رواية الصمت الباكي الفصل الثالث والستون
اقتربت منها ليلى ووقفت أمامها بدموع رقراقة، ثم همست بعدم تصديق:-
– أسوة .. مش مصدقة عيني، والله كان قلبي حاسس إنك بخير.
جذبتها في أحضانها بشوق فبادلتها العناق بحرارة وقالت:-
– وحشتيني أووي يا ليلى .. مفتقداكِ وناقصه من غيرك..
شهقت ليلى وهي لا تصدق أنها الآن أمام أسوة، وهتفت:-
– دورت عليكِ كتير … قالولي إنك موتي .. بس كنت حاسه إن في حاجة مش طبيعية.
قالت أسوة بمرار:-
– حكاية طويلة يا ليلى، طلعت عايشة في كذبة كبيرة، تصدقي لا طلعت بتول جدتي ولا أهلى إللي كانوا غايبين ومشوفتهمش ولا مرة أهلى، قالولي إن مجرد حالة خيرية لقوني في الشارع على الرصيف..
متاهة كبيرة أووي يا ليلى..
لا يوجد ما هو خيرٌ من ليلى ليفهم ويشعر بما تشعر به أسوة، ما تمر به هي عاشت بداخله سنوات ومازال بعضٌ منه رغم معرفتها بشقيقها وأن لها أصلًا وأهل..
ربتت على كتفي أسوة وهتفت بلين:-
– صدقيني يا أسوة هتوصلي لأهلك وأنا واثقة إنهم موجودين، أوعي تفقدي الثقة بالله واليقين، كان واضح إن إللي زيّ بتول دي لا جدة ولا تعرف للحب طريق..
خلاص إحنا مع بعض ومش هنسيب بعض تاني أبدًا.
قوليلي كنتِ فين الفترة دي كلها..!
جاءت أسوة لتتحدث لكن تذكرت تحذير مؤمن لها بعدم ذِكر أيّ شيء لأحد وذلك حفاظًا على سلامتها وسلامتهم، ابتسمت بشحوب وقالت:-
– لما عرفت بعدت عن بتول وكل إللي يقربلها وانعزلت شوية أجمع فيهم نفسي .. هبقى أحكيلك كل حاجة..
بس إنتِ أيه أخبارك وصلتي لغاية فين دلوقتي..!
كادت ليلى أن تُريق ما بجعبتها لكن توقفت وهي تتذكر تحذيرات مؤمن وليث، تخشى أن تسحب أسوة لدوامتها فتصاب بأذى..
أجابت وهي تسحبها لداخل المبنى:-
– ولا حاجة يا ويسي مجرد خيبات وروتينات مملة..
بس قوليلي أخبار مذاكرة العملي أيه..
سارت أسوة بمحاذاتها وهتفت بلامبالاة:-
– عنب يا أووختي عنب..
– يعني هنتمرجح أنا وإنتِ..
– هتعدي زي ما غيرها عدا يا ليلو سبيها على الله .. متعرفيش أنا فرحانة قد أيه بجد..
كانت ليلى مثل الطائر تكاد تُحلق من السعادة فقالت بإغتباط:-
– مش أكتر مني يا ويسي .. دا أنا تعبت من الوحدة..
بس حاسه إن في حاجة كدا..
قالتها بغمزة لتلكزها أسوة قائلة:-
– حاجة زي أيه يا أم دماغ في صراصير.
تنحنحت ليلى وقالت بمرح:-
– القلب مشغول يا أس أس..
– شوفوا الناس إللي بترمي بلاها علينا..
– لا والله .. قلب الأم بقى..
– هتقوليلي يا ست ليلى .. لنا قاعدة يلا يا اختى على الإمتحان بدل ما نشيل أوبح..
– بركاتك ياللي في القلب .. البت أسوة انحرفت وتطورت خالص..
– أما نطلع اصبري عليا يا ست ليلى..
***********
بإمبراطوريته كان جالسًا خلف مكتبه بهدوء وسكون يعمل على تصميم أحد المُحرِكات قبل أن يأتيه هذا الخبر المُفزع..
رنين الهاتف المتواصل والذي كان على وضع الإهتزاز، نفخ بضيق ثم ضغط على أيقونة الإستجابة قائلًا بضجر:-
– نعم في أيه!!
أتاه صوت الرجل المفزوع الجزع:-
– مؤمن باشا إلحقنا .. إلحقنا يا باشا..
عقد حاجبيه بتعجب وتسائل بترقب وهو يُدرك حلول مصيبة ما:-
– في أيه … مش فاضي لشغل التشويق ده..
أسفر الرجل عن خبره الراعِد فما زاده هذا الخبر غير تتبيب وإهلاكٍ وخُسران:-
– البضاعة إللي جايه عن طريق المينا يا باشا اتسرقت ومفيش أي أثر لأي حاجة..
وثب مؤمن من مكانه طافح الوجه بصدمة .. ألن تكتفي الحياة بلأخد بأثمن أشياءه ألن تكتفي بتجريعه غصصها..
حدود عمله لا يجرؤ أحد على تخطيها، هنا كل ذرة قد تكابد عليها وصبر وتجرع أمرّ أنوع الحنظل..
لكنه دائمًا ما يضع كل الإحتمالات للخذلان، هو ليس بساذج .. هو أقسم على الصمود وعلى عدم الإنكسار وهذا عهد من عهوده..!
لن تزلّ قدمه بعد ثباتها أبدًا هذا مُحال..
تسائل بهدوء أثار رعب الرجل وليس طمأنينته:-
– حصل أيه بالظبط..
أجاب الرجل بزهول:-
– والله يا باشا كل حاجة كانت تمام وماشية مظبوط، بس بعد ما كانت السفينة بينها وبين المينا أربع ساعات قولنا ناكل علشان نواصل شغلنا..
وبعد ما اتجمعنا كلنا عشان ناكل … محسيناش بحاجة غير وإحنا في المينا والبضاعة مش موجودة..
كلنا كنا على الأرض في سابع نومة .. أنا أول واحد فوقت ولقيت كل الرجالة زي الأموات..
شردت أعين مؤمن بعيدًا وأغلق الهاتف وعقله ينسج كل الخطوط ولا يوجد سوى إجابة واحدة…
«هُــنــــاك خــائــن!»
لقد كثُرت رؤوس الخونه وحان وقت قطافُها..
خرج من مكتبه يدك الأرض دكًا ليهرع نحوه صالح بفزع حين قرأ معالم وجهه التي لا تنمّ على خير..
– خير يا مؤمن .. في أيه مالك..!
رمقه مؤمن شذرًا وأخبره بسخرية:-
– لا ولا حاجة .. البضاعة إللي كانت جايه عن طريق المينا اتسرقت بس..!
صاح صالح بصدمة:-
– أيـــــــــــــــه.!!
– مش هعيد..
– الله يحرق برودك ده يا أخي ودي نبرة تقولي بيها خبر زي ده..
زفر مؤمن بسخط وهتف بنفاذ صبر وهو يستقل سيارته بعُجاله:-
– أعيطلك ولا أيه يا صالح .. أنا مش فاضي يا عمّ أبعد.
– استنى هاجي معاك طبعًا .. خراب البيوت مستنينا.. مين إللي عمل معانا كدا يا مؤمن .. وأيه مصلحته..
دي أول مرة تحصل معانا حاجة شبه كدا .. إزاي حصل كدا..!!
نظر لمؤمن فوجده يرمقه بشرار وغضب ينبثق من عينيه فصمت على مضض وقال بإختناق:-
– خلاص سكت .. اطلع اطلع..
بعد مرور بعض الوقت كان مؤمن وصالح يقفان على أراضي الميناء .. ضباط الشرطة ينتشرون في المكان، تركهم “مؤمن” وصعد لمتن السفينة وأخذ يدور بها بصمت وتركيز .. يسير وقد تسربل قلبه بالشك..
وبالفعل وجد ضالته دون معاناة..
انحنى يجلس على أعقابه وأخذ يتحسس تلك القطعة الخشبية وتمرّ أصابعه على اسم واحد فقط لم يخيب شكهُ …«النــــمـر»..
فعل ذلك عن عمد يخبره أنه يستطيع فعل أيّ شيء..
ابتسم مؤمن بغموض ثم رحل من على سطح السفينة بهدوء..
لحقه ضابط الشرطة وهو يطرح عليه بعض الأسئلة:-
– مؤمن باشا شاكك بحد مُعين.!
قال بحسم:-
– لا … شوفوا شغلكم..
يلا يا صالح على الشركة..
تسائل صالح بدهشة:-
– هنمشي من غير ما نعرف مين عمل كدا ولا نشوف حلّ للمصيبة دي..!
رمقه مؤمن بصمت وقال بلامبالاة:-
– خلاص خليك هنا وابقى جيب الحلّ واعرف مين عمل كدا بس أوعى تتأخر..
وتركه ورحل ليترك صالح فاغر فمه بدهشة لا يستوعب تقلباته اليوم..
– هو في أيه .. هو الراجل ده غريب ليه كدا..؟!!!!
