رواية لاجلها الفصل الخامس والستون 65 بقلم امل نصر


 رواية لاجلها الفصل الخامس والستون 

"في غرفة والديها بالمنزل القديم المتهالك، كانت تحتضن الصغير، وقد لاذت بدفء الفراش رغم خشونته، واستسلمت لغمرة الجسد الغضّ ونعومة الكفّين وهما تلامسان وجنتيها؛ تتأرجحُ في خدرٍ لذيذ ما بين غفوٍ واستيقاظ."

لكن أصواتاً متواترة بدأت تطرق مسمعها، تصاعدت حدّتها شيئاً فشيئاً لتنتزعها من ذلك الشعور؛ فغضنت جبهتها بعبوس وهي تجبر نفسها على مفارقة السكينة. اعتدلت بجذعها في مشقة، يرافقها ألمٌ ينهش كل حركة مع اقتراب موعد ولادتها المنشود؛ إذ لم تعد تفصلها عنه سوى أسابيع معدودة. كم تمنت لو استسلمت لنداء جسدها المثقل بالراحة، بيد أن ما يتردد في الأرجاء كان ينذر بكارثةٍ وشيكة."

"ـ اتلمّي يا ليلى بدل ما ألمّك!
ـ طب وريني هتلمني إزاي يا معاذ؟
استغرق الأمر منها وقتاً مضنياً؛ من مشقة الهبوط عن التخت وحمل الصغير، وصولاً إلى خروجها من المنزل تفتش بعينيها عن مصدر الضجيج، حتى اهتدت إلى الجهة الخلفية حيث شجرة التين. هناك، كانت المشاجرة قد بلغت ذروتها بين ابنتها العنيدة وزوجها الذي بدا كمرجلٍ يغلي.
ـ يا ليلى ما تعصبينيش.. أنا على آخري أصلاً!
ـ يا عم هو حد جه جنبك؟ ابعد عن وشي أحسن لك.. اقصر الشر.
ـ أنا برضه اللي أقصر الشر؟ ولا إنتي اللي مصممة تخليني أرتكب جريمة؟
ـ بــــــــس!
هتفت بها «مزيونة» وهي تقتحم بجسدها المثقل
المساحة الضيقة بينهما، تنهرهما بنزق:
ـ على الصبح كدا شابكين في بعض زي الديوك؟ طب راعوا منظركم لو حد معدي وشافكم.. ساعتها هيقول عليكم إيه بذمتكم؟"
"كادت ليلى أن تنفجر شاكية، لكنّ الكلمات انحشرت في حلقها حين رأت زوجها ينتشل طفله من بين ذراعي والدتها بلهفة، وكأنه كان غائباً عنه لسنوات. في لحظة خاطفة، تبدل صراخه إلى حنان جارف وهو يقدم اعتذاراً خجلاً إلى مزيونة:
ـ يا قلب أبوك أنت! سامحيني يا خالة مزيونة قلقلناكي، بس أنا والله ما ذنبي.
عقبت ليلى بنبرة تقطر سخرية:
ـ يا حلاوة! ليكون ذنبي أنا كمان وأنا مش دريانة؟
حدجها معاذ بنظرة نارية صامتة، مما اضطر مزيونة للتدخل حاسمة:
ـ إيه اللي حصل يا معاذ؟ دي مش عوايدك!
تبادل معاذ مع زوجته نظرات حارقة، ثم قال باختصار لا يخلو من وعيد:
ـ اسأليها!
اتجهت أنظار الأم نحو ابنتها بحيرة، فاندفعت ليلى تدافع عن نفسها:
ـ اسأليه هو يا أمي! أنا واحدة رايحة في أمان الله جامعتي، لقيت صاحبنا ده بيوقفني من غير سبب.
هنا هتف معاذ رافعاً حاجباً واحداً بتهكم:
ـ جامعتك برضه؟ ولا الشغل اللي قلتي عليه؟ فاكراني نايم على وداني؟
ساد صمت ثقيل، فنظرت ليلى إلى والدتها باستفسار تحول تدريجياً إلى استياء مرير حين رأت عيني أمها تزيغان هرباً من المواجهة، 
تلعثمت مزيونة بحرج، لاعنة في سرها زلة لسانها في اخبار حمزة بما تفكر فيه ابنتها وبدوره الاخر لم يقصر في النقل الى معاذ وهذا ما يبدو سبب حضوره وشجاره مع زوجته لآن، 
فحاولت التغطية على زلتها بمراوغة يائسة:
ـ مالك بتبصي لي كدة ليه؟ هو أنا اللي قلت له؟ أنا قلت لك يا معاذ؟ أنا قلت لك؟"
ـ لا طبعا محدش قالي،.....
تمتم الاخير ردا عليها يجاري كذبتها وقد فهم عليها ، ليردف بتوضيح اقوى وبانفعال مكشوف نحو ليلى:
ـ انا اللي فهمت من نفسي يا هانم! ولاّ فاكراني غبي ومش عارف إنتي بتخططي لإيه؟»"

