رواية لاجلها الفصل الرابع والستون
بقلب منفطر نزلت مزيونة درجات السلم تهرول بخطواتها البطيئة، تكذب ظنها، لقد سمعت من ابنتها كلمتين وفقط، والآن تريد التأكد من معاذ الذي حضر عائداً مع إخوته من القاهرة بعد أن أفرج الله عنه، وفك كربته بخروجه من المحنة التي وضع فيها ظلماً كما علمت وكما تعرفه.
كان واقفاً في الوسط يتلقى الأحضان من والدته وشقيقاته وأبنائهم كل على حدة، أما حمزة فقد اتخذ وضعه جالساً في أحد الأركان، بعيداً عن الحشد.
ألقت بنظرة عابرة نحوه، لتبصر الجمود يتجلى واضحاً على ملامحه وملامح خليفة الذي كان يضم صغيرتيه في ناحية قريبة بصمت يثير الريبة هو الآخر.
الأمر الذي زاد من الشك داخلها لتدفع نفسها وسط الزحام ذاهبة إلى زوج ابنتها:
ـ حمد لله على السلامة يا معاذ، فين ليلى؟
يا ليتها ما سألت، ويا ليتها ما ذهبت إليه، فقط أفزعها ما رأته على وجهه، والذي كان باهتاً فاقداً لكل أوجه الحياة، عيناه التي فقدت بريقها، أغضهما وكأنه غير قادر على مواجهتها، فصرخت به تجذبه من قماش قميصه:
ـ بسألك بنتي فين؟ ليلى راحت فين هي ومؤيد ولدها؟
حاول الجميع تهدئتها، ولكنها كانت لا تلتفت إلى أي كلمات أو أي حديث، عيناها فقط مرتكزتان عليه وهي تنتظر منه إجابة غير قادر على النطق بها، إلى أن جاء حمزة لينقذه، هنا حطت قبضته القوية على رسغها يسحبها من بينهم، وهي تحاول الاعتراض:
ـ بتسحبني ليه؟ ما تخليه يجاوبني الأول، أنا عايزة أعرف بتي راحت فين؟
بحزم لا يخلو من لطف، استمر حمزة ذاهباً بها إلى إحدى الغرف الجانبية يحدثها:
ـ تعالي وأنا هفهمك.
ـ طب ما ينطق هو ويفهمني، ولا أنتوا عايزين توقفوا قلبي وخلاص، إيه اللي حصل لبنتي يا حمزة؟
........................
صيحة فزع خرجت منها، لتضرب على صدرها تولول، وتردد بما يقارب الهذيان:
ـ يعني ليلى بنتي زمقانة؟ بتي أنا زمقانة يا حمزة، وعند مين؟ عند أبوها! عند أبوها اللي طول عمره راميها، دلوك بقي أحن عليها من جوزها! إيه اللي حصل ما بينها وبين معاذ؟ أخوك عمل في بنتي إيه يا حمزة؟
زجرها ببعض الحزم حتى تهدأ قليلاً وتستوعب:
ـ يووووه عليكي عاااد، افهمي بقى، الأمور دي بتحصل بين أي راجل ومرته متجوزين، يتخاصموا، يتخانقوا، في الأول وفي الآخر دول عيال صغيرين، وده شيء طبيعي، ليلى مش المرة الوحيدة اللي تتخانق مع جوزها، وشيء طبيعي إن أبوها يستغل الموقف عشان نبقى واضحين، أنتِ أكيد عارفة طبع طليقك وقلة أصله، المهم إن إحنا إن شاء الله نعرف نلم ونرجعهم من تاني، ممكن بقى تهدي؟
صاحت رداً عليه:
ـ مش لما نعرف السبب الأول بعد كده يبقى نصالحهم؟ البنت رايحة بقلب ملهوف تطمن عليه وتقف جنبه في محنته، كيف تسيبه يعني بعد ما يطلع براءة وترجع مع أبوها على بيته؟ أنا عايزة أعرف السر!
ضاق حمزة ذرعاً بإلحاحها، وظهر عليه التعب والحيرة، لا يدري بماذا يخبرها؟ وعلى من يلقي اللوم، فالاثنان مخطئان، وللحق يقال، خطأ شقيقه هو الأكبر... وفي هذا الأمر الحرج، لا يصح إلا الصراحة:
ـ اسمعي يا مزيونة، عشان تبقي عارفة من أولها، أنا عمري ما هاجي على أخويا على حساب بتك اللي هي بتي، بس كمان منكرش إني زعلان عشان راحت مع أبوها، كنت عايزها تستنى دقايق على ما أوصل وأنا آخدلها حقها من عينه.
بأنفاس لاهثة من فرط انفعالها، صفنت مزيونة تطالعه بصمت مطبق، غير مبدية أي رد فعل على كلماته، بالسلب أو بالإيجاب، سوى أنها نطقت في الأخير:
ـ أنا عايزة أروح لبنتي.
ـ نعم!
ـ نعم الله عليك يا حمزة، بقولك عايزة أروح لبنتي دلوك في بيت أبوها.
كاد أن يكذب أسماعه للمرة الثانية، حتى استوعب من جديتها في الحديث، ليهدر معارضاً لها برفض تام:
ـ أنتِ اتجنيتي ولا هتخيبي يا مزيونة؟ عايزاني أسمحلك تروحي برجليكي لبيت طليقك عرفان الواطي؟
ـ أنا رايحة لبنتي، مش لعرفان يا حمزة!
صرخت بها رداً عليه، وبنبرة باكية قطعت نياط قلبه صارت تردف:
ـ لازم أروح لبتي وأطمن عليها، آخدها في حضني وأسمع منها، لا تقولي أصول ولا تقاليد، محدش شرب المر معايا وأنا بربيها وبكبرها وأجوزها، عشان تيجي دلوك بعد ما بقيت بعيل على إيديها وتزمق من جوزها، تلاقي حضن أبوها مش حضني اللي يتفتح لها؟ لاه يا حمزة، بتي لازم أروح لها دلوك.. لازم أروحلها
.................؟...
