رواية اسيرة زعيم المافيا الفصل السابع
حين يصبح القلب هدفًا..
لم يكن القصر يعرف النوم.
الجدران التي كانت يومًا شاهدة على صفقاتٍ سرية، صارت الآن شاهدة على حربٍ خفية تُخاض بصمتٍ قاتل.
جلست ليان في جناحها، تحدّق في الظلام خارج النافذة، بينما عقلها يعيد مشهد الطريق، حين وقف سليم أمامها كجدارٍ من فولاذ، يعلن للعالم أنّ الاقتراب منها إعلان حرب.
لم تستطع أن تفهم ما الذي تغيّر.
سليم الذي عرفته كان رجلًا لا يسمح للعاطفة أن تتسلل إلى قراراته.
لكن الرجل الذي رأته تلك الليلة… كان مختلفًا.
طرقات خفيفة على الباب قطعت أفكارها.
"تفضّلي."
دخل آدم، ملامحه متوترة أكثر من المعتاد.
قال بهدوء:
"سليم يريد رؤيتك."
نهض قلبها قبل جسدها.
في غرفة سليم، كانت الإضاءة خافتة، والستائر نصف مغلقة، وصوت المدينة بعيدًا كأنّه يأتي من عالمٍ آخر.
كان يقف أمام الطاولة، يتفحّص ملفاتٍ كثيرة، لكن عينيه لم تكن على الأوراق.
حين دخلت، رفع رأسه ببطء.
قال بصوتٍ منخفض:
"اجلسي."
جلست مقابله، وبينهما مسافة تكفي لتذكيرها بأنه لا يزال زعيم المافيا… مهما بدا مختلفًا.
قال فجأة:
"هل ندمتِ لأنك بقيتِ؟"
تفاجأت بالسؤال، ثم قالت بصدق:
"لا أعلم."
ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم قال:
"الندم في هذا العالم رفاهية."
سادت لحظة صمت، ثم أضاف بصوتٍ أكثر جدية:
"هناك شيء يجب أن تعرفيه."
رفعت عينيها إليه.
"رائد الحربي ليس خصمًا عاديًا."
"أعلم."
"هو لا يريد السيطرة فقط… هو يريد كسر من يقف أمامه."
ترددت، ثم قالت:
"وأنا؟"
نظر إليها طويلًا، ثم قال:
"أنتِ نقطة ضعفي الوحيدة التي يعرفها الآن."
توقّفت أنفاسها.
في تلك اللحظة، دوّى صوت انفجارٍ بعيد.
اهتزّت النوافذ قليلًا.
نهض سليم فورًا، أمسك جهاز الاتصال.
"ما الذي يحدث؟"
جاءه الرد سريعًا:
"محاولة اختراق من الداخل… أحدهم عبث بالنظام الأمني."
اتّسعت عينا ليان:
"من الداخل؟"
قال سليم ببرودٍ قاتل:
"الخيانة دائمًا تأتي من الداخل."
في الممرات، كان الرجال يتحرّكون بسرعة، والإنذارات صامتة لكنها فعّالة.
قال آدم وهو يركض خلف سليم:
"لدينا مشتبه به… أحد أفراد الحرس القديم."
توقّف سليم فجأة.
"الحرس القديم؟"
"نعم… من الذين رافقوك منذ البداية."
لم يتغيّر وجهه، لكن في عينيه شيءٌ يشبه الألم المكبوت.
قال بهدوء:
"خذوني إليه."
في غرفة الاحتجاز، كان الرجل جالسًا، يده مقيدة، ونظراته مترددة بين الندم والتحدّي.
دخل سليم، وليان خلفه.
نظر الرجل إليه وقال بصوتٍ متحشرج:
"لم أكن أظن أنك ستكتشف."
قال سليم بهدوءٍ مخيف:
"ولم أكن أظن أنك ستبيعني."
قال الرجل بمرارة:
"أنت تغيّرت يا سليم. أصبحت ضعيفًا."
رفعت ليان رأسها.
سأل سليم بهدوء:
"ضعيفًا لأنني اخترت حماية شيء؟"
ضحك الرجل بسخرية:
"لأنك اخترت امرأة."
ساد الصمت.
اقترب سليم خطوة، وقال بصوتٍ منخفض:
"أخطأت في الحساب."
"كيف؟"
"لأنك ظننت أن المرأة نقطة ضعف… ولم تفهم أنها أصبحت سبب بقائي."
تجمّد الرجل.
خرجت ليان من الغرفة وقلبها يرتجف.
لم تتوقّع أن تسمع اعترافًا بهذه الصراحة.
وقف سليم بجانبها في الممر، وقال بهدوء:
"لا تستمعي إلى كل ما يقال هنا."
نظرت إليه، وقالت بصوتٍ خافت:
"لكني سمعت ما يكفي."
التفت إليها، وكانت عينيه تحملان شيئًا يشبه الاعتراف الصامت.
قال:
"ليان… هذا العالم يقتل كل من يحب."
قالت بثبات:
"وأنت؟"
نظر إليها طويلًا، ثم قال:
"أنا تعلّمت أن أقتل العالم قبل أن يقتلني."
ثم أضاف بصوتٍ أخفض:
"لكن معك… لا أريد أن أكون قاتلًا."
في تلك الليلة، لم تستطع ليان النوم.
خرجت إلى الشرفة، فوجدت سليم هناك، يقف وحده، يحدّق في المدينة.
اقتربت منه.
قال دون أن ينظر إليها:
"هل أنتِ خائفة؟"
أجابت بعد لحظة:
"نعم."
قال بهدوء:
"الخوف طبيعي."
"لكن ليس منك."
التفت إليها.
"ومن؟"
"من نفسي… لأنني بدأت أهتم."
نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوتٍ عميق:
"الاهتمام في هذا العالم إعلان حرب."
قالت بابتسامة حزينة:
"وأنت أعلنتها بالفعل."
اقترب خطوة، لكنّه توقف، كأنّه يخشى أن يلمس الحقيقة أكثر مما يجب.
قال بصوتٍ خافت:
"ليان… لو طلبت منكِ الرحيل الآن، هل ستفعلين؟"
فكّرت قليلًا، ثم قالت:
"لا."
نظر إليها بدهشة خفيفة.
"لماذا؟"
"لأنك لن تطلب ذلك إن لم يكن الأمر مهمًا."
صمت، ثم قال:
"وهذا هو الخطر."
وفي زاوية القصر، كان شخص آخر يراقب عبر شاشة صغيرة.
رائد الحربي.
ابتسم وهو يشاهد بثًّا حيًا.
قال بصوتٍ هادئ:
"وجدت قلبه."
ثم أضاف:
"وحين نجد القلب… نضغط عليه حتى يتوقف."
وفي تلك اللحظة، كانت ليان تقف بجانب سليم، لا تعلم أنّ وجودها أصبح السلاح الأقوى ضدّه،
ولا تعلم أنّ الحرب القادمة لن تكون على السلطة…
بل على قلب زعيم المافيا نفسه