...........................
استيقظ ليجد الفراش خالياً من جواره. كان الهدوء مخيماً على غير العادة؛ لا أثر لزوجته ولا لصغيرتها، لذا لا عجب من هذا السكون، ولكن أين هما؟ والأطفال والدراسة؟ تباً...
انتفض فجأة حين تذكر موعد عمله؛ يبدو أنه قد تأخر كثيراً. "اللعنة!" همس بها متمتماً بالسباب وهو ينهض عن فراشه مزيحاً عنه الغطاء، بعدما انتبه لاتجاه عقارب ساعة الحائط المعلقة أمامه، هرول بخطوات سريعة بحثاً عن زوجته -المتسببة في تلك الكارثة- وهو يصيح:
ـ منى.. يا منى، هتضيعي عليا اليوم الدراسي يا منى!
خرج من الغرفة يواصل نداءه، لكنه توقف فجأة إثر إشارة حازمة منها، فقد وجدها جالسة في ركن الصالة، تضم الصغيرة إلى أحضانها وتهدهدها بحنو وحرص شديدين. لم يكترث منصور لكل ذلك، وتابع توبيخها بصوتٍ خفيض ولكن غاضب:
ـ طب حتى كنتِ سيبي لي التليفون اللي عليه المنبه جنبي عشان يصحيني في ميعادي، سيباني لما أتأخر يا منى!
نتيجة لعدم حرصه في السيطرة على انفعاله، فتحت الصغيرة عينيها فجأة وقد طار النوم منهما، فقلبت منى عينيها بسأم وقلة حيلة بعد أن فقدت الأمل في نوم طفلتها، فخرجت عن صمتها وثارت في وجهه:
ـ استريحت يا منصور؟ أهي صحيت من تاني، وأنا بقالي ساعتين بنيم فيها، مكنتش قادر تمسك نفسك اللحظة دي؟ ده غلب إيه ده بس يا ربي! مضايق من النوم اللي أنا مش عارفة أطوله أصلاً؟
تراجع منصور وشعر بحجم خطئه وهو يرى ملامح الانهيار والتعب على وجهها، فسكن الغضب في صدره فجأة، وحلّ محله شعور بوخز الندم أمام إرهاقها الظاهر. اقترب منها بخطوات وئيدة، ثم جلس بجوارها على الأريكة، ومد يديه ليتلقف الصغيرة من حضنها برفق، وكأنه يعتذر بصمت، ثم هز رأسه بأسف قائلاً بصوت خفيض:
ـ ما أنا قمت مفزوع على ميعاد الشغل اللي اتأخر.. على العموم يا ستي غلطتي وأصلحها، البت "المصيبة" دي أنا اللي هنيمها.
تنهدت منى بتعب، وأسندت رأسها للخلف وهي تنظر للسقف، ثم تمتمت بمرارة يغلفها الإرهاق:
ـ "أهو ده اللي بناخده من الخلفة يا منصور.. تعب وسهر ومرار طافح؟ أنا عشان كدة مكنتش عايزة أخلف تاني، توبة من دي النوبة لو أغلط واكررها، توووبة، يستحيل أخلف من تاني.. يستحيييل".
بابتسامة مستترة، كان منصور يدعي انشغاله بالصغيرة الشقية، يداعب وجنتيها بطرف إصبعه، وقد صارت تبتسم إليه في إشارة لعدم استجابتها للنوم. كان يود لو يرفع رأسه إلى زوجته لينهاها عن وعدٍ قد لا تستطيع أن توفيه، فهو لن يتوقف عن إلحاحه ولا عن رغبته في المزيد من الأطفال منها.

ولكن يبدو أن منى هي الأخرى قد انتبهت لما يدور برأسه، فاشتعلت رأسها لتصبح معبرة عن حنقها وكأن جناً قد تلبسها:
ـ عامل نفسك مش منتبه عشان الكلام مش جاي على هواك؟ والنعمة يا منصور أنا بقولهالك أها، المرة دي أنا قد كلمتي، إياك تزن عليا في موضوع العيال ده تاني، ولا أقولك.. أنت متقربليش أصلاً، إياك تهوب ناحيتي تاني يا منصور، سامعني؟
حسناً، هذا وقت المهادنة التي لا يصح معها الجدال أبداً. ارتفع رأسه إليها بهدوء يشوبه العتاب:
ـ طب بس من غير عصبية، إيه اللي جاب سيرة خلفة ولا كلام فاضي؟ يا ستي يدينا ربنا العمر بس نربيها هي وإخواتها.
هدأت قليلاً وخففت من وتيرة انفعالها استجابة لطلبه، لكن عيناها لم تكفا عن ملاحقة كل خلجة من تعابير وجهه، تتحفز لاستكمال الشجار رغم شعورها بحماقة فعلها أمام هذا "المتلون الخبيث":
ـ بتاخدني على قد عقلي يا منصور صح؟ ما أنا عارفاك، ساهي وداهي...
صدحت ضحكته بصوت عالٍ دوى في أرجاء المكان، ليعود مواصلاً ببراءة مصطنعة:
ـ "جرى إيه يا ست منى؟ أنتي طالبة معاكي تحطي غلبك فيا النهاردة وخلاص، حتى لو من غير سبب؟ صلي على النبي كدة، وقومي اغسلي وشك وروقي، وانفضي عنك وسوسة الشيطان.. وإن كان عليا أنا يا ستي هتأخر عن الشغل النهاردة، ولو لزم الأمر هغيب خالص عشان خاطر عيونك.. وعشان خاطر (الست هانم) اللي خطفت قلبي من الكل."
نظرت إليه بطرف عينها وقد بدأت ملامح وجهها تسترخي، فتابع بضحكة خفيفة:
ـ "أيوة متبصليش كده.. البت دي ليها معزة خاصة، بس أنتي الأصل يا أم العيال.. يلا بقى عايزين نفطر سوا، أنا قايم هلكان جوع، أي حاجة هتجيبيها هاكلها."
...........................

في ذلك المقهى الذي طالما ارتاده معه في أيامٍ خلت، اتخذ مجلساً في الزاوية الأمامية؛ تلك المواجهة للشارع تماماً، لعلّ صخب الحياة في الخارج يُبدد الضيق الذي يجثم فوق صدره. لم يتردد حين أتاه اتصاله في الصباح يطلب اللقاء؛ بل هبّ ملبياً الدعوة دون إبطاء وكأنه كان ينتظرها. وها هو الآن، يغرق في مقعده، يراقب حركة المارة بشرودٍ تام، وعيناه معلقتان بوجوه العابرين بحثاً عن طيفه القادم."

