رواية فوق جبال الهوان الفصل الخامس والستون
الجلبة غير المقصودة التي صدرت منها أثناء محاولتها التسلل خارج البيت كشفت عن وجودها، تجمدت "وجدان" في موضعها عاجزة عن التحرك، وإلا لافتضح أمرها، فيما انتفضت "أحلام" فزعًا عندما أحست بتواجد أحدهم خلسة على مقربة منها، فهتفت تخاطب خادمتها، والخوف راح يغمرها بشدة، معتقدة أن زوجها قد سمع حوارها النزق:
-واعية للصوت ده يا به؟
تنبهت "نعمة" أيضًا لمصدره، وردت مفترضة في شيءٍ من الخوف:
-أيوه يا ست "أحلام"، لأحسن يكون حرامي.
هبت واقفة، وصاحت تأمرها وهي تشير لها بسبابتها:
-بـــاه! ده مين واد الفرطوس اللي اتجرأ يخش بيوت أسياده!
وانتقلت الاثنتان خارج الشرفة، لتتمكن "أحلام" من لمح طيف ذلك المتسلل، عبر انعكاس هيئته في زاوية المرآة، أمعنت النظر جيدًا، وفطنت إلى هوية صاحبه، إنها ضرتها اللعينة، تلك التي استطاعت أن تقرأ شخصيتها منذ اللحظة الأولى، وتكون انطباعًا قويًا عنها، هي خصم شرس، اندفاعية، تضمر نحوها شرًا، ليس من السهل مجابهتها دون وضع تبعات ذاك الصدام في الحسبان، في لحظةٍ أخذ شيطانها الماكر يوسوس لها بأفكاره الخبيثة لقلب الطاولة على رأسها، فتوقفت واضعة يدها أعلى خاصرتها هاتفة بصوتٍ ادعت أنه خائف:
-نادم على سيدك "محروس" أوام يا به!!!
ورفعت كفها الآخر لتشير إلى خادمتها بالتوقف والاختفاء عن الأنظار، فتعجبت لمطلبها، ومع ذلك لم تعارضها وسارعت بالمغادرة في خفة، لتتقدم "أحلام" بعدها ببطء نحو مخبأ "وجدان" التي كانت ترتعش قلقًا من تبعات تصرفها الطائش.
وقفت قبالتها، وصاحت فجــأة لتثير في نفسها المزيد من موجات الخوف:
-بتعملي إيه عندك يا ولية يا .....؟
استشاطت غضبًا من نعتها المهين، واستدارت تناظرها هادرة بغلٍ وحقد:
-ولولوا عليكي ساعة وسكتوا، مين دي اللي وَلية؟!
نظرت إليها "أحلام" بغطرسة، واستفزتها بسؤالها:
-متخبية ليه في بيتي السعادي؟
ازدادت "وجدان" غضبًا على غضب من كلامها هذا، وواصلت الصياح بحنقٍ:
-بيتك! بيت مين يا أم بيت؟ ده بيت جوزي، وأني حُرة أبجى في المُطرح اللي يَعجبني وياجي على هوايا.
-في أنصاص الليالي؟ وأني لساتني عروسة جديدة؟ نايمة جار جوزي؟
كان للغوها وقعه المغيظ على نفسها، لذا هزأت منها "وجدان" بإهانةٍ لاذعة:
-عروسة؟ لتكوني مصدجة حالك، ده إنتي خَرب بيت!
إلا أن "أحلام" استقبلت عباراتها تلك ببرودٍ أكبر، وتوعدتها:
-بجى إكده، طب استلجي وعدك يا ضرتي؟
وتراجعت خطوتين للخلف لتصيح عاليًا بصوتٍ رج صداه جدران البيت:
-يا سي "محـــروس"، إلحجني يا سي "محروس"، مَرَتك حطالي سم في الوكل لأجل ما تخلص علي.
انقبض قلب ضرتها بتوجسٍ من هول الصدمة، وصاحت في غير تصديق:
-إنتي عتجولي إيه؟
ليرتفع صراخ "أحلام" أكثر وهي لا تزال تستنجد بزوجها:
-إلحجني يا سي "محــــروس".
نهض الأخير من نومته مفزوعًا، وهرول خارج غرفة النوم وهو يرتدي ثيابه التحتية البيضاء، حملق بعينين طار منهما النعاس متسائلًا في استرابة:
-في إيه يا "أحلام"؟
ليتفاجأ بتواجد "وجدان" في مواجهتها، فتبدلت نظرته القلقة إلى أخرى حانقة وهو يسألها في نبرة مليئة بالاتهام:
-بــاه، بتعملي إيه عندك يا مَرة؟
توترت من كشف أمرها، وحاولت خلق كذبة لحظية، فتلجلجت وهي ترد عليه:
-أني آ...
