رواية الصمت الباكي الفصل الرابع والستون
“أغلال من صمت”
ران الصمت، فقط أصوات ارتطام الصدمة بأوتار قلبه، عيناه المنفرجة المتعلقة بهذا الوجه الذي غاب سنوات وعاد ليُكمل الد’مار الناشب داخله..
إزدرد ريقه ببطء ودقات قلبه متواثبة لدرجة تؤلمه..
ماذا يفعل؟!
هل يحزن أم يسعد..!
لماذا هذا العداء الآن!
هل بعد كل ما حدث يبغضه!
كيف له أن يكون على قيد الحياة، ولماذا لم يخرج ليُخلصه من كل هذا العذاب الذي تجرعه؟!
شرذمة من التساؤلات لا نهاية لها، ينجلي على ملامحه خيبة الأمل والخذلان وانشطار الروح..
لا داعي للتصنع، لا مجال الآن لمجاهدة الخفاء..
بينما أسوة فشعرت بروحها تُهتك، قلبها لأجله تمزق، أغمضت أعينها بيأس؛ فلا سبيل لإنتهاء الألم الذي يأبى أن يبرح قلبه..
هذا والده الذي ظلّ ينشد في حبه سنوات، هذا هو سبب لبداية الحكاية ويبدو أنه سبب نهايتها..
كيف له أن يتحمل هذا الألم الجديد..
لا..
كيف له أن يحيا بعد الضربة القاضية تلك.!
لم تستطع فعل شيء سوى أن تُمسك يده بدعم تود أن تطبطب على قلبه وتخبره أنها بجانبه وأن هذا سيمر..
لكن أي الكلمات تعبر عن هذا الموقف..
تُقسم بأشد الأيمان أن كلمات العربية تعجز عن وصف ما بهم الآن..
اقترب “قاسم الصياد” بخطى ثابتة يقف أمامه بشموخ بينما يقف مؤمن مطأطأ الرأس منحنى يستند على السيارة خلفه كهدهد كسر الرماة جناحه يدعو بقارعة الطريق هديلا..
هتف قاسم بصوت كالقصْف ويغلفه شفرات من التشفي:-
– قولتلك إن نهايتك هتكون على إيدي يا مؤمن باشا، وحذرتك كام مرة بس إنت استهانت بيا..
معلش هي نهاية الطريق دي كدا..!
وللعجب!! كانت ردة فعله عكس المتوقع، ابتسم باتساع حتى انتفخت أوداجه وبرزت عروق عنقه وعرق بمنتصف جبهته..
رفع رأس بانكسار وقد وقع صريع العذاب للأبد..
لقد أخنى عليه القدر الآلام حتى أهلكته حتى الرمق الأخير…
قال بنبرة منكسرة خافتة كانت على قلب أسوة كأسواط من نا’ر، يتسائل بعذاب وأعين ترتع بها دموع جامدة أبت أن تسيل:-
– ليه، ليه دا كله؟ عملت أيه لكل ده، عملت فيا كدا ليه.!
هتف الأخر بنبرة يعبقها الشراسة والتوعد وهو يتجاهل تساؤلاته التي تُقطُع أوتار القلوب:-
– مطلوب القبض عليك يا مؤمن باشا بتهمة الإتجار في المخدرات والمواد الغير مشروعة وشوية قضايا جانبية..
اتفضل معانا وهتعرف باقي التفاصيل..
احتر’ق قلب مؤمن كمدًا بنيران الخذلان، يريد الآن أن يصرخ بأعلى صوته حتى يفيض جزء من داخله، يسيطر عليه الشعور ذاته حينما كانت جثة والده هامدة بين يديه وأخبروه أنه فقد والده..
يشعر بأنه فقد قاسم الصياد للمرة الثانية على الرغم من وجوده أمامه، لكن تلك المرة تختلف، فالمرة الأولى رحل عنه وترك ذكراه، والآن ماتت الذكرى وأُضيف لقائمة أوجاعه أوجاع جديدة وجرح أكثر غَوْرًا..
شهقت أسوة وقد تربدت ملامحها بالصدمة لتنتقل أنظار قاسم لها ويهمهم بسخرية لاذعة:-
– إنتِ إللي مقضي معاها لياليه وعايشين في الحرام أحلى عيشه، بصراحة أنا كان أخر الأخبار عنه إنه ملوش في الحريم، بس فجأة قالوا إن في بنت مقضيها معاها..
هبطت دموع أسوة وكأن عينيها غيوم تسحُ ما تسحّ من دموعها الثقال وهي تستمع لأقسى إتهام سمعته بحياتها، تتهم بانحدار الأخلاق، تتهم بشرفها وهو زوجها.!
اشتدت قبضة مؤمن حتى برزت عروقه وقبل أن يُرد تسمرّ أرضًا وهو يستمع لهذا الصوت المألوف جدًا له، طرق قلبه بشدة وصلب طوله يلتفت للخلف ليجرفها ببصره بخيبة لو وزعت على ألف رجلًا لكفته وفاضت..
– استنى يا قاسم..
تابعها بعينيه وتوسعت أعين أسوة بصدمة فاللتي أمامها ليست سوى “جميلة” والدة مؤمن..
سارت حتى وقفت أمامه وهو يتأملها بخيبة فقد خرجت من إحدى سيارات قاسم، فيبدو أنها التقت به منذ أن تركته للمرة الثانية ورحلت..
كانت تنظر بخيبة وخذلان وحنان وحب لم يلحظه مؤمن.
قالت بوجع تعاتبه:-
– ليه كدا يا ابني .. ليه يا مؤمن تدخل في الطريق ده، تعرف قعدت أجادل أبوك قد أيه وأحاربه إن هو غلط وإن عمرك ما تبقى كدا..
حتى بعد ما شوفت بعيني مصدقتش..
نظر لها بانهزام لتنقلب نظراته إلى باردة جامدة وهو يقاوم ألم قلبه الذي يكاد أن يفتك به ويُفقده وعيه، وهتف ببرود وهو يشيح بنظراته بعيدًا:-
– ما إنتوا ما ربتوش يا جميلة، هربتي إنتِ وجوزك و…..
بتر جملته صفعة رنانة تردد صداها بالأرجاء سقطت على وجه مؤمن بمهانة كادت تسقطه لولا تماسكه، ولم يكن صاحبها سوى قـــاســــــــم..
احمرت أعينه حتى أنه يُخيل أنه سينبثق منها السعير، تشنجت جميع أعضاءه وهو يقبض على كفاه حتى ابيضت مفاصله..
صرخ قاسم ببأسٍ وهو يشهر باصبعه أمام وجهه:-
– إياك .. إياك ثم إياك تتكلم معاها بالطريقة دي تاني، واعرف إن هدفعك تمن كل دمعة إنت كنت سببها وهخليك تندم على الأوجاع إللي سببتها ليها..
أنا هنا بصفتي الضابط المسؤول وجاي أقبض على مجرم بيهدد أمن البلد..
