رواية جمر الجليد الجزء الثالث الفصل الثامن
بعد مرور يومين، وما زالت على هذا الحال، تتهرّب من نبيلة كلما تحدثت معها عن مهاتفته، وكأن البُعد قد طال، وأن عليهما أن يتركا أمورهما لتدبير الله.
هتفت لها سيلا:
ـ عارفة والله يا ماما، وأنا فعلًا هكلمه، بس كنت بهدّي نفسي لأني كنت متوترة أوي، هكلمه النهارده، هصلي العصر الأول، وأصلي استخارة تاني، وأكلمه بعدها على طول. مش عارفة من غيركم كنت عملت إيه بجد.
دعت لها نبيلة بتيسير الحال:
ـ يا حبيبتي يا بنتي، ربنا يجعل طريقك متيسّر يا رب.
بعد انتهائها من الصلاة، أمسكت هاتفها بأيدٍ مرتعشة، وطلبت رقمه، ووضعته على أذنها حتى كتمت أنفاسها اللاهثة، وعندما سمعت صوته الرجولي وأنفاسه التي كثيرًا ما اشتاقت إليها، تحدثت بنبرة مهتزة، قريبة إلى البكاء:
ـ ألو… عاصم!
صامت، يستمع إلى أنفاسها اللاهثة فقط، وهي تسمع صوته العالي، فهتفت بنبرة متقطعة بين كل كلمة والأخرى بهدوء:
ـ واحشتني… أوي… أرجعلي… من غيرك… أنا حزينة، مش بنام الليل، مكسورة… عاوزة قربك، متغبش عليّا، مستنياك… ألو.
وعندما طال صمته، نظرت إلى الهاتف لتتأكد أنه ما زال على الخط، لم تكن تسمع سوى صوت أنفاسه.
هتفت برجاء يكاد يكون توسلًا:
ـ سامعني يا عاصم؟ قول أي حاجة، عشان خاطري، قول إنك راجع… ألو!
أخيرًا ردّ، بصوت بالكاد خرج منه، قبل أن يُغلق الخط:
ـ صعب الرجوع دلوقتي.
نظرت إلى الهاتف بدهشة، لما فعل؟ أغلق الخط بوجهها هكذا؟ أهذه النهاية؟ هل انتهت قصتهما بهذه السرعة؟ لم تصدق ما سمعته، ما هو الصعب؟
جلست على الفراش، تفاجأت، لم يكن هذا في حساباتها. كانت قد ألّفت بعقلها العديد من الردود، لكن لم يخطر ببالها تلك الكلمة أبدًا.
أجهشت في البكاء، وخبّأت نفسها تحت الوسادة حتى لا يشعروا بنحيبها.
وبعد قليل، مسحت دموعها، وعزمت على إرجاعه بمعرفتها، وتذكرت كلمة نبيلة لها:
“الزوجة الشاطرة تعرف إزاي ترجع جوزها ليها.”
فعزمت على تنفيذ شيء ما.
خرجت إلى الخارج، وجلست معهم تشاهد التلفاز، لكنها لم تكن ترى ما يُعرض أمامها، فعقلها مشغول بتدبير شيء ما.
وكزتها مي عندما لاحظت شرودها وانتفاخ جفونها:
ـ ها ها، كلمتيه ولا إيه؟ مال وشك كده؟ في حاجة حصلت؟
نظرت لها سيلا وهزت رأسها بنعم.
ـ ها وبعدين؟ قالك إيه؟ أكيد مبسوط إنه سمع صوتك وطار من الفرحة، صح؟ أو يمكن نلاقيه وصل كمان هنا، قولي بقى، قالك إيه؟
بتبصلي كده ليه؟ كنتي بتعيطي ولا إيه؟
ضحكت بسخرية من حديثها، ثم صدمتها:
ـ قفل في وشي بعد ما قالي “صعب الرجوع”.
بلعت الأخرى ريقها في صدمة:
ـ هااا؟ قالك إيه؟! ما سمعتش! إيه؟
هزت سيلا رأسها بتأكيد:
ـ آه، فعلاً قفل في وشي. إيه؟ أغنيها لك؟! وقالي “صعب”! أيه بقى، خلاص.
حزنت مي عليها لكنها طمأنتها:
ـ مش تستسلمي برضو، أوعي توقفي. هو كان نفسه طويل معاكي، فاكرة وقت رفضك للعلاج وهروبك ويأسك؟
عمره ما تخلى عنك وسابك، بالعكس، كان دايمًا قريب منك.
ـ ومين قال إني هستسلم؟ أنا في دماغي حاجة كده بفكر فيها، بس بشوف أعملها إزاي لوحدي.