لتشرع "أحلام" في استكمال مسرحيتها الهزلية المصطنعة بادعاء تعرضها لوعكة صحية مباغتة، فوضعت كلتا يديها على أسفل معدتها، وتلوت في وقفتها هاتفة بصوتٍ غلفه الألم:
-إلحج يا سي "محروس"، مَرَتك حطالي سم في الوكل، عايزة تجطع فرطي من الدنيا.
اندفع تجاهها ليمسك بها من كتفيها متسائلًا في خوفٍ:
-مالك يا مهجة الجلب؟
أجابته وهي ترتمي بثقل جسدها ناحيته لتنطلي عليه خدعتها:
-مش جـــادرة، آآآه، بطني بتتجطع!
حاوطها "محروس" بذراعه، ورفع عينيه العدائيتين تجاه "وجدان" موجهًا لومه إليها:
-يخرب مطنك، عملتي إيه؟
نفت على الفور اتهامه:
-والله العظيم ما عملت حاجة، دي كدابة، أني آ...
قاطعها قبل أن تدافع عن نفسها متسائلًا باستغرابٍ:
-وبعدين إيه اللي جايبك إهنه السعادي؟
لتعود إلى اهتزازة نبرتها وهي تخبره كذبًا:
-أني كنت بشوف إن كان ناجصك حاجة إكده ولا إكده!!
لتنصدم بإهانته الفجة وهو يعنفها لفظيًا:
-ليلة دخلتي يا .....؟!!
فيما تدخلت "أحلام" قائلة بمكرٍ، لتزيد من تعقيد الأمور عليها:
-كان عُدم مَرَته اللي عاشجاه إياك علشان تاجي إكده من غير إحم ولا دستور؟
تعمدت أن يبدو وجهها متقلصًا، فتوحي لمن يتطلع إليها أنها لا تزال تعاني من الألم، واستأنفت سكب الزيت على النار بكلماتها المسمومة:
-طب اختشي ده احنا لساتنا عرسان جداد، الناس تجول عننا إيه لما تشوف ضرتي داخلة علينا البيت كيف الحرامية لأجل ما تتجسسوا علينا!
ببساطةٍ نجحت في شحن "محروس" ضدها، ليندفع بهوجائية ناحيتها، ليزيقها من ألوان التعنيف والتقريع ما سيترك آثاره المكدومة على جسدها، كال لها من الضربات الموجعة على بدنها ما جعلها تصرخ وتستغيث، ولسان حاله يتوعدها:
-وجعة اللي جابوكي سودة النهاردة!
توسلته بأنينٍ وهي تخفي وجهها بكفيها لتحميه من بطشه الأعمى:
-بــــاه، حرام عليك يا سي "محروس"!
لكنه ظل على همجيته معها هادرًا:
-جسمًا عظمًا لأكسر عضمك.
تكومت على نفسها أرضًا، فركلها بقســوةٍ في بطنها، وفي ساقيها، لتبكي بكمدٍ وقهر وهي ترجوه:
-بكفياك يا سي "محروس".
ومع ذلك لم يكف عن إفراغ شحنة غضبه بها متوعدًا:
-إنتي لسه شوفتي حاجة!!
بينما تابعت "أحلام" بشماتةٍ جلية ما يجري نصب عينيها، شعرت وكأنها شفت غليلها منها، فهتفت بتأوهٍ زائف لتثير قلقه عليها:
-آآآآه.
توقف "محروس" عن تقــريع زوجته الأخرى ليهرع إليها ممسكًا بها من ذراعها وهو يسألها في وجلٍ:
-مالك يا مهجة جلبي؟
ادعت عدم اتزانها، واستندت على ساعده بيدها قائلة في صوتٍ واهن:
-مش جادرة، بطني عتموتني من الوجع، يا سي "محروس"، دخلني فرشتي لأجل ما ارتاح.
فما كان منه إلا أن انحنى قليلًا ليحملها بين ذراعيه، فألقت برأسها على كتفه، ليسألها في اهتمامٍ مبالغ فيه:
-أجيبلك ضاكتور من المركز؟
لترمقهما "وجدان" بنظرة تحوي كرهًا وبغضًا عظيمين وهي لا تزال ملقاة عند الأقدام تعاني من آلام تكسير عظامها، لتضيف "أحلام" في وداعةٍ زائفة، لتضمن بذلك سقوط زوجها في بئر خبثها العميق:
-أني عاخد أي مسكن وخلاص، بكفيانا فضايح على آخر الليل، وخليها تغور من إهنه.