*************
أخذت سارة ترتب بعض أغراضها وتُفرع بعض الصناديق الورقية المليئة بالكُتب وتنظمهم على الأرفف بسعادة بالغة وحماس..
كانت مثل الفراشة تنتقل بين الأزهار بحماس وحرارة وجدان .. فلم يبقى سوى القليل على عودة شقيقتها وحفل زفافها الذي صمم صالح على إقامته بعد شهرين من الآن.
في الحقيقية قد عانت معه على مطّ المُدة من اسبوعين لشهرين، ستُصبح زوجته أمام العالم أجمع.
– أيه الحماس دا كله بقاا يا ست البنات..
هرولت نحو سميرة تحتضنها وتدور حولها بسعادة وحماس، وقالت ببهجة:-
– فرحانة أووي يا دادة .. بصراحة أسباب السعادة كتيرة أووي اللهم لك الحمد يارب..
تعرفي يا دادة سميرة كنت واثقة إن ربنا هيجبرني علشان أن شوفت كتير أووي، اتمرمط من شغل لشغل لغاية ما كان بيتهد حيلي بعد موت بابا الله يرحمه..
وأمي إللي متعرفش للحنية طريق وكان كل إللي يهمها الفلوس وبقت ندى أختي ضحيتها وباعتني من غير ما يرفلها جفن .. اتحرمت من تعليمي وكل متاع الدنيا..
فرحانة إن هكمل تعليمي وبقى عندي كتب قد أيه، نفسي أتعلم حاجات كتيرة أووي..
فرحانة إن خلاص اتجمعت أنا وأختي بعد ما ربنا شفاها..
فرحانة إن هنتجمع أنا وصالح حبيبي وهنبني بيت سواا، فرحانة إن قلبي داق الحُب والحنية..
الحمد لله وأخيرًا وصلت لبر الأمان..
ذرفت أعين سميرة دموع التأثر وربتت على كتفها بحنان وقالت:-
– والله يا سارة متعرفيش إنتِ بدخولك البيت ده كم البهجة والفرحة إللي دخلته .. كان مكان كئيب وكأنه خالي من الحياة وبدخولك دخلتي الحياة فيه..
ربنا يبارك فيكِ يا بنتي ويسعدك ويبعد عنك الحزن والوجع إنتِ وصالح..
إنتِ عوض ليا عن حاجات كتير إتحرمت منها وربنا يشهد إن من ساعة ما دخلتي البيت ده وأنا بعتبرك بنتي.
ألقت نفسها بأحضانها، هي حقًا تستشعر الحب الصادق والحنان المتدفق منها … نعم سميرة لم يرزقها الله أبناء وحُرمت من الإنجاب وقد توفي زوجها منذ سنوات، ولديها مخزون من الحنان والحُب والطيبة لا يُقدر..
– حنانك عوضني عن كتير أووي يا ماما سميرة، حقيقي ربنا كريم جدًا ولطيف أوي، وإنتِ أم لبنت يتيمة زيّ..
وهما يتجاذبان أطراف الحديث طرف آذنهم طرق على باب المنزل، ابتسمت سارة بفرحة وهي تعتقد أنه صالح قد عاد أخيرًا..
– أكيد دا صالح يا ماما سميرة، أخيرًا رجع، خليكِ وأنا هفتح الباب..
سَعَت تجاة الباب بسعادة وحَلّت وثاق الباب لتقف بدهشة وصدمة، ارتعش بدنها وهي ترى بعض رجال الشرطة ينتشرون أمام الباب..
تسائل الشرطي بحزم:-
– إنتِ سارة المنشاوي..؟
زاد التوتر داخلها وابتلعت ريقها قائلة بثبات:-
– أيوا أنا سارة .. خير!
– اتفضلي معانا..
**************
– خير يا ليث عايزني ليه!
تسائل ليث بما يدور داخله من شكوك:-
– مؤمن إنت ليك علاقة بالجاثوم.!
ردد مؤمن بتعجب:-
– الجاثوم!! مش دا إللي قولت إن بيعادي العصابات وبيوقعهم واحدة واحدة .. وتقريبًا مجهول الهوية ومحدش يعرف هو مين..!
أيه علاقتي بالموضوع ده!!
زفر ليث بحدة وقال مباشرةً:-
– عصابة (dark) بعد ما هددتك بدأت من بعد التهديد تقع بسرعة غريبة وجميع فروعها في نفس الوقت..
لقيت الموضوع غريب!!
تسائل مؤمن بعجب:-
– طب وأيه علاقتي بردوه … مش فاهم أنا داخلي أيه..
وبعدين إنت قولت بيسقِط كل العصابات يمكن مجرد صدفة..
ودا الموضوع التافه إللي قولت عايزني فيه بقاا .. كان ممكن تسألني على الموبايل..
تنهد ليث وهتف:-
– الموضوع مهم جدًا بالنسبة ليا علشان كدا قولت يبقى وجه لوجه..
– تمام..
قال ليث بحنان وحماس:-
– ليلى أكيد خلصت إمتحان .. هروح أجيبها..
نظر له مؤمن بتسائل ورفع إحدى حاجبيه قائلًا بوجوم:-
– خير .. ليلى بنبرة مختلفة .. وحماس غريب، مش خير ولا أيه…!
ابتسم ليث وقال وهو يقف للمغادرة:-
– أيه إنتِ تكره ولا أيه يا باشا .. هتزعل لو بقينا نسايب بعد الغمة دي..
وقف مؤمن أمامه ثم فجأة قبض على تلابيبه وقال بنبرة نارية من بين أسنانه أمام وجهه:-
– تعرف لو لمست ليلى لو مجرد لمسة هعمل فيك أيه يا ليث، ولا لو استغليت ثقتي فيك!!
ليلى أمانة عندك وإللي بتفكر فيه سيبه على جمب لغاية ما كل حاجة ترجع لطبيعتها وساعتها ليلى هي إللي هتقرر من أنا..
نزع ليث قبضتيه وقال بحسم:-
– عيب يا مؤمن باشا .. عيب يا صاحبي..
مش هكذب عليك .. وبكل صراحة ووضوح أنا مش بس بحب ليلى أنا بعشقها وعمري أبدًا ما هعمل حاجة تمسّها بسوء وهنتظرها ولو لآخر دقيقية في عمري..
وخرج كالعاصفة ليبتسم مؤمن بإرهاق ويُردد:-
– دا أنا هطلع عينك يا ليث باشا إنت لسه شوفت حاجة..
وخرج هو الآخر جاذبًا مفاتيحه قائلًا بشغف:-
– وعسبرة أكيد خلصت هي كمان .. مكونتش أعرف إنها هتوحشني كدا!! أما نشوف وحش الوحوش عمل أيه..
************
– عملتي أيه يا ليلو..
سارت ليلى بجانبها وتنهدت براحة:-
– بصراحة اتعجنت في العملي يا ويسي … كان تقيل وشكل السنة دي الحِمل تقيل بجد..
أيدتها أسوة قائلة:-
– حظي يا أختي إن أول حرف في اسمي هو الألف، والدكتور اتسلى عليا بعيد عنك كان لسه في نشاطه..
ضحكت ليلى وهتفت:-
– شكل سنتنا فُل .. بس الحمد لله إن عدت على خير..
– هتعدي يا ليلو .. هحتاج بعض محاضرات كدا علشان فايتني شوية حاجات هروح أجيبهم..
– طب استني صحيح خدي رقم موبايلي الجديد..
– وأنا كمان خدي الرقم الجديد..
– يا محاسن الصدف علشان كدا لما رنيت عليكِ كان مقفول عالطول..
يلا علشان من هنا ورايح مش هنسيب بعض، بصراحة عندي كتير أووي أحكيه يا أسوة..
رددت أسوة بحنين لتلك الأيام التي كانوا يجلسون بها يتبادلون الهموم:-
– وأنا كمان عندي كتير يا ليلى..
– الظاهر إن الأيام دي حصل فيها كتير..
– جدًا يا ليلى.. المهم أنا هروح أجيب المحاضرات وروحي إنتِ علشان مش تتأخري .. هنتكلم..
– سلام يا أسوة..
– سلام يا ليلى..
خرجت ليلى لترى ليث بانتظارها وقفت بدهشة لكنها ابتسمت فهو رغم حزنه منه لا يتوانى عن إظهار حبه لها، صعدت بالسيارة بهدوء تحت أنظار هذا الذي يراقبها من بعيد بشوق ويتمنى أن يستطيع الإقتراب منها لكن هذا لأجل حمايتها … لأجل أن تبقى بخير..
هي من تبقت له .. وهو من تبقى لها..
ليلى شقيقته …يحملان نفس الدماء .. دماء قاسم الصياد..
تنهد بحزن وأسند رأسه للخلف متنهدًا بثقل، حقًا وكأن العالم ضده..
انتظر خروج عسبرته، الشُعلة المنيرة بحياته .. حقًا اشتاق لها بجنون..
أثناء خروج أسوة تفاجأت بمن يناديها لتجده أحد المعيدين الذين يدرسوها..