صمت .. صمت موشم بالخيبة كان كل ما قابل قاسم..
جميلة زادت في البكاء والنحيب، وأسوة يكاد أن يغمى عليها من الصدمة والوجع وهي ترى كم الوجع الذي يهاجم قلب حبيبها..
هذا كثير بل كثير جدًا يفوق القمم..
أمسكت جميلة بيد قاسم ترجوه:-
– كفاية يا قاسم، بلاش قدام حد غريب..
قالت أسوة من بين بكاءها وسط هذه الحرب العُضال:-
– خالتي جميلة، إنتِ بتعملي ليه كدا .. دا إنتِ حكتيلي عن كل حاجة وتعرفي إللي حصل..
كدا كتير أووي، دا ابنك..
قال قاسم بقسوة وغلظة:-
– إنتِ كمان تخرصي، من عطاكِ الحق تتكلمي يا بت، إنتِ مش أحسن منه، إنتِ هتشرفنا لإنك متهمة زيه..
يعني متخافييش مش هنفرقك عنه، هتكملوا وساختكم مع بعض..
ثم تابع صارخًا:-
– عاصم .. اقبض عليهم..
وهنا ينتبه مؤمن لعاصم للمرة الأولى والذي ينظر له بتشفي مُحركًا يده لأحد الضباط في الإقتراب لوضع القيود بيدي كلًا من مؤمن وأسوة..
اقترب الضابط من أسوة وقبل أن يمسك يدها والتي قد سقطت بجانبها وانهدلت أكتافها جذب مؤمن ذراع الأخر لاويًا إياها خلف ظهره بأعين تقدح شرارًا وهو يبتلع الصدمة والخيبة والخذلان ويعود لسابق عهده.
جأر بأوداج منتفخة وصوت متأجج بنا’ر مستعرة تبحث عما تريد أكله انتقامًا:-
– ماتخلقش إللي يلمس مرات مؤمن الصياد وهو عايش يا قاسم باشا…
والقى الضابط أسفل قدم قاسم الجامد وهو يصيح بانفجا’ر:-
– لو إنتِ قاسم الصياد .. فأنا مؤمن باشا الصياد..
لمّ شوية الرعاع بتوعك وارجع مكان ما جيت يا قاسم باشا، أنا إللي هاجي القسم بنفسي وعلى رجلي ومحدش هيقرب مني ولا من مراتي..
أنا هستناك في القسم يا قاسم باشا هتوصل تلاقيني هناك، واعرفي كويس وخليك فاكر الموقف ده..
لأنك هتندم على إللي حصل هنا..
وسحب أسوة تحت نظرات قاسم الجامدة وفتح سيارته واستقلها خارجًا بقوة من أسوار القصر حيث ضباب الغابة تحت تعجب الضباط ومحاولتهم اللحاق به وجنون عاصم وجمود وبرود قاسم..
تسائل عاصم بجنون وهو يأمر الفريق بالعودة للسيارات:-
– هنعمل أيه يا قاسم.. دا ممكن ياخد البت دي ويهرب..
أجابه قاسم بأعين شاردة غامضة:-
– هو مش جبان يا عاصم، مش مؤمن الصياد إللي يهرب..
هنرجع بالقوة لمبنى مكافحة المخدرات وهنلاقيه هناك..
همس عاصم بحيرة:-
– ناوي على أيه يا عاصم، ويا ترى البنت دي مراته فعلًا، وإزاي اتجوز بنت عدوه..!
*******************
جلس ومعالم الإرهاق ترتسم على وجهه حول المائدة بصحبة والدته وليلى اللتان أخذتا يمزحون ويتحدثون بمواضيعٌ شتى..
قالت فراولة بتذمر:-
– إنت يا واد يا ليث..
انتبه لها وقال بلين وهو يجبر إبتسامة بسيطة في النمو:-
– عيوني يا فراولة..
– مش تاخدنا أن والبت الغلبانة إللي داخله على إمتحانات تفسحنا كدا وتظبطنا..
ابتسم بحنان وهو يتأمل ليلى بحب:-
– من عيوني طبعًا يا أم ليث هو أنا عندي أغلى منكم..
وطرق مفكرًا ثم هتف:-
– كنت قرأت عن إعلان في ياخت هينزل زيّ نظام رحلة كدا في البحر الأحمر..
أيه رأيكم نقضي يوم في البحر وبالمرة نشوف أجواء الليل..
رددت فراولة بتشجيع:-
– تصدق فكرة بردوه وأهو نغير جو، وليلى تشحن طاقتها قبل ما تدخل على التقيل..
أيه رأيك يا ليلو؟
تنهدت ليلى مبتسمة قائلة:-
– ما بلاش بس يا فراولة علشان شغله ومنعطلش ليث..
صوّب ليث نظراته داخل عيناها الفاتنة وهمس بتتيّم:-
– دا كله فداء كلمة ليث دي..
صاحت فراولة بمزاح:-
– ما تلم روحك يا واد وانت عامل فيها نحنوح كدا، اختشي أنا لسه وسطكم يا بجح..
ضحك ليث قائلًا وهو يعمز لليلى:-
– ما أنا بعمل بوصيتك يا فراولتي..
تخضب وجه ليلى لتتنحنح واقفة وهي تعمل على لملمة المائدة هاتفة بتلعثم:-
– هعمل أنا الشاي يا فراولة..
ابتسمت فراولة بحبور وهي تقول بصدر مغبط من السعادة وتلمح تتطور علاقة ولدها بليلى، يعني وجود الأمل في تحقيق ما أرادته..
– وماله يا ليلى وماله يا مرات ابني..
جاء ليث يتحدث لكن قاطعه رنين هاتفه اللحوح، أجاب بهدوء سرعان ما رجّته الصدمة وهو يقفز واقفًا بأعين جاحظة وصاح:-
– إنت بتقول أيه.. مستحيل..!!
رفعت ليلى رأسها وشعرت بشعور غريب يجتاحها من التوتر والقلق، ودقات قلبها التي قفزت بوجل..
نظر لها ليث نظرات غامضة لتبلع ريقها وهي تتسائل بذعر بينما تراه يسحب مفاتيحه مهرولًا للخروج..
– في أيه، أيه إللي حصل..
قالت فراولة بإلحاح وهي تُمسك ذراع ليث:-
– طمني يا ليث.. خير يا ابني.!؟
رمق ليلى بتوتر وهتف محاولًا كبح صدمته قبل أن يخرج:-
– مفيش يا أمي، خير.. مشكلة تبع الشغل بس وبيستعجلوني..
خلي بالك من نفسك ومن ليلى..
وخرج مهرولًا وعقله لا يستوعب ما أخبروه به..
النمر مازل على قيد الحياة!!
هذا يفسر أشياء كثيرة لكن يُعقد الأكثر..
مــــؤمــــــــن!!
