رواية الصمت الباكي الفصل الثاني والستون 62 بقلم ساره نيل


     رواية الصمت الباكي الفصل الثاني والستون 

خرجت الشمس من مخدعها بخيلاء تبُث الأشراق بكل نفوس العالم، صباح مغمور بالرضا وبعض الخوف والترقب، صباحٌ ستبدأ به المعارك التي ستوصلنا للنهاية.
جلست أسوة بلباس الصلاة على مقعد بجوار الشُرفة بعدما انتهت من الصلاة، نظرت لكتاب الله الذي على فخذها بعيون شاردة بعض الشيء تلمع بدموعٍ خفيفية..
رفعت رأسها تنظر لزرقة السماء المُلطخة ببياض السُحب، رددت بصوتٍ هادىء خفيض:-
– متزعلش مني يارب على إللي فات، أنا كبرت ملقيتس حد يعلمني الصح من الغلط بس رعايتك كانت معايا خطوة بخطوة، الأيام هي إللي كانت بتعلمني أول بأول، كنت بتبعتلي الناس اللطيفة الكويسة وإللي اتعلمت منهم كتير، لولا سترك يارب ورحمتك بيا كان ممكن يكون مكاني مختلف دلوقتي..
عشت محرومة من الحب وجعانة حنان .. لا أب ولا أم ولا أي سند بس إنت كنت سندي الوحيد وإنت تكفي يا الله…
لمعت أعينها بالإمتنان والحُب وأكملت:-
– بس الحمد لله كتبتلي أعيش الحب والاستقرار أخيرًا مع إني لا أعرف أنا مين ولا أصلي أيه بس أنا سيباها عليك وإللي عندك خير وأبقى..
اكتفيت أفضل أدور حولين نفسي وأهمّ نفسي وأحزنها، من حقي أعيش بسعادة وأرمي كل الوحش ورايا، حقيقي تعبت من التفكير ومعدتش عايزة أتعب نفسي بيه..
هو كمان حياته مكانتش مختلفة عني بل هي أوجع ومؤلمة بجد .. حتى لغاية دلوقتي مقدرش يفتحلي قلبه ويحكيلي .. ولولا إن عرفت عن طريق الصدفة..
يا ترى خالتي جميلة اختفت تاني ليه .. ياااه مين كان يتوقع إنها تكون والدته .. الدنيا صغيرة أووي..
يارب احفظه وإحميه هو الحاجة الوحيدة إللي ليا في العالم ده ومش هستحمل أتحرم أبدًا منه..
حُبي ليه هيكون دايمًا بدعائي ليه..
تنهدت براحة وجرى الحماس بدماءها وهي تتذكر أن اليوم سيأتي أهل مصطفى لطلب صفية، وضعت المصحف على كُتبها وخرجت بحماس من الملحق..
سارت بفرحة على البساط الأخضر وسط الطبيعة التي تتخللها أشعة الشمس الدافئة فكانت حبات الندى تتلألأ بجمال خلاب..
وجاءت تدخل من الباب الخلفي الخاص بالمطبخ فوجدته جالسًا بوقار وهدوء وسط شجر التفاح، تفاقم وجيب قلبها … وبينما يعتدل مؤمن بجلسته ويضع كوب القهوة كانت هي تُدير وجهها عنه في مبادرة منها للخصام والحزن بعد ما حدث أمس حين تغيرت نبرته لعهدها السابق ويُنذرها دون أسباب ألا تختلط اليوم بمن في القصر وألا تخرج من الملحق أثناء وجود أهل مصطفي .. ظلت تسأله عن الأسباب لكن لا جدوى.. هذا مجرد أمر منه عليها إطاعته بصمت..!
دخلت المطبخ برأس شامخ وأنف مرفوع جعل مؤمن يبتسم رغمًا عنه..
– عندنا عروسة النهاردة يا ولاااا يا ترى هتبقى مين..؟
ابتسمت صفية على بهجتها ومزاحها بينما شاركتها المزاح عزة إلا أن سلوى بقت جامدة ترمق أسوة نظرات غريبة لاحظتها الأخيرة..
قالت عزة بحماس:-
– عايزين نظبتها يا أسوة..
رمقتها أسوة بتقيم وهي تضع يدها أسفل ذقنها ثم سحبت ما في يدها فجأةً وهتفت يإنزعاج:-
– في عروسة بتدخل المطبخ يا بت يا صفصف، سيبي سيبي..
رددت صفية بإعتراض:-
– بس دا شغلي يا أسوة وأنا عليا النهاردة الفطار ولازم أجهز فطار مؤمن باشا..
سحبتها أسوة هي وعزة واتجهوا حيث غرف القصر السفلية وهتفت أسوة بلامبالاة:-
– بطلي هبل يا بنت لازم تجهزي نفسك، تعالوا بينا نعمل شوية حاجات حلوين، وأنا هشيل مكانك النهاردة يا صفية ولا يهمك..
قالت عزة في تأييد:-
– أنا معاكِ يا أسوة، وأنا موجودة يا صفية متشليش هم حاجة .. المهم ركزي النهاردة مع نفسك.
تأملت أسوة بإمتنان، حقًا فتاة تملك بقلبها طيبة وحب الخير لغيرها الذي يتضح عليها، قالت بنبرة متقطعة من حرجها من نفسها مما كانت تظن بها:-
– حقيقي إنتِ حد جميل أووي يا أسوة، وأجمل وأحلى صُدفة بجد، كلك بهجة وحماس وحب الخير لغيرك، مش هنسى إللي عملتيه ده أبدًا..
تنحنت أسوة ورددت بمزاح:-
– بت يا صفصف مش بعرف أرد على الكلام الحلو ده، بس حقيقي أنا حبيتكم واعتبرتكم اخواتي إنتِ وعزة وخالتي سلوى لها مكانة كبيرة عندي..
انضم الثلاث فتيات لإحتضان بعضهم فكلهم متساويات في الخذلان والصمت الباكي الذي ذاقوا منهم جميعًا لكن دائمًا بعد الصبر جبر وبعد البكاء احتواء ومأوى دافىء..
– يلا يلا مش وقته العشق الممنوع ده، تعالوا أقولكم جبت أيه .. يا ولاااا أنا عملت الحاجات دي بصوابعي العشرة دول يعني صيتولي بقاا..
جلس ثلاثتهم على الفراش بحماس بينما أسوة فأفرغت حقيبة قماشية في المنتصف..
– بصوا كدا .. دا مُقشر طبيعي أنا عملته وفي عُشبة طبيعية مرطب جميل للبشرة..
ودا مرطب بردوه من مواد طبيعية أنا عملته، الغابة حقيقي مليانة أعشاب نادرة وجميلة جدًا..
دا بقاا مُعطر للجسم دي بريحة الياسمين ودي ريحة الورد ودي اللافندر ودي ريحة خشب الصندل ودي الليمون ودي الفانيلا..
كل واحدة تختار عطر يكون مميز لها..
– أيه الإبداع ده يا ويسي، مكونتش أعرف إنك بتعملي حاجات عظيمة كدا..
– أنا بعشق كدا يا بنتي وأساسًا دا شغلي .. يلا اختاري إنتِ وهي يا أوختي..