– إزيك يا أسوة .. عاش من شافك يا بنتي..
ابتسمت أسوة بوِد وقالت:-
– الله يسلمك يا دكتور .. شكرًا جدًا لإهتمامك..
سار بمحاذاتها حتى الخارج وتسائل بإهتمام:-
– قوليلي عملتي أيه في العملي النهاردة..
أجابت أسوة بإحترام:-
– كان تقيل شوية الصراحة بس الحمد لله عدا على خير..
– دا طبيعي يا أسوة كل ما هتتقدموا سنة هيبقى العملي أتقل شوية..
لو احتاجتي أي حاجة أنا موجود ولو مش فاهمة أي حاجة كلميني بس..
وقفا أمام البوابة الخارجية يتحدثان..
ابتسمت أسوة بوِد وقالت بامتنان:-
– شكرًا جدًا لحضرتك يا دكتور..
كان مؤمن ينتظر بالسيارة حتى رأى هذا المشهد أمامه، اعتدل في جلسته وهو يُدقق النظر واشتع-لت كل خلية بجسده وتشعب بها النير’ان..
ابتسامتها التي تكوي قلبه ونظرات هذا الحقير المصوبة تجاه عينيها..
قبض كفيه وهو يتوعدها بالكثير، لها عقاب سيحلّ بها على هذا الذي رأه بكل تأكيد..
انتظر لقاء العلم هذا لينتهى لكن لا فائدة..
طفح الكيل، هبط من السيارة يقترب منهما تأكل خطواته الأرض والسعير يتطاير من حوله كالأبابيل..
كانت أسوة تحاول غلق الحديث بتوتر فطري لكن كان يفتح حديث خلف حديث..
– قوليلي بقاا يا أسوة أيه سبب الغيبة الطويلة دي، إنتِ كويسة..
رفعت أسوة عينيها لتُصدم مما رأته .. كيف جاء إلى هنا..!!
– والسؤال ده ضمن أيّ مادة يا روح أمك..!!
وهنا تنشب حرب بطعم الغيرة سيُبدد إعصاره النا’ري الأخضر واليابس..
تكاسف عليها التوتر والخوف، فوجهها الذي كان منبع نور غاض من رؤيته بهذه الطلعة، بينما التفت المُعيد إليه وتسائل بتعجب:-
– حضرتك مين … وبتكلمني..!
اقترب مؤمن الخطوات التي كانت تفصلهم فأسرعت أسوة نحوه وقد أيقنت أن هنا سيحدث ضجيج يُسمِع كل الأرجاء..
قبض مؤمن على تلابيبه وصاح بصوت متشنج جهوري:-
– أمال بكلم خيالك يا حيلتها ولا أيه..
عقد الأستاذ رحيم حاجباه بتعجب وأوشك أن يهدر بصوته فسبقته أسوة قائلة بلين:-
– مفيش حاجة يا دكتور رحيم، لو سمحت أنا عطلتك..
رمقها مؤمن بشرّ، فقال رحيم بزهول:-
– في أيه يا أسوة….
وقبل أن يُكمل جملته أجابته لكمة على لوحة وجهه جعلته يرتد للخلف ويفقد توازنه ثم صا’ح بصوت جهوري بينما أسوة تحاول جذبه مترجيه لكن لا حياة لمن تنادي:-
– أبلع لسانك يا بجح، نازل بحلقة وتنطق اسمها بالطريقة دي …هي صاحبتك ولا أيه يا روح أمك..
جرى الغضب بعروق رحيم وانتصب واقفًا وأوشك أن يشتبك مع مؤمن الثائر فوقفت أسوة في المنتصف وهي تقول مترجيه وقد احتشد المكان بالطُلاب:-
– خلاص يا دكتور .. أنا بعتذر..
جذبها مؤمن بقسوة للخلف ضاغطًا على ذراعها بقوة وهو يهمس لها بحروفٍ من نا’ر:-
– حسابك بعدين على سهوكتك دي .. اصبري عليا بس وحِسك عينك تنطقي بحرف لغاية ما نروح..
قالت له مترجيّه وهي تُمسك يده:-
– كفاية بالله عليك .. الناس بتتفرج علينا..
تسائل رحيم وهو يمسح على وجهه بغضب:-
– وإنت مين بقاا ومين عطاك الحق تمسكها كدا .. أنا هبلغ أمن الجامعة علشان يوقفك عند حدك..
قال وقد قد’ح الغضب من عينيه بصرامة وقوة:-
– أنا جوز المدام إللي كنت بتتساخف عليها ولازق زيّ اللبانة مش راضي تغور..
وإنت إللي مش هتقعد ساعة واحدة في الجامعة دي..
هي كل طالبة هنا بتتساهر معاها شوية وتسائلها غيبتك ومش غيبتك في نص الشارع..!
صُدم المُعيد رحيم وارتد للخلف مُرددًا بعدم تصديق:-
– مش معقول .. جوزها إزاي..!!
وجاء يرفع عيناه في أسوة يسألها فأحجمه زمجرة مؤمن الذي هتف بنبرة حادة:-
– اكسر عينك دي بدل ما أخلعهم وأريحك منهم..
استفهم وهو يُبعد عيناه متجنبًا ذِكر اسمها:-
– الكلام دا صح يا آنسة..
نظرت أسوة لمؤمن بغضب تستوعده بالكثير وقالت:-
– أيوا يا دكتور أنا اتجوزت في فترة غيابي .. وهو جوزي..
سحبها مؤمن خلفه بغضب لتحاول الفكاك منه قائلة بإنفعال وحنق:-
– عجبك إللي عملته ده .. عجبك الفضيحة إللي حصلت قدام الجامعة دي يا متوحش..
ألقاها بالسيارة بعنف ودار ثم قفز بداخلها وقاد بقوة تناثر خلفها غبار غضبه..
ظلت تُمسد على ذراعها بوجهٍ معقود وانفجرت قائلة:-
– إنت فاكر إن هسكتلك على إللي عملته .. إنت فضحتني قدام الجامعة شوف بقاا هيقولوا عليا أيه..
طريقتك العـ’نيفة دي أنا مش بحبها، كان ممكن ببساطة شاورت ليا وكنت هاجي .. وبعدين هو مش اتكلم معايا أي كلام خارج كان كله في إطار المحاضرات والجامعة..
بس إزاي لازم ماريو ينط في النص..
ضيق عينيه لبرهة ثم قطب ما بين حاجبيه وأردف باستغراب:-
– شكل الوقفة معاه كانت عجباكِ وعلى هواكِ يا عسبرة..!
تشنجت ملامح وجهها ولم يسكن لهيب حرقتها ورفعت كفاها بعِزمها كله وجاءت تلطم وجهه بصفعة تُبرد نا’رها لكن كانت يده أسرع منها تلك المرة وقبض على يدها بقوة جاذبها نحوه حتى أصبح جزعها بين أحضانه..
– إياكِ تتكرر تاني .. أنا مش بسمح للغلط مرتين..
حاولت التملص من قبضته وهتفت من بين أسنانها:-
– قطع لسانك ولسان أيّ حد يجيب سيرة أسوة بكلمة خارجة .. أنا أخلاقي أبدًا ماتسمحليش بالقذارة إللي في دماغك دي يا متوحش..
وضربته فوق صدره ببأس شديد قائلة بحِدة:-
– أنا أبدًا مش خاينة..
كان قد انحنت السيارة على أطراف الغابة كبس على المكابح بحصانة فتوقفت السيارة بقوة، نظر لها ثم قال بصوتٍ رخيم ثابت:-
– انزلي..
هبط من السيارة ووقف مستندًا عليها يتنفس بهدوء وثبتت أنظاره في الفراغ، بينما أسوة فتنهدت بعمق وهبطت هي الأخرى لتقف خلفه على مسافة منه..
انتشر صمتٌ شافٍ يعوض عن الضجيج الذي علا صوته بينهم .. حتى تصفو تلك المياة الكديرة..
– محدش أبدًا يقدر يقول عليكِ حرف خارج وإلا أنا أقطع لسان إللي يعملها ولا أنا ليا الحق أبدًا إن أظن فيكِ ظن مش كويس بعد ما عرفتك..
مش معنى إن قولتلك كدا إنّ مش بثق فيكِ أو قولت إنك خاينة … بس ساعات بنتصرف تصرفات بنية سليمة وبتتفهم بطريقة غلط يا عسبرة، أحيانًا في ناس بتستغل حُسن نوايانا وبراءة قلوبنا في حاجات مش كويسة..
وصدقيني هو كان بيبصلك بطريقة مش كويسة، نظراته مش بريئة أبدًا وأنا كراجل فاهم..
النظرات دي وجعتني وفي نا’ر اشتعلت في قلبي..
من الضحيّة إلى الجانية هكذا تحولت بعد كلماته، شعرت بالخجل فأخفضت وجهها الذي وُشم بحُسنها وحيائها … وفراشات من السعادة رفرفرت بجنبات قلبها فجعلت قلبها يخفق حبًا وهيامًا وعشقًا بكلّفها الأبدي..
