رواية الصمت الباكي الفصل الخامس والستون
“إنـــــهـــــا النــــــهـايـة”.
كانت ليلة محتقنة بذكريات الماضي، لكن كما قيل؛ كلُ شيءٍ يمر، ليلة موضونة بالألم وتحفها اللحن الأسود..
وانتهت..
وقالت القلوب بحضرته، ألا أيها الليل الطويل ألا انجليّ بصُبحٍ وما الإصباحُ مِنكَ بأمثلِ.
ومع ذبول الليل بدا الفجر يقترب، وتلوَّن الأفق الشرقي بلون أزرق كأنه حبر سكبه أحدهم في إناء به ماء..
بعد الليل الزاحف على الغابة أتت الشمس عاقدة الجبين مُصفرةٌ إصفرار المرض..
مُنكمش يتشبث بها كطوق نجاة، صوت الألم كمعمعة الحريق أباد وحر’ق كل شيء .. حتى الألم..
تململ في نومته يفتح عينيه بتباطئ وإرهاق معتقدًا أنه كان بإستضافة أحد الكوابيس المزعجة..
تنهد وهو يتأمل الأرجاء بجسد مهدود لا يقوى على الحراك..
وسرعان ما تطايرت الذكريات كالورق الجافُّ تحت الشجر ضر’بته الريح العاصف وضر’بت نقطة الإدراك بعقله.
دقق النظر ليجد نفسه بين أحضانها وهي تحاوطه بأذرع الحنان والرفق، صوب النظر يتأمل ملامحها الهادئة والمرتسم فوقها الإرهاق والحزن، مرت ليلة الأمس تطفو فوق عينيه، حنانها، إحتواءها، بكاءها معه، إهتمامها وقلقها وكل شيء..
انسلّ بهدوء من بين ذراعيها المُطبقاهم بشدة واعتدل يجلس على طرف الفراش واضعًا رأسه بين يديه وهو يزفر بإحباط من بؤرة الضعف التي سقط بها..
غامت أعينه بحزن عميق ممزوج بالغموض، قُضيّ الأمر .. إنها النهاية.
وضع يده على قلبه الذي بات لا يشعر بنبضه في سبيله للهلاك..
لمح إضاءة هاتفه اللحوح فجذبه من فوق وحدة الأدراج ثم وضعه على أذنه قائلًا بثبات:-
– الأخبار.
– مبارك يا باشا .. تم إسقاط عصابة (dark) بنجاح.
ابتسم بألم وأغلق الهاتف مستديرًا ينظر لأسوة الغافية، يتأملها بنظرات مُودعة، انحنى يُقبل رأسها ويستنشق عبقها للمرة الأخير..
همس بصوتٍ منخفض فوق جبهتها:-
– خلاص آن الأوان وهترتاحي يا عسبرة، كان حق عليا أوصلك لبر الأمان..
ولج لأذنه إشعارات هاتفه المُلحة ورنين متواصل، اشدخ هذه الضوضاء بتفحصه الهاتف ليعلم ما سبب هذا..
وجَفَ قلبه وهطلت فوقه صدمة لم تكن بالحسبان، صدمة ستقرر النهاية حتمًا..
أجحمته ليقفز ممسك الهاتف بجسد متذبذب بين الثبات والإنهيار..
جُمل عريضة كانت تتصدر العناوين وتُشغل الصحافة..
= كشف حقيقية إمبراطور صناعة الطائرات والسيارات مؤمن الصياد..
= بالأوراق الرسمية مؤمن الصياد مجر’م قضى طفولته بالإصلاحية وشبابه خلف القضبان..
= قتل والده وشقيقته الرضيعة وتسبب في انهيار اسرتهم..
= الطفل المجر’م … الطفل الشيطان…
وفي الختام الخبر المُروع لقلبه..
= عودة قاسم الصياد ونجاته من الموت ويحكي عن نجاته في تفاصيل غامضة .. وفقدانه ابنته الرضيعة على يد شقيقها مؤمن الصياد الذي د’مر الأسرة..
******************
كانت تأكل الأرض بخطواتها الملهوفة، السعيدة، المشتاقة، لقد عادت رفيقة الدرب والروح، وأخيرًا قد عاد إليها شيءٌ من الماضي الجميل..
قطعت ردهة طويلة في هذا المنزل المتوسط الحجم الراقي ومن ثم خطت نحو الغرفة بعيون حالمة بكت دموع لا ثِقل لها..
زوجها القاسي هذا عاصم مُعذبها لم يتذكر أن يُخبرها إلا صباح اليوم الثاني لتأتي تحملها رياح الشوق..
ولم تنتظر أن يُجيب أحد من داخل الغرفة واقتحمتها بلهفة سنون غابرة..
وقفت متصنمة وهي تشاهد ما يمزق أنياط القلوب، رفيقتها (جميلة) تفترش الأرض الباردة تبكي بكاء مرير بشهقات دا’مية وهي تحتضن جسدها وبيدها قطع ملابس صغيرة من الوهلة الأولى علمت لمن تعود..
لكن لماذا البكاء!!
مؤمن على قيد الحياة ومن المؤكد أنها إلتقت به..
يقيني قد سَعَد مؤمن كثيرًا بوجود أُمه وعثوره عليها..
إزدرد ريقها وهمست بشوق:-
– جميلة..
انتشلها من مُحيط دموعها الفياض صوتٌ يأتي من قعر الماضي الذي ولىَ، التفتت بلهفة لتنفرج أساريرها وهي ترى رفيقتها (أميرة) أمامها..
يا الله ما هذا الجبر الجميل..!!
قطعت أميرة الخطوات التي تقطعهم وجثمت فوق الأرض تحتضنها بلهفة لتبادلها جميلة بلهفة أكبر وتفيض الأعين بدموع الفرح واللقاء..
– أخيرًا يا جميلة .. أخيرًا بعد كل السنين دي..
الفراق كان طويل أوي يا جميلة، أنا مكونتش ببطل أدعي يا جميلة، أنا كنت بنتظر كل يوم تتحقق معجزه..
وزاد بكاءها وهي تهتف من بين شهقاتها:-
– كنت كل يوم بستناكِ وأستنى ملاك وأستنى مؤمن ولا حتى ليلى…
أي حد منّا يا جميلة، ولا أي حد رجع منكم..
ليه سيبتيني لوحدي وإنتِ عارفة إن مقدرش من غيرك..
وكأن جميلة عادت لتلك السنوات التي كانوا فيها فراشتان يُحلقان في ربيع الأحلام، رفيقتان نشئتا سويًا وتزوجا سويًا وأنجبا سويًا .. حتى أتت الظلمة تنطح النور الذي كان يعم حياتهم ولم ينقشع هذا الظلام أبدًا.
وهل آن الأوان أن يطارد الصبح الصادق الظلمة على رؤوس الجبال يُبيدها للأبد..!
قالت جميلة بصوتٍ مبحوح من جوف بكاءها:-
– يا ريتني كنت أعرف طريقك ولا أي حاجة توصلني بيكِ ولا بابني يا أميرة..
أنا كنت بشوف المو’ت كل يوم يا أميرة، ولغاية دلوقتي حاسة إن قلبي هيقف يا أميرة..
أنا خسرت كل حاجة يا أميرة، مش المفروض بعد العذ’اب دا كل من حقنا ندوق شوية فرحة..
ابني راح مني بعد ما لقيته بعد ما كان تاه مني..
وخسرت بنتي..
وبعد ما رجعلي قاسم إللي مصدقتش إن هو قدامي، رجع راح مني تاني..
شهقت جميلة بقوة وهو يكاد أن يغمى عليها وواصلت بوصب أمات قلبها:-
– مؤمن يا أميرة، مؤمن ابني راح مني..
يا روح أمه وقلبي من جوه .. ليه يعمل كدا فيا..
شاف كتير ولسه بيشوف..
لو تعرفي كان بيبصلي إزاي .. لو تعرفي عيونه كانت متعلقة بأبوه إزاي .. كانت روحه فيه..
هيكره أبوه بعد الفراق ده كله .. أول ما أبوه يرجع تكون دي مقابلتهم بعد سنين..
ليه قاسم عمل كدا .. ليه..
يا حبيب أمك يا مؤمن يا نور عنيا يا ترى حالك أيه دلوقتي..
كانت أميرة تبكي لحال رفيقتها وتستمع لما تقول بعدم فهم .. لكن الحال ناطقة، عذ”اب وألم لا يحتاج للإفهام..
الغيوم مازالت عالقة فوق سماء أيامهم تأبى أن تبرح أو يهطل غيثها فينبت من الشوكِ وردًا ويحول الهشيم لرياض خضراء..
اجتذبتها أميرة تحتضنها علها تمتص ولو قليلًا من وجعها وهمست لها بحنان:-
– احكيلي يا جميلة احكيلي كل حاجة، أنا مش فاهمة أي حاجة..
نظرت لها جميلة بوهن وأخذت تسرد لها أصلّ القصة وبدايتها التي تبدأ بمؤمن وتنتهي به…
لم تُنقص شيء وأفاضت نفسها بما خبأته سنوات..