لم ينتظر طويلاً؛ إذ أقبل صديقه مترجلاً بعدما أوقف سيارته في المكان المخصص أمام المقهى، ليقابله بابتسامته الرائعة. تبادلا المصافحة والعناق الأخوي الحار، قبل أن يشاركه الجلسة قائلاً:
ـ "حبيبي يا حموز.. معلش بقى إن كنت اتأخرت عليك الشويتين دول، بس غصب عني والله، أنت عارف الظروف واللي بيطرأ علينا في أي لحظة."
قابل حمزة اعتذاره بتسامح وتقدير فرد عليه:
ـ "يا سيدي نص ساعة مش مشكلة، ربنا يكون في عونك. أنا أصلاً محسيتش بيهم، يمكن عشان عيني كانت في الشارع والناس اللي رايحة وجاية، ولا يمكن عشان الذكريات اللي بتطل في الرأس كل لحظة.. والله رجعتني لأيام الدراسة وقعدتنا هنا ونحن نعاكس البنات."
قهقه كمال ضاحكاً وقد قفزت الصور القديمة إلى ذهنه هو الآخر، فعقب قائلاً:
ـ "يا حبيبي ده كان غزل عفيف لا يحاسب عليه القانون! كلمة حلوة نرميها تلميحاً لواحدة حلوة.. ده كان آخرنا. إنما دلوقتي الدنيا "زاطت" وبقت توصل للتحرش اللفظي، وأحياناً اللمس المتعمد من رجالة كبار والله، مش بس عيال زي اللي كانوا قدنا وقتها."
تجهم حمزة، وقد زادته الكلمات غضباً فوق الضيق الذي يشعر به، وقال بحزم:
ـ "ده اللي يعمل كده يستاهل قطع إيده! اللي يخطف لمسة من حرمة غريبة عنه ويستغل غفلتها، ده يتحسب راجل أصلاً؟ ده آخره فردة "مركوب" يداس عليها بالرجلين."
أومأ كمال برأسه وابتسامة متسعة تؤيد كلامه:
ـ "لا اطمن يا باشا، إحنا بنقوم بالواجب مع الأصناف اللي زي دي وزيادة.. المهم بقى..."
ـ "أيوة.. إيه المهم بقى؟"
استفسر حمزة بعد التوقف المفاجئ من صديقه، بصورة استنبط منها أهمية الحديث القادم، وأردف:
ـ " شكلك عايزني في كلام مهم.. أنا شكيت في ده من ساعة ما طلبت تشوفني هنا في المحافظة بعيد عن البلد.. خير اللهم اجعله خير."
ـ "إن شاء الله خير طبعاً يا حبيبي، بس هو يعني..."
ـ "كماااال!"
زجره بضجر ليحفزه على الإكمال، متابعاً بنفاد صبر:
ـ "الله يرضى عنك، أنا ما فيَّ حيل للتخمين ولا التوقع. قول عايز إيه من غير تردد ولا "تزويغة" العين اللي حافظها كويس منك لما تكون مزنوق في حاجة ولا محرج."
بالفعل، هو يحفظه جيداً ويعلم أصله الطيب ونيته السليمة؛ لذا قرر كمال أن يتشجع ويخبره:
ـ "طب من البداية كده يا حمزة، أنا هتكل على كلامك ده وعشمي إنك تتقبل عرضي بهدوء، وآخد منك الرد برضه بهدوء من غير عصبية ولا نرفزة."
ردد حمزة متسائلاً بنبرة مستغربة:
ـ "عصبية ونرفزة ليه؟!" "انت عايز إيه بالضبط؟"
رددها حمزة بصرامة لا تقبل المراوغة، مما اضطر كمال إلى حسم أمره وإخباره:
ـ "هالة بنت عمك طالبة إن البنات يتربوا عندنا.. وأنا بصراحة مش معترض، بالعكس دا احب ما عليا، يعني فاضل بس موافقتكم."
لم ينطق حمزة برده على الفور، بل صمت وهو يضيق عينيه بتفكير عميق، بصورة أثارت ارتياب كمال وزادت من توتره، حتى قطع حمزة الصمت ليفاجئه بقوله:
ـ "بغض النظر عن الطلب اللي أنت عارف إجابته 'زين' من البداية، رغم معزتك الغالية عندنا طبعاً.. بس أنا اللي عايز أعرفه: هي اتعدلت معاك للدرجة دي؟ لدرجة إنك تتقبل بناتها كمان من أجل رضاها!"
هذه المرة كان الصمت من نصيب كمال، الذي أطرق برأسه لحظات قليلة قبل أن يعود إليه ليرد بصدق ما يشعر به:
ـ "هبقى كداب لو أنكرت إني فعلاً عايز أرضيها، ولا هعرف أدي وصف صحيح لعلاقتي بيها يبين إنها اتعدلت بالفعل، بس..."
توقف ثم أخرج تنهيدة عميقة أردف بعدها:
ـ "اللي أقدر أقولهولك يا حمزة، هو حاجة واحدة أنا متأكد منها.. حياتي حتى لو جحيم مع هالة أنا برضه متقبلها، عشان معاها بس حاسس إني عايش! إيه الفائدة لو كل حاجة حلوة متوفرة في حياتك وأنت قلبك ميت من الداخل؟" يمكن تشوفها حاجة غريبة، بس..."
ـ "أنا فاهمك.. فاهم أنت عايز توصلي إيه."
قاطعه حمزة بهذه الكلمات ليوفر عليه عناء الإسهاب في أمرٍ يعلمه جيداً رجلٌ مثله؛ رجلٌ واقعٌ في الأسر.. أسر الحب. ذلك الشعور غير المفهوم الذي يربط روحك بفردٍ واحدٍ من دون البشر أجمعين، دون انتقاء مواصفات، أو مفاضلة للأصلح، أو حتى امتلاكٍ لقرار الرفض.

................................