مدّ ذراعه وسحبها أمامه ثم أخذ يتحسس ملامح وجهها برقة ورفعه يثبت عينها داخل سوداويتيه فتاهت وتاه وضاع الدليل لعودتهم مرةً أخرى…
همست بين أحضانه:-
– أنا آسفة .. بس مكونتش أعرف إن نيته مش خير..
– طب بالنسبة لمتوحش هتسحبيها..!
ضحكت فأشرقت الشمس بقلبه وهمست بدلال فطري:-
– أكيت متوحش .. وحشي الخاص بيّا بس..
كوب وجهها وأنامله التي ترنحت بحنو على وجنتيها هامسًا لها يستفهم:-
– عملتي أيه في الإمتحان..؟
ابتعدت قليلًا تنظر له قائلة بسخرية:-
– لسه فاكر تسأل بعد المحاضرة الطويلة إللي سمعتهالي دي .. لا حقيقي زعلانة..
قالت جملتها الأخيرة بغنج مقصود قاصدة زحزحة ثباته، وهو مازال مُبتدئًا في مسائل العشق والهوى، تحيّر لا يعلم كيف يُرضيها..
صمت قليلًا يلتفت من حوله وهي ترقبه بابتسامة عاشقة وفجأة انحنى وحملها بين ذراعيه برصانة لتشهق بخجل متسائلة بتعجب وهو يسير متجهًا نحو أحد زوايا الغابة:-
– هنروح فين!
وقف بُرهة وتجاذبت عيناه مع شعرها الذي انحسر عنه وشاحها وغاص داخل عيناها بلهفة عاشق مُستجد يُريد تجربة كل شيء وتعويض كل ما حُرم منه..
شعور لذيذ بِكر لقطرة ندى صباحية تغازل بتلات زهرة، اقترب منها وهمس بجانب أذنها:-
– مش إنتِ زعلانة يا عسبرة وأنا مهمتي أصالحك بس امسكي جامد..
ابتسمت برقة ولفت ذراعيها مطوقة عنقه، همس ولم يفصل شيء عن أنوفهم:-
– أكتر..
ابتسمت بخجل وزادت من عناقه فهمس وهو يُقبل خدها:-
– أكتر..
اتشح وجهها بحُمرة شهية وانغمست داخل أحضانه بحياء وهي تشعر بالحُب والحنان المتدفق من عينيه الذي لطالما حُرمت منه .. إنه يضع كل النقاط على حروف أبجدياتها المفقودة..
السكون والدفئ الذي تلقاه بثنايا روحها ورائحته التي تبعث بقلبها الطمأنينة تستطيع أن تغنيها عن العالم أجمع..
تنهدت براحة وهي تُريح رأسها على كتفه..
بعد مرور القليل من الوقت توقف ونظر لها ليجدها مغمضة العينان فانبجست إبتسامة حانية وطبع قبلة على رأسها ثم همس:-
– إنتِ نمتي ولا أيه..
وأكمل بخبث:-
– أنا ملاحظ إنك بتحبي تنامي بالطريقة دي أووي وبترتاحي..
فُزعت تفتح أعينها وهي تتملص من بين يديه بحرج هاتفة بتلعثم:-
– بلاش قلة أدب أنا بس عيوني غمضت من الإرهاق..
وبعدين بلاش إنت تتكلم عن الراحة والوضعية دي..
جذبها إليه مطوقًا خصرها واستفهم بجهلٍ مصطنع:-
– قصدك أيه يا عسبرة..!!
تشدقت بعفوية وعنفوان وهي تضع عينيها بعينه ويديها بخصرها:-
– هروبك كل ليلة من القصر الطويل العريض لحضني وتنام لغاية خيوط الفجر وبعدين تهرب..
إنت فاكرني مش بحسّ بيك..
ابتسم لبراءتها فقد أصبحت خفقاته رهينة اسمها، أردف بلطف وهدوء:-
– طب وأيه إللي يخليكِ تفكري إن بهرب يا عسبرة..!
هتفت بعتاب ونظرات صافية:-
– وأيه يجبرك تقوم من الفجر.!
تنهد بتعب وقال:-
– طب مش هتبصي حوليكِ تشوفي المكان.
اربد وجهها بالتعجب والتفتت تنظر للمكان الذي كان بمثابة جنة على الأرض، أشجار كثة متشابكة وكأنهم تعاهدوا ألا يفترقوا، السماء الصافية بعد طقس مُمطر، تتطل السماء وكأنها تميل على الأرض الخضراء الناعمة لتأنس بها..
لكن جدول المياه الذي يتحرك بنشاط شيءٌ آخر، خرير الماء الذي بمثابة لحنٌ راقي لا يُضاهيهِ أي سيمفونية أخرى، إنها صوت الطبيعية..
ركضت تنظر هنا وهناك بنهم عاشق للطبيعة، الورود التي تُقيم على حواف جدول الماء المطرب والتي تتمايل على أنغامه، خلعت حذائها وظلت تلهو مع الرياح والطبيعة الخلابة كطفلة جائعة لمعنى المرح..
بقى مؤمن يُطالعها بأعين عاشقة تحررت من سجن صمتها، طبيعتها، رقتها، جمالها البسيط، وسِعَة قلبها المليء بالخير .. رغم ما مرت به إلا أنها مازالت صامدة ولم تحيز عن طريق الخير..
وبعد مُدة من اللهو والمرح رقدت على البُساط الأخضر ذا الرائحة النديّه تتنفس بعمق، نظرت للسُحب البيضاء بمروجها والهدوء والسكون يحف الأرجاء إلا من صوت الطبيعة التي تُمزق هذا الخشوع ونغم الطيور بين الحين والأخر، رمقته بلُطف ثم قالت:-
– خلينا هنا شوية، تعال هنا جرب تبص في السحاب وسيبه يسمع صوت قلبك..
اقترب ثم اتكأ يفرد ظهره بجانبها بينما زراعيه تحت رأسه وظلّ مُدة على هذا الحال .. راحة غريبة تتسلل لقلبه وأمل جديد وطاقة تُشحن من العدم… بمجرد التأمل والنظر للسماء..
شعر بأسوة التي توسدت صدره وهمست مُغمضة الأعين:-
– ممكن أنا كمان أشارك السحاب وأسمع صوته..
*******************
استندت على الجدار بقوة خائرة وأقدام أصبحت كالهُلام وهي ترى أبشع منظر بحياتها، احتواها صالح داخل أحضانه وخرج بها وهي تكاد أن تفقد وعيها..
– اهدي يا سارة اهدي يا حبيبتي ووحدي الله..
رفعت رأسها بضعف وأعين تجود بالدموع المُعذبة تقول بتيهة:-
– ماتت يا صالح .. ماتت بعد ما عذبتني كل العذاب ده، كان نفسي تفوق ونبقى أسرة مع بعض فيها حُب وتماسك .. أعمل أيه أنا بقيت وحيدة أكتر ما كنت..
زاد من ضمها أكثر وقبل رأسها بحنان وهو يقول بعتاب:-
– بقاا كدا يا سارة وأنا روحت فين، وحيدة وأنا موجود، أنا لكِ أهل ووطن يا فرحة أيامي، هكون لكِ السند طول العمر .. هكون حبيبك وحضني هيفضل مئواكِ لأخر عمري..
صمتت لكن تحدث نحيب بكائها الذي كان يسقط على قلبه كالأسواط فيمزقه إربًا إربا..
لقد ماتت والدتها بأبشع الطُرق، أخذت جزاء ذنبها وجحود قلبها وجفاءها .. قُتلت ضربًا على الرأس بأداة حادة حتى زهقت أنفاسها بواسطة المدعو (توكل) الذي أرادت هدم حياة ابنتها لأجله وبيعها له..
ماتت وهي لا تعلم للرحمة والدفء والحنان أي سبيل..
ماتت بعدما دمرت حياة فتاتين ولولا رحمة الله لضاعا في زِحام وتشتت الطُرق..
*******************
اقترب منه على استحياء ثم تنحنح بهدوء ليلتفت إليه مؤمن بوجه جاد بعدما أوصل أسوة إلى المُلحق، تسائل بتعجب وهو يراه مُتردد يلتفت بكافة الجهات:-
– خير يا مُعتز، اتكلم عالطول.
اجلى معتز صوته وتسلح بالشجاعة ثم أردف:-
– بصراحة يا مؤمن باشا عرفت إن الدكتور مصطفى اتقدم للآنسة صفية وحددتوا الخطوبة يوم الجمعة إن شاء الله..
توقف قليلًا واسترسل حديثه الناقص تحت ترقب مؤمن:-
– أنا كنت قولت لحضرتك الموضوع ده قبل كدا..
أنا طالب إيد الآنسة عزة ولو مفيش مشكلة نعمل الخطوبتين مع بعض وخير البر عاجله ويكون لك الثواب والأجر إنك جمعت أربع روس في الحلال..
ابتسم مؤمن إبتسامة خفيفة وقال:-
– طب ليه الاستعجال يا معتز مش نشوفها هتوافق الأول ولا لأ..