ابتسمتا وأخذتا ترفع الزجاجات عند أنفهنّ فقالت صفية بإنتعاش:-
– هختار اللافندر حقيقي جميل أووي..
– ذوق مُوفق يا صفصف وأنا من عُشاق اللافندر بس الفُل أكتر، وإنتِ يا زوزو..
– أنا هختار الفانيلا..
– هادية من يومك يا زوزو، والفانيلا راقية..
قالت عزة بإمتنان:-
– شكرًا بجد يا أسوة كلك ذوق ورقة.
– مفيش بينا شكر يا بنات، يلا هنبدأ نعملك تقشير لبشرتك وكمان شفايفك وكمان إديكِ وترطبيهم، وقوليلي هتلبسي أيه..
بدأت أسوة وعزة يهتمون بصفية بعض الوقت ثم بعد ذلك خرجت أسوة لتُكمل عمل صفية..
دخلت المطبخ فوجدت سلوى التي تتعجب موقفها من وقت ما عادت..
ابتسمت أسوة وقالت وهي تطرد تلك الأفكار:-
– أنا هكمل الفطار مكان صفية وأطلعه يا سوسو..
حركت سلوى رأسها دون حديث فاقتربت منها أسوة بينما كانت ترصّ بعض الأطعمة والمعلبات في البراد، تسائلت بقلق:-
– خالتي سلوى، مالك في حاجة شكلك زعلان؟
اصطنعت إبتسامة بسيطة وشعرت أنها مُلاحظة فقالت ببعض الوِد:-
– حبيبتي يا أسوة .. لا دا أنا بس هبطانة شوية.
رددت أسوة بلهفة وطيبة:-
– طب ارتاحي وأنا هعمل كل حاجة … متقلقيش
أنا ذاكرت إمبارح كويس وهساعدك بدل صفية..
– حبيبتي يا أسوة دا حاجات بسيطة تسلميلي يارب، يدوب هعمل الغدا وأحضر الضيافة علشان الضيوف..
– تمام وأنا هكمل الفطار جمبك..
بينما أخذت سلوى تُكمل رصّ ما جلبت من التسوق وأسوة تُحضر له وجبة الإفطار ببسمة على محياها وحُب وإهتمام..
تنائ لسمعها تمتمة سلوى المتعجبة وهي تضع آخر شيء بيدها:-
– غريبة وصاني أجيب توت، يا ترى هو عايز ياكل أكلة بيه ولا أيه..!!
وخرج وهي مستغربة بينما أسوة فاتسعت إبتسامتها لفهمها الأمر، أسرعت بحماس تفتح البراد وأخرجت عُلب التوت ليُسر قلبها ويغمره البهجة وقد وضعت كميات كبيرة من التوت الأحمر والأسود بالطبق ثم وضعته فوق الصنية المستطيلة وحملتها وصعدت للأعلى..
طرقت باب الغرفة عدة مرات لكن لا إجابة، دخلت بقلب مرتعش رغم شجاعتها لتقابلها الهيبة والهدوء والقليل من الغموض، كل هذا يُحيط بجو غرفته التي تعجّ بالأسرار..
التفتت تبحث عنه لكن لا وجود له، تحركت في الغرفة قليلًا تشاهد أشياءه المرتبة والمنظمة بعناية، وقفت أمام مرآة الزينة ثم رفعت عطره لأنفها تستنشقه بنهم شديد .. إنها رائحته … رائحة الليمون المُنعشة المُمَيز بها..
همهمت وهمست:-
– بعشق ريحة الليمون بجنون، بس بعشقها أكتر لما بشمها فيك…
سارت قليلًا ودخلت غرفة الملابس الصغيرة وجعلت أصابعها تتحسس ملابسه المُعلقة بنظام والأخرى المُطبقة بدقة .. يتفاوت ألوانها ما بين الأسود والرمادي والرصاصي وهناك أيضًا الأبيض، وحقًا أكثر ما يليق به الرمادي فهو يُشبه أعينه الدخانية..
خرجت ثم وقفت تنتظر لطبق التوت بلعاب يسيل، وحسمت أمرها وبدأت تلتهمه على مهل وهي مغمضة العينان بتأثر، الواحدة تلو الأخرى وهي مغيبة عن الدنيا وما فيها ولم تفيق إلا على من يحاوطها من الخلف برقة وهيام، وهمس بجانب أذنها بحنان استشعرته بنبرته اللينة:-
– بتعملي أيه يا عسبرة..
وضعت طبق التوت المُنتهي تقريبًا وهمست بدلال يذيب الحجر:-
– خضيت قلبي..
وضع جانب وجهه على خدها وتمسح به برقة ثم همس بتحذير:-
– شايف إن في ناس بتلعب بالنار، ووقت ما النار بتقرب هي بتهرب..
فهمت مغزى حديثه فانفلتت من بين يديه لتُصعق حين رأته عاري الصدر، أدارت وجهها بخجل وقالت بصوت متقطع:-
– إنت واقف ليه …كدا .. قصدي يعني هتاخد برد..
حرك كتفيه بلامبالاة وقال:-
– كنت باخد دش طبيعي وإنتِ إللي اقتحمتي عليا الأوضة.
جلس على الفراش بينما هو فأخذ يتأملها ببطء من رأسها لأخمص قدميها لتلف ذراعيها حول صدرها وهتفت بشراسة:-
– بتبص ليه كدا .. غض بصرك..
ضحك بصخب ونظر لها بنصف عين بينما تستشيط غضبًا وردد بسخرية:-
– اممم أغض بصري .. حقيقي جديدة دي..
أكمل بخبث يتأمل وجهها الملطخ ببقع التوت الحمراء المختلطة بخمرة الخجل مرورًا بكرزتيها، وتسائل بمكر وهو متكأ على الفراش:-
– فاكرة أيه إللي حصل آخر مرة كلتي فيها التوت يا عسبرة..!
كانت تتمنى أن لو تنشق الأرض وتبتلعها ووبخت نفسها مرارًا وتكرارًا على صعودها إلى هنا، فهو أصبح يستغل أي فرصة ليُلقيها ببحر الخجل..
جاءت تتحرك تخرج مسرعة لكن أوقفها:-
– مش هتعرفي تخرجي..
وضعت يديها بخصرها وقالت بعناد:-
– ليه يعني مش هتقدر تمنعني..
هتف وهو يرقد على الفراش يضع ذراعه فوق رأسه:-
– أيوا بس سلوى في الأوضة إللي جمبنا بترتبها وعندها شغل فيها..
ياللمصيبة هذا ما ينقصها، رددت بعدم تصديق:-
– بتكذب عليا علشان ماخرجش صح.!
قال ومازال على حالته:-
– مش من صفاتي يا عسبرة وعايزة تتأكدي أخرجي وإنتِ تعرفي..
نفخت بضجر وجلس على الفراش بقوة فابتسم بانتصار، نظرت له وقالت بقلة حيلة:-
– طب أنا جبت الفطار قوم افطر..
– جبتيه وكلتيه!!
– لا طبعًا دا التوت بس وكنت أصلًا جيباه ليا مش ليك، وصحيح خالتي سلوى مستغربة وكانت بتكلم نفسها إنك واصيتها تجيب التوت مع العلم عمرك ما كلته، لتكون بدأت تحبه..