في المنزل الكبير،
تحديدا داخل جناح خليفة الذي عاد بعدما أتمّ إيصال الفتيات إلى مدارسهن، ليجد زوجته «اعتماد» لا تزال غارقة في سلطان النوم فوق تختها. اقترب منها بخطوات وئيدة، ثم ارتمى بجوارها هامساً بمرحٍ وهو يتوقع رد فعلها المذعور:
ـ «اعتماد.. قومي بسرعة، ميعاد المدرسة فاتك وهتتأخري!»
ما إن طرق صوته مسامعها حتى انتفضت بإجفال، وعقلها لا يزال عالقاً في برزخ النوم، فتمتمت بنصف وعي:
ـ «أيوة.. أنا قومت أهو.. حالا هقوم!»
همّت بالنهوض فعلاً في ارتباك، إلا أنه استوقفها بضحكة مجلجلة وهو يمسك بكتفيها:
ـ «بس بس يا مجنونة! اقعدي على حيلك.. ميعاد المدرسة راح أصلاً ودلوقتي الساعة داخلة على تسعة!»
تسمّرت مكانها تتطلع إليه بذهول استمر لثوانٍ، حتى استعادت كامل وعيها حين رفع أمام عينيها ساعة يده؛ فصاحت فيه بقلة حيلة وقد أدركت لعبته المعتادة:
ـ إخص عليك يا خليفة! يعني برضك عملت اللي في دماغك وخليتني غيبت عن المدرسة؟  قلت لي ريحي مكانك على ما أصحي البنات وأنت عامل فيا مقلب عشان تغيبني؟ والنعمة حرام.. حرام عليك!»
انفجر خليفة ضاحكاً وهو يحاول ترضيتها بكلمات تلطف الأجواء:
ـ يا ستي وافرضي صح انا قاصد اعمل كدة، ما هو عشانك برضه يا اعتماد.. انتي ما ينفعش معاكي غير كدة.
قال الأخيرة حين وجدها تدفن رأسها في الوسادة بقهرٍ محبب زاد من مرحه، لكنه سارع لمراعاة مشاعرها والتربيت على كتفها:
ـ «يا حبيبة قلبي ما هو عشان تعبك.. يعني بالذمة لو أنتِ سليمة وتمام، كان غلب حمارك واستنيتيني لما أصحيكِ؟

رفعت رأسها قليلاً وهي تجيبه بنبرة يملؤها اليأس:
ـ طب وبعدين؟ هفضل كدة أروح يوم وأغيب أسبوع؟ تاني بقولهالك حراااام....... !
صار يكتم ضحكاته التي توشك على الانفجار، واقترب منها قائلاً بصوت حنون:
ـ يا اعتماد يا حبيبتي، ما أنتِ ليكي عذرك، والإدارة هناك عارفين تعبك ومقدرين الظرف.. ريحي بالك وبلاش تشيلي الهم.
ـ طب ما هي كل الحريم بتحبل وبتولد، اشمعنى أنا من دونهم اللي خايبة وبيحصل معايا كدة؟ طول اليوم جسمي حاطط عليا وهلكانة.. لا عارفة أسدّ في بيت ولا في غيط، ولا فالحة في مدرسة ولا حتى هنا! أنا مابقتش عارفة أودي كسوفي فين من المدير ولا المدرسين، ولا عمتي حسنية الولية الكبيرة.. بدل ما أنا أشيل عنها واريحها، امبارح لقيتها هي اللي مطلعالي الغدا بنفسها! ولا بناتك كمان اللي اهملتهم.. يا بوي عليا وعلى سنيني!
عند هذه النقطة، انطفأت شعلة المرح في عيني خليفة، وحلّ محلها إشفاقٌ جارف. أدرك أن تلك المرأة، التي جُبلت على الشقاء والتضحية، لا تطيق أن ترى يداً تمتد لتملأ فراغ غيابها، وكأن عجزها الطارئ خطيئة لا تغفر.
لم ينتظر طويلاً؛ بل حاوط ذراعيها بكفيه، ملامساً مكامن ضعفها برفق ليجبرها على رفع رأسها المنكسر. تلاقت عيناه بخاصتيها، وأبصر خطوط الدمع وهي تشق طريقها
فوق وجنتيها؛ فمدّ إبهامه ليمسح أثرها بحنان، مهادناً قلبها القلق بابتسامةٍ تحمل وعود الطمأنينة.
ـ عارفة يا اعتماد.. لولا إني عارف إن دي خربطة هرمونات مع قلة عقل منك، كان بقى لي معاكي حساب تاني! كذا مرة أقولك يا ستي انا راضي بأقل القليل منك، ان شالله حتى أجيب لك خدامة، لكن برضه أنتِ مخك متربس ومش قادرة تستوعبي إن كل ده على قلبي زي العسل يا اعتماد.. دا كفاية انه ربنا رزقني بيكي، دي عندي بالدنيا، وإن كان على أمي برضه راضية، وإخواتي راضيين، والمدرسة باللي شغالين فيها راضيين عنك، والدنيا كلها راضية عنك.. نعمل إيه تاني عشان تصدقي؟»
لم تملك اعتماد أمام فيض حنانه وسعة صدره إلا أن تستسلم لضحكةٍ صافية، انجلت معها غمة الحزن وبان صفّ أسنانها الأمامية وهي تردّد بدلالٍ ممتزج بالدهشة:
ـ كله.. كله يا خليفة؟
ضمّها إليه بقوة، وكأنه يغلق الأبواب أمام كل مخاوفها، مواصلاً بفيضٍ من الامتنان الذي يجيش في صدره:
ـ كله يا قلب خليفة.. ربنا ما يحرمني منكِ ولا من طلتك في دنيتي.
............................
على الطريقة البدائية التي لم يمحُها الزمن من ذاكرتها، كانت تُحمّم الصغير داخل «طشتٍ» بلاستيكي بماءٍ دافئ استمدّ حرارته من قِدرٍ غفا فوق موقد طيني، داخل الغرفة محكمة الإغلاق التي تعبق برائحة الحطب. وبمزاجٍ رائق، كانت تلبسه ثيابه وهي تدندن بأغانٍ من الفلكلور تحفظها عن ظهر قلب؛ قطعةٌ من روحها تشعر معها وكأنها أمه الحقيقية لا جدته.
ـ قمر يا ناس وبدر منور.. بسم الله ما شاء الله عليك يا حبيبي! اسمع يا واد.. إياك تقول (ستو) لما تكبر، تقولي يا ماما.. فاهم؟
وجاء الردّ التلقائي من الصغير ضحكاتٍ صافية ملأت
وجدانها تعلقاً به. «يا الله!».. لا تدري كيف ستجد مساحةً لطفلها القادم داخل قلبها الذي تشبع عشقاً لهذا المشاكس الصغير؛ ففي غمرة جسده الغضّ، تذوب همومها وكأن العالم ينحسر في تلك الغرفة.
فجأة، طرقاتٌ على الباب الخشبي الكبير انتزعتها من شرودها، وصوت طفلها الآخر «ريان» ـ هدية الله إليها أيضاً ـ يدوي منادياً:
ـ أمة مزيونة!
ـ أيوة يا ريان يا حبيبي.. أنا جاية أهو.
قالتها وهي تنهض بهمة، لتخرج من الغرفة وتفتح له الباب الخارجي بعدما أحكمت لفّ الأغطية على «مؤيد» حمايةً له من لفحة الهواء."