كيف لقاسم الصياد أن يتحفظ على مؤمن وأيّ أدله يملك؟!
وما سرّ هذا العداء الذي يكنّه لمؤمن!
أحجيات لا حلّ لها..
يا ترى ما حالة مؤمن الآن..!
“*********************”
نظراته تشتد قتامة وتنفسه أصبح ساخنًا كـ تنين ينفث نا’رًا، عضلات فكه متشنجة في حين تجلس أسوة بجانبه طافحة الوجه بالحزن لا تجد أي كلمات أو مواساة مناسبة، فقد حلّ بهم البلاء الأعظم وأحاط الهمّ بقلبها البالي..
تنظر له وتشعر بقلبه يَثِبُ إلى عينيه ويسيب دموعًا، ما ذنبه حتى يُسام هذا العذاب..!
أمّا هو فكان عابسًا باسرًا لكن ما إخالك ما يطفح على وجهه فَداخله انهزم، قد تكسرت الأغصان وتقصفت الفروع، نظراته لا توحي بشيء .. خواء .. نظرات خرساء فقط..!
فما الذي أجرمه ليحلّ به هذه النكال.!
يبكي بكاء كَـ بكاء الحمام على فروع الأيك.
القدر يصبّ عليه ويلاته ويجب تحمل ما جرّت من نكد، وتجرع غصص الحياة…
لمسة كرفرفة أوراق الشجر لامست بها ذراعه الصلب لم تجد صداها به، همست بينما همّ خلف القضبان:-
– هينتهي، كل ده هيخلص، الأيام هطيب كل ده.
هتف بصلابة بينما لم تحيد أنظاره عن نقطةٍ ما:-
– متخافيش أنا مش هورطك معايا، هتطلعي من هنا، كل المطلوب منك متنطقيش ولا كلمة لغاية ما المحامي يوصل..
انسكب دمعها وهي تحضن ذراعه وتميل على كتفه، قائلة بعذ’اب:-
– متقولش كدا، أنا مش هسيبك أبدًا، دا إللي فهمته من كلامي، إحنا كنا خلاص بدأنا بداية جديدة..
ابتسم بسخرية وقال من بين أسنانه بنبرة يملؤها الأنين:-
– علشان تعرفي، خليكِ شاهدة إن حاولت كذا مرة لغاية النفس الأخير، خليكِ شاهدة إن الفرحة والسعادة هي إللي بتبعد عني وإن الحياة مش عيزاني..
كل إللي ماشيته في المشوار اتلغى، معالم الطريق اتشوهت يا .. يا عسبرة..
حركت رأسها نافية بشدة وهي تشعر بكلماته أنها الأوابد تطاردها، وقالت بلهفة:-
– أيه الكلام ده .. متقولش كدا، ربنا كبير وأكيد في حكمة من إللي بيحصل، أنا معاك مش هسيبك أبدًا وهنعدي كل حاجة مع بعض..
بكت واندفعت الدموع وهي تقول:-
– أنا معرفش غيرك، مليش ألا إنت متعملش كدا..
تعلقت بعنقه وهي ترجو أن تخفف ولو شيئًا ضئيل فقط من وجعه..
قطع تلك اللحظة دخول ليث الملهوف، ابتعدت عنه على مضض وهي تمسك بذراعه وكأنها تريد حمايته من كل شيء سيء..
وثب مؤمن يفرد طوله بصلابة وبأس كالطود الأشم رغم تكسّر أشواكه..
هتف ليث بصدمة يتسائل بعدم تصديق:-
– مؤمن دا حصل إزاي، أنا مش فاهم حاجة!!
النمر إزاي عايش، وأيه الأدلة إللي معه بتدينك.؟
ردّ بثبات وهو يشير برأسه نحو أسوة المتشبثة بذراعه:-
– هي ملهاش دخل في الموال ده كله، مش هيعدي عليها ساعة هنا..
– أيه الثقة دي كلها يا سعادة الباشا، أمال لو مكونتش متهم!
قالها قاسم وهو يقتحم المكان بطلته الجامدة وقامته المديدة بينما نظراته مصوبة على تشبث أسوة بذراع مؤمن..
انتقلت أنظار مؤمن الغامضة تجاهه بينما سحب أسوة لأحضانه وهو يسير نحو أحد الدِكك الخشبية ويجلس بينما يحتويها ثم وضع قدمًا فوق أخرى هاتفًا بثقة لا تليق إلا بسواه حتى وإن كان الإنهزام يستعمره من الداخل..
– اتفرج إنت بس يا قاسم باشا واستمتع بالعرض..
اغتاظ الأخر من ثقته التي يجهل سببها ولوى ثغره بسخرية وهو يقول:-
– طب لمّا تشوف الأدلة الأول.
رمى نظرة باردة لليث وهتف بكبرياء:-
– إنت الظابط إللي باع ضميره للفلوس، الخاين إللي في اللعبة..
من حقك تقول للي مشغلك الأدلة إللي بتثبت تهمه..
المختبارات البدائية لصنع المخدر’ات والأفيون إللي بإسمه..
والشحنة إللي جات عن طريق البحر وإللي كانت عبارة أوراق الكاكو المجففة..
كله بالإثبتات يا باشا مفيش مهرب..
أشار لأحد العساكر قائلًا:-
– افتح يا ابني وجيب المتهمين علشان التحقيق..
أفاق ليث من صدمته وجاء يتحدث..
– قاسم باشا بس…..
رمقه بنظره أخرصته وهتف بقسوة:-
– متنساش إنك متهم إنت كمان وإن أنا هنا رئيسك، وإنت كمان مسحوب منك رخصة عملك ومتحول للتحقيق، مش فاضل ألا الخونه إللي يعترضوا على قاسم باشا الصياد..
وأشار للعسكري وهو ينظر نحو مؤمن بخبث:-
– خدهم يا ابني..
جاء العسكري يضع يده على ذراع أسوة يجتذبها، نمت إبتسامة خفيفية على جانب ثغر مؤمن بينما انكمشت أسوة بجسده، فعجّ صوت مؤمن عجيجًا وهو يرميه بنظرات تحمل من الشرّ أطنان فالآن الضيغم جريح:-
– ارفع إيدك وإياك تلمسها دا لو مش مستغني عن صوابعك..
ارتعد العسكري من هيئة الأخير بينما حاوط مؤمن أسوة وسار يدك الأرض دكًا بشموخ يسبق قاسم مرورًا به ليتأمله بنظرات بها حنينٌ دفين يصدر منه إشارات ضعيفة وذبذبات ترعد لها قلب الأب وطنينه لا يبرح أذنيه..
جلس بشموخ وكبرياء أمام المكتب وبجانبه أسوة التي امتلئ قلبها بالطمأنينة فجأة، لكن مجرد النظر إليه حتى في مختلف حالاته كفيلة أن تغدق السكينة لقلبها..
أصبح بالنسبة لها الشجرة الوافرة الظلال التي تتفيأ بظلّها الحامي..