فتح باب الشقة يجر أقدامه جراً من التعب، ليلة كاملة وما يقارب اليومين قضاهما في جهد مضاعف لم يكن في حسبانه، وذلك من أجل إثبات براءة معاذ، وكانت النتيجة رائعة الحمد لله، يكفي خلية الفساد التي تم كشفها وتم التحفظ على المجرمين من أجل محاكمتهم.
والآن هو في أشد الاحتياج إلى ماء ساخن يريح به جسده ثم يصعد فراشه الوثير، كي ينام قرير العينين ولكن.... كيف سيأتي النوم وقد رآها الآن؟
ذلك ما أتى في خاطره وهو يلقي بسلسلة المفاتيح على الطاولة الجانبية بجوار الحائط، انتبه إلى وقوفها أمامه، سر دائه ودواءه.
واقفة بهيئة مهلكة، ترتدي منامة حريرية أخرى دون مئزر هذه المرة، بحمالتين فقط على الأكتاف ولكنها طويلة تصل إلى الكاحلين، مطلقة شعرها المتماوج المتعرج مثلها.
تطالعه بابتسامة فاتنة.. اللعنة، ماذا تريد هذه المرة؟
هذا ما حدث به نفسه قبل أن تخاطبه ببراءة وأدب غريب عنها:
ـ حمد لله على السلامة، أنا جيت على ميعادي زي ما قلت لي، كان نفسي أقعد مع البنات بس أنا بقى مقدرش أكسرلك كلمة، ورغم إن الوقت كان بدري بس قلت عادي يعني، أحضر لك لقمة تأكلها، و......
مررت كف يدها على شعرها سريعاً، تردف برقة متعمدة:
ـ بس أنت طولت شوية...
ظلت ملامحه ثابتة، وقد أيقن داخله أن مطلبها ليس عادياً، ولكن لِما التخمين؟ هي سوف تخبره بنفسها ليعلم أيستحق كل هذا الجهد أم لا.
وصل إليها وبذراع واحدة رفعها من خصرها ليصير وجهها مقارباً لوجهه، يضيق الفراغ بينهما حتى لفح أنفاسه عبير عطرها الذي اختارته بعناية لتُسكر حواسه قبل عقله، لم ترفّ جفونها، بل استسلمت لرفعته تلك بخفةٍ مدروسة، ويدها التي كانت تداعب شعرها منذ قليل، استقرت الآن على كتفه، تتلمس قماش السترة التي يرتديها بنعومةٍ قاتلة.
ـ مش عايزني أسخن لك تأكل طيب؟
أومأ نافياً بحركة صغيرة برأسه، فرد بصوتٍ أجش، وعيناه لا تفارقان عينيها الكاذبتين:
ـ شطورة يا هالة، وست بيت ممتازة، بس أنا دلوقتى مليش مزاج للأكل خالص، أنا نفسي اتفتحت على حاجة أحلى وأهم.
قالها وتحركت أقدامه، يسير بها على هذا الوضع، فابتسمت هي بانتصار وقد فهمت مغزى كلماته، لتخاطبه بإغواء:
ـ بس أنت راجع من السفر ولازم ترتاح.
سخر ممازحاً رداً عليها:
ـ وأنتِ اللي يشوفك يعرف الراحة يا هالة؟ يا شيخة قولي كلام غير ده.
وكان ردها ضحكة عالية يرن صداها في رواق الطرقة المؤدية إلى غرفة النوم.
............................
"قد تواجه ظلم البشر في ميادين الحق بكل شجاعة ورباطة جأش؛ فالدفاع عن القضايا العادلة يهون كل تضحية. لكن، حين يغدو القربان هو عشقك للمرأة الوحيدة التي خفق لها فؤادك، فهنا تكمن الهزيمة التي لا تُحتمل."
ارتمى معاذ بجسده المنهك، واضعاً رأسه على حجر والدته، وقد افترش الأرض في شرفة غرفتها، فلم يجد غير حضنها ملاذاً من تعب رأسه الدائر كطاحونة لا تتوقف.
كانت يد حسنية تمر بنعومة على شعره، تمسح عنه العناء والهم، بينما وقف شقيقه خليفة مولياً ظهره للشرفة، ينظر إلى الفراغ في صمت، قبل أن يقطعه بسؤاله الحاد:
ـ وبعدين يا معاذ؟ أنا من ساعة ما رجعت معاكم وأنا عامل زي الأطرش في الزفة، معرفتش غير طشاش من حمزة، وأنت قاعد ساكت وبس، ما تتكلم يا بني خلينا نشوف لها حل!
تنهد معاذ بحرقة، والندم يأكل قلبه قبل لسانه، ليرد بصوت مخنوق:
ـ عايزني أقولك إيه يا خليفة؟ أقولك إيه وأنا عارف إن الغلط راكبني من ساسي لراسي، يا خوفي لا متسامحنيش.
تدخلت حسنية بسجيتها:
ـ ومتسامحكاش ليه بس يا ولدي؟ بين المرة وجوزها ياما بيحصل، وأحياناً بتوصل عند المأذون والطلاق، وتيجي على أتفه الأسباب يتم الصلح ويرجعوا سمن على عسل، سيبها على الله ربنا يعدلها يا ولدي.
ـ ونعم بالله.
تمتم بتضرع وتنهيدة مثقلة خرجت من صدره، يكتنفه إحباط غير محدود؛ فكيف يتمنى منها أن تسامحه وهو أصلاً لا يسامح نفسه؟ حتى الآن لا يصدق ما حدث، وذهنه لا يتوقف عن إعادة ما تم بينه وبينها.