قال بنبرة ذات مغزى:-
– أنا واقع في غرامه من سنين، عاشقه مش بس بحبه..
لم تفهم أسوة ما يقصد فقالت بتنهيدة:-
– طب قوم نشف شعرك طيب مبلول وكمان إلبس حاجة علشان أعرف أقعد..
– عايز أنام جدًا يا عسبرة مقدرتش أنام إمبارح..
شعرت بصوته متعب ومجهد، فجذبت منشفة صغيرة واقتربت من رأسه وببعض التردد وهو مُعطي لها ظهره وضعتها على رأسه وبدأت تجففها برفق وإهتمام..
ابتسم بخفة وقال:-
– دي مراتي ولا بلاش..
جذبت خصلاته ببعض الشدة وهتفت بتسائل:-
– إللي يشوفك دلوقتي مش يشوفك إمبارح لما اتحولت.
– اتحولت لأيه.!
– لشرير.
– أنا شرير!
– مش عايزني أخرج من الملحق ليه ولا أشارك صفية فرحتها..
همهم براحة فهي تجفف رأسه برفق بعث النوم بعينيه وهتف بخفوت:-
– طب ما إنتِ خرجتي أهو وعادي مقولتش حاجة، أنا مش بحبسك، أنا بس بقولك لما الناس دي تبقى هنا تبقى في الملحق ومتخرجيش قدام ناس غريبة..
– ليه..
– من غير ليه..
– إنت متسلط.
– ومفتري كمان..
جاءت تبعد يدها عن رأسه بعد انتهاءها فقال وهو مغمض العينين:-
– قربي وخليكِ متبعديش إيدك..
لا تعلم لماذا لكن تلك المرة كانت لا تريد الإبتعاد عنه، تريد الإستمتاع بالدقائق التي تجمعها به، مالت على الفراش من خلفه وغمست يدها في شعره وبدأت تمسده برقه وتقترب برأسها نحوه تشتم عبق الليمون العامر به..فأغمض هو براحة..
تسائلت أسوة فجأة:-
– هو إنت كان معاك بنات في الجامعة..
ابتسم بخبث وقال:-
– ياااه كتيررر..
ضغطت على خصلاته السوداء دون أن تدرك وقالت من بين أسنانها:-
– ومالك بتمط فيها ليه كدا..
وجاءت تبتعد فاعتدل مسرعًا وجذبها له بقوة فسقطت بين أحضانه ليهمس أمام وجهها:-
– مش قولت بلاش بُعد..
لاحظت علامة جُرح فوق موقع قلبه، تأملته بتعجب ورفعت أصابعها تتحسسه فعاد مؤمن للخلف، تسائلت بقلق:-
– أيه ده، أيه سبب الجرح ده.؟..
حرك رأسه بعد إهتمام وقال:-
– عادي كان جرح من وأنا صغير …حادثه بسيطة في تكليف الأعمال الشاقة في الأحداث..
غامت أعين أسوة بالحزن بينما هو فتوافدت عليه تلك الذكرى المريرة التي ألامت روحه قبل بدنه..
طفل صغير في الثانية عشر من عمره يتكوم على نفسه وسط الظلام الظالم لطفولته..
فُزع عند دخول هذا الشيطان للغرفة بعنف يجرّ حقيبة قبيحة تشبهه..
جلس أمام الصغير وانحنى نحوه قائلًا بإبتسامة شر أفرجت عن أسنانه الصفراء، ثم قال بخفوت وصوته يحمل شر مضمر:-
– إنت فتحة خير عليا أووي .. تعرف ناس أغنيه أوي وقلب ابنهم تعبان وبأي طريقة عايزين قلب سليم ليه، وإنت هنا زي المقطوع من شجرة ومفيش مخلوق بيسأل عليك يعني خلاص مش ليك لازمة في الحياة..
بكل هدوء كدا هاخد قلبك من مكانه..
ارتجف مؤمن الصغير رغم شجاعته المعهودة وزحف للخلف برعب وجسد مرتعش وترجاه بصوت ضعيف:-
– لا لا بالله عليك .. ماما هاتيجي .. هاتيجي تسأل عليا وتاخدني…
ضحك الشيطان “رمضان” بصخب ضحكة مزعجة وقال وهو يُخرج بعض الأدوات الحادة:-
– يا عيني.. والله إنت صعبان عليا علشان كدا هريحك خالص وهقبض تمن قلبك بردوه وأستريح يلا اسمع الكلام وبلاش غلبة..
وهجم على مؤمن يُقيده بينما هو يجاهد في الفرار وحاول الصراخ لكن كمكم الأخر فمه وأحكم تقيده بحبال ثقيلة وهو يتلوى بفزع..
مزق هذا الشيطان ملابسه وحمل واحدة من الأدوات الحادة ومؤمن ينظر لها بفزع ولم تهمد محاولاته في التملص، اتجه نحو الجهة اليسرى من صدره وبقلب متحجر لا يعرف للرحمة طريق بدأ يُحدث شق عميقًا في محاولة للوصل لقلبه…
مزق الألم كل مُمزق وكانت تلك القشة التي قصمت ظهر البعير وكيف لا وهو قد شاهد ذبحه بينما الروح تدب بجسده..
طرق قوي على باب الغرفة جعل هذا الشيطان يفزع ويبتعد عن الطفل الغارق في دماءه وتقاعص عما كان يفعل..
هجم عثمان على الغرفة بقلب يموت قلقًا وهو ينظر نحو مؤمن الذي يكاد أن يلفظ أنفاسه الأخير..
وقال:-
– في دورية شرطة بتشرف على المكان لسه واصلين حالًا..
خرج رمضان يفرّ للخارج بينما أسرع عثمان نحو مؤمن يجثو بجانبه ويحمله على ساقه وهو يفحص جرحه، وهتف يطمئنه بحنان وهو يحلّ قيده:-
– متخافش أنا هنا .. محصلش حاجة ومعدتش حاجة هتحصل.. هتكبر وتبقى قوي وتاخد حقك من كل إللي أذاك .. متضعفش..
هبطت دموعه بضعف وهمس من بين ألمه:-
– عايز أروح عند بابا .. أنا معتدش عايز أعيش تاني..
جذبه عثمان لأحضانه وقال يبث بداخله القوة:-
– لازم تبقى أقوى من كدا .. إنت خلاص بقيت راجل، صدقني يا ابني هتبقى حاجة كويسة وهيبقى لك دور كبير .. صدقني يا مؤمن إللي بيدوق المرار والحرمان بيبقى أقوى الرجال .. نظرتي فيك كبيرة أووي وأنا هحميك بكل قوتي..
أغمض أعينه بوهن وسحبته دوامة مظلمة تفصله عن الواقع رحمةً له ليعود منها إنسانٌ أخر..
– سرحت في أيه.!!
قالتها أسوة المستكين بأحضانه تنظر له بعجب..
وبعيدًا عن الذكرى أفاق على همسها الدافىء فنظر لها بحب وحنان ورفع أصابعه يُبعد حجاب رداء الصلاة عن ستائر البندق خاصته فأغمضت أعينها بتأثر وهمس هو:-
– لابساه قدامي ليه، بتمنعي عني شوفتهم ليه..