كيف لهذه الظلال أن تغرب عنها؟!
شبك قاسم أصابعه عى سطح المكتب وهو يناظرهم ببسمة ساخرة وهو يتكلم ببطء:-
– هاا هتحكي التفاصيل وتختار الإعتراف، ولا تختار الطُرق التانية..
جعد مؤمن جبينه وهو يرفع رأسه بثبات رغم إرتعاش قلبه وألمه الذي تكاثر وهو يحاول أن يَزيغ من الذكرى، ونطق متسائلًا:-
– ويا ترى الطُرق التانية دي فيها تمثلية موت .. ولا سجن .. ولا أحدث … ولا كو’ي .. وتعذ’يب بالكهربا
ولا أعمال شاقة طول الليل والنهار .. ولا منع عن الأكل والشرب والنوم .. ولا محاولة استئصال قلب..
اممم كفاية كدا مع إن لسه في كتير..
صُدم قاسم من رّده وتيبس جسده وقد تواثبت دقات قلبه بجنون حتى ثقلت أنفاسه ولم يستطيع الرد..
أخرجه من تلك المواجهة الصغيرة جدًا هذه الصدمة..
اقتحم عاصم الغرفة لاهثًا وعلى ملامحه معالم الفزع بينما بيده هاتفه المحمول..
وقف ينظر لقاسم الذي انتبهت حواسه نحو عاصم المصدوم..
– خير يا عاصم، في أيه؟
– قاسم … وزير الداخلية..
عقد قاسم جاجبيه وتسائل بتعجب:-
– ماله يا عاصم .. اتكلم عالطول..
مدّ له الهاتف دون أن ينبث ببنت شفه ففهم قاسم أن وزير الداخلية على الهاتف، جذب الهاتف وهو يتنحت قائلًا بإحترام:-
– اتفضل يا سعادة الباشا..
وصله صوته الحازم الآمر:-
– إنتوا اتجننتوا يا قاسم، أيه التصرف الطفولي ده وإزاي محدش يرجعلي..
حالًا يا قاسم تخلو سبيل مؤمن الصياد وأسوة الخطيب..
وإنت وعاصم وكل المسؤولين هتتحولوا للتحقيق..
مؤمن الصياد يخرج صاغ سليم هو ومراته حالًا يا قاسم..
وانتهت تلك المهاتفة التي كانت بمثابة عاصفة رعدية زلزلت كيان قاسم وهو يشعر بأن أحد ما ألقى به في نفق دودي من أحد الثقوب السوداء الضيقة..
نظر بالأرجاء بتيهة والعديد من التساؤلات تعصف برأسه..
أهمهم..
ما علاقة وزير الداخلية بِمؤمن الصياد؟!
ما هي السلطة التي يمتلكها..!!
كان سيظن أن وزير الداخلية رجل فا’سد لو لم يكن يعرفه جيدًا وأعماله وإنجازاته ترفرف في الأفق.!
لكن ما علاقته بمؤمن حتى يتحدث بكل هذا الفزع وكأن مؤمن رجل مهم جدًا بالنسبة له!
نظر له بأعين ضيقة ليبتسم مؤمن بانتصار وهو يستقيم بينما يطوق خصر أسوة مهندمًا ملابسه..
تحدث بشموح وثقة وبرود:-
– قولتلك بلاش يا قاسم باشا، يلا مفيش مشكلة أنا هعتبر دي مغامرة بسيطة وتغيير ليا أنا ومراتي..
أدينا غيرنا جو يا روحي..
كان يتحدث بينما تنظر له أسوة وهي تعلم أن داخله يموج بالنا’ر وألم لا ينتهي .. تعلم أن هذا تصنُع..
سحبها يسير بقوة ورِفعة تاركًا خلفه عاصفة من التساؤلات لا نهاية لها تكاد أن تفتك بقاسم وعاصم..
خرج أخيرًا من هذا الجب الذي كاد أن تزهق أنفاسه بداخله، ليس لأجل تلك التراهات لكن رؤيته أمامه بهذا الحقد والكره الذي يرمقه به كان كفيلًا أن يهدم أبيات قلبه عن بَكرِة أبيه ويقطع كل الخيوط التي تربطه بالأمل والنور، ليبقى أسير الظلام للأبد..
تنفس عدة مرات وهو يرى معتز وبعض رجاله ينتظرون بالخارج..
استند على السيارة وهو يعطي ظهره لأسوة واضعًا يده على موضع قلبه بألم وقد طفى الألم على وجهه وتربد بلون المرض..
اسندته أسوة بلهفة وهي تتسائل بحنان:-
– إنت كويس .. مالك..
تمالك نفسه معتدلًا وهو يرقش على وجهه البرود واللامبالاة وأطرق يقول وهو يشير لمعتز:-
– هتروحي مع معتز .. متخافيش مش هيحصلك حاجة..
سارعت تقول وهي تتعلق بملابسه بتلهف وخوف وقلبها غير مطمئن لردة فعله التي لم تظهر إلى الآن:-
– وإنت .. هتروح فين، ماتسبنيش .. يلا نرجع سوا..
صاح بحسم وهو يقبض على ذراعها يجذبها نحو السيارة كارهًا حاله وضعفه وانكساره..
– الكلمة إللي أقولها تتسمع .. يلا
وضعها بداخل السيارة بينما تنازع باعتراض باكية:-
– مش هسيبك .. خليني معاك .. عايزه أفضل معاك ماتبعدنيش عنك..
أغلق الباب بقوة وهو يشير لمعتز وصرّ يقول:-
– اتحرك .. إنت مسؤول قدامي عنها ..
ظلت أعينها معلقه به بجنون وقلبها يمتزع ألمًا لوجعه الذي تراه واضحًا رغم تصنعه..
تخاف .. قلبها يكاد أن يموت قلقًا عليه..
حتى أن القاسي لا يسمح لها باحتضانه..
ويلٌ لقسوة قلبك يا كَلفي..
ابتعدت السيارة وقلب أسوة لم يبتعد، ظلت تبتهل إلى الله بقلب ينز’ف أن يحفظه ويربط على قلبه ويُذهب هذا الوجع عن فؤاده..
– يارب إنت عالم الغيوب، إنت الرحمن الرحيم..
لك حكمة من كل إللي حصل معاه، يارب خفف وجعه وخليك معاه ماتسبهوش يارب..
خفف وجعه يارب..
هو مايستحقش كدا أبدًا، كدا كتير أوي عليه..
إنت إللي بتحط الوجع وإنت قادر تسكنه وتخففه..
يا ذا الجلال والإكرام اعطي ليه فرصة واحدة يبدأ من جديد ويدوق السعادة والفرحة .. إنت على كل شيء قدير..
بعد رحيلها وبعد إطمئنانه أنها بقت بأمان..