سار بها عائدًا إلى غرفة نومهما وهو يمتدحها:
-بنت أصول يا تاج راسي.
ليتوقف للحظةٍ قبل أن يصدر أمره التالي لزوجته القديمة:
-اطلعي برا، وحسابنا بعدين، لما تطلع الشمش!
بالكاد تحاملت على نفسها لترفع ثقل جسدها المكدوم وتتزحف أرضًا نحو الباب، وهسيس صوتها يتوعد بغيظٍ وحنق:
-مش عفوت اللي عملتيه ده على خير!!
استندت على الكتلة الخشبية للباب لتتمكن من الوقوف، أدارت المقبض، وولجت إلى الخارج وهي تمشي بخطواتٍ عرجاء، لتتفاجأ بالخادمة تصفق الباب بعنفٍ ورائها، وكأنها تحمل وز شيءٍ آخر لم تقترف ذنبه من الأساس أثناء خروجها، سرعان ما أمسكت بالدرابزين لتدعم جسدها قبل أن ينهار، اشتدت قبضتها عليه مدمدمة في حقدٍ:
-وحَجْ كل ضربة علمت على جتتي النهاردة لهوريكي يا جالوس الطين!
.................................................
أقل ما يمكن وصف ليلته بها أنها أسطورية، لا مثيل لها، حيث ضمت صفوة رجال الأعمال، أناس لم يكن ليتخيل مطلقًا أنه سيلقاهم في حياته الفانية. أحس "راغب" بدفقاتٍ من الغرور والزهو تتسلل تحت جلده ليبدو كالطاووس منتفشًا ومنتشيًا وهو يصافح أصحاب السلطة والنفوذ أثناء مباركتهم له على زواجه من ابنة الحسب والنسب، فيما استغلت "نجاح" الفرصة لتتودد إلى سيدات المجتمع الراقي علها تنجح في الانضمام إليهن، ومشاركتهن اهتماماتهن ونشاطاتهن الاجتماعية، فتغدو واحدة منهن.
عادت بعد برهةٍ من التجول بين المائدات المستديرة لتقف بجوار ابنها الذي كان لا يزال جالسًا على الكوشة ليستريح بعد وصلةٍ لا بأس بها من الرقص مع عروسه المتألقة، جلست على طرف أريكته الفاخرة، ومالت عليه هاتفة في نشوةٍ وسعادة:
-الصراحة حماك ده طلع أبهة على الآخر، الفرح ده متكلف ألوف.
رد مصححًا وهو يلوي ثغره:
-قولي كام مليون، إنتي مش شايفة الديكورات، والناس اللي عازمهم، ده غير الفنانين والمطربين اللي جايبهم؟!!
طافت ببصرها على كل شبرٍ في قاعة الاحتفال، وعلقت في انبهارٍ:
-عندك حق، أهو ده النسب اللي يشرف.
انزعج من جملتها الأخيرة، وتساءل بقليلٍ من التجهم المعكوس على ملامحه:
-وهو أنا قليل؟
على الفور اتخذت موقفًا متحيزًا لصالحه، وردت بتحنانٍ أمومي يصيبه دومًا بالغرور:
-فَشَرت عينهم، هما كانوا يطولوا ياخدوا واحد زيك في شطارتك وذكائك؟
سرعان ما لاحت ابتسامة متعجرفة على ثغره، ومد يده ليربت على كفها المسنود على كتفه قائلًا:
-حبيبتي يا ماما.
استحثته على التحرك قائلة:
-يالا روح لعروستك ماتسيبهاش لواحدها، خليك متصدر المشهد.
أومأ برأسه مرددًا في طاعة قبل أن ينهض من موضعه:
-ماشي.
شيعته بنظرتها الفخورة وهو يعاود الانخراط بسلاسةٍ وسط ذلك المجتمع الأرستقراطي، مستعيدة رغمًا عنها ذكرياتٍ ليست ببعيدة عن زوجته السابقة، وما وصفته بلزاجتها أثناء سعيها الدؤوب لإرضاعها بشتى الطرق، على النقيض مع تلك العروس التي كانت تعاملها بجفاءٍ وتكبر، وكأنها لا ترتقي لتطلعاتها، فامتقع وجهها مهسهسة في تفاؤلٍ مشكوكٍ فيه:
-بكرة تقدرني، ما أنا أبقى حماتها.