تلمس خيوط شعرها برقة وحب وحذر وهو يخرجهم من عقصتهم ويترك لهم العنان على ظهرها..
لصق جبينه بجبينها وهمس بعشق جلي:-
– هو أنا مقولتلقيش.
قالت بهمس مماثل:-
– أيه.!
– فتحي عيونك الأول..
شددت على جفتيها ليُمسد على وجنتيها وجفنيها يقول بحب:-
– بقولك فتحيهم يا عسبرة مش اقفليهم جامد، اسمعي الكلام.
– لأ..
أقترب أكثر منها حتى شعرت بأنفاسه الدافئة فوق عينيه وشدد عليها أكثر جاذبها بأحضانه أكثر، ثم فجأة هبط يُقبل جفنيها المقفلتين كلًا على حِدة..
– طب وكدا..
فرقت عن زمردتها ليغرق هو بهم هامسًا قبل أن يقتحم حصونها المنيعة:-
– مش قولتلك كل مرة هتاكلي التوت هدوقه أنا كمان..
وأنا مشتاق له أووي وعايز أكرر مغامرات التوت تاني وعاشر ومليون يا عروق قلبي..
**********
انحدرت السيارة نحو الغابة فاعتدل عاصم على مهل ينظر حوله بصدمة شديدة … هذا له معنى واحد فقط..!
هل الذي يُفكر فيه صحيح … صدمة..!
نظرت له أميرة بتعجب فعجز عن إجابتها.. أهي الصدفة..!
غمر الصمت السيارة بينما مصطفى فهو يقود بقلب يُرفرف من فرط سعادته وكل دقيقية والأخرى ينظر للورود بحب..
أما عاصم فكان ينتظر بفضول والتزم الصمت حتى لم يستفسر من مصطفى عن أي شيء..
اتضح القصر أمامهم فلم يكن من عاصم إلا أن تأكدت شكوكه وأدرك إلى من هو ذاهب!
مواجهة آن أوانها..
ما تلبثوا إلا يسيرًا ثم وقفوا بباحة القصر الأمامية..
تسائلت أميرة بتعجب:-
– هي صفية قاعدة هنا يا مصطفى..
– أيوا يا أمي بتشتغل هنا وفي نفس الوقت محل إقامتها..
هبطت أميرة تنظر حولها بتأمل وذكريات قديمة داهمت عقلها، حقًا ما تلك الصدفة..
همست بداخلها:-
– الله يرحمك يا قاسم ويا ترى جميلة فين أراضيها عايشة ولا ميتة..
أمسك مصطفى بيد والدته يساندها وقال بسعادة تقطر من عينه:-
– يلا يا أمي على مهلك..
نظرات عاصم كانت كلها غموض سار بصمت بجانبهم ثم طرقوا الباب ولم ينتظروا كثيرًا حتى فتحت سلوى بإبستامة مُرحبة:-
– اتفضلوا يا أهلًا وسهلًا.. اتفضل يا مصطفى يا ابني نورت يا عريس..
قال لها بفرحة:-
– الله يباركلك يا خالتي سلوى تسلميلي..
أشار لوالدته ووالده وقال:-
– دي أمي ودا عاصم باشا أبويا..
– أهلًا بحضراتكم نورتونا والله..
قالت أميرة بوِد:-
– أهلًا بيكِ يا ست سلوى دا منور بأهله والله..
– اتفضلوا .. اتفضلوا..
ساروا خلفها وعاصم وأميرة يتأملان المكان بترقب حتى جلسوا في ردهة واسعة عصرية التصميم..
وانتظروا المجهول…
أغلق أزرار قميصه الأسود ورفع أكمامه حتى منتصف ساعديه وحمل زجاجة عصره المُميز ينثره على ملابسه بغزارة..
انبلجت إبتسامة عريضة تشع بالمكر والخبث على محياه وأردف بإصرار:-
– جه وقتك يا عاصم باشا .. جه وقت أعرف أيه إللي وراك..
وهبط على مهل بأعين بها غموض له شفرات لا يستطيع أحد فكها..
اقترب منهم بخطوات ثابتة وأعين راسخة فوق عاصم الذي ظهر وجهه الحقيقي أخيرًا..
رفع عاصم رأسه دون انتباه فوقف بصدمة ودهشة وهو يراه أمامه بكامل طلته .. نعم راوده الشك لكن مواجهة الحقيقية تختلف..
وقف أمامه مؤمن بثبات وانبجلت بسمة خفيفية على شفتاه ثم مدّ يده نحوه وقال:-
– أهلًا بيك … مؤمن قاسم الصياد..
فُزعت أميرة ووقفت تتأمله بأعين واسعة لمحها الدمع، ابتسم عاصم وقال بترحيب شديد:-
– ياااه مؤمن .. الدنيا ضيقة أووي .. أيه المفاجأة دي..
رفع مؤمن حاجباه بسخرية وقال وهو يشير إليه بالجلوس:-
– اتفضل يا عاصم باشا .. ولا أقول المعلم فؤاد…
كان مصطفى في حالة صدمة ولم تختلف عنه أميرة التي ظلت تتأمل الموقف بدهشة..
لقد كبر مؤمن وطُمست ملامحه الطفولية الصغيرة..
كانت تنوي أن تزوجه ابنتها .. لكن أين ابنتها..!!
ترقرق الدمع بعينيها وكانت تود أن تتمسك بملابسه وتتراجه أن يبحث عن ملاكه..
تود أن تقول له لا يوجد ملاك .. لقد حرموها منها..
علم عاصم أن كل شيء قد كُشف وأصول اللعبة باتت مكشوفة، ابتسم بخفة وقال بنبرة ذات مغزى:-
– مبسوطة إن شوفتك بجد يا مؤمن..
الساحة مغلفة بالصمت والجميع على رؤسهم الطير، ويجلس “مؤمن” واضعًا قدمًا فوق الأخرى وأمارات الخبث ينضح بها وجهه..
الكل ينظر لبعضه البعض والتساؤلات سيدة الموقف لا يُحصى عددها..
وبينما كان هو بقمة متعته بسبب التعجب الذي على وجوههم تيبس جسده حين رأها تأتي من الممر بصحبة “عزة” تحمل أحد صواني الضيافة وتتقدم بخيلاء في تحدٍ سافر منها..
اقتربت “أسوة” ولا تدري أنها على وشك أن تطأ أكبر كذبة وحقيقية بحياتها..
بينما مؤمن فأدرك أنه قد آن الأوان ليُكشف الستار .. لكن هذا لم يُخطط له .. الأمور هكذا تسير عكس ما رسم..!!
تكأكأ عليه القلق وأصبحت ملامحه كالحة، بصُر إقترابها بأعين مشتعلة بجذوة من نار، تمزح وتتسع إبتسامتها على جمر قلبه المتقد..
لكن قد قطع عِدة نواميس في حياته، أنه إذا أراد شيئًا فلا أعتى قوى الأرض تستطيع إيقافه وهكذا صار كل شيء يريده يقابل هذا القانون..