"فَتَحت الباب لِتَجِده واقفاً أمامها بابتسامته التي تشرق بالبراءة، مرتديًا ملابس مدرسته الأنيقة؛ وسامته التي تعيد إلى الأذهان ملامح والده كانت تأسر قلبها في كل مرة تتطلع إليه، فاستقبلته بحفاوتها المعهودة:
ـ يا مرحب بالقمر اللي جاي من المدرسة! دا إيه الحلاوة دي بس؟ إيه الحلاوة دي!»
تلقى ريان قبلاتها بغبطة، وبادلها الأثر بقبلةٍ كبيرة مطبوعة على وجنتها؛ الأمر الذي أثار استياء فردٍ آخر كان يقف على مقربةٍ من عتبة المنزل، فهتف بنزق:
ـ ما خلاص ياض! بلاها البرود والمحن اللي يطمم النفس ده!»
رفرف قلب «مزيونة» من الداخل بفرحة تجلت على
محياها فور رؤيته، فقالت وهي تفسح لهما مجالاً للدخول:
ـ حمزة! أنت كمان جاي معاه؟ طب ما تدخل.. تعالى.
تنحت جانباً لتمكن ريان ووالده من العبور، لكن الأخير صدمها برفضه القاطع، وقد اعتلى العبوس ملامحه السمراء التي لطالما كانت محببةً إلى قلبها:

ـ لا متشكرين.. إحنا بس كنا جايين نطمن وجايبين الحاجة دي.
ترجّل من سيارته مُخرجاً عدداً من الأكياس المغلفة، ثم أشار لابنه بنبرة عملية حازمة:
ـ تعالى يا ريان إتلافي الحاجة من يدي.
ركض ريان طائعاً لأمر والده، يتناول منه الأشياء ويدخلها تباعاً تحت أنظار مزيونة التي وقفت مذهولة من هذه الرسمية المتعمّدة، واعترضت قائلة بذهول:
ـ وه وه! خبر إيه يا حمزة؟ متشكرين إيه وكلام فاضي إيه؟ هو أنا حد غريب بيعزمك؟ دا بيتك!
اعتلت ملامحه سخريةٌ مرّة، أو ربما كان ذلك النوع من العتاب الممزوج بغضبٍ مكتوم رغم ثباته الظاهري، وأشار
بيده نحو المنزل الوحيد المجاور لهذا المنزل والذي بناه خصيصاً لها، قائلاً بمرارة:
ـ بيتي؟ لا معلش بقى.. أنا بيتي أهوه، يعني لو عايز أريح يبقى الأولى أريح فيه.
شعرت مزيونة بلسعة تأنيب الضمير من قصده الواضح، فالتفتت نحو ريان تحاول إبعاده عن أجواء التوتر:
ـ بقولك إيه يا حبيبي.. إيه رأيك لو تشيل مؤيد تقعد بيه على الكنبة جوا في الدفا بعيد عن الهوا؟
تهللت ملامح الصغير وقبل الاقتراح بلهفة، حتى اجلسته بالفعل على الكنبة بجوار ابن عمه مؤيد واطمأنت لوجوده بجواره، ثم عادت أدراجها لتجد حمزة جالساً أسفل شجرة التين على المصطبة الطينية القديمة، يتناول إحدى ثمارها الناضجة بصمتٍ موحش.