بقى وحيدًا يواجه هزيمته النكراء بعدما أضحت مدينته منكوبة ونكبته تاريخٌ لا يُنسى، وهبط على روحه سَوْط عذ’اب..
يجب عليه الإنزواء حتى تظهر إنكسار أباجله بحرية..!
***********************
شاردة تائهة ولا تجد مرسىَ لهمومها، بينما يقف بجوارها يدعمها بينما لا يعلم ما يدور بداخلها..
وهي لا تدري كيف ستخبر شقيقتها بهذا الخبر الصادم!
تحدث صالح بلين محاولًا سبر أغوارها:-
– سارة حبيبتي مالك يا عصفورتي بعيدة عني ليه؟!
رفعت أعينها المعبأة بالحزن ثم همست بصوت ضعيف:-
– أنا كويسة .. بس مش عارفة أقول لندى الخبر ده إزاي وهيكون كويس إن نقولها ولا غلط عليها بعد كل إللي شافته..
اقترب منها بينما كانوا جالسين فوق أحد المقاعد في حديقة المشفى في انتظار ندى..
أمسك يدها برفق وهتف بحذر:-
– ندى قوية وهتتفهم الموضوع، كمان إحنا سألنا الدكتور سليم وقال إن مفيش مشكلة وإنها بقت بخير الحمد لله..
انتزعت يدها بغضب في حين تمتلئ أعينها بشر’ارة الكمد معلنة عن نوبة إهتياج لا يفقه صالح سببها.!!
صاحت بانفعال:-
– تتفهم أيه .. هو إنت مش مدرك إللي حصل، ما دا أكيد ميفرقش معاك لأنه ميخصكش، إنت خسران أيه..
أنا بس إللي خسرت .. خسرت أخر حد باقي ليا..
تلاقيك بتقول دلوقتي أنا كلبة ولا تسوى، أمها باعتها مقابل شوية فلوس، بس أوعى تفكر إنك اشتريتني بفلوسك .. أنا حُرة نفسي ومش هقبل بأقل مما استحقه.
وقف صالح وقد تلبسته صدمة شديدة من مهاجمتها، فرغ فاهه بدهشة وهو يحاول استيعاب تلك الاتهامات الحارّة المُطعمة بخيبة كبيرة.
حاول التحكم في ردة فعله وهو يُقنع عقله بأنها مازالت تعاني الصدمة وملف الماضي التي عانته معه لم يُطوى ولم تُغلق عليه زنزانة النسيان بعد!
ركن إلى الهدوء وهو يزفر زفرة طويلة مستغفرًا لامحًا ندى التي تأتي متهادية بمشيتها وثغرها مفترّ بإبتسامة واسعة تقترب منهم.
– سارة..
وثبت سارة وهي تمسح عينيها لتلتقي بأحضان ندى التي تغير حالها للأفضل بمقدار كبير جدًا..
– وحشيني أوي يا سارة .. جدًا جدًا..
زادت سارة من عناقها وهي تكبح بالقوة دموعها هامسة بوجع فقد أصبحوا وحيدتين، لا ليسوا أصبحوا، إنهم دائمًا تحفّهم الوحدة.
– وإنتِ أكتر يا ندى .. وحشتيني جدًا.
التفتت ندى لصالح وهتفت بتهذيب وامتنان:-
– إزيك يا باشمهندس صالح.
رغمًا عنه ابتسم وقال بلطف:-
– أهلًا بيكِ يا ندى، الحمد لله على سلامتك.
وباشرت ندى كلماتها بذات اللطف:-
– بشكرك على كل حاجة قدمتها ليا يا صالح باشا، وعلى دعمك ليا أنا وسارة، مش هنسى لطفك دا في حياتي أبدًا، بفضلك إنت وسارة بعد فضل رب العالمين اتكتبلي بداية جديدة نضيفة.
قطب ما بين حاجبيه قائلًا بعتاب:-
– ينفع الكلام ده يا ندى، أولًا بلاش صالح باشا، أنا يا ستي لا باشا ولا بيه، وبعدين إنتِ أختي الصغيرة يا ندى وبين الأخ وأخته مفيش لا شكر ولا كلامك الخايب ده..
ثم حوّل أنظاره المعاتبة المخذولة لسارة وأكمل بتنهيدة ممدودة بعمق:-
– وسارة مراتي وحبيبتي واستحملتني كتير ولو طولت أجيب نجمة من السما أرضيها هجيب، مفيش حاجة في الدنيا بتساويها عندي ولا تعوضها..
إللي بيزعلها بيزعلني وإللي بيفرحها بيفرحني..
وضحكتها عندي بروحي..
هي سروري وفرحة أيامي وعصفورة السعادة بتاعتي..
ختم حديثه بإبتسامة هاتفًا:-
– أسيبكم مع بعضكم وأنا منتظر بعيد..
ورحل تاركًا سارة بحر’قة تضطرم بجوارحها وقد برد قدح غضبها وسكن لهيب حُرقتها الغير مبررة..
جلست ندى بجانبها بلهفة وأعين مليئة بالرضا وهي تهمس لسارة بفرحة:-
– صالح بيحبك أوي يا سارة، عيونه مش شايفة ألا إنتِ، وكلامه عنك كله حنان، حقيقي عوض ربنا بيبقى ألطف حاجة فعلًا..
كلماتها الحماسية قابلها الصمت من جهة سارة التي تكبكبت في صومعة الذكرى..
لاحت أبصار ندى تتأملها متسائلة بوجه معقود بقلق:-
– خير يا سارة في أيه، إنتِ متخانقة إنتِ وصالح ولا أيه؟ كمان ليه لابسه أسود أنا عارفة إنك بتحبي الفواتح مش بتحبي الأسود في اللبس!!
انفجرت سارة باكية تحت قلق ندى وهتفت بوجع:-
– عارفة يا ندى يا حبيبتي إن إللي هقوله صعب عليكِ وإنك لسه خارجة من مرحلة صعبة بس مش لازم أخبي عليكِ أكتر من كدا.
هتفت ندى بقلق وهي تتخيل أسوء السيناريوهات:-
– قولي عالطول يا سارة قلقتيني..
– أُمنا ماتت يا ندى .. ماما ماتت..
تيبس جسد ندى قليلًا وهي تنظر لبكاء سارة بعدم استيعاب، ثم ران الصمت دقائق طويلة..
وآن أوان قطع أنسجة هذا الصمت الثقيل، فقالت ندى ما جعل سارة تقف مشدوهه:-
– طب وليه البكاء يا سارة والحسرة دي كلها..
أنا عارفة إنك هتقولي إن قلبي قاسي بعد إللي هقولهولك بس دي الحقيقية وأنا مش بفكر بعواطفي زيك، من غير ما أعرف ماما ماتت إزاي، دي النهاية المتوقعة لها..
يا سارة أنا إللي عيشت مع ماما وشوفت أفعالها..
هقولك جملة يمكن تصدمك، ودا مش معناه إني مش حزينة.. لا أنا محسورة علشان بقينا لوحدنا في الدنيا دي..