قبل عدة ساعات
كان القهر يعصف به أثناء دفاعه عن نفسه أمامها، لعلها تسمع منه وتستوعب، أن ترحمه من سيل دموعها التي تهطل كسيل المطر، فتفقده قوته واتزانه:
ـ بقولك أول مرة أشوف الرسالة الزفت، أحلفلك بإيه عشان تصدقي؟ كبري عقلك بقى يا ليلى، وميزي إن البت دي عايزة تفتن ما بينا.
ـ أنا اللي أميز برضه؟
صرخت بها تتناول منه الساعة بعلبتها والورقة، تقارعه بانهيار:
ـ طب لما هي زفت وبالأخلاق دي، أنت كنت سايبها تتقرب وتعشم ليه؟ عاملة نفسها بتكافئك على مجهودك الخارق، تقوم تعطيك الساعة بالألفات، اشمعنى أنت؟
ـ ما قلتلك كنت هرجعها، كنت هرجعها يا بني آدمة، ما تشغلي دماغك بقى!
صاح رداً عليها يشير بطرفي السبابة والوسطى على جانب صدغه في إشارة اعتبرتها إهانة لذكائها، لتصرخ به بشفاه ارتجفت من فرط غضبها:
ـ أنا برضه اللي مفهمش يا ذكي يا أبو مخ نبيه؟ عاملي نفسك بريء وبتجيب اللوم على غبائي، وأنت الهانم قايلالهالك صريحة.
قطعت تفرد ورقة الرسالة أمام عينيه تعيد بلهجة متهكمة:
ـ "عزيزي معاذ، دي مش مكافأة ولا تقدير، لأ دي مجرد تعبير بسيط مني، حاجة أعرفك فيها إني في ضهرك لحد ما تبقى أعلى من الجميع، تبقى الكل في الكل يا حبيبي"، أيوة أنت حبيبي الـ......
ـ ما تبس بقى هي حكاية؟
صرخ يقاطعها جاذباً منها الرسالة اللعينة قبل أن تكمل القراءة عليه بالاعتراف الوقح من الأخرى، يكورها داخل كفه ويرميها بعيداً، فخرجت هي عن طورها لتدفعه بقبضتيها على صدره:
ـ مش قادر تتحمل اعترافها من خشمي؟ لكن كان على قلبك زي العسل تلميحاتها وتصرفاتها اللي خلت كل اللي في الشركة يشكوا بوجود علاقة ما بينكم؟ عمالة تعلي فيك دوناً عن كل اللي شغالين معاها وتميزك، طبعاً عشان تبقى مناسب للهانم، يا سيد الرجال!
تبخرت آخر ذرة من حكمته حين بلغت نبرة زوجته حدّ الاتهام، لتلحق بما سبقها من تجاوزات، شعر بإهانةٍ لم تحتملها رجولته، ودون وعيٍ منه، ارتفعت يده في الهواء ليجبرها على الصمت، حتى كاد يضربها بالفعل وهو يصيح بهياج:
ـ اخرسي بقى.. ولا أخرسك أنا!
هنا باغتتها الصدمة، فشخصت أبصارها تترقب تلك الكف المرفوعة في الهواء، والتي جمدتها بتهديد مباشر بالضرب، وقد كان يصارع نفسه بصعوبة حتى انقبضت قبضة يده بقوة أدت لبياض مفاصله، وقد تملكه الغضب لكنه لجمه باعتزاز وترفع:
ـ لولا إني عارف قيمة نفسي زين، كنت نزلت بكفي دي على وشك وسفلته! عشان أنا راجل بجد يا بت، راجل وقد كلمتي كمان.. بأمارة وعدي لأمك اللي وفيت بيه رغم كل الظروف الزفت اللي مرينا بيها! أنا اتحملت فوق طاقتي؛ جهد ومصاريف ودروس وجامعة، ومرار طافح.. حمل وولادة.. قوليلي يوم واحد قصرت فيه؟ ولا نقصتك عن صحابك في حاجة كان نفسك فيها؟ ولا...
توقف فجأة يبلع ريقه بتوتر، وقد انتبه لما ترتسم به ملامحها؛ حيث تحجر الدمع في عينيها بصورة أوجعت قلبه، فشعر بمدى خطئه حين سألته بصوتٍ مبحوحٍ مخذول:
ـ بتعايرني يا معاذ؟
وكأنه تلقى منها صفعة على وجهه، أو دلواً من الماء البارد قد سقط عليه، يطفئ جذوة الغضب ليعود إلى وعيه، قائلاً بتراجع:
ـ أنا مقصديش كده طبعاً، ده بس....
ـ ده بس اللي في قلبك....
قاطعته مضيفة بمرارة، تحاصره بنظرة مخذولة مكسورة، لو طعنته بخنجر لكان أهون:
ـ ليلى متبقيش هبلة وتاخدي كلامي على المحمل ده.
ـ شيل يدك عني.....
صرخت بها بقوة استيقظ على إثرها الصغير، تنفض يديه عن ذراعيها، رافضة رغبته في احتوائها، لتركض إلى طفلها وتضمه إليها منطلقة في بكاء مرير، وكأنها وجدت ملجأ غيره، حتى جعلته يكره نفسه، ليتجمد محله بذهول، عاجزاً عن الاقتراب منها وإحاطتها بذراعيه والتخفيف عنها باعتذار يطيب خاطرها.
ـ مالك يا بت؟ صراخك وصلي وأنا تحت العمارة، هو ضربك؟
كان ينقصه هذا الرجل ليزيد من تأزم الموقف، نظر معاذ إلى حموه الذي اقتحم عليه غرفة نومه وشجاره مع زوجته، ليواجهه باستياء وضجر:
ـ نعم حضرتك؟ داخل هجم من الشارع على أوضة النوم؟ طب قدر إن البيوت ليها حرمة!
