاديتيّ المُفرطة، يفهَمُ قَلبي، ويُحب عَقلي، ويَنصُت إلى صَمتي، ويَبتسم علىٰ شرودِ ذِهني.
يعلمُ أنني طفوليّة التصرُف، ناضجة الفِكر، ثِرثارة، بطيئة الفِهم، ورغم كُل هذا ” يراني مُعجزة “.
يتشبثَ كُل يوم بي أكثر، يشدَّ وثاقي نحو الجنَّة ويشدَّ أزري نحو القِمَّة، يهوِّن عليّ مشقَّة الطريق إلى اللّٰه ولا يُغرّبني، يكون لي وطَن، ألوذ بهِ وإليه، يُرافقني في غَسق الدُجى ويُعانق ضَعف قلبي ويهمس لي قائلًا: إنما الرِفاق للرفاق أوطان، أَنَا معكَ فَلا تَبْتَئِسْ.
أريدهُ مؤمنًا فعلًا وقولًا واسمًا..
أريد منزلًا صغيرًا دافىء، بجُدران بيضاء، وفِراش أبيض وأسِرة بيضاء، ثم ركن أبيض صغير أطهو به طعامه المُحبب .. أريد كل شيء باللون الأبيض لتكون حياة صافية نقية هادئة..
أريد السير معه من بداية الطريق وخوض مغامرتنا معًا، نتشارك كل تفاصيل يومنا وبنهاية اليوم ألوذ لأحضانه فأضع رأسي على قلبه وأخلد لنومي يُهدهني دقات قلبه التي تصرخ بعشقي..
ألم أقل لكم أريــــــدُ مـــؤمــنًـــا..!
من الأساس كان قد تسربل قلبه بعشقها منذ الأبد، ابتسم بحب ثم طرق على الباب بخفة فاتسعت إبتسامة أسوة وأغلقت دفترها ثم دسته أسفل كُتبها مُسرعة، عدلت من شعرها ووقفت تفتح الباب بشوق نطق به عينيها..
وجدته حاملًا كوبًا من القهوة مستندًا على حافة الباب يرتدي سُترة رمادية أعلى بنطال أسود فخفق قلبها بشدة، وهو فعيناه ثابتة عليها مأخوذة مبهورة.
حمم يستدعي ثباته الذي افتقد منه الكثير وتسائل:-
– هتسمحيلي أدخل بيتك يا عسبرة ولا الوقت اتأخر..
ابتسمت بشغب واستندت تميل على الباب وهتفت بتمثيل وهي تعض على شفتيها بدلال:-
– بصراحة خايفة حد يظبطنا مع بعض في وقت متأخر زي ده .. هيقولوا أيه عليا..!!
ولا افرض جوزي قفشنا .. تؤ تؤ…
للمرة الأولى ينفجر ضاحكًا بضحكة مرتفعة حتى أن رأسه عاد للخلف وضاقت عيناه، تأملته أسوة بشغف وفرحة غامرة وقلب يصرخ عشقًا ومالبثت هي الأخرى حتى انفجرت ضاحكة بشدة واضعة يدها على فمها في محاولة لتثبيط ضحكتها … واختلطت ضحكاتهم حتى أسند مؤمن جسده على الحائط واضعًا يده على صدره..
نطق بصعوبة وهو يُهدأ من قلبه:-
– صحينا النايمين بسببك يا عسبرة..
تنفست بهدوء وهي مبتسمة وقالت:-
– وهو أنا عملت أيه!!.
– كنتِ بتضحكِ على أيه.؟
– على ضحكتك.
– مالها؟!
– جميلة وحلوة أووي!
قالتها مسرعة بتلقائية فالمرات التي رأته بها يبتسم بخفة تُعد على الأصابع..
اخفضت رأسها بحرج واحمرت وجنتيها فاقترب منها وهي عادت للخلف حتى دخلت للملحق واتبعها ثم أغلق الباب..
رفعت رأسها نحوه وتسائلت بتوتر محاولة صرف انتباهه عن تفوهاتها الغبية:-
– وإنت كنت بتضحك على أيه!!