موت أمك أكبر خير لنا يا سارة..
أمي مكانتش ناوية على خير في حياتها، شوفتي إللي عملته .. إللي كان جاي مكانش يجي جمبه حاجة..
أمك الشيطان تلبسها يا سارة وتاهت عن طريق الرجعة..
موتت أبونا بحسرته، وبعدين مرمطتك من شغله لشغله ومن ذلّ لذلّ، وفي الأخير باعتك لأول واحد قالها عايز بنتك ومسألتش يا ترى عايزها في أيه، ودا لأن حب الفلوس عماها..
أنا إللي كنت مرحومه منها في الأول شوية علشان كنت همشي على نهجها..
كانت تقولي إنتِ بنتي أنا … شبهي مش زيّ التانية إللي طلعت خايبة زيّ أبوها..
بس بعدين اكتشفت الصدمات، لما الفلوس جرت في إديها عمت قلبها وعنيها، اتمتعت بالطول والعرض بفلوس عذا’بك يا سارة وأنا من ضمن إللي اتمتعوا.
جواز عرفي كل يوم من كل راجل شوية..
وأنا سرحت في عالم الفساد، شلة ضايعة، شباب، سجاير، مخدرات، وقذارات عقلك ميستوعبهاش يا سارة..
وبعد ما فلسنا ومخزن الفلوس خلص، كانت أكبر صدمة في حياتي لما عرفت إنها معندهاش أي مانع إن أبيع شرفي للي يدفع أكتر وأدوس في الشغلة دي المهم هجيب فلوس بدل العيشة الفقر إللي رجعنلها..
وكله كوم وعلاقتها القذرة مع المعلم توكل كوم تاني.
وكتير وكتير أوي يا سارة بس إنتِ متعرفيش حاجة ولا شوفتي حاجة من إللي أنا شوفته..
صدقيني يا سارة جحيم صالح كان أرحم مليون مرة من جنة أمك، الجنة إللي بمنزلة مليون جحيم.
أمك ماسبتش وراها حسنة واحدة..
وفي الأخر إنتِ شوفتي كانت هتبيعك لتوكل إزاي، ومثلت قدامك دور المضحية إللي مش عيزاني أضيع..
أنا لا بكرهها ولا حاقدة عليها، بس دي الحقيقية يا سارة وأنا مش هوقف طريقي علشان الذكريات دي أنا عايزة أكمل في بناية حياتي من أول وجديد وابني ذكريات جديدة كلها نفع، صدقيني النضافة حلوة أوي يا سارة والقرب من ربنا نعيم.
وربنا يرحمها ويغفرلها هي بين أيدي أرحم الراحمين.
كانت سارة تستمع لكلمات شقيقتها الصغرى ندى بدهشة غير مستوعبة ما تقول..
الصغيرة ندى قد كبرت وأراد الله بها خيرًا، عادت إليها شقيقتها..
هي لم تخسر .. على العكس تمامًا هي قد اكتسبت شقيقتها ولم تعد وحيدة..
جذبتها سارة لأحضانها باكية وهي تقول:-
– كبرتي يا ندى وبقيتي عاقلة أووي..
ضحكت ندى وهتفت بمزاح:-
– وحد كان قالك إن كنت مجنونة وبشد في شعري يا بت يا نكدية إنتِ..
أنا طول عمري مخي يوزن بلد، وإنتِ بتحبي النكد.
قد كشفت ندى الستار عن الجرح التي سببته هي لصالح منذ قليل، لقد أصبح عقلها مشوش وحديثها غير متزن، لقد عادت لنقطة الصفر..
تنهدت ندى وقالت بدهاء وهي تلمح هذا السراب الذي بعين أختها:-
– إللي فات لازم يتقفل عليه بصفحة جديدة يا سارة ومينفعش كل شوية نِحيّه ونخرجه للحياة ونقعد نجدد الأحزان، إحنا بشر معرضين للخطأ وربك غفور رحيم..
كل المطلوب مننا نرضيه وناخد الدرس المستفاد ونحاول ما نقع في نفس الجُحر تاني..
السماح للأشخاص إللي متأكدين من صدقهم مش حاجة تقلل مننا أبدًا، وكفاية خوف..
عيشي وانطلقي وسيبي المستقبل لرب المستقبل والغيب متفكريش كتير يا سارة..
احتضنتها سارة مرة أخرى بقوة وراحت تحدثها بإمتنان:-
– شكرًا يا ندى شكرًا، وأوعدك مش هنسى كلامك أبدًا وهطبق نصيحتك..
– والله مش عارفة من غيري هتعملي أيه يا بت يا سوو..
المهم أنا عارفة مكانتي في البلد دي من غير ما تتكلمي..
علشان كدا جهزي نفسك، هانت وهخرج من هنا أخر الشهر، بصي بقاا واحفظي إللي هقوله..
هتعمليلي التالي..
فراخ بانيه، مكرونة بالباشميل، وحوواوشي وكشري كمان وجلاش باللحمة..
وعندك بقاا الحلويات بقلاوة كنافة كريم كراميل وقدرة قادر..
وطرقت مفكرة بينما سارة غارقة بضحكها..
– امم وأيه كمان يا بت يا ندى..
بصي المهم احفظي دول ولما أفتكر الباقي هبلغك بيهم..
– الله يخرب عقلك يا نونو، أيه توليفة الأكل العجيبة دي..
– لو سمحتي يا سارة إنتِ متدخليش في الموضوع ده، إنتِ تطبخي وإنتِ ساكته..
وظلوا على هذه الحال يمزحون وتطيّب كل واحدة منهما جُرح الأخرى، ورحلت سارة على وعدٍ بلقاء أخير في هذا المكان من بعدها تنطلق ندى بحياتها الجديدة الطاهرة الخالية من كل ما هو مُشين..
جلست سارة بجانبه داخل السيارة بينما هم بطريق عودتهم، التزم صالح الصمت تحت حرج سارة الداخلي من تهورها واندفاعها، وأيدي الندم تلطم قلبها بقوة..
تراقبه من طرف عينيها وقد ذاب قلبها من ملامحه الحزينة والباردة في آنٍ واحد..
عجزت عن بدء حديث، لماذا عليها أن تفسد كل شيءٍ جيد بحياتها.؟!
توقفت السيارة في صمت، هبط منها صالح وسار دون أن يلتفت لتسير خلفه بإحباط..
صعدت للغرفة التي تجمعهم وأبدلت ملابسها وظلّت تنتظره لكن يبدو أنه أعلن خصامهم واعتزالها..
أغمضت أعينها بيأس وظلت تجوب الغرفة دون هوادة، توقفت أمام ملابسه المُعلقة، تحسستها بحب وهمست:-
– أنا غلطانة حقك عليا، أنا آسفة يا حبيبي، هراضيك وإللي تطلبه مني هعمله..