ليس فقط تعجل وإنها لهفة قا’تلة تسري بدمه، فأين العقل في الحب، تسربت على وجوههم بقايا أشعة الشمس التي تهرع لتختبأ بأحضان السماء حيث يذبل النهار ليقفز القمر على ثوب السماء الأسود..
شردت أعين معتز بعيدًا وأردف بتفائل مُبتسمًا:-
– هتوافق بإذن الله يا مؤمن باشا .. هتوافق لأن صبرت كتير أوي واستحملت أكتر ومتأكد إنها هتكون عوضي ومنبع راحتي .. هتكون جايزتي..
*************
توافدت الأيام ومرت سريعًا ليأتي اليوم المُنتظر..
يوم إرتباط القلوب ووطأها أول خطوة نحو الحلال..
يوم طال إنتظاره..
صباح الجُمعة المُرتقب..
أصوات الضحك والسعادة تتطاير مع الرياح مُحدثة بهجة لم يحظى بها قصر الصياد من قبل..
في غرفة كبيرة بوسط القصر كان كلًا من أسوة وصفية وعزة تتلبسهم الفرحة وهم يُرتبون أشياءهم تحت قيادة أسوة التي اهتمت بأدق تفاصيلهم على مدار ثلاث أيام بعدما علمت أن عزة أيضًا ستكون عروس..
علقت فستان صفية والذي بلون اللافندر مثل رائحتها بجانب فستان عزة الذي أخذ من الفانيلا لونها ورائحتها أيضًا، ورتبت باقي الأشياء بعناية تامة..
هتفت وهي تقف في المنتصف واضعة يدها في خصرها:-
– يلا يا عرايس كل واحدة تاخد حمام دافي الميكب أرتست على وصول خلاص ومش عايزين نتأخر..
اقتربتا منها بأعين دامعة ثم أمسكا يدها بامتنان وقالت عزة:-
– مش هنسى إللي عملتيه معانا أبدًا، أنا أبدًا ما حسيت إن لواحدي إنتِ أخت يا أسوة وأحسن كمان، إنتِ كنتِ ليا أنا وصفية أهل، ربنا يجبر بخاطرك يارب ويسعد قلبك.
هتفت صفية بشكر:-
– عمر في حياتي ما كنت أتوقع إن أوصل للنقطة إللي أنا فيها وإن ألاقي حد يحبني، ويكون ليا أخت تقف معايا وقفتك يا أسوة .. إنتِ حقيقي ملاك..
تأثرت أسوة جدًا فهي قد فعلت ما أمره بها قلبها، فهي تراهم يستحقون كل السعادة فهما فتاتين طيبتان وقد ذاقا الكثير من الألم هم يستحقون حقًا..
هنيئًا لقلبهم الحب والإنتماء عَلها في يومٍ ما تتذوق كل هذا .. كل ما حُرمت منه..
ابتسمت بمرح وهي تمسح دمعهم وقالت:-
– بطلوا كئابة إنتِ وهي أنا معملتش حاجة، أنا بعتبركم اخواتي وبحبكم حقيقي وفرحانة علشانكم..
تبادلوا العِناق بوِد وأكملوا ما كانوا يفعلون ببهجة حتى قاطعهم طرق سلوى على الباب والتي أتت تُخبر أسوة أن مؤمن يريدها..
انسحبت من بينهم بابتسامة متوترة وخرجت من القصر الذي بدأ يتزين من الخارج بأضواء رقيقية وديكورات لطيفة..
وجدته يقف بجانب السيارة فاقتربت منه بهدوء بوجه متهلل وحرارة وجدان..
– بيقولوا إنك عايزني.!
التفت لها وابتسم إبتسامة لم تصل لعينيه ثم سحبها من يدها برفق وهتف:-
– تعالي معايا..
تسائلت بتعجب:-
– هنروح فين في وقت زي ده، خلاص معدتش وقت، المفروض أبدأ أجهز نفسي ويزيد..
فتح باب السيارة وقال:-
– لسه في وقت .. اركبي يا عسبرة مش هأخرك..
دار حول السيارة وجلس بمكان السائق ثم انطلق من القصر تحت تسائلت أسوة القلقة:-
– مش عايزه أسيب صفية وعزة .. شكلنا طالعين من الغابة؟ طب هنروح فين طيب.؟!!!
كانت لوحة وجهه متربده بشيء غريب لا تعلم ما هو!!
به شيء أكيد، انتشر الصمت والترقب حتى بدأت ضواحي المدينة بالظهور..
وبعد فترة وصلت السيارة إلى منطقة راقية بوسط المدينة وتوقف أمام أحد البنايات الراقية، قال مؤمن بهدوء وهو يهبط:-
– يلا انزلي..
التفتت حولها بحيرة وسارت بجانبه بينما هو أمسك يدها برفق ودخلا المصعد وبعد دقائق كان أمام إحدى الشقق السكنية التي تبدو أنها تبعًا له..
حلّ وثاقها وسحبها برفق للداخل ثم ضغط على مفاتيح الإضاءة لينتشر الضوء على محتوايات المكان، فقد كان منزل على طراز راقٍ واسع المساحة..
التفتت له وتسائلت ببعض القلق:-
– إحنا جينا هنا ليه..؟
طالعها بثبات ثم ألقى بوجهها مالم تتوقعه حين قال:-
– علشان بكل هدوء هتقعدي هنا لغاية ما الحفلة تنتهي وهاجي أخدك ومن غير ما تسألي عن أسباب دا الأفضل والأمن لكِ صدقيني إنك تبعدي عن الجو ده..
هاجت أعصابها وتجمعت الدموع خلف أهدابها وهي لا ترى إلا معنًا واحدًا لما يفعله، هل يستعرّ من ظهورها أمام الجميع، فبأي صفة ستظهر بجانبه؟!!
شعرت بطعنة قوية ضربت قلبها وتسرب الألم لجميع جسدها، أو تعلمون كم الإنكسار بعد هذا الحماس الذي كان يُرفرف حولها..!!
لماذا كل سعادة عابرة يُكسر بقلبها الفرحة بها..!!
أما هو فشعر بالألم لأجل تلك النظرة بأعينها وآلامه قلبه لكن سيمضي على قلبه ويذهب، حمايتها هي أهم ما لديه..
لكن إلى هنا ولم ينتهي الأمر فقد اقتربت عسبرته بملامح غاضبة تتأهب للهجوم عليه وفي الحقيقية هو كان يتوقع هذا، انبثق من أعينها شراشة لا تليق بها ثم زمجرت بصوت احتشد به الغضب:-
– وإنت فاكرني مثلًا هسمع كلامك وهقعد لحضرتك تحبسني هنا!! يبقى لسه ما تعرفنيش..
ومضت نحو باب الخروج تنوي كسر كلامته لكن واجهت قبضته القوية على ذراعها وهو يُجبرها على العودة قائلًا:-
– بلاش تتعبيني وتتعبي نفسك واسمعي الكلام..
ظلت تتملص من بين يديه تناضل وتقاوم بقوة لكن كان هو أقوى منها وأطبق عليها وهو يسيطر على تحركاتها التي لم تهدأ..
صرخت بقوة وهو تتململ بين ذراعيه:-
– أبعد عني يا متوحش أبعد .. أنا كل ما قلبي يصفى من ناحيتك يرجع تاني .. أبعد عني..
كان ظهرها مقابل صدره بينما يحكم وثاق ذراعيه حول جسدها المقاوم وهمس وهو يلهث بينما رأسه فوق رأسها:-
– كفاية صدقيني دا الأفضل .. اسمعي الكلام وبلاش كل وجع القلب ده..
همست هي بوجع أكبر:-
– ليه .. ليه بتعمل معايا كدا..
– هقولك وهعرفك بس اسمعي الكلام يا عسبرة..
– إنت وجعت قلبي أووي .. أنا موجوعة منك..
– حقك على قلبي .. سامحيني..
وحملها برفق ثم دخل بها لأول غرفة ووضعها على الفراش والتفت ذاهبًا دون أن ينظر خلفه ومضى تجاه الباب مُسرعًا لكن تفاجئ بمن تحتضنه من خصره بقوة وهي تقول بنبرة أد’مت قلبه:-
– ماتسبنيش هنا خدني معاك علشان خاطري..
التفت لها وقبل جفنيها الباكيّن ثم كفيها الباردتين وهمس بحنان:-
– هانت يا عروق قلبي هانت وهنعيش بكل هدوء ومش هتبعدي عني تاني، بس المرة دي وبس … ومش هغيب عنك ومن بعدها هنبدأ من جديد..
وابتعد بصعوبة عنها وخرج مُسرعًا كأب يهرب من تشبث طفلته به وأغلق الباب جيدًا موثقه ليضمن عدم خروجها لتُلقي بنفسها خلق الباب باكية بشهقات أوفدت على قلبه نا’ر وجعلته يُقسم أنه سيح’رق كل من تسبب بهذا سيجعلهم يتجرعون الحنظل..