تروي لهم تشعثهم، تروي عن صحراء حياتهم التي تُمتدُّ وتمتدُّ ولعل وراءها رياضًا خضراء وارفة الظلال..
تروي من بداية سقوطها في قعر هذه البئر المُعطلة والتي مازالت ساكنة داخله لم تتزحزح..
عادت أميرة للخلف بصدمة وطرقت رأسها قليلًا واقتحم الصمت المكان ما لبثت أن صا’حت أميرة بإيباء:-
– إنتِ إزاي تصدقي الكلام ده يا جميلة، أنا أبدًا ماصدقوش على مؤمن..
مستحيل مؤمن يكون كدا مهما شوفت من الأدلة..
إزاي قاسم يد’مروا بالشكل ده، كمان متزعليش مني يا جميلة إنتِ اشتركتي معاه..
طاوعك قلبك إزاي وإنتِ بتكتبي الجواب ده وتكسريه لتاني مرة وإنتِ عارفة إنه شايل منك، حتى مهما فهمك قاسم وقتها..
ليه يا جميلة .. ليه د”مرتوه كدا..
يا حبيبي يا مؤمن يا حبيبي يا ابني..
ليه قاسم بيعمل كدا .. ومخبي أيه هو وعاصم علينا!
********************
رتبت عزة الإفطار على الطاولة المستطيلة وسط المطبخ الواسع الخاص بالقصر، التف حولها كلًا من سلوى وصفية ولحقت بهم عزة الصامتة..
تسائلت عزة تقطع الصمت تريد تصفية ذهنها والحصول على بعض الراحة:-
– أسوة إللي رجعت إمبارح واطمنا إنها بخير الحمد لله..
بس مؤمن باشا رجع ولا لسه محتفظين بيه.؟
أجابتها صفية بتنهيدة ولم تمسّ طعامها:-
– أنا سمعت صوت العربية بعد نصّ الليل ومصطفى قال إن رجع..
هزّت عزة رأسها وقالت بحزن:-
– الله يكون في عونه، حقيقي قطع في قلبي إمبارح بعد ما شوفت إللي حصل..
مش سهل أبدًا إللي حصل عليه ولا على أسوة يا حبيبتي..
أيدتها صفية بقولها وقد امتقع وجهها بالألم:-
– مؤمن باشا يستاهل كل الخير، ويستاهل أسوة..
من حقه يعيش حياته كفاية عليه حزن أوي كدا..
إحنا هنا معاه من إمتى وحالته نفس الحالة، وحيد وعايش في عزلة تقـ.تل..
ويوم ما جه يبدأ حياته من جديد الحياة ماسبتهوش..
قالت عزة بشرود:-
– أنا عمري ما شوفت منه حاجة وحشة بالعكس هو كان السبب بعد ربنا إن أبدأ حياة جديدة وأنفد بحياتي..
وأنا مهما قالوا مش هصدق إللي بيتقال عليه ده أبدًا..
تحدثت سلوى للمرة الأولى تشاركهم الحديث وهي تتناول بعض اللقم:-
– وليه متصدقيش .. الشرطة عندها الأدلة، وأبوه نفسه مصدق، إللي يحاول قـ.تل أبوه وهو لسه طفل، ويقـ.تل أخته ويخنقها تتوقعي يعمل أي حاجة..
وبعدين خلينا مننكرش هو شخص غامض من وقت ما عرفته وتحسي إن في حاجة مش تمام..
وإحنا أيه يعرفنا هو متجوز أسوة ولا لا، ما يمكن مقضينها مع بعض كدا هو إحنا هنعرف أكتر من الشرطة، وعلشان يداري على سمعته قال إن هيا مراته..
من ساعة ما جات هنا وأنا عيني عليهم..
كان داخل طالع عندها وهي عينها عليه وشوفتهم بعيني كذا مرة في وضع مش تمام..
ولو حتى اتجوزها فهو اتجوزها في السر .. يعني جواز عرفي..
نظرت كلًا من صفية وعزة لبعضهم البعض بصدمة وهم لا يصدقان أن التي تتحدث بهذه القسوة هي نفسها الخالة سلوى التي كانت تنهرهم عندما يتهامسوا ويتلامزوا..
تماسكت صفية ونظرت لها بوجه مكفهر ونظرات ناقمة، الآن عليها قول كلمة حق، وقالت بقوة:-
– ملكيش الحق يا خالتي سلوى تقولي الكلام ده..
إحنا أبدًا مش هنعض الإيد إللي اتمدتلنا زيك..
أنا وعزة بنات وعيشنا هنا على قد ما عيشنا ماشفناش من الباشا مؤمن ألا كل خير، واحد كان فاتحلنا بيته من غير ما يسألنا على أيّ حاجة..
المعروف إللي عمله معايا محدش يعمله ولو قعدت عمري كله أشكره عليه مش هوفيه حقه..
وأسوة بنت محترمة ومتربية رغم الظروف إللي مرت بيها ومش بتاعة الحقا’رة إللي بتقوليها في حقها..
الراجل إللي بتخوضي في سمعته واسمه وإللي المفروض تشهديله كلمة حق عايشين تحت سقف بيته وكل واحدة كان لها حكاية وإنتِ أولنا..
بقى ده رد المعروف والجميل يا خالتي سلوى..
هبت عزة واقفة وقد كفت صفية ووفت، أشهرت بإصبعها أمامها وقالت بإحتقار وهي تشيح بوجهها:-
– صفية عندها حق، إحنا مش منافقين يا ست سلوى علشان ننكر معروف الباشا مؤمن صاحب المكان إللي بيأوينا من كلاب السكك إللي كانت بتنهش فينا، ونشكك في أخلاقه ونخوض في عرضه..
ونظرت لصفية قائلة:-
– يلا يا صفية من هنا..
وخرجتا تاركين خلفهم سلوى التي تلاعب الشيطان بأفكارها وانقادت خلف حديث قاسم الذي كانت تعمل لصلاحه ولا تعلم ما كان مخزى حديثه..!!
~ عند صفية وعزة..
زفرت صفية بضيق وهي تقول بعدم تصديق:-
– شوفتي الست إللي معندهاش ريحة الضمير..
رفرفت عزة بأهدابها وقالت:-
– أمثالها بقوا موجدين في حياتنا كتير أووي يا صفية..
تنهدت صفية وهي تقول فجأة:-
– كنت عايزة أقولك على حاجة يا عزة..
نظرت لها عزة بتسائل وهتفت بتعجب:-
– خير يا صفية في أيه..
قالت بحسم:-
– أنا هقول لمصطفى على الحقيقية..
صا’حت عزة بفزع:-
– إنتِ اتجننتي يا صفية، أوعي تفتكري إن كدا صح..
مرة جاء رجل لسيدنا عمر بن الخطاب وقال له إن بنته زنت في الماضي وقد سترها الله وتاب عليها من فعلتها، والآن جاء لها عريس، وسأله.. أخبره بما كان يا أمير المؤمنين؟
فعنفه سيدنا عمر وقال له ويحك! أيسترها الله وتفضحها أنت، فوالله لو أخبرت أحد بفعلتها لجعلتك نكالًا لأهل الأمصار، اذهب فزوجها زواج المسلمة العفيفة..
وواصلت حديثها بهدوء:-
– ودي كانت زنت يا صفية، أما إنتِ كان شيء غصب عنك وقدر الله ومشيئته ووقع، وربنا بيفتحلك فتح جديد وبيعوض عليكِ، ليه عايزة تهدمي كل حاجة..
تسائلت صفية بتشتت:-
– طب كدا مش هبقى بخدعه..
– لا يا صفية مفيهاش أيّ خدعة، وعلشان بعد الزواج والتساؤلات وميفهمش غلط، هتقولي زيّ ما مؤمن باشا قالك، كنت متجوزة وجوزي مات..
قالت صفية بحسم:-
– وأنا هكلمه وأقوله كدا أكيد يا عزة.
جلست صفية منكسة الرأس تفرك يديها بتوتر وهي تسأل الله التيسير وأن يُعينها ويكتب لها الخير..
ابتسم مصطفى بحب وهمس:-
– أنا تحت أمرك يا صافي سامعك بقلبي.
تخضبت وجنتيها بلون الخجل وعزمت وهي تقوي من شكيمتها قائلة بحسم:-
– أنا كنت عايزة أقولك على حاجة مهمة جدًا علشان مش أكون خدعتك ولا يبقى حرام عليا، وإنت باختيارك تكمل أو لا، ومش هزعل أكيد لأن دا حقك..
أنا المفروض كنت قلتلك قبل كدا بس كل حاجة جت بسرعة ومكانش في وقت..
جعد جبينه بتعجب وتطلع بها بقلق وهو لا يدري مضمار فكرها، تسائل بتشوش:-
– خير يا صفية في أيه؟! قلقتيني..
ابتلعت ريقها بإضطراب وأغمضت جفونها متنفسة بعمق وألقت كلماتها بجزم:-
– أنا كنت متجوزة قبل كدا .. وزوجي مات بعد فترة بسيطة من الجواز..
دي حاجة من حقك تعرفها، والقرار قرارك..