***********************
خائر القوة، انهارت كل حصونه، سقط القناع الزائف لتنجلي حالة الضعف التي لو انكشفت عليهم لأشفق الجميع عليه..
ابتسم بوجع .. إلى هُنا انتهت الحكاية.!
ما تلك الخيبة؟
أهذه هي النهاية حقًا؟!
أهذا ما يستحقه بعد هذا المسير..؟!
هذا إجحاف..
انهزم جيشه..
ولا سلام على حُبٍ..
وقت البكاء على التلال وسط الودق..
هنا تسمع صوت تهشم أوتار القلوب..
هنا يعلو صوت بكاء رجل ذاق المُرّ حتى طفح على قلبه.!
لكن أإلى هُنا يُغلق الستار على قلب سُلطان الغموض.؟!
أدبر النهارُ وأقبل الليلُ بثيابه السوداء، فوق أحد التلال جلس خائر القوة والأمل، هطل فوقه همّ انحلت به قوته، أشبه بأسدٍ أهلكه ألّا يجد إلا العُشب الأخضر والهشيم اليابس، هكذا هو لا يجد سوى الهمّ، الحزن، الألم، ونز’يف القلب الدائم..
تَضَعْضعت نفسه وانكسرت وراح يسير في متحف ذكرياته يقتطف إحداها ليزيد من وجع قلبه المكلوم وكأنما ينقصه، لكن كيف له ألّا تزوره الذكرى في موسمها.
أغطش ليله وكأنما تلك البقعة التي يجالسها أشد ظلامًا من بقية بِقاع الأرض، كأنما الأحزان تزيدها ظُلمة…
رفع رأسه ينظر للسماء التي مادت تنذر عن إقتراب هطول عاصفة عتيّة..
تلاحقت دموعه كالطفل الذي تيتمت روحه وانكسر البرود أخيرًا، قبض على قلبه يطرق بقوة والذكرى لا تبرح عنه، تجمعت كل آلامه .. عذ’ابه .. جوعه .. تعبه .. شوقه لعناق والدته … هوسه لوجود والده .. حقده على جميع الأطفال الذين يمتلكون أبًا..
عذابًا وبيلًا هذا ما لاقاه مؤمن بحياته حتى أصبح حسير..
شاركته السماء وعصفت حتى هطل المطر بغزارة يُلبسه ثوبه، أرعدت السماء وغطت على صوت شهقاته..
ضرب الرعد صفحة السماء مزمجرًا ويكأن السماء تشاركه بلابل نفسه وغضبه..
عجز عن نطق كلمةٍ واحدة لكن نطقت حاله بالشكوى..
لم يعبأ بالمطر البارد الذي أغرقه قدر ما يتمنى أن يهبط على قلبه ويُذهب وجعه، لكن يبدو أن حِياض الموت تُسارع في تلقفه..
ثكل الأمل ولا بقاء لشيء حتى الصمت لا وجود له، وإنما بروحه رعدٌ مُجدب بِلا أمطار..
أمّا عند أسوة، أرقدت يزيد بفراشه وذهب في ثباتٍ عميق وظلّت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا وهي تراقب العاصفة المُضطرمة..
قلبها يكاد أن يخرج من ضلوعها وروحها تكاد أن تز’هق رعبًا عليه، ليتها معه .. ليتها تستطيع أن تحويه بأحضانها..
رفعت رأسها مناجية ربها تتراجاه بأعين ينسكب منها الدمع كالمطر:-
– يارب يارب احميه وبرد قلبه من النا’ر إللي فيه، رطب عليه يارب ورجعه بالسلامة..
أغلقت الغرفة على يزيد، الغرفة الذي تمسك بها وظلّ بصحبة صفية بها طوال اليوم بعدما أصرّ عليها أن تنتقل للقصر بدل المُلحق..
صعدت للأعلى متزايلة الأعضاء تسحب قدميها وقد تربص بها القلق..
وبدون تردد ولجت لغرفته الهادئة التي يعمها الألم والأنين كصاحبها، ظلت تلّفها وتدور بها تتحسس أشياءة تعوضها عن غيابه .. تُشعرها بوجوده ولو وهمًا..
جذبت قميصه الذي يحمل عبقه وجلست على فراشه تحتضنه وهي تزيد في بكاء يمز’ق القلوب…
انحنت على الفراش تتكوّم على نفسها ورائحته تحفّها.
– أنا حاسه بوجعك يا نور عيني، ياريتني أقدر أخد من وجعك جوايا وأخفف عنك يا حبيبي..
مليش غيرك.. روحي بقت متعلقه بروحك تعلق مرضي، روحي اتخلقت علشان تندمج مع روحك وبس…
لو كلهم سابوك أنا معاك..
لو كلهم كرهوك أنا بحبك وهحبك..
لو كلهم وجعوك تعال وأنا أعالج أوجاعك..
إنت بعدت عني ليه، متعرفش إن بحبك قد روحي وأكتر يا كلفي..
أسوة إللي عمر ما حد حبها ولا عرفت طعم الحب أيه عطيتك الحب إللي متخزن جواها وإللي هي مش شافته..
حبيبي أنا بس عايزه أقل حقوقي فيك وهو إن أكون معاك، مش وعدتني إن هنبدأ بداية جديدة سوا..
أنا شايفه حُبك في ملامحك ونظرة عيونك، أنا حسيته والله، مش قولنا خلاص كانت النهاية وجودنا مع بعض وراسك في حضني تحت شجرة الزيزفزن..
مش وعدتني إنك هتفضل معايا لأخر الشموس وإن عندنا كلام كتير أوي نقوله..
وبينما هي تبكي وتتحدث إلى الغائب الحاضر، أوقف سيارته أمام القصر وسط تكاثر المطر وهبط بجسد يترنح يلفه دوار شديد، سار للداخل بجمود لا يقطعه إلا الألم ومشيته المترنحة، كان يصعد الدرج بينما يتمسك بجداره الحديدي حتى وصل أمام غرفته وهو يستند على حرف الباب…
وثبت أسوة من فوق الفراش وهي تنظر للباب بلهفة، وبأقل من طرفة العين كانت تقف أمامه تنظر له بلهفة وقلق..
رفع رأسه ونظر لها بضعف وهو يحاول الإعتدال هامسًا بوهن أذاب قلبها:-
– عسبرة.
لم تنتظر أكثر من هذا وطرحت نفسها بأحضانه تتشبث به تلّف ذراعيها حوله بحنان..
– كنت هتجنن عليك .. الحمد لله إنك رجعت الحمد لله إنك بخير..
كان رأسه مستريح على كتفها وجسده لا يصدر ساكنًا، ابتعدت عنه وقد لاحظت تبلل ملابسه التي يتساقط منها الماء، وجسده الغير متزن..
هتفت بلهفة وهي تدعمه في السير حتى يصل للفراش وسط اعتراضه.
– إنت مالك … قولي إنت كويس!!