ـ حرمة!.... مفيش حرمة بعد ما أسمع صراخ بنتي وبكاها، قول ياض عملت في بنتي إيه؟
هتف به عرفان بتهكم، فجاء الرد من ليلى التي خاطبته باستجداء:
ـ أبوي أنا عايزة أروح معاك، خدني على بيتك يا بوي.
ـ تروحي على فين؟ أنتِ اتجننتي؟
صرخ بها معاذ يتقدم نحوها إلا أن عرفان قد أوقفه، متصدراً أمامه بجسده الضخم:
ـ لا استنى وقف عندك، مفكرها ملهاش ناس وهتستفرد بيها؟ لا يا حبيبي، ده ليها أب قد الحيطة قدامك ولا أنت مش واخد بالك؟
كاد أن يهجم عليه ويسقطه أرضاً يزيحه من طريقه إن لم يضربه بالفعل، ويفرغ طاقة الغضب المشحونة بداخله، إلا أنه استطاع السيطرة على شياطين نفسه من أجلها، وقد قتلته النظرة التي تطل من عينيها.. أن تلجأ إلى أبيها..... منه هو.
..........................
في الوقت الحالي، وأمام منزل عرفان، توقفت السيارة التي كان يقودها حمزة بالقرب منه. يعلو تعابير وجهه الجمود، ناظراً للأمام بغضب مكتوم، وبصمت مستمر منذ أن أقلها من منزله حتى أتى إلى هنا كي ينفذ رغبتها.
وهي التي كانت ممتنة جداً لفعله، لم يكن يخلصها ضميرها أن تترجل وتتركه بتلك الحالة:
ـ حمزة..... مش عايزة أنزل وأنت زعلان مني، عارفة إن أنت جيت على نفسك بموافقتك وتوصيلك ليا دلوك، بس أنت شايف بنفسك والله ما في إيدي حيلة و.....
ـ خلاص يا مزيونة، انزلي شوفي بنتك.
قاطعها بنبرة حازمة، ثم وجه الأمر إلى شقيقته التي تحتل الكنبة الخلفية بطفلها:
ـ انزلي أنتِ كمان يا منى وادخلي معاها، أنا مستنيكم.
سمعت منه الأخرى لتبدأ في الخروج من السيارة ومعها مزيونة التي هتف بها زوجها:
ـ أي شيء يضايقكم رني عليّ وأنا أكسر البيت على دماغ اللي فيه!
كادت أن تضحك وهو يطمئنها بجدية من أجل بث الأمان فيها، بلمحة لا تخلو من جنونه، فردت تجاريه:
ـ هو ميقدرش أصلاً يضايقني، عشان عارف كويس إن ورايا رجالة.
قالتها وترجلت مع منى، يشيعها بنظرات قلقة حتى اصطدمت أبصاره بوصفي شقيقها، الذي رفع كفه بالتحية إليه وقد كان واقفاً في إحدى الجهات من الشارع بانتظارها ليرافقهما، فتسلل بعض الارتياح إلى قلب حمزة.
............................
طرق وصفي على باب البيت ليجد عرفان أمامه يفتح باب المنزل على آخره، يستقبلهما بابتسامة سمجة، يبالغ في حفاوته:
ـ يا أهلاً يا مرحب، اتفضلوا يا جماعة البيت بيتكم.
دلف وصفي أولهم يرد عليه:
ـ البيت منور بناسه، على العموم تشكر على ذوقك، فين ليلى؟
تحدث عرفان بتوبيخ:
ـ على طول كده يا وصفي؟ طب استنى حتى لما تدخل لنص البيت ولا أرحب أنا بالباقيين.. يا أهلاً أنتِ يا حجة منى، يا أهلاً يا أم ليلى نورتي بيتك.
أومأت منى ترد مستجيبة على مضض بترحيبه:
ـ مرحب بيك يا أبو ناصر.
أما مزيونة فقد وجهت له نظرة نارية حتى لا ينسى نفسه، لمعرفتها الجيدة لما يدور في نفسه الخبيثة تجاهها الآن، بعد دخولها البيت الذي شهد على كل الليالي السوداء التي مرت عليها أثناء زواجها به، فقالت بحدة:
ـ فين ليلى؟ أنا عايزة أطمن عليها!
ـ أنا هنا جارك يا أمه.
جاء الرد قريباً منهما، وليلى تخرج لهما من الجزء الذي تربت وعاشت به، شقة والدتها، والتي ما إن رأتها حتى فتحت لها ذراعيها، لتلقي ليلى بنفسها عليها:
ـ يا حبيبتي يا أمة.
..................
في الأعلى
انتفضت صفا تخاطب ابنها بعدم تصديق:
ـ بتقول مين يا واد؟ إيه اللي يجيب مزيونة هنا؟
التوى ثغر ناصر ابنها بامتعاض:
ـ مش محتاجة مفهومية يا أمه، أكيد جاية لبتها يعني، مش لينا.
اهتزت رأسها بإدراك، ثم شردت عيناها عنه بتفكير أثار فضوله ليستطرد:
ـ أبويا بقى لو شفتيه وهو بيدخلهم والبيت، تقولي إيه الكرم ده كله؟ وإيه الراجل الزين ده؟
علقت بنصف ابتسامة ساخرة:
ـ أبوك؟ ده أبو الكرم ده؟ أنت هتقولي!
ـ هتعملي إيه يا أمه؟ وأنتِ عارفة جوزك!
كان السؤال غريباً على طفل في عمره، إلا أنها أصبحت لا تستغرب منه شيئاً، وقد كبر صغيرها قبل أوانه والفضل يرجع إلى أبيه وأفعاله الشائنة معها، ولكنها لم تكن تملك إجابة واضحة تخبره بها.. وكيف تواجه مزيونة الآن؟
................ .................