ابتسم بخبث وفرد طوله واقفًا ثم هتف وهو يستدير:-
– أستأذن منكم دقيقية وراجع..
أماء الجميع بصمت فقد كانوا وكأن على رؤسهم الطير مازالوا في صدمتهم..
سار يقابلها في الرواق الطويل الذي يجمع بعض الغُرف ويُوصل للرُدهة الواسعة..
كانت تتهامس مع عزة وتسير بخيلاء وهي تحمل صحفة فضية مستديرة بها بعض الحلويات الشهية، وأثناء همسها تفاجأت بمن يقف أمامها فغطها بجسده ومنع عن أي أحد رؤيتها..
رفعت رأسها بدهشة وإزدرت ريقها بإضطراب وجاءت تتحدث بتقطع بإبتسامة شاحبة:-
– احمم كانت عزة .. محتاااجة مساعدة … و..
قاطعها وهو ينظر لها بقوة:-
– بعد إذنك عايزك في حاجة ضروري..
وسحب الصنية من بين يديها واضعها على أحد قطع الأثاث الجانبية .. ابتسمت عزة وقالت ترفع الحرج عن أسوة:-
– أنا هقدم الضيافة أنا يا ويسي كفاية عليكِ كدا تعبتك معايا..
وابتعدت عنهم، ففاجأها بسحبه لها إلى إحدى الغرف الجانبية فكانت بلمح البصر بين أحضانه خلف أحد الجدران، تاهت أسوة ونظرت له بعدم فهم فرفعت كفيها تضعهم على صدره في عجب وتسائلت بتوتر:-
– في أيه..!!
لمعة وجنتيها أضرمت في القلب نار، رفرفت بأهدابها عدة مرات غير مصدقة حين انحنى يغمس رأسه بعنقها من فوق حجابها يلتهم رائحتها الطاهرة .. وهمس بما زلزل كيانها .. متى اهتزت أثقال الأرض هكذا من تحت أقدامها:-
– وحــــشـتـيـــنـــــــي..
كانت أعينها جاحظة وأذنها لا تصدق تزحزح هذا الحجر الصوان وألقى بكلمات الأحبة، لكن ما تلّبثت إلا يسيرًا ثم اندمجت معه في لحنه الذي عزفه بإحتراف على أوتار قلبها، نعم هو كان ينوي الضغط على شغاف حبه بقلبها وجرفها بدوامة يُنسيها فيها من تكون غير أنه هو الآخر مستهام وعاشق إلى اللاحدّ فجرفته الدوامة هو الأخر وأطبق على خصرها يضمها نحوه وأصبح كيده في تضليل..
مرّغ أنفه على كل شبر بوجهها وهي طوقت عنقه بترحيب .. لا ضرر سأقتص لضعفي لك هذا بعد ذلك..
بعد قليل حاولت الإبتعاد بعدما ذهبت غيمة الإشتياق بعيدًا بعض الشيء وهي تُمسك على قلبها ألا يطير..
تنحنحت بخفوت وقالت باستنكار مغموس بالدلال:-
– أنا كنت لسه معاك .. لحقت أوحشك.!
مسد وجنتيها برقة وحنان وقال بخشونة وكأنه يردد أخبار الطقس أو إحدى تصميماته وليس كلمات الغزل الشغوف:-
– إنتِ بتوحشيني وإنتِ في حضني يا عسبرة..
توهج الياقوت بوجنتيها وأخفضت رأسها فرفعه إليه ليغرق في أندر أنواع الزمرد بأعينها ثم لثم جبينها وقال بصدق:-
– أوعي تحني راسك أبدًا .. الراس دي اتخلقت علشان دايمًا تبقى مرفوعة للأبد..
هترجعي الملحق تذاكري علشان إمتحانك بكرا لغاية ما الناس دي تمشي وأجيلك .. تمام..
لم تستطع أمام كم هذه المشاعر إلا أن تُحرك رأسها إيجابًا فهي تحتاج أن تنفرد بقلبها قليلًا لإستعاب بعض الأمور..
خرجا من الغرفة وترك يدها بعدما زاد في مُحيط صدمتها بُحيرات أخرى ورفع يديها مقبلها بعمق وقد قرر في سريرة نفسه أنه سيبوح بما في قلبه لها سيروي لها من هو “مؤمن”!
سيخبرها بما يموج به قلبه وأنه عاشق للزمرد الكامن بأعينها..
حان الوقت ليندمجا إلى الأبد ويُعلن ملكية قلبها وروحها وجسدها ويغمرها بفيض من حبه وهوسه بها الذي لا يرجو الشفاء منه..
جلس مرةً أخرى لتلتفت الرؤوس نحوه متأمله هيئته وقد عاد الهدوء لقلبه، قال بنبرة قوية:-
– شرفتونا..
نظر مصطفى لوالده نظرة ذات معنى فتنحنح عاصم وقال بجدية:-
– إحنا جينا النهاردة علشان نطلب إيد الآنسة صفية لأبني الدكتور مصطفى على سنة الله ورسوله..
ابتسم مؤمن إبتسامة جانبية وهو يشعر بحسّ الغرور والثقة المغموس بها كلمات عاصم وهو يضغط على “الدكتور مصطفى”، فقال بوجه جامد يلفه الغموض:-
– خير الشباب .. الدكتور مصطفى أنا أعرفه كويس شغال معايا من فترة طويلة .. شاب مجتهد وشاطر في مهنته جدًا .. والآنسة صفية إنسانة على أخلاق عالية وهو مش هيلاقي أفضل منها زوجة..
أنا المسؤول عنها تقدر تقول أخوها الكبير، لأن في البداية أحب أعرفكم إن صفية ملهاش ألا هنا وبس سُكان القصر هما أهلها علشان متتفتحش النقطة دي تاني .. ورأيها هو المهم وعلى حسبه هيكون القرار..
كان مؤمن قد ضغط على “شغال معايا” حتى مع غرور عاصم لم يُرد قول “شغال عندي” لأنه من رافضين هذا المبدأ..
أُعجبت أميرة بكلمات مؤمن وهي ترى الأصالة والطيبة التي غرزها قاسم وجميلة تنبع من كلماته الرزينة، ابتسمت له بإعجاب وعندما لاحظ بسمتها الحنونة المُحبة بحق له لم يستطع إلا أن يُهديها مقابل ملامحها التي تحمل بعضها ملاكه..
فبغير إنكار أميرة يكنُ لها حب وإحترام لم يتغير بداخله من الصغر..
قال مصطفى بحب وعشق صادق:-
– أنا أهل صفية وهبقى لها كل حاجة الأب والأم والأخ والحبيب والسند وكل ما تحتاجه، أنا إللي أتمناها تقبلني وهي بالنسبة ليا كاملة متكاملة..
طبطبت أميرة على كتفه بفخر وقالت بنبرة لينة طيبة بها أطنان من الحزن وصل لمؤمن دون حائل:-
– مكانة صفية في قلبي مش هتقل عن مكانة بنتي إللي اتحرمت منها .. هعوضها وهديها كل إللي مقدرتش أديه لملاك..
شعر بالتوتر فور حديثها وبالألم لأجلها وفار دمه لكن احتفظ بثباته وكأنه لم يسمع شيء وكأن اسم “ملاك” لم يهطل على قلبه ليُذهب بجموده إلى الجحيم..