جلست بجواره على تلك المصطبة التي تختزن في طينها أجمل الذكريات التي جمعتهما، لكنها أدركت أن «حمزة اليوم» ليس هو الشخص الذي تعرفه؛ فاقتربت تلتصق به، تلاطفه بلمحة دلالٍ فطرية تعلمتها على يديه لتجبره على النظر إليها، فما كان منه إلا أن ناولها ثمرة من مجموعة حبات في كفه لتشاركه تناولها بتلذذ، فهو لا ينتقي إلا الطازج الذي يساعده طوله في قطفه من الفروع العليا، ولكنه ما زال متجهماً.
زادت من جرعة دلالها بأن لكزت كتفها بكتفه، فتجفله وهي تهمس بمشاكسة:
* «يعني بتعطيني التينة من يدك الحلوة، وفي نفس الوقت تولي وشك عني؟ طيب بلاش أنا.. موحشكش الغايب يا أبو الغايب عشان تسأل؟»
استطاعت بفعلتها أن تأسر انتباهه، لتنصبّ أبصاره عليها بنظرة تحمل في طياتها العتاب الصامت، فواصلت هي استرضاءه:
* «حمزة، بلاها النظرة دي الله يرضى عنك، ما انت داري إنه غصب عني، مش هرجع أعيد وأزيد في كلامي من تاني، بس ... زعلك على عيني والله، أخوك والبت راكبهم شيطان العند، والموضوع لو دخل فيه "عرفان" مش هيرتاح غير بالخراب، يعني عزلتي بليلى هنا أحسن مية مرة من قعدتها عند أبوها، وأنت لو مش عارف كدة ما كنتش سمحت لي أبداً أطلع من بيتك».
استمر على صمته بملامح مغلفة، ليضاعف من توترها في استعطافه:
* «حمزة الله يرضى عنك، رد عليا بقى ما تخلنيش كدة أقعد أكلم نفسي!»
* «يعني عايزاني أرد اقول بإيه؟»
صدرت منه الكلمات بانفعال، ليردف بعدها:
* «خليني ساكت أحسن يا مزيونة، كاتم في قلبي قهرتي من كل اللي بيحصل حواليا، مهما تعطي مبررات ده مش هيخفف عني، أنتي هامك بنتك ما تحسش باليتم ولا تحتاج لأبوها وتستغني عنك، تمام أنا معاكي، حتى وإن كان الخصم يبقى جوزها اللي هو أخويا، سواء بقى كان غلطان ولا مش غلطان، في كل الأحوال أنا مش عاجبني الوضع.. إنّي أتاخد بذنب غيري دي كبيرة عليا وتقيلة على كرامتي».
توقف بأنفاس لاهثة كأنه عائد من عدو سريع، مندفعاً بإحساس المهانة الذي لم تحتمله مزيونة عليه، فجاء الرد العملي بأن رفعت كفه بين راحتيها تراضيه بحنو:

ـ سلامة كرامتك يا نن عيني من جوه، أنا لو عليا أدخل معاك على البيت دلوك والله، بس هما ربنا يهديهم.. شد أنت على أخوك وأنا أشد على بنتي واعقلها، فاكر إنه هين عليا يعني؟ ده أنا قربت خلاص، يعني محتاجاك أكتر ما أنت محتاجني».
سرقت أبصاره في كلمتها الأخيرة حين حطت كفها على بطنها المنتفخة بحمل الجنين؛ ثمرة العشق من ارتباطها به.

فتسمرت نظراته عند يدها المستقرة فوق جنينها، وكأن تلك اللمسة كانت "كلمة السر" التي اخترقت حصون غضبه، في تلك اللحظة، سكنت أنفاسه اللاهثة فجأة، وانحلّت عقدة حاجبيه المتجهمة، ليحل محلها وجومٌ حزين ممزوج بلهفة حاول مداراتها.
شعر حمزة بـ خفقة غريبة في صدره؛ لم تكن غضباً هذه المرة، بل كانت هزة الحنين لقطعة منه ومنها تقبع الآن خلف هذا القماش، تنتظر الخروج لدنيا يراها الآن هو ملوثة بالخصام.

تراجع إحساس المهانة أمام طوفان من المسؤولية الدافئة؛ فكيف يكسر خاطرها وهي تحمل في أحشائها "طفله" القادم؟
أحس ببرودة كفه بين يديها، وكأن دفء جنينها انتقل عبر راحتها ليمتص مرارة قلبه، لا يستطبع منع نفسه من إرخاء قبضته المشدودة، فمال نحوها قليلاً، وتلاشت نبرة الانفعال في صوته ليحل محلها همسٌ مثقل بالحب المنهك:
ـ «يعني عارفة نقطة ضعفي وبتدوسي عليها يا مزيونة.. عارفة إن الحتة اللي منك دي هي اللي كاسرة عيني ومخلية رجلي تسبقني ليكي قبل ما أفكر في اللي حصل.»
مد يده الأخرى، ببطء وحذر، ليضعها فوق يدها المستقرة على بطنها، وكأنه يبارك هذا العهد الصامت بينهما، ثم تنهد تنهيدة طويلة خرجت معها بقايا "القهرة" التي حبسها طويلاً، ليردف بعينين لمعت فيهما نظرة حانية:
ـ «عشان اللي جاي ده.. وعشانك أنتي، ابلع المر يا بت الأحرار .. استحمل واصبر لما اشوف ايه اخرتها بعد ما اتعلق مصيرنا انا وانتي بيد جوز العيال دول، بس بلاش المدة تطول يا مزيونة ، عشان خاطري 
....................