....................................
ساعات الليل كانت أقسى عليه من النهار، وكأنها تتولى مهمة تأنيب ضميره، وتعــذيبه لاختياره الافتراق عنها، فخلالها استحضر كافة اللحظات الدافئة التي جمعتهما معًا. عجز "غيث" عن الاضطجاع على فراشه، أو حتى الاستلقاء على أريكته، فكل موضع وبقعة تذكره بها، اعتدل في جلسته متسائلًا بالتياعٍ، كما لو كان يُحادث طيفها المتجسد في الفراغ قبالته:
-كيف حالك دلوجيت؟
فرك وجهه بيده، وتابع في أسى:
-يا ترى مسمحاني ولا لساتك زعلانة مني؟
أرجع ظهره للخلف، وحرر تنهيدة مطولة من صدره معترفًا في ندمٍ صريح:
-كان غصب عني أفوتك، بس أني عايزك جاري برضاكي.
ليحني رأسه قليلًا مرددًا برجاءٍ:
-مسير ربنا يجمعنا تاني مع بعض.
رفع "غيث" يده للأعلى ليدلك بها فقرات عنقه، ضجر من بقائه يقظًا بلا شيءٍ جدي يفعله، فقال بنبرة عازمة:
-طالما مش جايلي نوم، خليني أتحمم وأروح الجامع أستنظر صلاة الفجر فيه.
ثم نهض من على الأريكة متجهًا نحو الدولاب، فتح الضلفة الخاصة به باحثًا عن جلبابٍ نظيف يبدل فيه ثيابه، فتفاجأ بوجود علبة من القطيفة ملفوفة بين طيات القماش، أمسكها بين يديه سائرًا نحو طاولة الزينة وهو يهم بفتحها.
توقف فجأة عن الحركة مبديًا تعبيرًا مدهوشًا للغاية، فقد وجد كل الهدايا الذهبية الثمينة التي تلقتها "دليلة" موضوعة بداخل العلبة، ضيق عينيه متسائلًا في قدرٍ من الحيرة:
-بــاه، بيعمل إيه الدهب ده وسط خلجاتي؟
لتبرق عيناه بصدمةٍ بعدما أدرك ذهنه حقيقة تواجده، وتحدث في ذهولٍ:
-لتكون فاتته!!
غمر وجهه ذلك التعبير المستاء، وقال بما يشبه الوعد وهو يعيد غلق العلبة ليضعها بشيءٍ من العصبية على طاولة الزينة:
-بجى إكده يا "دليلة"؟ ماشي، لينا عتاب عليه!
..................................
تمنى لو استطاع حفر كل لحظة مرت عليه هذا اليوم في ذاكرته للأبد، فبتوقيعه على عقد الزواج الرسمي مع سليلة أغنى العائلات، أصبح تلقائيًا ينتمي لتلك الطبقة المخملية التي تتحكم في مصائر البشر بنفوذهم اللا محدود وسلطاتهم القوية، لقد انتقل إلى عالمٍ لم يكن ليظن أنه ستطأه قدماه أبدًا.
التفت "راغب" ناظرًا إلى زوجته بنظرة متوهجة تعبر عن مدى انبهاره بالنقلة النوعية في حياته، وفجأة اقترب منها ومد ذراعيه نحوها ليحتضنها بقوةٍ، ثم أخذ يدور بها لعدة مرات حول نفسها وهي تضحك بدلالٍ، ليخاطبها في سعادةٍ كبيرة:
-أنا مش مصدق نفسي، حاسس إني طاير في السما.
توقف عن الدوران بها، وأنزلها لتقف على قدميها، لتطوق عنقه بذراعيها متسائلة في دلالٍ:
-مبسوط يا "راغب"؟
أجابها على الفور:
-إلا مبسوط، ده أنا زي ما أكون مسكت النجوم بإيديا.
بإصبعها ضربت في عنجهيةٍ على طرف ذقنه قائلة باستعلاءٍ:
-علشان تعرف احنا مين بالظبط.
لم يكترث برنة الغرور الظاهرة في نبرتها، وتغزل بحُسنها قائلًا:
-هو أنا كنت أطول أخد القمر في حضني؟
وشدد من ضمه لها ليحتويها أكثر، ومال ناحيتها هامسًا في حرارة:
-مش يالا بقى.