ضحك مرةً أخرى وهتف وهو يجلس ووضع كوب القهوة بجانب كتبها وقال:-
– بضحك على يظبطنا ويقفشنا..
جلست أمام كتبها ورفعت كتفيها وهتفت بمرح:-
– أي خدعة .. علشان تعرف بس قيمتي..
يود لو أن يجود بما في قلبه ويصرخ لها بأنه يُقدر أنفاسها في الحياة ويُعزز لذائذ الوصال بينهم لكن قريبًا فقد هان وهاما بها..
جرفها ببصره في لمحة واحدة حقًا إنها فتنة في ثوب إمرأة .. وحبهم أعظم من الحُب الذي تغنى به الشعراء..
أشار برأسه للقهوة وقال:-
– طب اشربي..
عقدت حاجبها بتسائل وهتفت:-
– إنت عملتها ليا..!!
التفت وتسائل يتهرب من الحديث:-
– يزيد نام..
حركت رأسها بدون فائدة وقالت مبتسمة:-
– من زمان..
اشتمت رائحة القهوة بعمق وقالت بتعمد:-
– بتفكرني بريحة القهوة إللي كنا بنجيبها من عطارة خالتو جميلة، بس قهوة جميلة الجميلات كانت بتحمصها بإديها وتصحنها بكل حب للطلبة يمكن علشان كدا كان بيبقى لها طعم مميز..
يعلم عن من تتحدث جيدًا .. بهدوء سحب كتابًا من أعلى المكتب بلامبالاة لتُكمل أسوة وهي تتامله:-
– خالتو جميلة كانت جارة سارة صاحبتي ومرات صاحبك وكانت قريبة منها جدًا وبتحبها وهونت عليها كتير .. بجد حنيتها وافرة..
استفهم باهتمام تلك المرة وهو يريد أن يقطع الشك باليقين:-
– بتقولي كان لكِ صاحبة تانية ومعاكِ تقريبًا في الكلية..
هتفت أسوة ما أكد لمؤمن شكوكه:-
– ليلى .. صاحبتي الوفية، متعرفناش من كتير يادوب تلت سنين بس حقيقي مش بالمُدة، وحشتني جدًا..
– ما إنتِ روحتي الكلية كذا مرة، ليه ماقبلتهاش..!
– اتعمدت إن اختفي من قدام ليلى ولا أقابلها ولا مرة وحتى اكتفيت أروح أجيب إللي ناقصني من الكلية ومظهرش لليلى ولا أواصل الدراسة في الكلية وقولت هذاكر لواحدي، كانت الفترة الأولى إللي إنت أخدتني فيها وروحت عند الأعور .. خوفت على ليلى .. خوفت يعرفوا إن ليا علاقة بيها فيأذوني فيها علشان كدا بعدتها عن دايرتي..
كل مرة تصدمه بتفكيرها وعقلها ووفائها، امتلئت أعينه بالفخر وتسائل بغموض لحاجةً في نفسه:-
– وكانت ليلى هيا كمان بتروح تجيب قهوة..؟!
– لا …ليلى مكانتش تعرف خالتو جميلة لأنها من الحارة إللي ورانا فكانت بعيدة عننا..
همس بوجع داخله:-
– كلهم بيحكوا عن حنانك وحبك يا جميلة وابنك وبنتك عاشوا محرومين..
“ألا تعلمين أن قلبي هذا مسكينٌ يا أمي، لذا فصدقة حُبك هو أحقُ بها، فالتُخرجيها له.”
تسائلت أسوة بحماس:-
– أهل مصطفى هيجوا بكرا صح.؟.
– مالك متحمسه ليه كدا.!
– أللاه مش هنجمع راسين في الحلال، وبعدين فرحانة لصفية بصراحة، وكمان الدكتور مصطفى شكله بيحبها…
قال بحسم أخافها:-
– قبل ما الناس دي تيجي بكرا تقفلي عليكِ باب الملحق إنتِ ويزيد وملمحش طيفك براا.!