حين عاد إلى المنزل، وفور أن خطت قدماه داخله، تفاجأ بها تخرج من إحدى الغرف تهرول نحوه بلهفة بهيئتها المنزلية المنطلقة، تقترب منه وتتلقاه بترحيبها الحار:
ـ "حمد لله على السلامة، جيت بدري يعني؟ افتكرتك هتتأخر؟"
لم يجبها على الفور وقد انشغل بتأملها، وهي تسحبه من ساعده لتجلسه وتجلس معه. كانت ترتدي فستاناً بيتياً قصيراً يصل بالكاد إلى الركبتين وبدون أكمام، شعرها المتعرج بفوضوية مقصودة تليق بالفعل بشخصيتها، والحماس الذي يقطر مع كل حركة منها يشعلها حيوية تأسر عينيه، والسبب بالطبع يعرفه.
ـ "مالك يا كمال ساكت ولا كأن حد خاطفك؟"
هتفت بها وجسدها يحط بجواره على الأريكة لتلتصق به، فتبسم ساخراً من فعلها:
ـ "ما إنتي خطفاني فعلاً من أول ما دخلت، على العموم أنا برضه بحب الخطف، مادام جاي منك.... بحبه أوي."
همس كلماته الأخيرة في جِيدها، يستغل كل لحظة رضا منها، حتى لو كان في القادم صدمتها، فتدللت تتلقى فيض عشقه على بشرتها بصوت ناعم متفاجئ رغم تمنعها:
ـ "وه... كمااال.... على طول كدة... استنى طيب لما تاخد نفسك من المشوار.... ده أنت لساتك داخل..."
خرجت همساته مكتومة بالإجابة إليها:
ـ "وماله.... أنا طول الوقت مشتاقلك، وراحتي حتى لو تعبان بلاقيها معاكي..."
تبسمت بارتباك تتصنع رضا زائفا تهادنه بعجلة من أمرها:
ـ "وماله يا سيدي هو أنا أكره؟ بس الأول فهمني، عملت إيه في مشوارك، ريح قلبي يا كمال...."
أجبرته بتململها أن يتوقف، فخرجت منه زفرة إحباط ساخنة أحرقت بشرتها قبل أن يرفع رأسه إليها متطلعاً لعينيها؛ حبيبتيه الكاذبتين:
ـ "عايزة تعرفي اللي تم بيني وبين حمزة..."
عدلت فستانها سريعاً وقد عاد إليها الحماس:
ـ "ياريت يا كمال تريحني، أكيد هو عملك حساب ووافق صح؟"
زمّ شفتيه بضيق واضح رداً على تلميحها الأخير ليجيبها دون انتظار:
ـ "لأ يا هالة، معمليش حساب عشان دي حاجة مفيهاش تفاهم، بس أنا قلت أعمل اللي عليا عشان تعرفي إن الرفض مش من عندي، بل بالعكس أنا مرحب جداً..."
استوعبت كلماته دفعة واحدة لتنتفض بغضب أشعلها:
ـ "أفهم من كدة إنه رفض؟ وهو مين أصلاً إداله حق يقرر في حاجة زي دي؟ أنت كان لازم تكلم خليفة.... هو اللي أبوهم، مش صاحبنا ده!"
بدوره انتقل الغضب إليه ليعقب بحزم، ضاغطاً على كلماته كي يذكرها حتى لا تنسى وتتجاوز:
ـ "صوتك ميعلاش يا هالة!"
ـ "يعني أكتمهم في قلبي وأموت؟!"
صرخت بها تنتفض من جواره كعاصفة تثور بلا ميعاد:
ـ "حمزة ده هيفضل طول عمره موقف لي حياتي، أنا عايزة أعيش وآخد بناتي في حضني، ربنا كرمني بيك عشان تردلي كرامتي وتجيب لي حقي من الكل، أنا عايزة بناتي يا كمال... لازم.. لازم!"
تضرب بقدمها على الأرض بإصرار حتى صارت كالعمياء في تلك اللحظة في التعبير عما يجول داخلها من نيران، فعجزت عن قراءة صفحة وجهه المغلفة، وهو يكتم بصعوبة غضبه المتصاعد خلف قناع البرود الذي يتسلح به الآن أمامها، حتى باغتها بسؤاله:
ـ "تحبي أحبسلك مين فيهم طيب؟ أحبس خليفة وأمضّيه على تنازل عنهم؟ ولا الأحسن أحبس حمزة وألفق له قضية تقعده في السجن سنين يتذل فيهم ويعرف غلطته عشان سابك ومتمسكش بيكي؟"
تمتمت بصدمة:
ـ "أنت بتقول إيه؟"
كان قد وقف في تلك اللحظة ليقابلها بطوله الفارع، ليعيد على مسامعها قوله:
ـ "بخيرك أحبس مين فيهم؟ مش إنتي عايزاني أضغط عليهم بسلطتي؟ بعد ما خرجتك من قضية كانت لابساكي وجعلتك مرات رائد كبير في الداخلية ليه شنة ورنة، خلاص بقى تدوسي على الخلق براحتك، وأهو كله ملك إيدك عشان تعملي اللي إنتي عايزاه!"
ـ "بس أنا مقولتش كدة!"
ـ "أمال قولتي إيه؟"
صاح بها رداً على نفيها، ليباغتها بالقبض على ساعديها وقد ذاب قناع الجليد تحت نيران الغضب، يكشفها أمام نفسها:
ـ "غرورك صورلك إن شوية الدلع والكلام الحلو خيّلوا عليا وخلاص اقتنعت إنك بتبادليني نفس المحبة، وإن بساعة رضا منك تاخدي قبالها اللي إنتي عايزاه.. لا فوقي! أنا أقدر آخد اللي عايزه وفي نفس الوقت أخليكي خدامة تحت رجلي، كرم أخلاقي معاكي مش معناه ضغف ولو فاكراه كدة انا مستعد كويس قوي اصحح الصورة المغلوطة 
واوعى بقى عشان انا فعلا قرفان منك دلوقتي .

دفعها في الأخيرة لتسقط على الأريكة وتحرك هو يتركها بحالة امتزجت بين الصدمة والدهشة ثم البكاء، وقد صعقها بانقلابه بعدما ظنت انها قد ملكته لتنال ما تريده
...................................

تحت ظلال شجرة التين
على المصطبة الطينية العتيقة التي تفوح منها رائحة الأرض والهدوء الذي تستجديه روحه المتعبة، وفي جلسته الأسرية الدافئة؛ كانت زوجته الحبيبة تجلس بجواره تُطعم الصغير بـ "الببرونة"، والابتسامة لا تفارق وجهها، بينما عيناها تتابعان دقات قلبه المتسارعة مع كل حركة يقوم بها "ريان".
ذلك الشقي المتحمس كان يركض في المساحة الفاصلة بين بيتهم ومنزل والدي "مزيونة"، يطارد الكرة بكل طاقته. ومع كل "شوّطة" قوية، كانت الكرة تقترب أكثر من شتلات الأشجار الصغيرة التي زرعها حمزة منذ أشهر قليلة، لتجاور الشجيرات التي غرسها سابقاً منذ بداية بنائه لمنزله. كان يراقب نموهما بفخر، ويخشى عليهما حتى من هبوب الهواء إن جاء قوياً.
والآن يراقب بخوف؛ فمع كل اقتراب للكرة، كان يصرخ في ريان بصوت متهدج:
"يا واد ابعد عن الشجر! هتكسرهم يا مجنون!"
يضحك ريان بحماس أكبر، وتتعالى ضحكات مزيونة الرقيقة وهي تلطف الموقف:
"يا حمزة اهدا شوية، الولد بيلعب، مفيش حاجة هتحصل.. دي مجرد كورة!"
يؤكد ريان على كلماتها وهو يقفز بحماس، مما يزيد من غيظ حمزة الذي أوشك أن ينتفض من مكانه لينتزع الكرة، لولا نظرة مزيونة ورجاؤها الناعم الذي يذيب قسوة ملامحه فوراً، فيبتسم ريان ومزيونة، ويلين قلب حمزة الذي لا يملك إلا أن يستسلم لهذا الدفء، فينسى عذاب الأمس وغضب اليوم في ظل هذا الوضع القائم.