تفاجأ بها تبدي عزوفها المريب عن تودده المحسوس بقولها وهي تحاول التملص من حضنه:
-أنا تعبانة ومش قادرة أعمل حاجة.
رفض تحريرها، وازداد إصرارًا على التمتع بقربها الدافئ، فهمس لها بلوعة المشتاق لعلها تتجاوب معه:
-وأهون عليكي تسيبني كده متعذب؟
وتلمس منحنى عنقها بشفتيه مانحًا إياها قبلة صغيرة، ازدادت عمقًا بالتدريج، فتأوهت بخفوتٍ، ليأتيها صوته الهامس وهو يرجوها أن تسمح له بالولوج إلى جنتها:
-حني عليا يا "دودي"؟
استمتعت بتمنعها عليه، ورفضت تسهيل الأمر عليه، فقالت في تسليةٍ:
-بكرة ولا بعده يا "راغب"!
هتف بتذمرٍ وهو يغرق كتفيها بالمزيد من القبلات الحارة:
-مش هقدر أصبر كل ده.
كركرت ضاحكة في ميوعةٍ، وتدللت عليه قائلة:
-مستعجل على إيه بس؟ ما احنا أعدين هنا أسبوع، يكون بابا جهز التأشيرات ونسافر كام يوم برا.
انتشى لكلامها الأخير، واعترف بعفويةٍ:
-تعرفي دي أول مرة أطلع فيها برا البلد.
رمقته بهذه النظرة الواثقة وهو تداعب طرف أنفه بإصبعها:
-معايا هوديك كل مكان تحلم إنك تزوره.
ليستغل الفرصة ويختطف قبلة سريعة من على شفتيها قبل أن يهمس:
-بحبك.
ابتسمت له ابتسامةٍ صغيرة، فكرر الأمر متعمدًا تعميق قبلته لينتقل تأثيرها القوي إلى خلاياها الكامنة فتشتعل بالرغبة، وتمنحه ما يريد، بضعة لحظاتٍ أخرى وهي في أحضانه يلاطفها بكل ما لديه من قدرات أذابت حواجز الجليد، ليحملها برفقٍ نحو الفراش، مكملًا ما بدأه معها بحماسٍ وشوق.
في خضم اندماجه تفاجأ "راغب" بما لم يتوقع حدوثه، فأدرك أن هناك خطب ما بزوجته، فليس بها حياء العروس الخجلة المترددة التي تمر بتجربتها الأولى، بل كانت تبدو مخضرمة للغاية، محترفة بدرجة مرعبة، والأدهى من ذلك أنها على دراية واسعة بما يدور بين الزوجين وكأنها تجيد الأمر، ناهيك عن دليل العفة الذي طُمس ولم يكن موجودًا من الأساس.
تراجع عنها ناظرًا إلى الملاءة النظيفة تارة، وإليها تارة أخرى وهو يسألها بملامحٍ مظلمة، ونبرة مُدينة:
-إيه ده؟
تغنجت بجسدها وهي تستلقي على جانبها على الفراش متسائلة ببرودٍ:
-في إيه؟
ليصيح معترضًا على عدم مبالاتها المستفزة:
-إنتي اللي في إيه؟
داعبت خصلات شعرها المسترسلة على الوسادة وهي ترد بغير اكتراث:
-مش فاهمة!
لتثور الدماء في عروقه وتتصاعد إلى رأسه، فانقض عليها ممسكًا بها من رسغها ليجبرها على النهوض وهو يوجه لها سيل اتهاماته الصريحة:
-اعملي مستعبطة فيها، مش المفروض أنا جوزك؟ ودي دخلتنا؟ إزاي إنتي كده؟ فين الـــدم؟
ابتسمت له بسخافةٍ، وردت وهي تضرب بإصبعها على طرف ذقنه:
-عادي، ما تكبرش الموضوع يا بيبي!
ضرب بقسوةٍ إصبعها الذي يغيظه ويستفزه في نفس الآن، وصاح في غضبٍ أكبر:
-هو إيه ده اللي عادي؟ ده شرفي يا بنت الـ.. الأكابر!
أطلقت ضحكة رقيعة معتبرة ما قاله شيئًا ساخرًا يستحق الاستهزاء به، وردت بتبلدٍ:
-يا عزيزي Take it easy
لم يتقبل عقله حقيقة خداعه، وصاح في استنكارٍ جلي:
-أنا متجوزك بنت بنوت، واللي شايفه غير كده!