رمى جسد فوق الفراش مغمضًا عيناه وهو يهمس بلامبالاة مليئة بالأنين:-
– كويس .. أنا كويس يا عسبرة..
انحنت قليلًا فوقه تتحسس جبهته لتُصدم بجسده الذي يضخُ حرارة، صاحت برعب:-
– جسمك سخن أووي وهدومك كلها مبلولة..
لازم الحرارة دي تنزل..
كان يئن بضعف وهو مغلق العين بين الوعي واللاوعي، يهمس بصوتٍ خفيض متلعثم:-
– أنا … كويس .. يا … عس ..برة
– كفاية عناد وساعدني تغير الهدوم..
لم تلقى منه جوابًا سوى همز ضعيف، لكنها سارعت نحو غرفة ملابسه تسحب ثياب ثقيلة، بنطال سميك وسترة صوفية رمادية..
جلست عند رأسه ورفعته فوق ساقيها وهي تمسح على شعره هامسة بحنان:-
– يلا فوق بس شوية صغيرين ساعدني تغير هدومك علشان خاطري يا حبيبي..
لفظت لفظ “حبيبي” بتلقائية ولم تحسب أن يَعِيه، فرّج عن مقلتاه ينظر لها نظرة صامته يتأمل لهفتها وعشقها الساطع الذي يتلألئ بمروجها..
اتكأ على الفراش يحاول الإعتدال بينما يشعر بثقل بجسده وإرهاق لم يُسبق له حتى أنه عاجزًا عن رفع أذرعه..
بحنان ولهفة كانت تُبعد ملابسه الضريرة بالماء تفك أزرار قميصه بحنو بينما هو غائب بعالم التعب والإرهاق..
بعد مشقة شديدة وما يقارب الثلاثون دقيقة نجحت في مساعدة تبديل ملابسه وساعدته في الجلوس على الأريكة ثم أبدلت شراشف الفراش بأخرى جافة ناعمة وجعلته يستلقي وهي تحكم الدثار فوق جسده..
سارعت تهبط وتأتي بمياة باردة لعمل كمادات وبعض الأدوية التي تحملها..
تنهدت وهي تجلس بجانبه وتسارع في عمل كمدات له حتى تستقر درجة حرارته..
ثم عبأت أحد الإبر وغرزتها بذراعه..
حملت رأسه وظلت تجفف خصلاته بمنشفة حتى جف..
وبعد مرور ما يقارب الساعة كانت انخفضت درجة حرارته، تنهدت براحة وهي تربت على شعره ثم هبطت مرةً أخرى وهي تنوي صنع حساء خفيف دافئ له…
بعد قليل نظرت له بحب وهي تهزّه برفق .. تعلم أنه ليس بنائم، همست له برفق ممزوج بالحب:-
– حاجة خفيفة تشربها تدفي جسمك من جوا..
يلا بس هعدلك نص قاعدة وهشربك بإيدي..
همس بتعب:-
– مش عايز .. مش قادر..
هتفت بإصرار:-
– لا أنا عملتها وهتشربها يعني هتشربها..
اسندته قائلة:-
– يلا علشان خاطري..
وضعت وسادة خلف ظهره وشرعت تملأ الملعقة وتضعها بفمه بحنو وأعينه لم تنزل من فوقها حتى شعرت بالخجل وتوردت خديها بالشفق..
ينظر إليها نظرة فحواها..
“أنــــــــتِ الـــمــــرة الأولــــى لــــــكــل شــىء. ”
الأولى من أحبها..
الأولى من عشقها..
الأولى من أحبته..
الأولى من أهتمت به..
الأولى من داوته..
الأولى من أحتضنته..
الأولى التي تكون له مئوى..
فَعِندكِ حين ينأى القلبُ تمدُّ يديكِ بالعطفِ…
“هـــي أجـــدر مـــن تُـــعـطـي؛ لأنها فـقـدت.”
وضعت الطبق جانبًا وهي تبتسم قائلة بمرح:-
– شطور..
لم تنقطع نظراته في حين اقتربت أسوة تتحسس جبهته، قالت بإطمئنان:-
– الحمد لله الحرارة نزلت..
اخترقت نظراته التي يتساقط منها الحسرة قلبها، ولم تكن ردة فعلها إلا ما تمنته..
اقتربت منها ثم بحنان العالم أجمع احتضنته برقة..
نعم لن تنكر رغبت للمرة الألف أخذه بأحضانها، وتنعم ويطمئن قلبها بجانب قلبه..
ابتسمت وهي تشعر به يطوقها محتضنها..
لكن انتظر ما الذي يحدث..!!
زاد من قوة ربط ذراعيه حولها حتى شعرت بالألم، طوق جسدها بقوة شديدة لكنها احتملت لأجله..
همست له بتحنان:-
– أنا معاك مش هسيبك .. فضيلي قلبك..
كان يزيد من قوة تشبثه بها والأحداث تُداهم عقله بلا رحمة وأسوة تُغلق أعينها وجعًا عليه..
– سابوني … كلهم سابوني .. ليه عمل فيا كدا ليه كرهني كدا، تعرفي أنا فرحان إن هو رجع أنا أصلًا كنت بتمنى كدا .. بقى ليا أب زي باقي الأطفال وكمان بقى ليا أم..
بس أنا محسور وزعلان علشان خسرتهم..
أنا بقيت يتيم للمرة التانية..
بكت وبكت بحر’قة شديدة لكن ما جعلها على حافة الذ’بح وجعًا حين شعرت بدموع تجري على عنقها..
يبكي!!!!!!
حقًا هل يبكي بأحضانها..؟
صمتت ولم تجد ما تفعله..
للمرة الأولى تراه ضعيفًا هكذا معبأ بالألم..
مرمغ رأسه بصدرها وهي احتضنت رأسه إليها بحنان تغرز أصابعها بشعره الفحمي تُربت عليه بجُمّ مشاعرها..
بكى على صدرها يتشبث بها بقوة وكأنها حبل نجاته الأخير وستكون كذلك..
التزمت الصمت لكن أطلقت لمشاعرها وحبها العنان وهي تعتدل ترقد بينما هو ذهب بثباتٍ عميق فوق صدرها مطوقًا خصرها بقوة..
طبعت العديد من القُبل فوق شعره وهي تهمس بعشق:-
– بـــــــحــــــبـــــك.
*******************
في الصباح كان ينتظر مؤمن مفاجأة من العيار الثقيل ستقرر النهاية….
جُمل عريضة كانت تتصدر العناوين وتُشغل الصحافة..
= كشف حقيقية إمبراطور صناعة الطائرات والسيارات مؤمن الصياد..
= بالأوراق الرسمية مؤمن الصياد مجر’م قضى طفولته بالإصلاحية وشبابه خلف القضبان..
= قتل والده وشقيقته الرضيعة وتسبب في انهيار اسرتهم..
= الطفل المجر’م … الطفل الشيطان…