**********
قبل حلول الليل كانت تدخل من بوابة الفيلا بداخل السيارة، هبطت بخطوات بطيئة جدًا وعقل شارد مازالت في قوقعة صدمتها لم تخرج بعد!
المكان صامت هادىء جدًا، دخلت الفيلا الذي كان بابها نصف مغلق فتعجبت من الظلام والهدوء اللذان يغرقان به المكان..
التمست طريقها على الضوء الضعيف وجاءت لتصعد السلالام فصُدمت بوجود صالح جالس على أحد الدرجات السفلية بأكتاف متهدلة ورأس منخفض وذراعيه مستندان على ركبتيه بتعب يشع من هالته..
رغم ألمها إلا أنها سعت إليه بخوف وهي تجلس بجانبه..
– صالح .. حبيبي مالك..!
رفع رأسه نحوها فصُدمت مما رأت وعَلا وجيب قلبها من أعينه الغائرة المليئة بالدموع والخذلان..
رق قلبها وترقرق دمعها فهتفت بخوف وقلق:-
– صالح .. فيك أيه يا حبيبي، أيه إللي حصل؟
هتف بصوت منكسر ضعيف وهو الذي دائمًا كان راسخًا كالجبال، أهذا الذي أذاقها من غضبه ألوان عندما رأها لأول مرة:-
– قتلت كل أهلي .. أمي وأبويا وأخويا .. المجرمة..
المجرمة إللي فضلت أهتم بيها وأحبها زي أمي..
أنا طلعت حياتي كلها عبارة عن خدعة..
احتضنت رأسه بلهفة وحنان وألقى نفسه بأحضانها بحاجة مريرة، حركت يديها على ظهره ورأسه بحنان وحب وقالت بحيرة:-
– هي مين يا صالح احكيلي يا روحي..
استقرت رأسه على صدرها وبدأ يسرد لها الحكاية من بدايتها حتى الآن، وسارة ما بين صدمة وحزن وألم..
صاحت بغضب شديد:-
– ربنا ينتقم منها يارب .. حسبي الله ونعم الوكيل فيها..
واخفضت نبرة صوتها أكثر بحنو:-
– الحمد لله ربنا بعدها عنك يا صالح، ومتنساش إن ربنا مش بيسيب الظالم أبدًا …ربنا كبير يا حبيبي وأنا معاك وهفضل معاك العمر كله إن شاء الله..
دايمًا الضربة القوية بتبقى من أقرب الناس لنا، ودايمًا الخديعة بتكون منهم بردوة..
– نار جوايا يا سارة .. نار مش بتنطفى لما عرفت إن عايش السنين دي كلها مع إللي حرمتني من أهلى وأخويا إللي اتحرم من شبابه..
– في حاجة ناقصة لسه صح!!
نظر لها بتعجب فوضعت يدها على معدتها وقالت بعتاب:-
– ليه كذبت عليا.!
– إنتِ عرفتي.؟
– أيوا عرفت يا صالح، بس ليه.؟!
ابتعد ثم هتف بحاجبان معقودان وجدية وحب:-
– مش هان عليا يا سارة أحط حتة مني جواكِ غصبًا عن طريق الطب .. زي ما أنا اتمنيت وزي ما إنتِ اتمنيتي إن ولادنا يجوا بطريقة طبيعية .. بالحب واللهفة يا عصفورتي ..
اضطريت أعمل كدا علشان أتخلص من الحية دي..
بعد ما اتخدرتي لغيت الفكرة ومقدرتش أكمل، مقدرتش إن ابننا يكون بالطريقة دي أبدًا..
على قدر حزنها من خداعه إلا أن إجابته كانت مُرضيه لها ولقلبها لأبعد حد، دمعت عيناها ورمت نفسها بين أحضانه فاحتواها وأخذ يُمسد على ظهرها بحنان وقال:-
– مقدرش أبدًا يا عصفورتي أزعل قلبك ولا أتجاهل رغبتك…
انغمست بأحضانه أكثر وهمست بنبرة أطاحت بعقله:-
– بحبك يا صالح، قلب عصفورتك ملكك وبس.