قالت كلماتها مسرعة وهرعت تطرق برأسها في توتر من ردة فعله، ولمّا طال الصمت الكئيب، أمضت ترفع رأسها بترقب لتنخرط في صدمة وهي ترى ملامحه الثابتة ووجه المبتسم وكأنها قالت إحدى كلمات الغزل..!!
نظرت له بتسائل فشفى حيرتها بتوضيح أبرأ قلبها..
– أنا عارف يا صافي .. مؤمن قال ليّا وأنا بطلب إيدك، وأنا معنديش أيّ مشكلة، إللي فات مات وأنا مليش دعوة بإللي فات .. المهم إللي جاي والمستقبل إللي هنكتبه سوا، المهم إن أكون أنا الأول في قلبِك..
ترقرقت الدموع بأعينها وهي حقًا لا تصدق تلك المعجزة التي رزقها الله بها، صدقًا عوضٌ يستحق كل هذا الصبر والتحمل..
لم تستطع قول شيء سوى أن همست بإمتنان داخلها تشكر المولى عزّ وجل، وقالت له ممتنة بعد أن مات بداخلها هذا الشعور البغيض الذي ليس له إلًا ولا ذمة:-
– شكرًا … شكرًا على كل حاجة حقيقي..
الآن تستطيع البدء من جديد، الآن تستطيع أن تطلق لقلبها العنان..
**************************
لم ترفق به الذكرى وهو يدور بالغابة والهدوء يحلق من فوقه، هدوء غريب.!
يطوف بالغابة يتأمل أركانها التي شهدت على أتراحه وأفراحه، وقف أمام الشجرة التي كان يعتليها دائمًا حين يشعر بالتيهة، يعمل على تفريغ عقله حتى يهب له الصفاء..
أعظم الإنجازات التي اقتطعها كانت هنا فوق غصون هذه الشجرة العتيقة..
تنهد تنهيدة عميقة وهو يواصل المسير يرى الشجيرات
والنبات والزروع التي قضى سنوات يعتني بها ويرعاها متخذها مؤنسات وأفراد عائلة..
وقف أمام جدول الماء التي تعشقه أسوة والأشجار التي كانت تفضل الجلوس أسفل ظلالها، ترعرعت بسمة دافئة هادئة على فمه وهو يُغلق عينيه مستدعيًا تلك الذكرى اللطيفة التي تُنعش قلبه…
زفر وأكمل السير بسرداب الظلال يقتطف من كل خطوة ذكرى تهدهد قلبه..
وفي النهاية وقف على هذا التلّ الصغير المُمهد بالزروع الخضراء على سطحه الصخري، جلس على طرفه وأقدامه تدلى لأسفل مبتسمًا وهو يضرب بكفه على سطحه وهو يقول:-
– إنت صديقي الصدوق، إنت إللي شاهد على كل أوجاعي، جيت هنا كتير وفرغت كل إللي جوايا فوقك، متنسانيش يا صديق..
أفقر الربيع وآن الأوان، أخرج هاتفه وبعد قليل أتاه الصوت المنشود ليهتف بحزم:-
– إللي أمرتك بتخبيته جه وقت يظهر للعلن، هتبلغ الضابط عاصم بنتيجة التحليل الحقيقية..
وأغلق الهاتف وما لبث أن أعاد الإتصال لكن بشخصٍ آخر وهتف يقول بحسم:-
– ليث نفذ إللي اتفقنا عليه..
هتف ليث باعتراض:-
– بس يا مؤمن..
قاطعه بجدية:-
– مفيش بس … خلاص كدا.
قال ليث بقلق:-
– طب هي هتتفهم ولا هتفهم الموضوع غلط..
تنهد يقول بحنان:-
– أنا واثق إنها هتتفهم ويارب ما تخيب ظني..
وأنهى الحديث مع ليث واستدار للعودة إلى القصر مرةً أخرى وربما ستكون الأخيرة..
~ في هذه الأثناء أشرقت شمس أسوة وأفرجت عن مروجها بعد ليلة رعدية مليئة بالكثير..
مدت يدها تتقفى دفئه لتجد مكانه باردًا موحشًا..
إعتدلت وهي تشعر بالحزن متنهدة بثقل، تنفست بعمق تشحن كمًا من الهواء العليل داخل صدرها عَله يُذهب قليلًا من ألمها..
وثبت تسير نحو المرحاض وتوضأت ثم أخذت تؤدي فرضها بخشوع تسأل الله أن يُذهب هذه الغمة وتحلّ محلها مُهجة تُخلصهم من ألآمهم للأبد..
أخذت تقرأ سورة يسٓ بدموع تنهمر طمعًا في قضاء حوائجهم..
– يارب إنت أرحم الراحمين فك الكرب ده وخفف وجعه يارب، لطفك علينا يارب، أنا عيشت عمري كله راضية وكنت واثقة إن هتيجي اللحظة إللي تتغير كل حاجة..
نفسي أعيش حياة مستقرة يارب، أنا مش يأست من الدعاء بس قلبي اشتاق للذة الإجابة..
إملى قلبي بالرضا واليقين وحُسن الظن بك، وسامحني على عثراتي وأخطاءي يارب..
انتهت متنهدة براحة وتشعر أن مخزون طاقتها إمتلأ بعض الشيء، تركت رداءها الصوف فوق فراشه بعدما قامت بترتيب الغرفة جيدًا وهبطت للأسفل لإيقاظ يزيد..
بحثت أعينها في الأرجاء عن مؤمن فلم تجده أيضًا، ولجت الغرفة لتجد يزيد غارقًا في أحلامه السعيدة..
ابتسمت بحب واقتربت منه تقبل رأسه ووجنتيه وتدغدغه بمرح ليستيقظ مطلقًا لضحكاته البريئة العنان..
– صباح الخير يا قبطان زيدو..
قبل وجنتها وقال ببراءة مارحة:-
– صباح الفلّ يا ويسي، إنتِ جميلة أوي النهاردة..
قرصت أنفه وقالت وهي تُخرج ملابسه:-
– بطل بكش يا ولد .. وبعدين تقصد أيه بالنهاردة، هو أنا وحشه كل يوم!!
– روقي يا عسبرة إنتِ حلوة عالطول بس النهاردة زيادة…
جحظت أعينها وهي لا تصدق لماضته في الحديث، استدارت تسأله بصدمة:-
– إنت بتجيب الكلام ده منين يا ولد، وسمعت كلمة عسبرة دي فين؟
أجابها يزيد وهو يرفع أنفه:-
– أنا كبرت يا عسبرة، وبعدين سمعت بابا مؤمن بيقولك كدا وأنا كمان زيّه..
تنهدت بحزن واقتربت تجلس على الفراش هامسة بلوم:-
– بدلت عمو مؤمن بِـ بابا، إحنا قولنا أيه..
قال يزيد بإعتراض طفولي:-
– هو قالي عادي أقوله كدا، وأنا أصلًا بحبه زيّ بابا وبعتبره بابا، وعارف إن هو بيحبني..
حتى شوفي بدلة القبطان إللي جبهالي..
هو وعدني إن هو مش هيسبني وهنعيش أنا وهو وإنتِ عالطول مع بعض يا ماما..
يعني خلاص قالي إن هو بقاا بابا وإنتِ ماما..
هذا الذي لم تفلح فيه، لم تستطع إيقاف الحب في قلب يزيد كما لم تستطع إيقاف حُبه بقلبها وهو يستحق الأكثر من الحب، لقد تعلق به يزيد تعلق مرضي كتعلقها، يتشبثان بعنقه بكامل قواهم، فلو سقط سيسقطون حتمًا..
جذبته تحتضنه وتمسد على شعره قائلة بأعين يترقرق بها الدمع:-
– خلاص يا سعادة القبطان، هو بابا طالما إنتوا اتفقتوا عليا، يلا بقى تلبس هدومك علشان تفطر الوقت إتأخر..
قفز بحماس وهو يقول:-
– بابا مؤمن هنا صحّ..
كتمت حزنها وتصنعت إبتسامة وتحدثت:-
– لا يا حبيبتي هو خرج، تلقيه عنده شغل، بس أكيد مش هيغيب ويرجع..
– ماشي يا ويسي يلا لبسيني بقاا بسرعة علشان صافي ووزة عملولي كاب كيك إمبارح ومش لحقت أكله، وعلشان ألعب بالسفينة إللي جبهالي بابا مؤمن..
حركت رأسها بإبتسامة فاترة، وألبسته ملابسه وسحبته إلى المطبخ حيث يوجد صفية وعزة..
تنهدت تنهيدة ممدودة بعمق وهي تواجه صفية وعزة للمرة الأولى بعد ما حدث، يا تُرى ما يفكرون به نحوها!
تماسكت قبل أن تغمغم بصوت مبحوح:-
– السلام عليكم، صباح الخير عليكم يا حلوين..
وخاب ظنها حين قابلتها إبتسامته الواسعة وطيبتهم، اندفعت نحوها صفية تحتضنها وهي تقول بلطف:-
– صباح الفلّ عليكِ يا ست البنات، إنتِ عاملة أيه، طمنيني عليكِ..
بادلتها أسوة وقالت بإمتنان:-
– بخير يا صفية، تسلميلي يا حبيبتي، إنتوا عاملين أيه..