هزت كتفيها في غير مبالاة، ليشتاط غضبًا، فاشتدت قبضته الممسكة برسغها وهو يلومها:
-ولا تكوني مفكراني مغفل وهتضحكي عليا؟!
شعرت به يعتصر معصمها، فتلوت من الألم، وردت عليه في سماجةٍ جعلت حمئته الذكورية تستنفر على أقصى درجاتها:
-أنا لو كنت عايزة أضحك عليك، كنت عملت عملية ورجعت زي الأول بالظبط...
برقت عيناه واتسعتا على الأخير، خاصة وهي تكمل وصلة اعترافاتها بغير ندمٍ أو مواربة:
-وبالمناسبة دي سهل تتعمل، وإنت مكونتش هتحس بالفرق، بس أنا متجوزاك لمزاجي، واحد عاجبني، صنف مختلف عني، ماجربتوش قبل كده، فليه مجربش معاك؟
لم يطق بذاءة لسانها، ورفع كفه الآخر عاليًا ليهوي به على وجهها صافعًا إياها بقوةٍ وهو يعنفها بحنقٍ كبير:
-إنتي بتقولي إيه؟ بتبرري غلطك يا فـــاجرة؟!!
أحست بومضة فجائية تسطع في عقلها من شدة الصفعة، وانتفضت تصرخ في وجهه بغيظٍ:
-إنت بتمد إيدك عليا؟ فوق لنفسك يا حيـــوان!
عاود صفعها بقسوةٍ أعنف وهو يهينها:
-ده أنا هطلع ميتين أهلك، بقى أنا تستغلنيني يا ......!!!
لكنها أمسكت بيده قبل أن تطالها هادرة بنبرة مزجت ما بين التحذير والتحقير:
-لأ عندك، ماتنساش نفسك يا جـــربوع، ده لولايا مكونتش تحلم تخش جنتي.
أرخى أصابعه عن معصمها، وتراجع عنها، وكأنه يشمئز من لمستها المدنسة بخيانتها، ليرد عليها متحديًا تحذيرها بتهديدٍ سافر:
-ده أنا هخلي حياتك جحيم وأفضحك يا ســافــلة قبل ما أطلقك.
قابلت ما فاه به باستخفافٍ، وضحكت هازئة منه قبل أن تقول بهدوءٍ:
-بجد؟ أد كلامك ده؟ ولا إنت ناسي المؤخر اللي ماضي عليه؟
غامت نظراته بوضوحٍ، فأصابت هدفها، لتكتف ساعديها أمام صدرها مكملة في ثقةٍ:
-ده غير حاجات تانية جايز ماتكونش واخد بالك منها!
زوى ما بين حاجبيه متسائلًا بصوتٍ محموم:
-تقصدي إيه؟
ردت عليه باسمة:
-فكرك إنت مضيت على ورق جوازنا بس؟ تبقى أهبل!
اختفى لون وجهه، وبات مبهوت التعبيرات، خاصة وهي تخبره حقيقة ما تعرض له:
-دادي لبسك كل مصيبة مكانش لاقي ليها مخرج، بكلمة واحدة منه مش هينسفك إنت وأهلك!
كز على أسنانه مدمدمًا:
-أه يا بنت الـ....
خفضت ذراعيها، ورفعت فقط سبابتها لتحركها أمام وجهه محذرة في غطرسةٍ:
-بلاش تغلط، ده لو مش عايز تخسر يا بيبي وتنام على الـ...
توقفت للحظة عن الكلام كأنما تفكر فيما تريد قوله، قبل أن تتم جملتها:
-افتكرت .. تنام على البورش.
كظم غضبه المستعر فيه مرغمًا، فقد تفجرت كافة الحقائق في وجهه، وأصبح تحت رحمة من يفوقونه قوة وقدرة. تهادت "فادية" في مشيتها المتدللة وهي تسير نحو الحمام الملحق بجناحهما الفندقي، لتأمره في صفاقةٍ:
-يا ريت تاخد هلاهيلك دي معاك وتطلع تنام برا، عايز أخد شاور وأرجع أنام في هدوء، والصبح هنتحاسب على قلة أدبك معايا يا ... بيبي.
وقتئذ أدرك "راغب" بكامل وعيه وجوارحه أنه أخفق في اختياره هذه المرة، وما نَجِم عنه من إنهاء مسيرته المهنية، وأيضًا مستقبله المشرق، كور قبضته، وضرب بها بعنفٍ على الحائط مدمدمًا مع نفسه في غلٍ وغضب:
-إزاي وقعت في الفخ ده؟ إزاي ..................... ؟!!!!!