تأملت منى ذلك المسكن الصغير الذي نشأت به ليلى، وأخذ وقتاً غير هين من عمر والدتها حتى نضجت وملكت حريتها لتغادره مع ابنتها وتتركه لصاحبه.
نظيف ومرتب، وكأن أحداً لم يغادره، يبدو أن الملعون طليقها مازال يهتم به، وكأنه كان يحسب لتلك اللحظة وينتظرها على أحر من الجمر. من الجيد أن وصفي أتى معهما ليلتهي معه عنهما، فتأخذ فرصتها في الحديث مع ليلى، التي كانت منكمشة الآن في حضن والدتها دون صوت، وكأنها تبكي بكاءً صامتاً.
ووالدتها التي تفهم عليها، تتركها لتأخذ وقتها، ورغم إشفاقها عليها إلا أنها لم تخف عتبها:
ـ عمك حمزة وخليفة زعلانين منك يا ليلى، وبصراحة حقهم.
سمعت منها لتعتدل، تمسح بأطراف أصابعها على وجنتيها، ترد بكلمات مقتضبة:
ـ معلش.... قوليلهم سامحوني، كان غصب عني.
تدخلت مزيونة:
ـ كان غصب عنك ليه؟ هو اللي غصبك؟
نفت تهز رأسها بحرقة:
ـ مش أبويا والله، أنا اللي أصرّيت.
توقفت تطالع وجه والدتها التي تعلم جيداً ما يدور برأسها الآن، ومع ذلك تجاهد لتخفي خيبتها:
ـ أنا عارفة إن أنتِ كمان زعلانة مني يا أمة، بس أنا وقتها كنت عايزة أحس ليا سند غيره، حتى وأنا عارفة إن أبويا نيته مش كويسة، بس نفسي كانت وجعاني..
بُح صوتها في الأخيرة، حتى أوجعت قلب والدتها ومنى التي تحدثت تدافع عن شقيقها:
ـ بس يا بنتي والله ما كان يقصد، هي لحظة عصبية والشيطان نفخ ما بينكم.
ردت ليلى تعارضها:
ـ بس هو مقالش حاجة غلط، الراجل فعلاً صرف وكلف في جواز وتعليم وجامعة، يبقى حقه يعمل ما بداله وأنا أحط مركوب في خشمي.....
قاطعتها مزيونة بحزم حتى لا تزيد في خطئها:
ـ ليلى........ أوعي لنفسك زين، أنتِ دلوك لسه على الحامي ومتعصبة، بلاش تهلفطي بكلام تندمي عليه لما تهدي.....
سمعت لتتراجع عن حدتها، مطالعة وجه منى الذي تجلى الاستياء على محياها، فتحدثت بأسف:
ـ معلش يا خالتي منى سامحيني، بس أنا مش هقدر أرجع لمعاذ دلوك، وفي نفس الوقت مش عايزة أخرب عليكي يا أمة أنتِ وعمي حمزة، عيشوا حياتكم وملكمش دعوة بينا.
ـ بس يا بت!
قاطعتها هذه المرة منى التي كانت أوعى من أن تأخذ كلماتها على محمل الجد، لتخاطبها بحزم:
ـ أمك قالتلك اهدي وأنا بقولك استعيذي من الشيطان اللي عمال ينفخ في رأسك، حتى وأنتِ بتنكري برضه بتسمعي له.
زفرت بحنق شديد تتجه بأبصارها نحو الشيطان الذي تقصده، وقد كان جالساً عند المدخل بجوار وصفي، لتعود إليها ناصحة:
ـ قومي اغسلي وشك ولفي طرحتك وتعالي معانا، وليكي عليا أشد لك على الواد معاذ وآخد حقك من عينه.
ـ لأ مش عايزة، سامحيني يا عمتي منى.
بقلة حيلة نظرت إليها مزيونة تجاريها عارضة عليها عرضاً آخر:
ـ طب مترجعيش على شقتك، تعالي معايا نروح البيت الثاني، بيتي أنا وعمك حمزة... تاخدي راحتك على كيفك.
أيضاً كان ردها الرفض:
ـ بيت أخوه يعني بيته يا أمة، يعني يدخل ويطلع براحته.
ختمت تطرق رأسها بانكسار، مزق قلب مزيونة بالحزن، ومنى التي علمت هي الأخرى الآن مكمن المشكلة عند ليلى، وأنه لا بد من وجود حل.
...............
مزيونة.....
سمعت النداء كي تتوقف في وسط الطريق قبل الخروج من المنزل، رغم أن وصفي شقيقها ومنى قد سبقاها بصحبة عرفان الذي دلف إلى ابنتها الآن بناءً على رغبتها.
لم تكن مفاجأة لها، فهي تعرف صاحبة الصوت جيداً، وجدتها تنزل الدرج لتذكرها بعاداتها القديمة معها، حين كانت هي الأعلى دائماً وصاحبة المنزل، تشرف وتراقب من مركزها القوي....
ولكنها اليوم تراها بصورة مختلفة، لقد خفّ وزنها كما ترى وتغير شكلها قليلاً، أو ربما لأنها تضع شيئاً من مساحيق التجميل على بشرتها.
ـ عوافي يا مزيونة، ااا.. شفتي ليلى؟
ردت مزيونة بفتور:
ـ زينة الحمد لله، ومتشكرين يا ستي على اللي عملتيه معاها، ليلى حكت لي عن تنظيفك للبيت أول ما وصلت والأكل اللي جهزتيه لها.