انتهت عزة من مداعبة وتقبيل يزيد واتجهت نحو أسوة تقبلها وهي تقول:-
– أسوة الجميلة عاملة أيه يا سُكر..
ابتسمت لها أسوة قائلة:-
– بخير يا حلوين، عارفة إن تقلت عليكم وأن اليوم ده كان مهم بالنسبة لكم ومع ذلك مقدرتش أكون معاكم بس غصب عني والله، وتسلمولي على إهتمامكم بيزيد حقيقي إنتوا أكتر من أخوات يا بنات..
ردت عزة بعتاب:-
– عيب يا أسوة متقوليش كدا، إنتِ عملتي معايا أنا وصفية إللي محدش يعمله ووقفتي جمبنا، ومن غير ما تبرري إحنا مقدرين الظروف إللي بتمري بيها إنتِ ومؤمن باشا، وزيّ ما وقفتي معانا في سعادتنا هنقف معاكِ وندعمك؛ لأننا واثقين فيكِ وفي الباشا مؤمن وعارفين عندك أيه..
وواصلت صفية الحديث بدلًا عنها بمودة رقراقة:-
– وبعدين يزيد دا في قلبي، دا أنا ليّا الشرف لما أقعد مع سعادة القبطان يزيد وأعمله الكيك إللي بيحبها..
المهم إنتِ خدي بالك من نفسك ومن بَعلك يا مدام وادعميه كدا..
قالت جملتها الأخيرة وهي تغمز بأعينها بمرح لتلكزها أسوة وهي تحدجها بغضب مصطنع وتقول:-
– بطلي يا ست صفصف تقلبي الحفلة عليا وروحي شوفي سي مصطفى بتاعك..
ضحكت عزة بملئ فمها وقالت:-
– يلا اكتمي بقا يا ست صفية..
غمغمت باستنكار:-
– لا يا بت بريئة أوي، ومين إللي عينيها راحة وجاية من الصبح على سي معتز، اكتمي بقا يا ست عزة..
ضحكت أسوة رغمًا عنها على بساطتهم وقالت باستسلام:-
– خلاص إنتِ وهي يا ستات، فهمنا هي بتاعة مصطفى وإنتِ بتاعة معتز..
رّدت كلًا من صفية وعزة معًا في نفس اللحظة:-
– وإنتِ بتاعة مؤمن يا ست أسوة..
ارتعش قلبها بعد هذه الجملة، وتخضبت وجنتيها وهي تشعر بإرتعاد نبض قلبها حبًا وشوقًا له وحنانًا إليه، مجرد نسبتها إليه قلقلت كيانها لتشعر بكل ذرة بجسدها تنبض حبًا له..
ويلٌ لها لقد سقطت في شرك الحُب، وهوتْ بها ريح الجوى في مكانٍ سحيق حيث قلبه..
لاحظا صفية وعزة إضطرابها وإحمرار وجهها فأخذوا في الهمس واللمز والإبتسام بمكر واستطاعوا أن يهوّنوا عنها ولو قليلًا ويبعدوها عن الوادِي الغارقة به بعد أن ضاقت عليها الأرض بما رحبت..
عادت أسوة من شرودها وفركت يديها بتوتر وهي تسأل بستحياء:-
– متعرفوش هو خرج إمتى.؟
هتفت صفية بخبث:-
– مين إللي خرج؟ قصدك الباشا مؤمن..
وبختها أسوة بمزاح رغم قلقها:-
– أخلصي يا بت يا صفصف ولا إنتِ قولي يا عزة لأن بجد قلقانة..
قالت الجملة الأخير بخوف حقيقي استشعرته عزة فأجابتها بجدية:-
– لا يا أسوة للأسف محدش شافه وهو خارج، بس شكله خارج من بدري يعني من ساعة شروق الشمس..
ثنت الطمأنينة عِطفها في تكبر ورحلت عنها وتلبسها الوجل الأكبر والتوجس من حدوث أي مكروه له..
حاولت بث الطمأنينة لقلبها وهي تطمئنه أن كل شيء سيكون بخير..
هدأتها صفية برفق:-
– متقلقيش يا أسوة كل حاجة هتبقى بخير، أزمة وهتعدي يا حبيبتي .. إهدى بس كدا..
هدهدت أسوة قلبها تطبطب فوقه وهي تروح وتجيء تحاول الخلاص من قلقها وهمست:-
– خير خير .. إن شاء الله مفيش حاجة وحشه هتحصل..
أحلى حاجة أحضر الفطار على ما يجي..
وبالفعل بدأت تعد الإفطار تحت أنظار صفية وعزة اللتان حزنتا كثيرًا على ما يحدث حقًا..
في هذا الأثناء صعد مؤمن إلى غرفته يجرّ أقدامه عندما علم أن السعادة منه سرابٌ بقيعة يحسبه المكلوم مسرّة، ليست أيام تعدو اليوم يخلف الأخر إنما ظلماتٌ بعضها فوق بعض، ظلمات في بحر لُجيّ وهو حياته، وليت له مشكاةٍ فيها مصباحٌ من الأمل..
أحاطه عبقها فور أن ولج للغرفة التي وجدها مرتبة منظمة هادئة، سحب كمًا وفيرًا من رائحتها المتناثرة بالأرجاء متنهدًا بشجن، وبدأ في الإستعداد للحدث النهائي، أخذ حمام دافئ ثم شرع يرتدي ملابسه بنطال أسود يعلوه قميص بذات اللون ملتصق على جسده ويعلوه سترة جلدية أنيقة..
وأكمل طلته بإرتداء ساعته الفضية الناصعة، ثم شرع يصفف شعره الفحمي وينثر عطره الأخّاذ..
فبدا بأفضل طلّه، وضّاح الطلعة وحسن الهندام، آسر بهيئته..
جلس على طرف الفراش ينتعل حذاء أسود بعُنق طويل قليلًا، انتصب واقفًا حين وجد الباب يُفتح بلهفة ولم تكن سوى أسوة الراجفة..
لم تُفرط في الإنتظار واحتضنته بقوة بقدر قلقها وبلبة قلبها، تشبثت به وهي تهمس بصوت مبحوح:-
– كنت هموت من القلق عليك لما صحيت ومش لقيتك..
أطبق عليها بقوة وهو يستنشق أريجها بهيام كأنه إكسير حياة..
أبعدت رأسها عن أحضانه ترفع رأسه إليه وتتعلق أعينهما سويًا ليُدبرا في عالمٍ أخر، يتأملها بنهم ويملأ نظراته بهيئتها الأخّاذة..
كوّب أكناف وجهها بحنان يتحسس بشرتها وهو يرمقها بنظرات مُبهمة لم تستطع أسوة تفسيرها لكن من بينهم كانت نظرات الحُب تومض وتنطلق إليها، فلتحيا بجانبه وتلوذ بالفرار إليه من كل ما يقضّ سعادتهم..
افترّ جانب شفتيه عن إبتسامة هادئة قبل أن يغمغم بصوت هامس يُزجي إليها الطمأنينة:-
– سلامتك يا عسبرة، أنا كويس..
همست له وهي تتمسك بسترته:-
– معدتش تقلق قلبي عليك تاتي، ولا تبعد من غير ما تقول..
قال بنبرة كانت غريبة بالنسبة لأسوة:-
– بوعدك مش هقلق قلبك أبدًا للأبد .. للأبد..
رغم الغرابة لم تُعلق، وهتفت برقة:-
– أنا مش هسيبك أبدًا، أنا معاك وهفضل جمبك مهما كانت الظروف..
ألصق جبينه بجبينها فأصبح رتقًا وتسائل بغموض:-
– يعني مش هتخلفي بوعدك ده مهما كانت الأسباب..
حركت رأسها بإيجاب وقالت بثقة:-
– مفيش حاجة تبعدني أبدًا عنك، أنا أصلًا مليش في الدنيا دي غيرك..
تسائل بمزاح مبطن بالكثير مما تجهله أسوة:-
– يعني إنتِ هتفضلي معايا بس علشان ملكيش غيري..
يعني لو لكِ حدّ تاني هتسبيني وتمشي..
ابتسمت وهي تلكزه بخفة وقالت:-
– هفضل فوق قلبك كدا مش هخفّ أبدًا..
وراك وراك ولو روحت الذرّة..
ابتسم لها بحب وهو يهمس داخله بتنهيدة:-
– إنتِ فيه مش عَليه..
– أنا حضرت فطار بإديا الحلوة دي، يلا علشان نفطر سوا، يزيد مش استحمل ينتظر وفطر..
حرك رأسه بتفهم وقال وهو يلثم يدها فطفى لون الشفق على وجنتيها:-
– موافق … لأن جعان جدًا، يلا روحي جيبي الفطار هنا..
كان يريد أن يُمضي هذه الساعة معها، يريد أن يُشبع عينيه وقلبه منها ويظّن أنه لن يُفلح أبدًا في هذا الأمر، فكيف للروح أن ترتوي من حليلها..!!
انصاعت أسوة لما يريد، وحلقت كالفراشة تُحضر إفطار بحُب العالم أجمع وتحنان أمّ على وليدها..