أكمل هذا اللقاء وكأنه لم يسمع ما قالته أميرة وهذا الشيء أحزنها وهي تتسائل بداخلها..
هل نسى ملاك؟! كيف له أن ينساها!!
أكانت مجرد حماس طفولي لا أكثر..
من الواضح أن الجميع قد نساها، هي الباقية فقط تتلوى ألمًا .. وكيف لا .. التي ذهبت هي فلذة كبدها، ابنتها من حملتها تسعة أشهر، أول من تحسست بشرتها، أول من رأت الزيتون بأعينها..
كيف لها أن تحيا هكذا وكأن شيئًا لم يحدث..
نعم مؤمن كان طفل واختفى عشرون عامًا وعينيه تقول أن ما مرّ به لم يكن بالهيّن، من المؤكد أن ملاك تم وأدها مع طفولته وذكريات العشر سنوات أسفل الثرى..
شعر مؤمن بما يدور بداخلها وكان يود أن يصرخ لها كيف له أن ينسى ذكريات كانت كالندى الهتون على جراح غائرة، كيف له ألا يرضخ لإرادة رب العالمين التي ربطت بين روحين وليس قلبين فقط!!
يود أن يخبرها أن ملاكه قد آواها بين أحضانه..
لكن لكل أجل وقت مضروب عليه أن يسير بمحاذاته ولا يتخطاه وإلا كانت الحسرة من نصيبه..
أتت صفية بقلب مرتجف يرفف ثوب طهارتها حولها والهدوء يسحبها من يدها .. ترتدي ثوب زيتوني فضفاض وحجاب راقي بلون الرمل الخفيف..
لتعزف على أوتار قلب مصطفى غنوة هي من تملك الحق بها فقط..
– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ردد الجميع التحيّة وابتسمت لها أميرة بحنان واستقبلت صفيّة التي جاءت تسلم عليها فجذبتها لأحضانها ولم تدري لما تمزق قلبها واستطاعت لمح معالم اليُتم على ملامحها الهادئة الحزينة، هتفت بجنان:-
– ماشاء الله تبارك الرحمن .. أهلًا بيكِ يا ست البنات..
ابتسمت صفيّة بخجل وهي تتعجب لحنان تلك السيدة، وقالت بحياء:-
– أهلًا بحضرتك يا طنط .. نورتي..
قالت أميرة باستنكار:-
– طنط .. قولي أمي أو ماما أميرة إللي يريحك فيهم..
رفعت صفية رأسها بصدمة فأمآت لها أميرة بتشجيع وحنان فتماسكت صفية بشق الأنفس ألا يجود دمعها وأخضفت رأسها..
ابتسم عاصم وقال لمصطفى:-
– بحيّك على اختيارك يا مصطفى.. ربنا يجعلها من نصيبك يا ابني..
علاقتهم كانت كالخنجر طعن قلبه، لو كان أباه على قيد الحياة لم يكن الحال يؤول لهُنا..
مزق الألم قلبه وابتلع غصة مريرة لفقده أحب الأشخاص لقلبه .. هو بلا أب .. بلا سند .. بلا ظهر
ليتك كنت هنا يا أبي .. إني أشتاق إليك ولقول أبي..
كسرة فقدك لا يُضاهيها أيّ كسرة أخرى يا أبي..
من سيَجبر كسرتي هذه يا أبي.!!
فأمي اثتثقلني وتركتني أيضًا..
أفاق على صوت عاصم الذي أخذ يكرر:-
– نسيب العروسين بقاا يتعرفوا ولا أيه يا مؤمن باشا..
حرك رأسه بإيجاب ووثب وهو يُشير لإحدى الجهات بصمتٍ باكٍ..
جلست أميرة فأتت سلوى تضع القهوة فقالت لها بوِدْ:-
– تعالي يا ست سلوى أقعدي معايا شوية..
ابتسمت لها سلوى وجلست قبالتها وبدأتا في التعرف وجذب شتى الأحاديث..
استقام عاصم يسير بمحيط القصر الواسع ويتأمل الأرجاء بشرود، لمح مؤمن الواقف بشرفة جانبية ينظر للفراغ بشرود .. سار نحوه ثم وقف بجانبه ووضع يديه بجيبه متنهدًا وهو يقول:-
– ذكريات .. كان بيحب المكان ده أووي .. الله يرحمك يا قاسم، تعرف أول ما العربية جات في إتجاه الغابة عرفت أنا جاي عند مين..
ابتسم مؤمن بسخرية وتسائل بحسم وهو مازال على وضعه:-
– مين النمر يا عاصم..؟
لم يتبدل ثبات عاصم وأجاب:-
– معرفش.
– دا إنت كنت دايمًا في صحبته يا معلم فؤاد أيام السجن.
غزى التوتر كيان عاصم فردد بلامبالاة مُسرعًا:-
– كان واحد بيحب يساعد الشباب وشافك وبدأ يقدملك المساعدة بخفية .. دا إللي أعرفه عنه..
هتف مؤمن بسخرية:-
– امم رد سجون بيحب يساعد ويشارك في أعمال خيرية .. فضيلة..!
– بتنبش في الماضي ليه .. حالك ممتاز عندك اسمك وشغلك ومكانتك بلاش توجع دماغك..
– طب بلاش دي .. الخطيب فين يا عاصم متأكد إنك تعرف طريقه..
– مش غريبة عايز تنتقم من الخطيب وواقع في غرام بنته لشوشتك يا مؤمن باشا..!
انفجر مؤمن ضاحكًا فتعجب عاصم إلا أن مؤمن نظر له بقوة وتسائل باستغراب:-
– طب وأيه العلاقة .. هي مالها ومال أبوها .. ولا كونها بنته يمنع إن أحبها وأقع في غرامها..
– شايفها غريبة شويتين يا باشا..
– لا ماتستغربش .. اليومين دول توقع أي حاجة، بس تعرف أنا كنت عارف إن أقل تفصيلة عني إنت تعرفها..
زي ما متأكد إنك تعرف كل المستخبي..
سار عاصم للداخل وهتف وهو مستدير:-
– الطريق إللي إنت ماشي فيه أخرته دمار .. ارجع منه..
استند على جدار الشرفة الحديدي وتنهد وهو ينظر للسماء قائلًا بقوة:-
– سطحي أوي يا عاصم، بس صدقني ورب العباد هوصل لكل المستخبي..
– المستخبي دمارك يا مؤمن باشا..
وولج للداخل بينما قبض مؤمن على الجدار الحديدي حتى ابيضت مفاصله وقال من بين أسنانه بنبرة نارية:-
– غلطان يا عاصم .. المتدّمر مش بيدمر تاني..
*************
طرق قلبيهما بشدة وتأملها بأعين مُحبة تصب حنان وعشق وقد وشى قلبه بحبه وهيامه لقلبها المكدود..
– دي القاعدة إللي بتمناها من زمان أوي يا صفية..