حملها بين يديه وقال بمرح:-
– طب يلا بينا علشان عيالي يجوا بقاا..
ضحكت بصوتها كله وقالت:-
– خيوط الشمس أقربلك يا حبيبي، لسه أما نعلن الجواب..
– قريبًا يا عصفورتي، هانت..
**********
دخل ليث المنزل بتعب .. ألقى المفاتيح على المنضدة القريبة وألقى بجسده على أقرب أريكة بإرهاق..
أخذ عقله يدكِر الإثم الحميم الذي وقع به … ليلاه …
المتعجرفة التي يمتلىء قلبه بحبها وهي تسقيه الجفاء سُقيًا..
عندنا سمعت ليلى صوت غلق الباب هرعت للخارج وشعرها الأصهب يحتضن وجهها، وقفت أمام ليث الذي لم يتلفت لها فهتفت بضجر وهي تضع يدها بخصرها:-
– هتفضل داير وشك عني كتير..
مدد جسده على الأريكة وقال:-
– ابعدي عني يا ليلى الساعادي .. ولا روحي شوفي مذاكرتك وإللي وراكِ…
– الحيطة هي إللي ورايا..
تستفزه لأبعد الحدود، قفز من مكانه واقترب منها بغضب لتُهاجمه طلتها التي أذابت قلبه، تأملها بهدوء فابتلع ريقه بصعوبة محاولًا التحكم في تلك العاطفة الحارقة التي تفجرت داخله من بين بقاع الكتمان، كانت ليلى تقف واضعة يديها بخاصرتها وترتدي ما يُسمى (سلوبت) من القماش وتركت العنان لخصلاتها الثائرة..
ابتسمت بخبث وهي ترى تأثره بها وأثر سطوها فوق قلبه، اقتربت منه ووضعت يدها على صدره، ثم همست أمام وجهه بنبرة تُذيب الحجر:-
– قولت لمؤمن.!
فارت نيران غضبه الآسنة وخرج من بؤرة تأثره التي ألقته بها فأبعدها عنه بحدة، وهتف من بين أسنانه:-
– مش من مصلحتك إللي بتعمليه ده، وأوعي تفكري إللي عملتيه هيعدي بالساهل كدا، أحسنلك متخرجيش قدامي تاني..
قالت بعناد لا يأفل:-
– هتعمل أيه يعني .. عرفني..
هتف بتحذير وهو يُسيطر على لجام غضبه:-
– ابعدي عني أحسنلك يا ليلى.!
– ليث إنت ليه مش فاهمني..!
التفت إليها وقال مُحملقًا فاغرًا فاه:-
– افهم أيه بالظبط .. علاقتنا إللي قايمة على المصلحة، ولا إنك كنتِ منيماني على وداني وعايشة وسط شوية ضباع..
طب بلاش أنا .. كنت حتى قولي لمؤمن، وقبل ما تبدأي اسطوانتك وتقولي هو فين والكلام ده..
إنتِ متعرفيش حاجة عنه ولا تعرفي هو بيواجه أيه، مجرد ما قولتيله على صاحبتك صفية وهو قلب الدنيا عليها .. بس هو أكتر حد في الدنيا دي بيحبك وبيخاف عليكِ ومستعد يضحي بعمره علشانك، على الأقل كنتِ عرافيه .. احكيله..
تعرفي أنا مقولتلوش ليه..!!
مش علشان خاطرك .. لا .. علشان خاطره هو..
علشان لو كان عرف بحاجة زي دي كان هيحمل نفسه الغلط والمسؤولية وهيدخل نفسه في دوامة مش هيخرج منها سليم..
ورطتي نفسك مع شيطان اسمه داغر أشهر من النار على العلم في الوساخة وعنده شبكة دعارة في كل بلد..
دخلتي مكان قذر مأخدتيش بالك من النظرات القذرة إللي كان كل واحد بيستلمك فيهم شوية ويلتهموكِ بعيونهم الوسخة وآخرهم القذر داغر..