جلس بجوارها وأعينه لم تأفل لحظة عنها لتظل مطرقة الرأس بخجل ولم تتوارى حُمرة خديها بذات الوقت سعيدة بل سعيدة جدًا بلذائذ الوصال وأنها استطاعت إزاحته ولو زهيدًا عن ألمه..
وسط هذا كان شعور أخر بداخلها، تشعر بشيء غريب به تصرفاته مُبطنه بالغموض، تلك ردة فعل عكسية لمّا كان عليه أمس..
هل تناسى بهذه السرعة، لماذا نظراته توحي بالوداع..
تنحى العِناد وللمرة الأولى ينظر لها بتلك الطريقة، نظراته بها إعترافٌ صارخ بالحُب والعشق والجنون..
مدّ مؤمن يده مُمسكًا يدها برقة ثم أخذ يلثمها ببطء ممزوج بالحُب، أغمضت أسوة أعينها وقد ثقلت أنفاسها وهي لا تُصدق أن لحظات حزنه وسقوطه تكون من أطهر وأصدق لحظات حبهم وعشقهم..!!
كانت أسوة ترتدي فستان بسيط من اللون الذي يناقد لون ملابس مؤمن، فستان من القماش الأبيض ينتهي بضيق للخصر ويلتف حول عنقها بياقة دائرية مُغلقة بأزرار صغيرة، ويهبط بإتساع من الخصر بكسرات بسيطة، وأكمام طويلة تنتهي بضيق من الكوع للرسغ.
ويُزين عُنقها السلسال الذي أعطاها إياها حين تم دثها وسط عصابة الأعور .. التي تنتهي بدلاية على شكل دمعة كريستالية..
كانت في غاية الرقة والبساطة وزادها فتنة بعينه ستائر البندق التي انتشرت على أكتافها لتتدلى على ظهرها بدلال..
سارت على وجهها موجة من الخجل وهو يتأملها، قال محلمقًا بها بصوت مشبوب بالجوى:-
– وما كُنتُ ممّنْ يَدْخُلُ العِشقُ قلبه
وَلكِنّ مَن يُبصرُ جفونَكِ يَعشَقِ.
وهمس بعذابٍ:-
– وبعضُ الصّمتِ إرهاصٌ لبركانٍ سينفجرُ
وبعضُ الصّمتِ توطئةٌ لصبرٍ باتَ يحتضِرُ
وبعضُ الصّمتِ تعبيرٌ عن الإيجابِ مُختصَرُ
وبعضُ الصّمتِ مُبتدأٌ سيأتي بعدهُ خبرُ!
وبعضُ الصّمتِ خاتمةٌ لقولٍ ما لهُ أثرُ!
كانت تتخبط بجدران الحيرة وهي تسمع كلماته التي تعلم يقينًا أنّ لها صدىً في نفسه يرادف العذ’اب..
ابتسم إبتسامة لم تشارك ثغره فيها عيناه الغائرتان، ودائمًا كان مصقعًا في إكنان ما تعتريه روحه ويأوي إلى ركنٍ حصين وهو الصمت الذي دائمًا ما كان يتربص به الدوائر ويتحداه أن يُطبب بالبوح روحه المكدودة..
كانت الخمائل الرفيف تبرق بأعين أسوة فتجيش أعينها بالدمع وهي تستشعر شيئًا يؤلم بحديثه..
سعى إصبعه لمجرى دمعها يطمس هذا الطلّ الذي يتساقط من فوق أوراق شجيرات عينيها الزمردية..
اقترب منها يلثم خديها فوق دموعها برقة وهو يمسح على شعرها المجلل بهالته البندقية، وهمس بنبرة تموج بالكثير من المعاني:-
– ليه الدموع يا عسبرة، أنا قولت حاجة زعلتك، إنتِ متعرفيش دموعك دي بتعمل فيّا أيه..
وسحب نفسًا من عبيرها وهو يمرمغ أنفه في شعرها مُكملًا في همسِه:-
– ولا ده..!!
قالها وهو يسير بأصابعه في فروة شعرها من منابته إلى أطرافه..
رفعت وجهها له بأنفها المُحمرة وأعينها التي زادها شفق البكاء مَلاحَة، وقالت ترد عليه في صوت مختنق متقطع:-
– أنا مش .. عارفة .. بس حاسة إن .. خايفة أووي..
حاصرها أكثر بأحضانه وتزيد هي في الولوج إليه وهي تبتغي إلى الطمأنينة الوسائل، أخذها على ركبتيه بحنان وطوقها وهو يُمسد ذراعيها قائلًا بصوت خافت:-
– هشش، إهدي يا عسبرة، كل حاجة هتبقى تمام، أنا معاكِ ومش هخلي أي حاجة تحصلك حتى لو كان التمن عمري كله..
نسـ.فت هذا الشعور وهو تطوق عنقه تحتضنه وتلثم قبلة حانية فوق لحيته الخفيفة قائلة:-
– سلامة عمرك يا كلفي..
أبلج يُشرق وجهُه كأنّ فيه لألئ الذهب على الضوء، وقال وقد ارتسم على وجهه معالم المكر بينما يزيد من قربها له:-
– بس قوليلي أيه الرضا دا كله..
وأقترب من وجهها غامزًا وهو يواصل نفس الحديث الماكر:-
– أقولك دلوقتي عيونك بتقول أيه، معاني جامدة أوي يا عسبرة..
لكزته بغيظ وهي تحاول الفرار تبتغي الهروب فيزيد من التشبث بها..
– إهدي بس يا عسبرة .. أنا قولت حاجة..
هتفت بتذمر بينما يتو’قد في خديها ياقوتًا:-
– بطل إنت قلة أدبك..
تنهد بينما يتأملها عن كثب وهمس لها بحُب إعترافًا بتأثيرها عليه وجمالها للمرة الأولى ليجعل قلب أسوة يضطرب اضطراب الورقة اليابسة في شجرتها نافرة تتململ إن عفَتْ عنها نسمة..
– ما إنتِ حلوة بزيادة .. وأنا قلبي ضعيف..
ملأت عينيها من ملامحه التي تعشقها عيناها راسختان في نظراته ولازالت عيناه تحاصرها بسها’مها وقد عرف كيف يُهدد سطوة قلبها سلا’ح ذي شفرتين..إحداهما شفرة الحُب .. والأخرى شفرة الخوف..
تنهدت وهي تستقر برأسها على صدره .. تعشقه بل تهيم على وجهها حبًا به..
هي بالنسبة لعالمه الداخلي المظلم نسمة رقيقة لا تقوى على ظلامه، مخملية هيَ وردائهُ مُدنس بالحزن لا يريد أن يتلوث ثوبها الجميل منه وكلما عَفَى عليها شيئًا منه يُسارع بنفض الغبار عن ثوبها..
لكني لم أشعر يومًا بِـ إندماجٍ مع أحدٍ كـ التصاق روحي بروحكِ، شبيهان نحنُ حد التماثل ونقيضان نحنُ حدّ العداء..
فما العمل إذا كان قُربكِ يبتلعني، وفراقكِ يمز’قني؟!!
حُبي لكَ كدعوة مؤمن ناجىَ بها ربه في جوف الليل فأتته في بشرى فجر..
لكن ما ذنب هذا الحُب في فجعات القدر التي تُلقيها على قلبه اليتيم..
ذنبه أنه كان لقلب ربيب الألم..
والألم والسُخط ألفاظ من لغة العجز..
فكُتب أن يكون حُبًا عليلًا..!
********************
وقف متسمرًا وتبعثر داخله وشعر أن العالم يدور من حوله، هل هذه حقيقية أم أنها مجرد لّغوا لا بأس به..
كانت نظراته خرساء وعضلات فكه متشنجة، احتدمت الذكريات واحتشدت بعقله فسقط ذراعه الذي يحمل الهاتف بجانبه بوهن وإبتسامة متوجعة عرفت طريقها لفمه..
الكلمات تتكرر بلا هوادة بعقله، كان يشعر من البداية، كان عليه أن يتبع إحساسه..
عاصم الشامخ الذي لم تنكسر عِزته يومًا ما .. صاحب البأس الشديد كانت ابنته أمامه وسحبها بيده يزجها خلف القضبان..
كلمات الحقيقة تلفه..
– “عاصم باشا .. بنت حضرتك هي أسوة محمد الخطيب، التحليل إللي وصلك قبل كدا هو تحليل مزور، والتحليل المظبوط فوق مكتب حضرتك..
الدكتورة أسوة بنت حضرتك بنسبة ١٠٠%..
وتقدر تتأكد مرة كمان..”
مؤمن الصياد .. لقد كتب نهايته بيده وما بينهم ليس سوى شقاقٌ بعيد، بئس المصير له..
لقد أفلح في كسب عداوته وفَارَ التّنُّور..
وسارع يخرج من مبنى مكافة المخدرات يصرخ في الهاتف بقلب يكادُ أن يتوقف:-
– أميرة .. لقيت بنتنا يا أميرة .. لقيت ملاك..
كانت أميرة مازالت جالسة مع جميلة، ولم تصدق ما صا’ح به عاصم، فكادت أن تفقد اتزانها وهي تسارع في السعي خارج المنزل تساندها جميلة وسط بكاء أميرة المرير وشهقاتها المتتالية التي تمز’ق القلوب..