زاد إنخافض رأسها وتكاثف ورد وجنتيها واكتفت بالصمت فتبسم وقال بنبرة صادقة:-
– قلبي هيكون لكِ موطن يا صفية …
أقبلي بقلبي مُحب وحبيب، وأنا بوعدك وربي شاهد عليا أكون لكِ نعم الزوج والحبيب والأب وكل ما تحتاجي .. هكون لكِ أهلك وموطنك..
أقبلي تكوني حلالي يا صفيّة القلب والروح وارحمي قلب اتعذب ودقاته محفوظه لحلاله وبس…
أقبلي نبدأ حياتنا ونبنيها سوا .. أقبلي نبني بيت كله حب ورحمة ومودة..
أقبلي بتائه وعلى بابك وجود الهداية يا ذات الثوب الفضفاض….
سارت على وجهها موجة من الخجل، ورفرف قلبها الرقيق وكلماته كانت كوغز الخضرة في الشجرة اليابسة، قد أرضاها رب العالمين، أرضاها بعد الألم والبكاء والعذاب النفسي والجسدي..
قد وعد والرحمن الرحيم لا يُخلف بوعده أبدًا..
ما أجمل الشعور بأن كل آمال أحدهم هو حُبك ورضاك فقط، وأنه مستعد لبذل كل ثمين وغالٍ في سبيله..
الشعور أنك محبوب .. مقبول .. مرغوب بك..
هناك من يراك معجزته وأنك كل ما يحتاج..
قبضت على فستانها .. هي تستحق .. تستحق السعادة والحب والإستقرار وهو له بقلبها وِدْ وبعد ما يحدث قد استعمر قلبها وقبلت به أهلًا..
رفعت رأسها وأهدته بسمة لم يرى قط بجمالها، وقالت برقة أذابت قلبه .. يقسم أنه لم يسمع بحياته أجمل من تلك الكلمة:-
– وأنا كُلي رضاا وقابله لحد النخاع..
بعد تلك الجملة بقليل كان يضجّ قصر الصياد بصوت الفرحة ويُغرد به صوت زعاريد السعادة..
علت زعرودة سلوى من الخارج والداخل كانت تتنافس أسوة وعزة بسعادة وهما محتضنتان بعضهما بسعادة..
قالت عزة متفاجأة:-
– بتعرفي تزغردي يا أسوة ..
قالت بحماس وثقة:-
– أنا يا حبيبتي مفيش حاجة مش بعرف أعملها، اتعلمتها من البنات في الحيّ .. وبعدين علشان صفية نتعلم ونزغرد هو إحنا عندنا أغلى منها ولا أيه..
مسكت عزة كفها بإمتنان وقالت بدموع:-
– إنتِ خلتينا نحسّ بالعزوة وإن لنا أحباب وأهل مش لوحدنا .. ومؤمن باشا لو قضيت عمري كله أشكره على إللي عمله معانا أنا وصفية مش هنكفيه حقه .. هو عطانا فرصة نعيش من جديد..
كانت تود أن تعلم ما فعل ولماذا كل هذا الأمتنان له!
وهي من كانت تعتقد أنهم هنا مجرد سُجناء انعزلوا عن العالم وهو السجّان عديم الرحمة..
لا تعلم أنهم انعزلوا عن الأوجاع وشرّ النفوس..
من الواضح أنه مصرّ على تخيب كل ظنونها القديمة به..
سعدت أميرة وعاصم لأجل ولدهم، ورؤيته بهذا الحماس والفرح طيّب قلبهم..
– إن شاء الله نحدد بقاا حفل الخطوبة..
نطق مصطفى بلهفة:-
– بقول إن الجمعة مناسبة جدًا..
– الجمعة .. يعني بعد أربع أيام .. بالسرعة دي..
قال مصطفى بإلحاح:-
– وليه التأخير .. خير البر عاجله وإن شاء الله مش هينقص صفية هفوة..
ضحك عاصم وأميرة بينما غرقت صفية في خجلها فقال مؤمن:-
– مفيش مشكلة .. وحفلة الخطوبة إللي هتختاره صفية لو عيزاها في القصر تمام ولو برا في أفخم القاعات تمام بردوه..
ابتسمت صفية بإمتنان وقالت:-
– مفيش داعي يا مؤمن باشا يكفي حفلة في القصر على الضيق فيها كل الأحباب..
قال عاصم:-
– على بركة الله يبقى على الجمعة إن شاء الله.. مبارك يا حبايبي .. مبارك علينا إنتِ صفية..
– الله يبارك فيك يا عمو تسلم..
احتضنتها أميرة بحنان وقالت بوِد:-
– مبروك يا صفية مبروك يا حبيبتي..
بادلتها الإحتضان وقالت:-
– الله يبارك فيكِ يا ماما أميرة تسلميلي يارب..
– هنستأذن إحنا بقاا علشان نبدأ تجهزتنا..
استقام الجميع مودعين بعضهم مع الوعد بلقاء آخر، خرج مؤمن بصحبتهم حتى السيارة..
بينما ركضت أسوة وعزة نحو صفية يحتضنوها بحب وحماس مباركين..
وكعادة قديمة نظروا لبعضهم البعض وركضوا نحو النافذة العريضة التي تطل على الجهة الأمامية للقصر يشاهدون رحيل أهل العريس..
وقفت أسوة تنظر من عند طرف النافذة .. تقف على أطراف أصابعها لكن لم تنجح سوى بإلتقاط بعض النظرات السريعة لظهورهم.. كانت صفية وعزة يبتسمون ويتهامسون لكن لا تعلم لماذا وقفت تنظر بنظرة صامتة وضجيج قلبها تعالَ حتى أنها وضعت يدها فوقه..
تشبثت بالنافذة تُدقق النظر وتحّرك البنات يُزيحها ويُعيدها ورأت مصطفى يستقل السيارة وبعده رجلٌ لم تلتقط سوى جانب وجهه..
تشبثت أكثر بقلب مرتجف وسار ببدنها رعشة قوية لا تعلم سببها وقد وقف أمام مؤمن إمرأة لم ترى وجهها بسبب شجرة حجبت الرؤيا عليها..
لكن شيء واحد التقطته عينيها وجعلها تنظر بشرود..
ترتدي تلك المرأة بيدها خاتم يحمل شكل زهرة “الفُل”
لماذا تشعر بهذا الشعور..؟!
ما سر تلك الزهرة..!!
هي تراها دائمًا حتى أنها رائحتها المُفضلة والمُميزة..
لماذا تلك المرة هيجت على عقلها ذكريات مجهولة..
استقلت أميرة السيارة ورمقت القصر بنظرة طويلة ولا تعلم ما سرّ هذا الشعور التي تشعر به..
حقًا غريب … وجميل .. ومألوف قريبٌ من الروح..
*********
الضباب يُحاط بهم وجُل ما يدركوه أنهم قد سقطوا في شر ما فعلوا وحان وقت دفع ثمن قذارتهم..
لكن سؤال واحد فقط يريدون معرفته..
ما الذي يحدث، وأين هم..؟!
غرفة مغلقة .. باهتة لكنها مُريحة تم علاج جروحه وطبيب يتابع حالة شلل أقدامه حتى بدأ بالتحسن..