استند على الباب من الجهة الأخرى يرفع رأسه بوجع بينما احتضنت أسوة جسدها باكية وهي تهمس من بين شهقاتها:-
– بكرهك .. إنت إنسان وحشي لأبعد درجة..
توقفت قليلًا ثم بكت وهي تقول بوجع:-
– لا أنا مش بكرهه .. أنا روحي فيه .. أنا بحبه بس مش هسامحه أبدًا على إللي عمله..
ابتسم مؤمن بوجع ثم رحل بهدوء وهو يضمن كونها بعيدة في مأمن عن أي أذى..
قاد سيارته للعودة للقصر مرةً أخرى ثم أخرج الهاتف وبعد دقيقة أتاه صوت ليث:-
– متقلقلش يا مؤمن كل حاجة تمام..
قال بحزم:
– تفضل معاها متفارقاش ضمان لأي حاجة..
– حاضر أنا معاها ومخرجتش من البيت..
– تمام .. سلام..
******************
عند ليث..
حمل كوبان من مشروب النسكافيه وطرق بهدوء على غرفتها ليسمع صوتها الرقيق تسمح للطارق بالدخول..
– أيه أخبار المذاكرة..
وضع أمامها الكوب فابتسمت بحب وقالت:-
– شكرًا يا ليث مانتحرمش أبدًا..
تنفس بهدوء وهو يقول سرًا:-
– يا سلام على ليث دي إللي بترد الروح..
جلس على الأريكة فتركت هي مكتبها ثم جلست بجانبه فابتسم لها، تسائلت بهدوء:-
– كنت بتكلم مؤمن..
– أيوا كان بيسأل عليكِ ويطمن..
رددت بحيرة:-
– مش عارفه موبايلي ماله …الشريحة بقالها يجي اسبوع واقعه منه .. لا عارفة أكلم أسوة ولا صافي حتى مش حافظة أرقامهم..
في الحقيقية لم تكن هذه صدفة أو سقوط شريحة إنما إرادة مؤمن فقد أراد هذا ليمنع أي تواصل في تلك المدة بين ليلى وكلًا من أسوة وصفية الذين تبادلوا الأرقام، فتعلم ليلى بخِطبة صفية وتأتي للقصر وحينها سينتهي كل شيء..
بعد تردد مدّ يده وأمسك يدها وقال يطمئنها:-
– متقلقيش أحيانًا خطي بيعمل كدا .. بكرا إن شاء الله نروح شركة الإتصالات ونشوف الموضوع ده..
بس روقي كدا ومتشغليش دماغك يا ليلو..
قالت بإمتنان:-
– شكرًا يا ليث .. شكرًا على كل حاجة..
يحبها بل يعشقها ويغفر دائمًا أخطاها، هتف بصوت مصبوغ بالعشق:-
– هفضل عمري كله وراكِ وهحميكِ حتى من نفسك..
ابتسمت له وتسائلت وهي ترجع خصلاتها الحمراء وتسائلت بمكر:-
– ليه بقاا..!
قام واقفًا أمام الشُرفة ثم هتف بصدق وشفافية واضحة:-
– إنتِ مفكراني هتهرب إن أعترف أو أنكر حُبي وعشقي لكِ وهوسي بيكِ يا ليلاي، إللي عملتيه ميغيرش من إني بحبك وعشقانك..
أنا مش من النوع إللي أراوغ أو استكبر من إن اصرخ بحبي .. أنا حبيتك وبحبك وهحبك يا ليلى ودا شيء مفروغ منه يا نارية..
افترّ ثغرها عن إبتسامة هادئة وشعرت بذبذبات تسري بجسدها وفراشات تُحلق على أوتار قلبها لتزيد حُبه بقلبها..
سارت بتجاهه ووقفت خلفه تختلس النظرات إليه، ثم مدّت يدها تتلمس يده برِقة وهمست وقد أبلج يُشرق وجهها كأنّ فيه لألىء الذهب على الضوء:-
– إنت معجزة يا ليث .. إنت فيض بيروي جفاف ليلى..
**************
بدأ الحفل وهبطت صفية وعزة برِقة وعفاف بجانب كلًا من مصطفى ومعتز والفرحة والبهجة تنتشر بالأجواء غير القلق الذي أصاب صفية وعزة من إختفاء أسوة المفاجئ..
وقف مؤمن بأحد الزوايا في الحفل الذي كان يعتمد على الأقارب والأهل، كانت عيناه ترصد جميع التحركات، في الحقيقة كل هذا لا يُعنيه.. شيء واحد يريد التأكد منه..
لم تهبط عيناه من فوق عاصم الذي كان يقف ويلتفت من حوله كمن يبحث عن شخص مُعين كما اعتقد مؤمن .. يبحث عن أسوة ليؤكد المعلومات التي وصلته.!!
كان يذهب يمينًا ويسارًا ويُحدق في جميع الوجوه..
ابتسم مؤمن بمكر وثبُت ما كان يُريد إثباته..
انشغل الجميع بالحفل وكان كُلًا من صفية وعزة يرفرفان من السعادة التي تدق بابهم للمرة الأولى..
شيء مُختلف يعيشانه للمرة الأولى..
ابتسم مصطفى بفرحة يكاد أن ينبت له جناحين ويُحلق ثم هتف وهو يمد يده لها بقطع المجوهرات:-
– ألف مبروك يا مدوخاني مش مصدق عيني لغاية دلوقتي يا ست البنات..
احمرّت وجنتيها ودارت بوجهها مكتفية بصمتٍ مُلطخ بالخجل والسعادة…
بالجانب الأخر كان معتز لا يقل سعادة عنهم ينظر لعزة وكأنها مُعجزته رغم البساطة التي تتخذها عنوانها ثم قال بلهفة:-
– مش كنا كتبنا الكتاب كمان يا زوزو لسه هستني كمان..!!
تحمحمت تُحذره ثم رمقته شذرًا قائلة:-
– مُعتز..!!
نظر أمامه بتذمر لتضحك بمرح فحقًا يمتلك روحًا طيبة لينة تستحقها عزة بعد هذا العناء..
أقترب عاصم القلِق من مؤمن ثم قال باصطناع:-
– ألف مبروك يا مؤمن باشا..
التفت له مؤمن وصعّد النظر وصوّبه بنظرات ذات غموض يقتل وهتف بنبرة مُبطنة بالتهكم:-
– مبروك يا عاصم باشا .. عقبال ما تشوف أحفادك، الحفلة عجبتك مرتاح… ولا في حاجة نقصاك..!!
قال الجُملة الأخيرة بمكرٍ شديد وهو يضع كفيه بجيبه فنفخ عاصم بضيق وإحباط ثم قال يتبرم:-
– لا كل حاجة تمام …وعقبالك إن شاء الله أمّا نشوفك مع مراتك وأسرتك عن قريب..
قال وهو ينظر في الأرجاء بلامبالاة اشع’لت فضول عاصم وألقته بغياهب التساؤل:-
– عن قريب …متقلقش يا عمي عاصم..
شعر عاصم بالحيرة وطفق يُفكر فيما يقصد لكن لا فائدة..
بينما أميرة كانت السعادة تغمرها، تجلس على مقربة من مؤمن تنظر له تتأمله بدقة ولم تُبعد أنظارها عنه التفت مؤمن باتجاهها ثم غمز لها بمشاكسة لتبتسم أميرة بأمل لا تعلم سببه..
**************
وسط ظلمة الرُدهة التي فوقها ظلمة الليل فقد تجاوزت الساعة منتصف الليل كانت تجلس أسوة بأعين منتفخة مُرهقة من كثرة البكاء متكبكبة حول نفسها..
أعينها شاردة بعيدًا رغم شاشة التلفاز التي ينبجس من خلالها إضاءة وألوان أحد الأفلام الكرتونية التي بحثت عنهم ليكسروا حزنها ويأنسوا وحدتها المظلمة..
سمعت أصوات مفتاح يدور في فرجة الباب أخرجها من شرودها لتعود للخلف بجزع لكن رغم حزنها وما فيها لمحته بفضل الإضاءة الخافتة فأبعدت أعينها بعيدًا..
ولج مؤمن للداخل لكن حين وقعت أعينه على هذا المنظر خُلع قلبه واقترب منها مُسرعًا وهو يقول بلهفة حقيقية:-
– قاعدة في الضلمة ليه .. إنتِ كويسة فيكِ حاجة!!
يمتلك كمًا من الوقاحة والبرود يكفيان لأن يُوزع على قبيلة، التزمت الصمت وزادت من إبعاد أنظارها فاقترب أكثر يضع يده فوق كتفها فنفضتها سريعًا وهي تصيح بحدة:-
– إياك تلمسني..
انحنى يُمسكها من ذراعها يجعلها تقف وهو يقول بصرامة:-
– يلا بينا علشان نرجع القصر..
نزعت يده بقوة ووثبت واقفة مبتعدة وهدرت بشراسة:-
– مش هيحصل أنا هنا مش تحت أمرك يا بتاع إنت..
مش بمزاجك .. خلينا نفض اللعبة دي أصلها زادت عن حدها..