إلا أن لحظة الصفاء لم تكتمل، فقد انقطع هدوء المكان على صوت شجار جديد مع وقع قرع على الباب الخشبي:
ـ تاني برضك يا معاذ؟ بقولك ملكش دعوة بيا، عشان مش أنا اللي بغلط زيك وبعدها كمان مأسكتش وأعمل مشاكل.. افتحي الباب يا أماي.
انتفضت الأخيرة عند سماع الصوت، لتنهض من جلستها ثم خطت حتى وقفت عند جانب المنزل لتلفت نظرهما إليها:
ـ أنا هنا عند التينة يا ليلى، إيه اللي حصل بس؟ خير؟
سمعت ليلى صوتها لتسارع إليها بخطوات مضطربة، وعلامات الغضب ترتسم على وجهها:
ـ هايجي الخير منين بس؟ وفي ناس قاعدة تقول يا شر اشطر!
دوى صوت معاذ الذي كان يلحق بها، تتطاير من كلماته نيران الغيرة التي نُبشت لتشتعل دون قصد منها:
ـ والله أنا راجل محترم وعارف نفسي زين، الرك على الهانم اللي ما صدقت مع أول خلاف ما بينا.. عايزة تمشي على كيفها وبتتعمد تعمل أي حاجة تضايقني، قاصدة تقهرني!
كادت ليلى أن تثور رداً عليه، إلا أنها انتبهت لوجود حمزة الذي لم يبرح جلسته على "المصطبة"، يرمقها ويرمق شقيقه بنظرة غاضبة، وقد تحولت سحابة الهدوء التي نعم بها لحظات قليلة إلى سماء ملبدة بغيوم التوتر.
ـ إنت كمان قاعد هنا يا حمزة؟ طب كويس عشان تشهد بنفسك على الكلام وتعرف مين غلطان فينا.
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله، هي عملت إيه بس عشان تشيل منها كدة؟
جاء السؤال العفوي من مزيونة قبل أن تجفلها صيحة ابنتها:
ـ إنتي هتعومي على عومه يا أمي؟ ده عايز يعمل مشكلة من مفيش! صادفت ابن خالي حازم في المواصلات، دفع لي ونزل معايا يوصلني لبداية الطريق، قبل ما أقابل صاحبنا ده ويخليني في نص هدومي" وهو بيرد عليه بقرف ويسحبني من يدي قصدا، كأنه بيجر بهيمة!
ـ تحمدي ربنا إني مضربتهوش بالمرة! بيتحدث ويتساير معاكي ليه؟ مالكيش راجل؟
ـ احترم نفسك يا معاذ!
صرخت بها رداً على وقاحته وقد بلغت به الغيرة حداً لا تطيقه، ليضاعف من شحنة الأجواء أمام الثلاثة.
أما ريان، الذي توقف عن اللعب، فقد انكمش في مكانه ممسكاً بكرته، وعيناه تراقب والده الذي بدأ وجهه يتغير لونه من الغضب الصامت. لم يتكلف حمزة بالتعقيب حتى الآن، تاركاً المجال لزوجته مزيونة التي ردت تعاتب زوج ابنتها:
ـ لا ملكش حق في دي يا معاذ، حازم ولد وصفي أخوي مفيش في أدبه ولا أخلاقه، ثم كمان هو معملش حاجة، ده يدوب بس وصلها.
معاذ الذي أعماه الغضب لم يتأثر، ولم يكن يرى أمامه سوى ضحكاتها مع غيره، عكس جفائها معه والسبب غلطة غير مقصودة.. أو ربما غلطتان! فجادلها بنبرة مختنقة بإحباطه:
ـ مأدب ولا عفش لنفسه! هي ليه متلتزمش احترامها وتراعي كلمتي؟ ولا يمكن قاصدة تستفزني كمان؟
ـ تاني برضك هيقول بتستفزني؟ على أساس إنك هاممني قوي دلوك ولا هموت عشان ترجع لي!
ـ احترمِ نفسك يا ليلى!
ـ لِمّ إنت لسانك الأول!
ـ بسسس إنتوا الجوز!
هدر حمزة بالأخيرة وقد اكتفى من السكوت، وضاقت أنفاسه من فعلهما؛ فعنادهما لن ينهي هذا الشجار لبقية اليوم. واردف صوته الأجش بنبرة حازمة، محاولاً السيطرة على الموقف قبل أن يتصاعد:
ـ قفلوا إنتوا الاتنين وفضوها.. إنت يا معاذ روح على البيت، وإنتي يا ليلى ادخلي ارتاحي.
رافقت كلماته الأخيرة إشارة بذراعه نحو منزل أجدادها، فلم تجادله أو تعترض، بل تحركت على الفور تفتح الباب وتسبق والدتها للداخل. أما معاذ الذي تبعها بعينيه، فلم يملك إلا الانصياع هو الآخر لأمر شقيقه وغادر المكان.
ترك الرحيل خلفه صمتاً خانقاً، بعدما تبخرت لحظة الصفاء من قلب حمزة ليعود إلى تجهمه. وبلمسة حانية، ربتت مزيونة على ذراعه برفق، وكأنها تطلب منه الصبر والتريث على أفعال هذين الغبيين.
.........................

تعليقات