ارتعشت حدقتيه خوفًا وهو يدورها بأركان الغرفة الكئيبة ويسأل زوجته للمرة الألف بحيرة وهي تجيبه نفس الإجابة الغير شافية:-
– يا ترى مين أنقذنا من إيد مؤمن الصياد يا سهام .. وهيستفاد أيه من دا كله، مين يا ترى، وليه حابسنا الحبسة دي؟ .. بيدخل معاه الأكل والدوا وكل حاجة وهو مغطي وشه ولا بينطق حرف..
يا ترى حد بيحبنا ولا كارهنا..!!
هي الأخرى ليست بحالة أفضل منه، ضوء وجهها التي ابتاعته بالمال ذهب ولم يبقى سوى إمرأة مشئومة، قبيحة تُرعب الأطفال..
سقط الغرور والكبرياء الذي صنعه المال..
قالت وهي تتحسس وجهها الباهت:-
– مش عارفة يا محمد .. كل حاجة إدمرت، أنا لغاية دلوقتي مش قادرة أتخطى صدمة مؤمن الصياد والرعب إللي شوفته..
إزاي كبر ونجا من إللي إحنا عملناه فيه..!
يمكن أمك هي إللي أنقذتنا..!
ولا ممكن حد من إللي تبعنا براا..
– وهيكون مصلحته أيه من حبسنا وإن يخبي وشه عننا .. لو أمي كانت ظهرت نفسها..
ولو حد من إللي تبعنا كان عرفنا بنفسه..
حتى ما نعرفش إحنا جوا مصر ولا براها..
مفيش حاجة تدل على أي حاجة .. مفيش ألا الدكتور إللي بيجي وإللي بيتكلم عربي..
بس دا مش دليل إن إحنا في مصر..
رددت برعب وحقد وشر:-
– إحنا انتهينا وكله من الزفت إللي اسمه مؤمن ياريتنا كنا خلصنا عليه من زمان .. هو السبب في كل إللي حصلنا .. هو إللي دمرنا..
هتف بنبرة مغمورة بالشر الدفين:-
– نطلع من هنا وأنا هخلص عليه بعد ما أعذبه بالبطيء هدوقه العذاب ألوان وإللي محصلش زمان يحصل دلوقتي .. عندك حق أنا غلطان إن مقتلتهوش مع أبوه وخلصت منه..
************
بأحد المطارات العريقة كان ينتشر مجموعة من الضباط بقيادة ليث بملابس مدنية بأرجاء المطار..
كل المسافرين المشتبه بهم يقبعون تحت أجهزة الأشعة السينية والليزر بعد تفتيش دقيق للحقائب التي تمر عبر جهاز يوضح كل محتوياتها دون إثارة ضجة وشكوك..
أعين ليث كانت تدور بالمكان لإلتقاط أقلّ الحركات..
لفت إنتباهه رجل وامرأة يبدو أنهم زوجين .. حركتهم يبدو فيها التوتر .. إنهم يخفون شيئًا ما..!
حتى وإن حاولوا أن يبدوا طبيعيين إلا أنه يستطيع أن يكشف الشخص المتصنع بمهارة..
وتم سحب حقائبهم من أعلى السير لغرفة تفتيش .. وتم تفتيش الحقائب بدقة شديدة..
وقف ليث وقال لحسام:-
– وقفوا تفتيش يا حسام مش هتلاقوا حاجة..
تعجب حسام وتسائل:-
– ليه يا ليث باشا..!
قال بغموض وهو يتحرك للخارج:-
– أنا عارف هنلاقي فين..
– طب هنعمل أيه.
– يتعرضوا للأشعة .. هما بالعين المخدرات..
هتف بصدمة:-
– بالعينها..!!
– أيوا المخدرات في معدتهم وهما مجموعة كبيرة والأتنين دول هيدلونا على الباقي..
وقف الجميع بصدمة وهمّ ينظرون لما أظهرته الشاشة بعدما تعرضوا للأشعة..
أقراص من المخدرات تقبع بمعدتهم…
أقترب ليث من الرجل بنفاذ صبر وقال:-
– باقي المجموعة فين.؟
قال الرجل برعب:-
– أنا مش فاهم بتتكلم على أيه يا باشا .. مجموعة مين؟
صفعة ثقيلة من يد ليث جعلت الرجل يرتعش خوفًا وصرخ الأخر:-
– انطق يا روح أمك لإما هتشوف مني إللي متقدرش تتخيله.. أنا هتحايل عليك ولا أيه..
نطق الرجل على الفور:-
– حاضر يا باشا .. بس والله أنا بريء، هما إللي عرضوا عليا مقابل فلوس وأنا كنت في إحتياجها..
الباقي هيجوا في الطيارة إللي ورانا…
بس يا باشا بلاش تأذيني أنا ومراتي..
قبض ليث على تلابيبه بقوة وعروق نافرة وصاح بغضب:-
– ومفكرتش وإنت بتهرب المخدرات إنك هتأذي كام واحد وكام أسرة علشان شوية فلوس ملهومش قيمة..
مين عطاك المخدرات دي .. انطلق تبع عصابة أيه..
انتفض الرجل تحت أيدي ليث وقال مسرعًا:-
– والله ما أعرف عنهم حاجة يا بيه..
صرخ ليث وهو يُلقى تعليماته بعدما نفض الرجل من يده:-
– الطيارة إللي بعد دي تتفتش فرد فرد .. ودول تاخدوهم على المستشفى ويخرج كل إللي في معدتهم..
وخرج يُلقي بعض التعليمات على موظفين المطار وأثناء إنعماسه بالعمل أتاه إتصال قلب كيانه..
لم يكن سوى من رئيسه بالعمل..
– تمام يا فندم.
– ليث عصابة dark بتقع بسرعة غير متوقعة .. وقع أكتر فروعها..مين بيعمل كدا يا ليث..مين هو الجاثوم.
صُدم ليث وظل عقله يدور بشتى الأركان، هذا حدث بعد يومين فقط من إخباره لمؤمن، كما أنها أيضًا نفسها العصابة التي تُهدد مؤمن.!
هل هذا ممكن، هل مؤمن له علاقة بما يحدث.!.
من هو الجاثوم.؟
************
أما في البحر … في أحد المواني ..
وقف بعدما سيطر على المكان وهزم رجال الصياد..
أشار لرجاله بحمل البضاعة من السُفن إلى شاحنات كبيرة وأعينه بها فخر وغرور كبير…
فهذا إنتصاره الأول عليه والباقي قادم..
– قولتلك إن هنهيك … ودي بداية النهاية يا مؤمن باشا..
الخبطة دي هتعرفك خطورة النمر..
وألقى على سطح السفينة قطعة خشبية نُحت عليها بالعريض
الـــــــنـــــــمــــــر.
– ودي ذكرى مني يا ابن الصياد..
********
في صباح اليوم التالي….
دخلت للجامعة باضطراب ككل مرة تذهب بها إلى الإمتحان، رددت بعض أيات القرآن وهي تدعوا أن ييسر الله لها كل عسير..
وعند ولوجها إلى مبنى كلية الصيدلة سمعت صوتًا يناديها تألفه جيدًا واشتاقت لصاحبته للغاية..
– أســــــوة.!
التفتت وهتفت بصوتٍ مشتاق وأعين دامعة:-
– لـــــيــــــلــى.!

تعليقات