ـ لا شكر على واجب، وأنا عملت إيه يعني؟
طريقتها في الحديث غريبة عن الشخصية التي تعرفها، بالإضافة لهذا التوتر الذي يبدو عليها من فرك كفيها، حتى استفزت مزيونة تسألها بشكل مباشر:
ـ أنتِ عايزة حاجة يا صفا؟
كسى ملامحها شيء من الجدية والتردد، ثم بعد فترة من الصمت أفصحت تدهشها:
ـ هو أنا هبقى بجحة لو طلبت منك تسامحيني؟!
قطبت مزيونة بذهول شديد، تستغرب الطلب من واحدة مثلها، ولكن بعد لحظة من التأمل في ملامح المرأة التي يبدو أن التغيير من الخارج يشمله تغيير من الداخل أيضاً، رغم كل التاريخ الأسود الذي يجمعها معها، إلا أنها في تلك اللحظة استشعرت صدقاً جعلها تستقر مباشرة على الرأي الصائب، وتلبي مطلبها:
ـ مسمحاكي يا صفا، وربنا يسامحنا كلنا.
بامتنان شديد صارت تطالعها، وكأنها لا تصدق أن أمنيتها المستحيلة قد تحققت وبمنتهى السهولة من امرأة متسامحة مثل مزيونة التي رأت على يدها الويل قديماً، وهي تعرف أن أمامها مشواراً طويلاً للتكفير عن ذنبها.
ـ متشكرة قوي يا مزيونة، وليكي عليا بنتك أحطها في عيني وأشيلها فوق رأسي لحد ما يجي جوزها ياخدها على بيتها معززة مكرمة.
ردت مزيونة بابتسامة باهتة تعبر فيها عن تقديرها:
ـ لا إن شاء الله هي مش هتطول أساساً، ولا هتقعد هنا.
وقبل أن تسألها مزيونة وقبل أن تستفسر صفا عن مغزى كلماتها، وصلها صوت عرفان:
ـ يا بت إيه اللي بتقوليه ده؟ كيف يعني تباتي في بيت لوحدك؟
.........................
صاح حمزة وعقله على وشك الجنون يراقب تلك التي كانت تطوي عدداً من ملابسها، لتضعهم في حقيبة صغيرة:
ـ لا.. أنتِ اتجننتي رسمي أنتِ وبتك، وأنا كأني راجل بريالة عشان متبعك وعايز أراضيكي؟ هي دي جزاتي منك؟ عايزة تعملي زي بتك وتسيبيني أنا كمان؟
مسحت مزيونة بطرف كمها دمعة غادرة على وجنتها لتعارضه بقلة حيلة:
ـ متقولش على نفسك كده، أنا فيا اللي مكفيني.
هدر حمزة كالذي فقد أعصابه منها:
ـ تاني هتقولي نفس الكلام يا مرة أنتِ؟ ده بدل ما تعقليها، أنتِ كمان تتبعيها؟
أغمضت عينيها لحظة، قبل أن تفتحها ساحبة دفعة كبيرة من الهواء، لتهدئ من وتيرة أنفاسها علها أيضاً تمتص غضبه وهي تخاطبه بالعقل:
ـ ما أنا معرفتش أقنعها يا حمزة، ولا أختك عرفت تقنعها، ولا حتى أنت لما كلمتها في التلفون عرفت تقنعها، أسيبها بقى عند أبوها عشان يخربها خالص؟
ـ لأ اتبعيها يا مزيونة واخربي أنتِ على نفسك!
سمعت منه فأطرقت رأسها بحزن ضاعف من الضغط عليه، فاشتدت يداه على شعره من الخلف حتى كاد أن يقتلعه، حتى رفعت رأسها إليه تتحدث بقلب الأم التي على استعداد لتضحي بالعالم أجمع من أجل وليدها:
ـ طب أنا بتي خاطرها مكسور، وأنا أمها اللي عمري ما خليت دمعتها تبات على خدها، يجي عليا اليوم بعد ما ربنا أنعم عليا وريحني أسيبها؟ لو وقوفي جمبها وهي مكسورة هيخرب عليا فأنا.....
ـ أنتِ إييييه؟؟
قاطعها بعدم تصديق، يطالعها وكأنه ينظر إلى امرأةٍ لا يعرفها، يستمع لنبرتها الرخيمة وهي تتحول إلى نصلٍ حاد، تقطع به حبال الرجاء دون أن يرفَّ لها جفن. صدمته لم تكن فيما تتفوه به فحسب، بل في ثباتها المرعب وهي تتحدث عن هذا القرار القاسي.
اندفع نحوها هائجاً، وصوته يرتجف بالذهول:
— لكن.. أنتِ واعية للي بتقوليه؟ عقلك ده فكر قبل ما يطلق لسانك بالكلام الواعر ده؟
خرجت كلماته الأخيرة بعنف، مشيراً بسبابته إلى جانب صدغه، يرفض الاستيعاب، لتقابل هي ثورته بمزيدٍ من قوةٍ زائفة، رغم نزيف قلبها من الداخل، مرتديةً ثوب الجليد لتحتمي به من ضعفها أمامه:
— أنا مابقولش كلام وخلاص، لو أنت الهوى اللي بتنفسه، فبنتي تبقى روحي اللي عايشة بيها، لاه.. دي كمان أغلى من روحي، يعني من غيرها مفيش عيشة من أصله.
صرخ بها كمن يوشك على فقدان عقله، والوجع يغلف صوته مع كل حرفٍ ينطق به:
— قصدك تموّتي نفسك وتموّتيني معاكي عشان غلطة ملناش ذنب فيها؟ طب بلاش أنا وأنتِ، نسيتي كمان العيل اللي قرب يجي على وش الدنيا؟ ولا هو كمان مش ابنك ولا من لحمك ودمك زيها!