– قولتلكم .. أنا كنت عارفة إنها عايشة، كنت عارفة ومتأكدة إن هنلاقيها..
بنتي يا جميلة .. ملاك عايشة، شوفتي لُطف ربنا شوفتي حنانه عليا، ربنا ماخذلنيش يا جميلة، ربنا استجاب يا جميلة … استجاااااب..
كانت تصر’خ دون هوادة وهي تتبعثر في مشيتها وتهتف بتقطع:-
– شكرًا يارب .. لك الحمد يا حنان، يارب فضلك كبير عليا، مش هنسى أبدًا الجبر ده يارب..
وأكملت بلهفة أم:-
– يا ترى بقاا شكلها أيه يا جميلة، كبرت وبقت عروسة..
وأنا هفضل عند وعدي عريسها موجود ومستنيها، وهبقى حمات مؤمن الصياد..
يا ترى عيونها لون عيوني ولا لون عيون عاصم..
تصدقي يا جميلة مكونتش لحقت أشوفها..
وشعرها لونه أيه يا ترى..
كانت جميلة تستمع لها بقلبها وتبكي … تبكي فقط..
سعيدة لأجل صديقتها..
ليت ابنتها فلذة كبدها هي الأخرى على قيد الحياة..
لكن مُحال .. هل يعود الميت للحياة.؟!
نعم يعود إن كانت إرادة الله النافذة..
وفي غضون دقائق كان يقف السائق الذي أرسله عاصم إليها ليقيلهم حيث الابنة المفقودة..
غير مدركين الحقيقية التي ستنفـ.جر..!!
وأين هو المكان الذي ستتغير به مجرى الحكاية؟!!
***************************
كان يقدم قدمًا ويُأخر أخرى، إلى أن استجمع قواه وطرق باب الغرفة وهو يعلم أن بعد هذه الخيانة سيتبدد كل شيء..
لكن سقط قلبه حين وجدها تبكي وبين يديها هاتفها..
سعى ليث نحوها بلهفة وهو يتسائل:-
– مالك يا ليلى .. بتبكي ليه يا حبيبتي؟
استمرت على حالتها لم تجيبه ليجذب الهاتف من بين يديها فيجد رسالة نصيّة فحواها الآتي..
《ليلى .. قطتي الجميلة، إنتِ إللي جنيتي على قلبك يا جميلتي، وإنتِ بصراحة دخلتي مزاجي أووي..
أوعي تفتكري إن نسيتك ولا عديت الموضوع كدا..
لا يا حُبي .. إنتِ مش بتطلعي من دماغي أبدًا يا ليلتي..
مش هتكوني ألا ليا ومكانك في حضني يا قطتي..
قريب هتكوني عندي..》
<<حبيبك داغر>>
انطلق الشر’ر من أعين ليث ونظراته أصبحت مشتـ.علة يتساقط منها شواظٌ من نا’ر، قبض على الهاتف بقوة وهو يتوعد بعذابًا وبيلًا..
أمسك كتفيها وهو يتأمل وجهها المتغضن بالألم قائلًا من بين أسنانه بوعيد:-
– محدش يقدر يمسّ شعره واحدة منك يا ليلى، إنتِ مراتي وأنا هحاسب القذر ده على كلامه وهخليه يندم على اليوم إللي فكر فيه بيكِ..
أوعي تخافي أنا أمسحه من على وجه الأرض..
شهقت بألم ولا مناص من الفرار من حالة الحزن التي اعترتها والماضي يرميها بمنجنيق الذكرى..
التقت عيناها بعينه في حديث طويل، صمت فيه كلاهما للحظات ولازال يحتضن وجهها بكفيه كأنها كنز عمره الذي يخشى فقده، ولازالت تتعلق بخيوط العشق في عينيه وكأنها شفاء روحها من كل أوجاعها..
سرت قشعريرة في جسده كلّه كالنا’ر وهو يرى هذه النظرات في عينيها..
قالت متنهدة وقد انبجست العبرات من عينيها:-
– إنت فاكرني خايفة من تهديد التافهه ده..!
أنا موجوعة على نفسي يا ليث..
أنا مين؟
أخويا سايبني هنا من غير ما يقولي أسباب، ومعرفش هو مين، أهلى إللي عيشت من غيرهم وسط الملاجئ..
أبويا ميت وأنا معرفوش، ومؤمن بيقول أمي عايشة وبيقولي أنتظر الوقت المناسب..
أنا بموت من جوا .. وصبري نفذ .. عايشة ومش عايشة نفسي أبقى زيّ باقي الناس، مش من حقي بعد كل إللي شوفته، حياة مؤقته وأنا صابر وكل يوم أقول النهاردة أخر يوم .. طب ليه مؤمن سايبني بعيدة عنه كدا .. ليه..
ليث أنا نفسي يكون عندي أب وأمّ .. نفسي أدوق الإحساس ده، نفسي في حضن ماما، واحتواء بابا..
اشمعنا أنا ليث .. أنا نفسي أعوض كل إللي اتحرمت منه يا ليث..
تمزق قلبه لأجلها .. وزاد حديثها إصراره على ما هو مُقدم عليه، هذا هو القرار الصحيح..
جذبها لأحضانه بحنان وقلبه مسهد مهموم ودموعها تنز’ف ألم روحها على وجهها..
تنفس ليث بعمق ثم قال بحسم:-
– ليلى حبيبتي، كنت عايزة أقولك على حاجة مهمة..
ابتعدت عنه قليلًا ورفعت رأسها له بتسائل، فأكمل ليث نسج الكلمات التي ستقلب الموازين:-
– بصراحة كدا يا ليلى، قاسم باشا عايش .. أبوكِ..
وجميلة هانم موجودة معاه .. ومحدش فيهم يعرف بوجودك، لأن مؤمن مخبيكِ عنهم..
جحظت أعينها وهي تقفز بصدمة لا تستوعب ما يقوله، استفهمت بإضطراب وتقطع:-
– يعني .. يعني أيه، قصدك .. بابا وماما عايشين.!! ومؤمن كذب عليا وقالي بابا مات ليه..
طب مش عارفيني ليه.. هما مش عايزيني..
سارع ليث بالتوضيح:-
– لا بالعكس دا والدتك اتعذبت جدًا، بس همّا ميعرفوش إنك عايشة أصلًا يا ليلى..
دوروا عليكِ كتير، بس والدتك جميلة مفكرة إنك موتي بعد الولادة عالطول..
قصتك طويلة يا ليلى والأفضل تسمعيها منهم..
صا’حت بلهفة وهي تسحب حجابها:-
– طب مستني أيه، يلا وديني عندهم، همّا فين..
يلا بسرعة علشان خاطري يا ليث..
وأكملت برجاء باكية:-
– بالله عليك يا ليث..لو بتحبني زيّ ما بتقول..
وثب وهو يحاول الإقتراب منها ليحتويها قائلًا:-
– إهدي يا ليلى.. إهدي يا عمري، هوديكِ لهم بس عشان خاطري إهدي..
أمسكت يده وهي تسحبه بينما تشهق بقوة وتقول:-
– يلا .. أنا هادية أهو .. عايزة أروح لبابا وماما وأقولهم أنا هو .. أقولهم أنا ليلى بنتكم … أنا عايشة..
سحبها ليث وهو يخرج من المنزل حيث المقرّ الأخير للحكاية .. قصر الأسرار والغموض … قصر الصياد..
همست ليلى بعذاب من بين بكاءها:-
– ليه يا مؤمن .. ليه عملت فيّا كدا..
بينما عاد ليث بذاكرته لتلك المهاتفة التي أجراها قبل أن يُخير ليلى بأمر والديها..
المهاتفة التي أجراها مع قاسم الصياد..
– مين بيتكلم..
– معاك ليث العاصي يا قاسم باشا..
أجابه قاسم بقسوة:-
– عايز أيه.
تنهد ليث ثم ألقى كلماته التي كانت بمنزله زلزال رجّ كيانه، دينا’ميت أبا’د ثباته، مادت الأرض من تحت قدميه وهو يستمع لهذا الخبر من ليث:-
– بنت حضرتك ليلى قاسم الصياد مازالت على قيد الحياة يا قاسم باشا..
مؤمن خافيها عندي، وهي متعرفش أيّ حاجة عن أهلها ألا مؤمن بس..
صر’خ قاسم بجنون:-
– إنت بتتكلم بتقول أيه .. بنتي عايشة إزي، قالوا إنها ماتت بعد ما اتولدت..
– لا يا باشا عايشة وقضت عمرها في ملجأ، واتأكد طبعًا لو حابب بس لو شوفتها التحليل مش هيكون ليه داعي..
قال بلهفة:-
– أيوا هي فين .. بنتي فين عايز أشوفها .. هي فين.؟
قال ليث بحسم:-
– هوصلها لحضرتك وأسلمهالك في قصر الصياد قدام أخوها..
وانتهت المهاتفة، ليجأر قاسم بوعيد ورغمًا عنه سقط دمعه:-
– مؤمن الكلب .. والله لأخليك تندم على كل إللي عملته..