ارتدت للخلف وكان وقع كلماته على قلبها حادًا قبضت على كفيها مغمضة جفونها بشدة وهي تشعر أن لا خلاص مما وقعت به..
بعد أن علمت من هي تاهت أكثر..!
أُم لا تعلم من هي للآن..!
شقيق يُبقيها سرًا لأجل لا مُسمى…
وبالنهاية حبيب غاضبٌ منها..
جاءت تتحدث لكن قاطعها رنين هاتف ليث اللحوح، أخرجه ليث وأجاب على الفور لمكالمة كان ينتظرها..
– الأخبار..
– ليث باشا … أخبار مهمة، وصلنا معلومات إنهم مهربين عبر الجو مش البر..
تحرك ليث بعنفوان وهو يجذب مفاتيحه وقال بهمة:-
– طب اتحركوا .. ابعت فرفة للمطارات ويكون بملابس مدنية مش لبس الشرطة وأنا دقايق وأكون في المطار علشان التعليمات..
التفت لها وصاح بتحذير:-
– حذاري يا ليلى تخرجي براا البيت أو تفتحي لأي مخلوق يخبط على الباب..
شعرت بالخوف لكن تلك المرة لأجله ورعدة سرت في أوصالها، نادته بلهفة ونبرة باكية:-
– ليث..
أطبق جفنيه بشدة والتفت إليها وعندما وقعت أنظاره عليها لم يتحمل قلبه وجذبها إليه فألقت نفسها بين أوطانها في أحضانه وهمست:-
– أنا خايفة يا ليث .. متزعلش مني..
مسد على شعرها الأحمر وكوب وجهها بحنان ثم هتف بنبرة حانية:-
– ليلاي …حبيبي .. مش هغيب وهرجع عالطول بس إنتِ اسمعي كلامي يا ليلى علشان خاطري..
– حاضر حاضر والله بس متغيبش..
قبل رأسها وهمس:-
– وعد يا سُكري..
وخرج من المنزل لتظل ليلى وحيدة بعد أن ظلت فراولة الليلة عند شقيقتها، همست للمرة الأولى وهي تشعر بالخطر يتربص بهم الدوائر:-
– في حفظ الرحمن يارب احفظه بعينك التي لا تنام..
**********
خرجت سلوى تتلحف بسواد الليل ثم انزوت خلف أحد الأشجار ورفعت هاتفها خِفيةً فجاءها صوته المترقب.
– أيه الأخبار..
قالت سلوى مُسرعة وهي تتلفت من حولها:-
– زي ما قولتلك .. أكيد في علاقة بينهم وعلاقة اتخطت التلامس والأحضان، شوفتها في حضنه في المكتب وبعد نص الليل راحلها المُلحق..
بس معرفش طبيعة العلاقة … هل علاقة كدا وخلاص ولا في أكتر في الحرام .. أو ممكن يكون اتجوزها في الفترة إللي غاب فيها..
رد الطرف الأخر بحدة وغضب أعمى:-
– إللي زي ده بعد إللي عمله أكيد مش هيكون ليه ألا في الحرام وبس..
– أنا قولت كدا لأن عمره أبدًا ما كان ليه علاقة نسائية، دي المرة الأولى .. بس هنا البنات إللي في القصر بيتهامسوا وبيقولوا واضح عليهم إنهم بيحبوا بعض، فممكن يكونوا بيحبوا بعض..
تسائل وهو يتجاهل كلامها:-
– ماعرفتيش كان فين الأيام دي..
– حاولت بس معرفتش..
– حطي عينك عليهم وقوليلي الأخبار أول بأول، البنت دي اسمها أيه..؟
– عرفت اسمها بعد محاولات، أسوة محمد الخطيب..
صُدم الأخر حين سمع الأسم، مُحال أن تكون هناك علاقة حميمية تربطه بابنة قاتل والده..؟
إذن هناك شيءٌ ما في هذا الأمر..!
************
– أهلًا بعاصم باشا الشامي..
ابتسم الأخر بمكر وهتف وهو يُحرك رأسه:-
– مؤمن الصياد يا محاسن الصدف..!