بمجرد سماع كلماته، وتحت تأثير رد فعلٍ غريزي، استقرت كفّها فوق موضع الجنين، وقد رقت ملامحها الجليدية بتلك اللمسة، حتى كادت مشاعرها تفضحها وتنهمر دموعٌ تحتجزها بصعوبة داخل عينيها، فخرج ردها بصوتٍ مبحوح:
ـ ميهونش عليا....... ولا أنت كمان يا حمزة، بس أعمل إيه؟
توقفت لتترك لدموعها العنان حتى رق قلبه لها، ونسي غضبه منها، ليتنهد بعد لحظات من الصمت يحسم الأمر بإخبارها:
ـ ماشي يا مزيونة، أنا هسيبك تتبعي بتك وترجعي معاها على بيت أبوكي القديم، تاخد وقتها وتهدى على ما "الحلوف" التاني ينظم نفسه عشان يردها.
استدركت اللفظ الذي نعت به شقيقه، فعقبت تسأله:
ـ حلوف مين يا حمزة؟ أنت تقصد معاذ؟
احمرت عيناه يؤكد لها بحدة:
ـ هو بذات نفسه، عندك مانع؟
نفت على الفور تخشى غضبه:
ـ لأ يا أخوي مفيش أي مانع.
.............................
كانت كقطعة السكر تذوب ذوباً بين يديه، قضى معها لحظات من الخيال، تبادله الشوق بالشوق ولا تنتظر المبادرة منه كالعادة، ليته كان عشقاً حقيقياً، لصار أسعد الرجال الآن.
ما حدث بينهما منذ قليل لم يكن شيئاً عادياً، بل كان عاصفة من الشغف، طار وحلق، حتى إذا توقفت، صار يلهث كحصان خارت قواه بعد سباق طويل مجهد، وفوز مستحق بالكأس، لا بل هي جائزته.
يضمها إلى صدره لا يريد لتلك اللحظات الانتهاء، ولا أن تفيقه من نشوته بالمطلب المنتظر.
ـ وأنا اللي قلت تعبان من السفر وعايز ترتاح!
قالتها بشيء من السخرية جعله يبتسم بملء فمه، وهمس بإغواء:
ـ ما أنتِ السبب، محدش قالك تبقي حلوة كده.
تبسمت بثقة ترد بهمس هي الأخرى:
ـ يعني مبسوط معايا؟
ـ أوي يا هالة، وعندي استعداد أعملك اللي أنتِ عايزاه بس أنتِ اطلبي.
حسناً هو في مزاج رائق يسمح له أن يقصر عليها طريق المراوغة، يحثها لتفصح له عما تريد وتريحه من التفكير والتخمين قليلاً.
فتشجعت لتعتدل بجذعها تقول بلهفة:
ـ لأ مش طالبة منك حاجة غالية ولا كثيرة، دي حاجة أنا عارفة إن أنت بتحبها، وأكيد مش ممكن تكسفني فيها.
انعقد حاجباه باندهاش وتساؤل، ليثني ذراعه ويضع كف يده أسفل رأسه، بحيرة سائلاً:
ـ هي إيه دي اللي بحبها؟ وفي نفس الوقت خايفة لأكسفك فيها؟
ـ بناتي يا كمال.
ـ بناتك!
ـ أيوة بناتي، مش أنت بتحبهم؟
ـ أيوه بحبهم طبعاً، بس مالهم يعني؟
ـ نفسهم أجيبهم عندي هنا.
ـ تجيبيهم!...... آه يعني يقضوا اليوم معانا، وماله ده شيء يسعدني طبعاً.
ـ لأ أنا عايزاهم على طول معايا، عايزة بناتي في حضني يا كمال، أنا اللي أربيهم مش اعتماد!
ها قد عرف السبب وبطل العجب.
ذلك ما حدث به نفسه، وقد بانت الرؤية وعرف الطلب الذي يستحق منها أن تهديه لحظات من السعادة، كاد فيها أن ينسى نفسه، وينسى أنها هالة.
يصغي إليها وهي تزيد من نعومتها والرقة اللا متناهية في إقناعه:
ـ أنت شفت بنفسك البنات بيفرحوا إزاي وأنا بكلمهم في التليفون، ده غير أن طول الوقت قلبي بياكلني عليهم وهما بعيد عني، عايزة بناتي يا كمال، وأنت الوحيد اللي تقدر تجيبهم.
ـ ودي أعملها إزاي بقى؟ أجيبهم بالقوة من ابن عمك مثلاً؟
أوقفها بسؤاله ثم استطرد يعقب على كلماتها:
ـ طب من البداية كده، أنا أتمنى إن البنات يعيشوا معانا ويتربوا في حضنك زي ما بتقولي، بس أنا راجل بفهم في الأصول كويس، والأصول عندكم بتقول إن البنت تتربى مع والدها مش جوز أمها، وده بغض النظر عن تقديري لخليفة واعتماد طبعاً.
ـ أيوة بس أنا أعرف ناس كتير عملتها وعايشين زي الفل!
تطالبه بإلحاح رغم معرفتها بصعوبة ما تطلبه، وهو مضطر لمهادنتها:
ـ يا ستي وأنا مش معترض، بس كمان لما أحط نفسي مكانه لازم هرفض، ده أب وأنا مهما كانت معزتي برضه جوز أمهم.
تعنتت بصلف تقارعه، ضاربة بكف على ظهر الآخر، وقد نسيت الرقة واللطف الذي كانت تتحلى به:
ـ وأنا أمهم، وليا حق زي زيه، ولا هو عشان راجل...
ردد خلفها بحنق:
ـ هو كده بالضبط عشان راجل، ودي أصول وأعراف، وأنا لازم أقدر.
ـ وأنا مين يقدرني؟ أنا عايزة بناتي!
قلب عينيه يزفر بسأم منها ومن إصرارها الغريب في شيء حساس مثل هذا، فحسم ينهي الجدال:
ـ طب عشان أبقى راضيت ضميري، هي كلمة ونقفل الموضوع ده خالص، أنا هتكلم مع حمزة وأفتح الموضوع، لو وافقوا تمام.