وأخذ يركض بلهفة يستقل سيارته طائرًا بها نحو ابنته التي يجهل وجودها في الحياة بينما كانت تلاقي المعاناة..
***********************
ارتدت فستان رقيق من اللون الكشمري بعدما صنعت بكل الحُب كيك اليُوسفي المفضل لديه، وصنعت كوبان من شاي المُحلى برائحة القرنفل..
حملتهم بإبتسامة واسعة وهي تدعو أن تنجح هذه المرة في مراضاته..
طرقت الباب بخفة .. لتلج للداخل حين سمعت صوته الحازم يأذن للطارق بالدخول..
سارت بتوتر وهي تتأمل هيئته .. حيث منكبّ على العمل، يحشد نفسه في العمل هربًا وألمًا منها..
وضعت ما بين أيديها فوق سطح المكتب، ثم دارت لتشجع قلبها وتتجرأ .. جلست أمامه فوق سطح المكتب وهو يتجاهل وجودها..
وضعت يدها فوق ذراعه لتشعر بتشنجه، ورفرفت بأهدابها وهمست:-
– كدا .. للدرجة دي زعلان من عصفورتك، حتى مش راضي ترفع عيونك فيها..
كانت قبضته تشتد بقوة وهو يقاوم سحرها على قلبه، ويمنع قلبه من الإنجراف نحوها منقادًا لحبه وعشقه لها، الكلمات التي اتهمته بها كانت قاسية أد’مت قلبه..
لتُفتح فيه جروح الماضي بعد اعتقداه أن قبس طريف يُشعل أضواء جديدة بحياتهم، شعر أنه عاد لنقطة الصفر..
أبعد رأسه للجهة الأخرى، فرفعت سارة يديها تُمسك طرفي أذنها باعتذار..
– أخر مرة .. أنا بنوته وحشة وقولت كلام وحش وجع قلب صالح حبيبي، بس مش هعملها تاني أبدًا..
أنا آسفة يا صالح حقك على قلبي يا نور عيني..
القليل منها يرضيه بل ويرضيه جدًا، معها هو يذوب من نظرة بل من مجرد رؤياها، إنه سريع الإرضاء جدًا عندنا يتعلق الأمر بها..
رفع رأسه ليذوب قلبه أكثر عندما وجدها بهذه الحالة التي تجعله يتخبط بين جدارن العشق والجنون، سحبها بقوة لينة حتى سارت فوق قدميه لتهمس تلك الماكرة بدلال:-
– صالح..
طوق خصراها وهو يستغل الموقف لصالح قلبه هاتفًا بحزم:-
– موافق أسامحك .. بس بشرط..
عقدت حاجبيها بتعجب، لكن ابتسمت وهي تطوق عنقه بدلال هامسة:-
– موافقة..
تأملها بعشق وهو يرى تقدم في علاقتهم وزيادة قربهم التي تدل عليها تعاملها معه بأريحية تُسعده وتطمئن قلبه، وهتف بخبث:-
– شايف إن عصفورتي بقت قطة تخربش..
المهم مش تعرفي الشرط الأول بدل ما ترجعي تعيطي يا عصفورتي..
كانت تتلاعب بالنا’ر حين قررت طبع قُبله على فكه، ليتقد سعير العشق بقلبه وهي تقول بخفوت:-
– أيّ حاجة منك حلوة يا صالوحتي، واثقة إن عمرك ما تقول على حاجة تأذي عصفورتك..
أغمض أعينه غير مصدق وكأنه بحلم لا يريد الاستيقاظ منه ليحتضنها بحنان وهو يسمعها تقول:-
– أنا مش بقى ليا ألا أنت يا صالح، إنت بقيت عيلتي وأهلي وكل إللي ليا، إنت عوض ربنا ليا بعد صبر طويل..
طبع قبلة طويلة على رأسها وهو يهمس بوعد:-
– إنتِ في قلبي وعيني، إنتِ أهلي وعيلتي وكل إللي ليا يا نور عيني..
ابتسم وهي يقول بمرح:-
– بتهربي علشان ماتسمعيش الشرط يعني..
قالت بإعتراض:-
– لا طبعًا مش سارة إللي تهرب أبدًا، قول يا سي صالح شرطك..
داعب شعرها بحب وهو يهمس لها:-
– نتجوز .. فرحنا أخر الشهر ده يا سروري..
*************************
انتظر فتح الباب بعد طرقات مهذبة فوق سطحه..
فتحت الباب فتاة قصيرة ترتدي ثوبًا خاص بالصلاة فضفاض، وقف برهة صامتًا ليفيق على صوتها:-
– حضرتك مين، محتاج حاجة..
تنحنح وهو يخرج من حالته وقال بصوتٍ رخيم:-
– عمي عثمان .. عايز أقابل عمّ عثمان..
أفسحت له المجال وهي تفتح الباب أكثر وقالت بهدوء:-
– اتفضل .. أقوله مين..
غمغم وهو يُبعد أنظاره عنها:-
– مُصعب .. قوليله مُصعب عابد..
ولج للداخل وهو مطرق العين بعدما قادته هذه الفتاة التي لم يعلم ما صلة قرابتها للعمّ عثمان حيث حديقة صغيرة خلف المنزل..
جلس على أريكة خشبية أسفل شجرة الزينة منتظرًا ظهور العمّ عثمان الذي أتى متكأً على عصاه الخشبية يقول بوجه متهلل مُرحبًا:-
– دكتور مُصعب .. أيه النور ده..
اقترب منه مُصعب بلهفة وهو ينحني يُقبل يده بإحترام قائلًا بشوق:-
– عمّ عثمان، عامل أيه وأخبارك، والله واحشني أووي..
مسّد العمّ عثمان على كتف مصعب بحنان وهو يقول:-
– إنت إللي واحشني أوي يا مُصعب، واحشني أووي يا دكتور..
إنت عامل أيه يا ابني وأخبارك .. فين أراضيك دلوقتي..
تنهد مُصعب وهو يُجيب:-
– أنا بخير يا عمّ عثمان طول ما مؤمن بخير..
سافرت فترة أوربا وبعدين رجعت من فترة قصيرة، وجيت عالطول علشان أشوفك..
اتكأ عثمان على عصاه الخيزران قائلًا:-
– فيك الخير يا مُصعب، تستاهل كل خير يا ابني إنت ومؤمن إنتوا شوفتوا كتير وربنا يجبر بخاطرك..
ويريح قلب مؤمن أخوك ويخليكم لبعض..
عارف إن روحك فيه، خد بالك منه بقى واتوصى بيه..
قال مُصعب بلهفة:-
– لولا مؤمن مكانش مصعب يا عمي، إنت عارف إللي مؤمن عمله معايا محدش يقدر يعمله، إنت عارف لولا هو .. هو أخويا وأبويا وأهلي إللي مليش غيره..
وأكمل يقول بقلق وقلب مضطرب:-
– بس مش عارف ماله اليومين دول، أخر مرة كلمته كان كويس فيها وصوته فرحان بس من بعدها رد مرة وكان صوته وحش أوي .. وبعدين برن عليه مش بيرد..
همهم عثمان بشرود:-
– السعادة رافضة تفتح أحضانها ليه يا مُصعب..
بس يا ابني نهاية طريق الحزن لازم تكون السعادة واقفة على نهايته، وبقدر ما هيعاني في حياته هيكون العوض، ربك كبير ومش بينسى حد..
طريقه المُظلم النور هيطلّ عليه لازمًا..
قال مُصعب بسعادة:-
– تعرف إن هو لقى ملاك .. فاكر ملاك إللي حكى عليها، ربنا عوضه وظهرها في طريقه..
حرك عثمان رأسه بحزن ثم علا صوته يهتف.
– يا نهلة .. الشاي يا حبيبة جدو..
أيقن أنه يقصد الفتاة التي فتحت له الباب، أشرئب برأسه ثم اقترب من العمّ عثمان يتسائل بمرح:-
– مين نهلة يا حاج عثمان .. هي نفسها إللي فتحتلي الباب..
لكزه عثمان وهو يرمقه شذرًا:-
– لم نفسك يا واد .. إنت مالك ومال حفيدتي..
ابتسم مُصعب وهو يقول:-
– على راسي يا حاج .. على راسي الحاج عثمان وحفيدته كمان..
بعد قليل من مناورات مُصعب وعثمان أتت نهلة تضع أكواب الشاي أمام جدها وهي مُخفضة الرأس بتهذيب هامسة:-
– اتفضل يا جدو..
ربت على يدها وقال بفخر:-
– دي ست البنات نهلة بنت ابني، وهتبقى أحلى باشمهندس إن شاء الله..
ثم أشار لمصعب وقال:-
– ودا مصعب صاحب مؤمن إللي كنت بحكيلكم عليه..
ابتسمت بمجاملة وقالت قبل أن ترحل:-
– أهلًا بحضرتك يا أبيه مصعب..
جحظت أعين مصعب وهو يردد بصدمة:-
– أبيه..!!!!
لكزه عثمان وهو يقول:-
– الشاي يا نحنوح .. أقصد يا دكتور…
زفر بضجر وهو يسحب كوب الشاي ليتفاجئ بعثمان يقول:-
– قاسم الصياد أبو مؤمن طلع عايش..