زفر بنفاذ صبر وعلى حين غرة حطم المسافة بينهم وانحنى حاملها على كتفه وهو يقول:-
– مالك النهاردة مُتعبة ولسانك طويل يا عسبرتي..
مش مشكلة لما نروح هقصه بطريقتي..
ظلت تتململ بنضال واقدامها تُحلق في الفراغ ليُحكم وثاقهم وهو يخرج من المنزل نحو المصعد تحت مقاومتها دون استسلام صارخة بغضب:-
– كل حاجة عندك بالعافية والغصب يا متوحش .. أبعد عني ونزلني علشان هفضحك هنا وأقول خاطفني..
غر’ز رأسها بكتفه مُثبتًا رأسها وقال:-
– اصرخي وافضحي جوزك براحتك يا محترمة..
غمغمت بصوت مكتوم وهي تزيد من حركتها الثائرة لكن دون جدوى .. وضعها في السيارة ودار للجهة الأخرى ثم قاد مُسرعًا يشق سكون الليل تحت توبيخها وضربات قبضتها على صدره…
– بكرهك .. متوحش وهمجي وكل حاجة وحشه .. سيبني بقاا أو ههرب منك..
ابتسم بشرّ ونظر لها نظرة جعلتها تبتلع حروفها وأردف بقسوة:-
– لو روحتي أخر الدنيا … قدرك معايا ومن زمان .. من زمان أووي..
لم تفهم ما يقصد بزمان وهم لم تمر على مقابلتهم سنة لكن لم يكن عقلها متفرغ لتُفكر في هذا الأمر بل في التمرد والثور عليه..
الوقت كان يقترب من الفجر الصادق وصلا القصر..
هبطت أسوة بقوة هامدة ليس لديها قوة وروح للمناضلة والمقاومة..
ولجت للملحق وضغطت على زِر الإضاءة وجاءت لتلتفت لكن تفاجأت به خلفها..
قلبت عينيها وهي تتسائل بصوت مُجهد:-
– أظن أوامرك خلصت .. عايز مني أيه تاني..!
قرّب منها صندوق مُربعي كبير وهو يقول برفق:-
– البسي ده .. أنا منتظرك براا..
نظرت له باستنكار ونفت بتمرد وتعجب من هذا الأمر:-
– مش هلبس حاجة .. إنت عايز مني أيه في وقت زي ده..
أقترب منها وهو يقول بجدية:-
– خلاص إنتِ فعلًا شكلك تعبان سيبي المهم دي عليا..
هلبسك أنا..
وضع يده على مزلاق فستانها لتصرخ مبتعدة:-
– إنت اتجننت .. أبعد عني .. مش فاهمة عايز أيه تاني..
– اكتمي واسمعي الكلام ولا أقولك استني هساعدك..
ابتعدت أكثر وهي تُحيط جسدها قائلة:-
– خلاص خلاص .. اطلع وأنا هلبس..
– متخافيش هقعد بإحترام علشان لو احتاجتي مساعدتي..
قالت من بين أسنانها:-
– قولت اطلع براا..
– إنتِ الخسرانة..
والتفت يخرج لكن توقف وهو يقول بصوتٍ مصبوغ بالعشق دون أن يلتفت:-
– مفيش راجل في القصر .. اخلعي الحجاب وسيبيه مفرود..
وخرج لتبتسم دون أن تشعر وهو تعلم أنه يقصد شعرها..
أفاقت لتبدأ بنزع ملابسها بتذمر وهي تنعته بالمتوحش دون توقف..
أزالت الغطاء لتقف بصدمة وهي تتأمل تلك التُحفة الخلابة..
فستان باللون الأبيض ذا قماش ناعم ضيق من الخصر ويهبط باتساع رائع، مزركش بقماش الدانتيل من الأعلى ويمتد بأكمام من قماش الدانتيل أيضًا..
رداء يحمل الرقة والوذق الرفيع والحُب أيضًا إنه يشبه وردات الفُل كثيرًا..
سحبته بهدوء تضعه على جسدها بعدما تنعمت بحمامٍ دافىء عَله يُزيل بعضًا من إرهاقها، وعقلها يُفكر عن ماذا يريد وماذا يقصد؟!
أطلقت لستائر البُندق التي تتلاعب على أوتار قلبه ببراعة وعطرت جسدها بعبق زهرة الفُل وأكرمت خصلاتها منه أيضًا فكانت تسلب العقول دون أي نوعًا من الزينة .. دارت حول نفسها بإعجاب ثم خرجت حافية القدمان تسير على العُشب الرطب في الإتجاة الذي أخبرها به..
توفقت بدهشة وهي ترى ممرًا من ورود الفُل التي يفوح عطرها بالمكان وعلى بدايته عُلبة بيضاء صغيرة انحنت تجذبها لترى ما فيها بفضول..
ابتسمت بإعجاب وهي ترى قِرطان ذو تصميم رائع حيث يتكون من سلكان ذهبيان يربطهما زهرة الفُل البيضاء في تصميم في غاية الرِقة والجمال..
اخرجتهم ثم أبعدت شعرها ترتديهم بحُب..
أكملت السير لتُقاطعها عُلبة أخرى فابتسمت بشغف وفتحتها بحماس..
لتزداد بهجتها وهي ترى قلادة من نفس التصميم والشكل تترابط بها وردات الفُل وضعتها حول عنقها وهي تُكمل السير لتُقاطعها عُلبة ثالثة، أسرعت بفتحها للتفاجئ بسِوار من ذات التصميم .. عِبارة عن حلقة من سلك رفيع ذهبي وينتهي إحدى طرفاه بوردتيّ فُل مُلتصقتان .. والطرف الأخر ينتهي بوردة صغيرة..
وضعته حول معصمها بفرحة وسعادة وهي تُكمل السير وسط ممر الفُل في مشهد رائع والصبح يطرد الليل بظلمته من السماء..
قاطعتها عُلبة رابعة لتفتحها فتجد خاتم لولبي من نفس التصميم يحمل كل طرف من طرفاه زهرة فُل..
وضعته بإصبعها وأكملت السير في إعتقادها أنها لن تجد زينة الفُل فقد اكتملت زينتها..
لكن تفاجأت بعُلبة خامسة مسطحة أكبر حجمًا تعجبت وهي تتحير ما الذي يوجد بها لتُسرع بفتحها فتجد حُلي للشعر من ذات التصميم فتزداد دهشتها..
طوق يتكون من سلك ذهبي بأحد جوانبه وردتان ملتصقتان وبالجانب الأخر وردة وحيدة..
ومشبك رقيق صغير أيضًا..
كيف له أن ينسى تزيين أهم وأحب شيء لدى قلبه ..
حدائق البندق خاصته..
وضعت الطوق حول شعرها لتنطبق وردات الفُل فوق خصلاتها كإكليل لغصون البندق..
سارت كالفراشة بقلبٍ يُرفرف بالحُب والعشق والهيام والإنتماء والدفء..
وفي دائرة كبيرة من الفُل كان يقف بانتظارها يرتدي قميص أبيض وبنطال كسواد الليل المُدحض..
فور أن وقعت أنظارها فوقه ثار قلبها وهاج وكأن الحُب والشوق وصل لعُنق القلب وفاض فما يعد التحمل..
بينما مؤمن فكان بعالم أخر .. قد ولّت العشرون عام الحنظلية والآن تُكتب له أيام جديدة وسنون عديدة..
كل ألآم قلبه مضت الآن يشعر أن الناقص قد اكتمل..
اقتربت بأعين تشعّ حُب واقترب بأعين تفيض شوق وتقابلا على ضفاف نهر اللقاء..
مدّ يده لها فكانت قوى خفيّة تحركها وانغمست كفها بأحضان مئواه، أعينه المُتلهفة كانت تنسخ ملامحها مرارًا وتكرارًا فاقترب أكثر ووشم جبهتها بالعديد من القُبل فتُغمض أعينها لتهب لنفسها فرصة الإستيعاب..
همس بصوت متهدج مُتأجِّج بحرارة الوجدان:-
– اخترت الوقت ده بالذات علشان تبقى بدايتنا مُمَيزة، في أصفى وأنقى وقت للضوء والصفاء وبعدت عن الليل وظلامه … دا الفجر الصادق وهنا شمس جديدة..
إحنا هنا برعاية الشمس مش القمر ..
القمر بيجي وسط ضلمه ومع ذلك جسمه كله عتمة..
والشمس بتيجي تطرد أخر نقطة للعتمة..
عندنا كلام كتير أووي نتكلمه..
وأهم كلام … هو الكلام الصامت..
نعم الكلمات الصامتة أبلغ بكثير من ضجيج الكلام، كلمات العيون، الكلمات التي تنسجها القلوب..
احتضنت أعينهما وهي كانت تشعر أنها تُحلق فوق الغيوم المليئة بالخير..
همست وهو يسحبها لأحضانه بينما النجوم تكاد أن تأفل:-
– وأنا معاك لأخر الشموس .. ومشتاقة لكل إللي منك..