ـ ولو موافقوش هتسكت؟
ـ لأ أنتِ اللي هتسكتي مش أنا.
هتف بالعبارة ثم جذبها من ذراعها لتسقط على صدره متابعاً:
ـ واقفلي بقى لحد كده خلينا ننام.
تمتمت تحاول رفع نفسها بمعارضة لأمره:
ـ بس أنا مش عايزة أنام من دلوك، نام أنت يا سيدي.
ضغط بذراعه يمنعها من النهوض:
ـ لأ هتنامي يا هالة واترزعي بقى وبطلي فرك، تعبان وعايز أتخمد.
يئست من فك أسرها، لتضطر على غير رغبتها أن تذعن مضطرة أن تخمد حركتها حتى ينام ويحل عنها.
ابتسامة شقية ارتسمت على ثغره حين هدأت حركتها، وعقله دار في الفكرة التي طالبته بها، يقر بمشروعيتها ولكن يعلم جيداً استحالة تحقيقها، إلا أن عقلها الفارغ لن يتقبل ولن يهدأ ما دامت تملك مساحة كبيرة من فراغ الوقت...... يبدو أنه قد حان الوقت ليفكر هو في الإنجاب....
انتبه فجأة لسكونها وانتظام أنفاسها على صدره، فمال قليلاً برأسه، يرفع وجهها إليه من أسفل الذقن بطرفي أصبعيه ليفاجأ...... بأنها قد نامت!
......................
دلف حمزة بخطواته الواسعة الغاضبة إلى داخل شقة شقيقه، وصولاً إلى غرفة النوم التي يغفو بها اليوم وحيداً باكتئابه بعيداً عن زوجته بعدما فضلت الابتعاد عنه. اقترب حمزة من التخت محملاً بضغط الليلة الماضية، يهزه بعنف:
ـ قووووم، أنت لسه هتنام ولا تكتئب؟ قوم ياض!
انتفض معاذ يستيقظ مفزوعاً:
ـ إيه في إيه؟ إيه اللي حصل؟
جأر به حمزة:
ـ فيه إنك هتخرب على نفسك وعلى أخوك! سايب مرتك وولدك وعاملي فيها مكتئب؟ ده وقت اكتئاب؟ أنت نايم على نفسك ومحبط، وهي اتصرفت من امبارح ولقيت السكن في بيت جدها، ودلوك بتدور على شغل عشان تستغني عنك خالص!
ـ إيه؟ إيه اللي بتقوله ده يا حمزة؟
صاح به معاذ هو الآخر رداً عليه بعدم استيعاب، ليعاوده الآخر:
ـ بقولك اللي حصل يا حبيبي، خليك أنت مكانك كده لحد ما تلاقيها خلعاك.
ـ تخلعني أناااا؟
صرخ بها معاذ، ينتفض عن فراشه كالملسوع:
ـ ده أنا أخلعها من الدنيا قبل ما يحصل!
...............
وعند ليلى التي كانت تخرج في هذا الوقت من منزل جديها، بعدما باتت فيه ليلتها هي ووالدتها التي كانت نائمة الآن بصحبة صغيرها مؤيد، لتتركه في رعايتها حتى تذهب هي إلى جامعتها.
تنظم بين يديها دفاتر المحاضرات التي سوف تدرسها اليوم، بعدما عدلت من وضع الحقيبة على كتفها، فلم تنتبه إلى ظل الشبح الذي كان واقفاً أسفل شجرة التين، ليجفلها هو بصيحته:
ـ على فين العزم إن شاء الله يا برنسيسة؟
انتفضت في البداية، ثم التفتت إليه واضعة يدها على خصرها:
ـ وأنت مالك؟
أثارت جنونه بردها الجاف، ليقطع الخطوتين بخطوة واحدة، فتجده أمامها في لمح البصر:
ـ أمال مال مين يا هانم؟ ولا نسيتي إن أنا جوزك ومن حقي أعرف خط سيرك؟
عارضته بعناد:
ـ لأ مش من حقك يا معاذ، أنت لا تكلمني ولا أكلمك.. أنت إيه اللي جابك هنا أصلاً؟
ـ أنا آجي وقت ما أحب، وبرضه أعرف رايحة فين؟ وجاية منين؟ ولا أنتِ فاكراني هسكت لك؟ ولا أسيبك تشتغلي؟
برقت عيناها باستدراك، وقد أيقنت أن والدتها أقرت بكل ما أخبرتها به إلى زوجها (حمزة)، وبدوره هو الآخر نقله إلى معاذ، وهو ما يفسر تلك الحالة التي هو عليها الآن. فتكفنت تتحداه:
ـ وإن قلتلك إني فعلاً لقيت شغل وهشتغل عشان أعتمد على نفسي، وأرجعلك كل قرش صرفته، تقول إيه؟
وكأنها سحبت الفتيل من القنبلة التي تمثلت أمامها ،
في تلك اللحظة، وقد استحال إلى كتلة من الجمر المشتعل. جحظت عيناه وبرزت عروق جبينه كأنها أفاعٍ توشك أن تنفجر من تحت جلده. كانت أنفاسه تخرج منه لاهثة، حارقة، وكأن صدره ضاق بما يحمله من غيظ، فصار يهدر بصوتٍ مبحوحٍ من فرط الشد، وقد تملكت الرعشة أطرافه، لا خوفاً، بل من طاقة غضبٍ حبيسة تبحث عن مخرج لتدمير كل ما حوله
ـ طب وريني هتقدري تعمليها إزاي؟ ولا تقدري انك تتحديني عشان أكون خلصت عليكي!
اشتقتوا لجنون معاذ؟