سقط الكوب من يد مصعب وهو يصر’خ بإعتراض:-
– أيه .. مستحيل..
حرك عثمان رأسه وهو يتنهد بألم وقال يؤكد:-
– للأسف يا مصعب .. عايش وواجه مؤمن كمان..
ثم بدأ يشرح له ويخبره ما حدث بعد أن أخبره مؤمن في تلك الليلة الغبراء..
وثب مُصعب بصدمة وهو يدور بجنون وعاصفة عنيفة تضرب جدران قلبه المفجوع يتمتم بعدم تصديق وألم بينما تساقط دمعه كالطفل:-
– لا مستحيل .. هينتهي .. دمره .. دمر إللي باقي..
ليه يعمل كدا .. ليه يعمل كدا، هو عمل أيه علشان يستحق كدا .. لا مستحيل كدا كل حاجة انتهت..
لازم أروحله لازم أوصله .. كدا غلط على حياته..
خطر أيوا خطر على حياته..
وخرج يركض بينما العمّ عثمان يحاول اللحاق به دون فائدة وهو يجهل ردة فعل مُصعب..
بها شيئٌ غريب..!!
قفز مُصعب في سيارته وهو يقصد غايته المؤلمة..
وفي هذه الأثناء كان رنين الهاتف يتصاعد بإلحاح، وحين أتى ليُخرس الهاتف توقف وهو يرى المتصل..
انفرجت أساريره .. وأخيرًا أتى الإتصال المنتظر..
الطبيب (نوح)..
************************
كعدو أجود الخيول مرّ من الغابة حتى وصل أمام القصر في زمن قياسي يحمله شوقه ولهفته وغضبه المستعر..
توقف في تعجب وهو يرى هبوط عاصم الغاضب من سيارته وخلفه جميله وأميرة…
توقف الجميع على صراخ عاصم الغاضب وهو يجأر بعروق منتفخة..
– اطلع يا مؤمن .. بنتي فين يا كلب، والله لأدفعك التمن غالي يا حقير.. اطلعلي هنا ببنتي يا خاين يا مجرم..
وقف الجميع في ساحة القصر، عاصم الغاضب، ومثله قاسم الذي يجهل ما يعنيه عاصم..
وأميرة وجميلة الباكيتان..
تسائل قاسم بعدم فهم والجميع ينتظر بترقب:-
– في أيه يا عاصم .. قصدك بنتك مين..
صا’ح عاصم بعذاب:-
– بنتي إللي الحقير مؤمن خباها عني، وزور التحليل علشان مقدرش أتعرف على بنتي يا قاسم..
بعد دا كله يا قاسم، هان عليه يشوفني وأنا بلف من بلد لبلد ومن قسم لقسم ومن مستشفى لمستشفى..
وبعد ما كانت قدامي بعدني عنها ملايين الخطوات..
أسوة الخطيب تبقى بنتي يا قاسم..
صدمة سقطت على قلوب الجميع .. قاسم .. جميلة .. وأميرة التي لم تفهم من هي أسوة..
فهي لم تصادفها ولو لمرة واحدة..
نظر قاسم لجميلة وجذبها لأحضانه ثم فج’ر هو الأخر مفاجأته:-
– بنتنا عايشة يا جميلة .. ليلى عايشة .. ومؤمن باشا كان خافيها عن الأنظار..
بات الجميع في موقف لا يُحسدون عليه، مربط الفرس هو مؤمن، عنده البداية ولديه النهاية..
حلّ الصمت المُميت إلا من صراخ عاصم الغاضب باسم (مؤمن)..
في هذا الأثناء كان مؤمن يُشبع قلبه منها، منغمس في شهدها، يسبح معها في عالم أخر لا وجود فيه لسلطان الماضي ولا الألام..
عالمٌ حلقت فيه طيور مشاعرهما حُرة جامحة بلا قيود ولا سدود..
انتفضت أسوة وهي تسمع هذه النداءات الغاضبة، بينما ابتسم وهو يُدرك أن النهاية قد آن أوانها..
نهج صدرها من التوتر وهي تنظر له بقلق، ابتسم لها بطمأنينة وقبل جبينها قائلًا:-
– متقلقيش مفيش حاجة..
ووثب قائمًا بينما هي سارعت في إرتداء حجابها وسارت بجانبه ممسكة يده وهي تقول بإصرار:-
– أنا معاك .. مش هسيبك أبدًا..
وهبط مؤمن بصحبته أسوة … للمواجهة الأخيرة..
ضغط على أسنانه بقوة مقاومًا نغزات قلبه المؤلمة محاولًا أن يبدو بخير قدر الإمكان..
خرج ليبدو لهم .. وقف عاصم متخشبًا وهو يتأمل تمسكها به..
أمّا أميرة التي تعذبت كثيرًا لأجل هذه اللحظة، لم تحتاج أن يخبرها أحد أن هذه أسوة التي نفسها ابنتها ملاك، لقد أخبرها قلبها أنها هي..
لم تتحرك من مكانها، ظلت متسمره وأعينها تطرح الدموع وهي ترى تمسك مُؤمن بها، قلبها يخبرها أنه لم يحتفظ بها لأذيتها وإنما ليحميها..
لقد تعهد بها منذ أن كانت مضغة، لن تهون على قلبه..
وقف أمامهم بأنف شامخ وبرود استطاع أن يتلبسه بجداره، ثم هتف بلامبالاة وبرود ثلجي:-
– خير .. عايزين أيه المرادي، في ناس محترمة تتهجم على بيوت الخلق بالطريقة دي..
كانت أعين عاصم متعلقة بأسوة وأقترب منها بأعين دامعة وهو يهمس بلهفة:-
– بنتي .. بنتي حبيبتي.. أخيرًا يا ملاك، أنا أبوكِ … تعالِ..
ابتعدت أسوة تختبأ خلف ظهر مؤمن بحماية بردة فعل أد’مت قلب عاصم وأشع’لت الغضب به..
وأكمل يقول وهو يشير نحو أميرة:-
– أنا أبوكِ يا بنتي … ودي أمك .. وإحنا دورنا عليكِ كتير، حتى فاكرة لما عملنا تحليل DNA وطلع سلبي..
علشان التحليل كان مزور..
ثم انقضّ على مؤمن بلكمة قاسية جعلت جميلة تشهق بألم، بينما أمسكه عاصم من تلابيبه وهو يقول بقلب مكلوم:-
– ليه … ليه عملت كدا .. ليه بعدتني عن بنتي وإنت عارف إن دايخ عليها وأمها بتموت كل يوم بالبطيء..
ليه تزور التحليل يا حقير..
تعلقت أنظار أسوة به وهي تنتظر رفضه وإعتراضه لكن كان هادئًا باردًا كالثلج..
رفع مؤمن يده وهو يرفع يديّ عاصم ببرود يبعدهم عن ياقته، ثم يُلقي بما جعل الجميع في صدمة تامة..
– علشان تدوق شوية من إللي أنا دوقته يا عاصم باشا، أيه إحساسك لما لقيت بنتك بعد ما كنت بتلف وتدور وهي قدامك..
أنا بردوه جيتلك كذا مرة يا عاصم باشا ولا أقول يا معلم فؤاد .. علشان أعرف من هو النمر .. ولعبت السنين دي كلها عليا ودمرتوني إنت وصاحبك قاسم باشا، طبعًا إللي أنا عملته ولا حاجة من إللي إنتوا عملتوه على الأقل بنتك سليمة مكرومه..
أيوا يا عاصم باشا عملت كدا علشان أنتقم منك وزورت التحليل إللي يثبت إنها بنتك عشان أبعدها عنك..
حلّت قبضتها عن قميصه لتترك أثر تشبثها به، وعادت للخلف بأعين متوسعة تحجرت بها الدمع وهي تنظر له بصدمة ممزوجة بالخيبة والألم والحسرة…
التفت الجميع على دخول ليلى الملهوفة وهي تنظر في وجه الجميع باكية وتقول بلهفة تقطع أنياط القلوب:-
– أنا ليلى .. ليلى إللي قالوا عليها اليتيمة وعشت عمري كله في ملجأ .. وأنا عندي أب وأم…
ونظرت لليث متسائلة بلهفة:-
– فين بابا وماما يا ليث؟!!!
ووقف مؤمن في المنتصف مصوب فوقه نظرات قا’تلة من الجميع تسقط على قلبه كأسواط من نا’ر فتُسقطه صريعًا..
نظر لأسوة التي تنظر له نظرة لو كانت تق،تل النظرات لأسقطته صريعًا..
نظر لها وقلبه يقول لقلبها “لم أُذنب ولو كثُرت فيِّ الأقاويل.”
لكن لا غَرْوَ فقد يَغَصُّ بالماء شاربه، ويقـ.تل الدواء المستشفي به..
ونظر لوالديه اللذان يرمقانه بالخيبة والغضب..
وقلبه يُحدثه..
ويؤتى الحذر من مأمنه، وتكون منيّة المُتمني في أمنّيته، ولكلّ أجل قضاء محتوم ووقت مضروب..