كان الهوى يركض بي ركض المجنون الذي يجري وكأنه يجري وراء عقله الذاهب على غير طريق ولا جادة ولا علم..
الحُب سيّال يترجرج في القلب يين شيء مني وشيء منها، فأين العقل في الحب … أصبح أي شيء يُمليه على القلب من المُّدهنون..
تحت غطاء السماء الأسود على البساط الأخضر ينزلق على جسدها رداءٌ أبيض، تفف بين يديه يتراقصان على أنغام قلبيهما الملذوع من العشق المحرور..
تسبح بفلك عيناه السوداء وتسمع ألحان قلبه المكدود مع صوته المصبوغ بالهيام يُردد بشتى أنواع الحنان في ليله غاب فيها القمر عن عرشه وتولت النجوم حرسهما..
ليلة قرر البطل أن يبوح بما هو مستور منذ السنون، قرر النمر بث الحب لأنثاه بعد أن جعلها عسبرته..
فأنثى النمر تتمتع بسمات اجتمعت بها فكانت “عسبرة”..
ستُعلن كلمات الحب والغزل الصريح وليسقط عرش الكبرياء..
همس وهو يمرمغ أنفه بعبق رائحة الحب من خصلاتها البندقية، بنبرة وُشِمت بهوس بها لا غير، نبرة ينبثق منها رائحة الجنة، يُخبرها بها أنها غيثُه..
– هطلت غُيوثكِ فارتوت أشجاري..
وتنعّمت بعد الجفافِ قِفاري..
نمت الزّهور على ضِفاف مشاعري..
وتبدّلت سُحب المسا بنهارِ..
كانت تُحلق في الفضاء وكلماته أخبرتها بكل الرواية من الشوك إلى الإملود، من الظلمة إلى النور، من الغُربة إلى الإنتماء..
زاد من ضمها وتعمقت هي بالإرتشاف عَلها تصل للإرتواء، تُطوق عنقه وتتشبث به تلتهم رائحته حتى الهلاك…
تعشقه .. ذائبة هي بهواه كقطعة سُكر غابت في سطلٌ من الشوق الدافئ..
هو كَلَفها .. والكَلف الوُلوع بالشيء مع شغل القلب ومشقة..
وهي والعةٌ به وقد شاق قلبها في رحلتهم وهلك في طيات الغرام..
ذاق الحُب معها فكان يلتهم بنهم والإصباح يشهد..
حملها برفق حتى أسفل شجرة الزيزفزن الشامخة خلف القصر بمسافة، أجلسها على رُكبتيه وهي على استحياء أسندت رأسها على صدره بتنهيدة طويلة ليُداعب شعرها ثم يقول:-
– النهاردة هقولك مين هو مؤمن .. وطريقه كان إزاي..
ابتسمت برقة وطبعت قُبلة رقيقية على رأسه وقالت وهي تتحسس لحيته بحنان:-
– شخص رغم الظروف القاسية إللي مرّ بيها والظلم إللي شافه بس الخير جواه انتصر على أي شرّ ونجح إن يحفظ قلب الطفل..
– القصة طويلة الكلمات لا توفيها ولا تقدر على وصفها، بس هبدأ أحكيلك عن أصل البذرة الصالحة الكويسة إللي جوايا وإللي فضلت تقوي مؤمن وتصبره على كل الظروف وكان بيتمسك فيها زيّ الغرقان..
ولها الفضل في كل إللي وصلتله..
سند رأسه للخلف ثم أردف بأعين تبرق بالحنين:-
– قاسم باشا الصياد …أبويا ومثلي الأعلى في الحياة وفي كل حاجة، وأنا طفل كنت متعلق بيه تعلق مرضي تعلق شديد على عكس أي طفل بيبقى متعلق بأمه..
بس هو كان ومازال عندي الجُندي الخفي لكل حاجة..
أبويا كان راجل ملهوش زيّ في نظري مستحيل ألاقي حد يشبه..
لما اتقتل قدامي وبقيت أمسح د’مه بإيدي وأنا ماسك في رقبته بترجاه يفضل معايا .. اليوم ده مقتلوش قاسم الصياد لواحده … قتلوني معاه..
واتهموني إن قتلت أغلى شخص في حياتي .. ومن هنا كان التدبير إنهم ينهوا حياتي ويدمروها..
خطط لكل ده القذ’ر محمد الخطيب..
قتل أبويا وموتني يالبطيء..
وبدأ يسرد لها العذاب الذي لاقاه في حياته بدئًا من الأحداث وأصناف وطرق العذاب الذي تذوقه على مهل، ثم السجن ومراحل خروجه للحياة وتعلمه وعمله واجتهاده وألامه..
– بعد دا كله كان ممكن أبقى وحش ومجرم .. بس مهانش عليا ألوث بذرة قاسم الصياد وأضيع كل المبادئ إللي زرعها جوايا..
كان هو النقطة البيضة في صفحات سودا..
كان نقطة النهار الوحيدة في ليل حياتي..
حينها كان قد مال على فخذ أسوة يضع رأسه فوقها مُغمض العينين وبينما يحكي غرق وجهها بالدموع التي كانت تُمطر على وجهه فيزيلها عن وجهها بحنان..
لم تتصور كم تلك التفاصيل المؤلمة التي نُزعت منها الرحمة … كونه هكذا الآن .. إنها معجزة ومعيّة من الله كانت تحّفه..
كلماته نزلت على قلبها كأن خن’جر يخمش به .. ليتها لم تعلم…
حبيبها حُرم كل شيء حتى الحق في أن يحيا بسلام…
كانت تربت على رأسه بحنان وتداعب خصلات شعره الليلية..
ابتسمت لحُبه وتعلقه بوالده التي يتخذه جنديًا وسببًا في أيّ شيء فعله، لازل نفس التعلق به رغم موته..
احتضنت رأسه لصدرها بحنان وقد اكتمل قرص الشمس على الصفحة الزرقاء، سلام، مئواى، راحة وأكثر من كل هذا كان بين أحضانها .. ليتها فعلت هذا من قبل وليتها تفعلها دومًا..
رفع وجهه حتى أصبح مقابل وجهها ثم كوب خديها يتحسسهم برفق وجاء يهمس بعشقٍ خالص:-
– كان في حد تاني وسّع النقطة البيضة في صفحتي..
كان قد استطاع بمهارة أن ينقلها إلى عالمه فهمست بصوت متحشرج كأنها مُغيبة:-
– مين..
اقترب أكثر وهمس بغرام:-
– إنتِ يا عسبرة..
ثم أكمل همسه بصوتٍ صادق عاشق مهووس وقد حان وقت البوح وخروج الحب من قوقعة الصمت وتحرره:-
– أنـــــــا بــــحـــ….
فُزع كلًا منهم على صوت إنذارت سيارات الشرطة تُداهم المكان وتقتحم أسوار القصر..
وثب مؤمن مسرعًا وهو يُشير لأسوة بالدخول للمُلحق..
ولا يُنكر صدمة اعترته…
والعديد من الأسئلة تدور بعقله..
كيف وصلت الشرطة للقصر من الغابة؟!
وما هذا التوقيت الغريب الذين جاءوا به.؟!
ولماذا.؟!
ركضت أسوة ترتدي حجاب مسرعة وخرجت خلف مؤمن وقد أصابها الفزع .. وهي تتسائل عن سبب مجيئهم..!!
وصل مؤمن لمقدمة القصر ليجد بالفعل عددًا لا بأس به من سيارات الشرطة الذين اقتحموا بوابة القصر..
وقف بغضب وهو يتوعد لهم بالكثير فجاءت أسوة لتقف خلفه وهي تنظر بتعجب وقد بدأ أفراد الشرطة يخرجون من السيارات ويحاوطون القصر..
زمجر مؤمن بغضب جام:-
– أيه الهمجية دي .. الحركة دي حسابها هيبقى برقبيكم إزاي تتهجموا على بيتي بالطريقة دي..
وجاء يُخرج هاتفه لكن تجمد جسده من مجرد وقوع هذا الصوت المألوف على آذانه..
هبط من السيارة وسار بوقار وقوة وسط أفراد الشرطة ثم توقف قائلًا بسخرية:-
– مش ترحب بيا الأول يا مؤمن باشا..
يُريد الإلتفات لكن جسده يُقاوم .. مُحال..
مستحيل ما يُفكر به .. أجبر جسده عن العدول والإلتفات ليضع حدًا لأفكاره..
بينما أسوة فتنظر لهذا الرجل وتتسائل من هو..!!
بمجرد أن وقعت أنظاره فوقه اختلّ توازنه وعاد للخلف يدعم جسده بالسيارة لتُسارع أسوة بإسناده بلهفة وهي لا تفهم ما الذي يدور..
اتسعت أعين مؤمن وبقى ينظر فقط وهو يستمع للصدمة الأكبر بحياته .. القشة التي قصمت ظهر البعير..
قال الرجل مرةً أخرى بصوت غليظ قاسٍ:-
– الـــــــنــــــــمـــر..
أو قـــاســـم بـاشا الــــصيــاد زيّ ما إنت عارف..!!