ـ حاجة إيه؟ قوليلي، يمكن أساعدك.
قالت سيلا وهي تفكر في كلام مي:
ـ بفكر أشوفه، وأعرف فين قاعد الأول، وأروحلُه، أعمل مفاجأة… بس أسأل مين يكون ثقة وما يبلغوش إني رايحة له، تفتكري مين؟
بعد قليل من التفكير، تحدثت مي:
ـ اسألي وليد… أو كلمي همسة أختك واسأليها.
ثم صمتت للحظة، قبل أن تتذكر شيئًا:
ـ آه، صحيح! كلمتني، بس انشغلت في كام حاجة كده ونسيت أرد عليها… اعتذريلي نيابة عني.
هتفت سيلا بسعادة:
ـ هقولها حاضر… بس فكرة برده، هشوفها كده وأكلمها. أنا كلمتها أول ما وصلت، طمّنتها عليا عشان متقلقش. المهم، هقوم أعمل اتصالاتي يا موزتي، باي!
دخلت غرفتها مرة أخرى وبدأت في مهاتفة أختها:
ـ حبيبتي، عاملة إيه دلوقتي؟ كلمتك امبارح، كان الخط مغلق.
تحدثت سيلا بعدها:
ـ الحمد لله، أحسن من الأول… أنتي عاملة إيه؟ وهمس الصغنن العسل ده؟ وحشاني أوي البنت دي… ووليد عامل إيه؟
ردت أختها:
ـ كلنا بخير، نعمة وفضل من عنده. إنتي هترجعي بيتك إمتى يا سيلا؟ مهما كان بينكم، أوعي تسيبي بيتك.
ردت سيلا بعد تنهيدة حزينة:
ـ مش قادرة أقعد في مكان هو مش فيه… المهم، قوليلي، وليد عندك؟ عاوزة أسأل عن حاجة كده.
هتفت أختها بفضول:
ـ وليد؟ لا، مش هنا، في الشغل… لسه مجاش، هييجي بليل. بس قوليلي، إيه الحاجة اللي عاوزة تعرفيها؟
قالت سيلا بتوتر:
ـ أحم… يعني كنت عاوزة أعرف مكان عاصم فين، قولت يمكن وليد يعرف… من غير ما تقولي له إني سألت وكده… فاهمة؟
ضحكت الأخرى بمكر:
ـ أيوه بقى يا جامدة! هقولك أنا فين من غير ما نحتاج لوليد أصلًا! بصي، سمعت وليد بيكلم أخوه من يومين عن حاجة في الشغل عندهم، وسمعته بيقوله وبيأكد عليه: “خلاص، سيب عاصم يقابل الفوج الجديد اللي جاي من روسيا عندكم”.
“عندكم” دي… يبقى أكيد هو في الغردقة! شوفتي؟ نبهتك يا سولي!
قهقهت سيلا لشقيقتها وقالت:
ـ طبعًا يا قلبي، منحرمش منك أبدًا يا روحي! هكلمك تاني لما أسافر، بس ما تجيبيش سيرة لحد، حتى لوليد… ماشي؟ بحبك أوي، هقفل عشان أجهز نفسي… سلام!
صفّقت بسعادة لقرب تنفيذ خطتها، ونهضت لتبلغهم بقرار سفرها.
وجدت مي تنتظرها بفارغ الصبر، فتوقفت أمامها بلهفة وهتفت:
ـ عرفتي مكانه؟
هزّت رأسها بنعم، وابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيها، ثم جذبتها من ذراعها وجلسوا:
ـ في الغردقة… موجود في فندقهم. تيجي معايا؟ إيه رأيك تمدي أجازتك يومين كمان؟ بس بـليززز!
قالتها سيلا بترجّي لصديقتها.
زفرت الأخرى، ومسحت على جبينها بيدها، وانكمش وجهها بضيق، ثم هتفت:
ـ كان نفسي بجد أسافر معاكي… لكن صعب أوي، لأني أكيد هقابله هناك، وأنا مش مستعدة خالص أرجع لنقطة الصفر من تاني. بحاول أقوّي نفسي، فاهماني؟
فهمت سيلا ما تعانيه، لكنها اندهشت من معرفتها بمكانه، فسألتها:
ـ وانتي عرفتي منين إنه موجود هناك؟
ردت مي بهدوء:
ـ أبدًا، أخويا كان عنده مؤتمر في الغردقة الأسبوع اللي فات، وشافه… بس هو مخدش باله، عقله كان غايب… أستغفر الله، طالع من ديسكو ومعاه مشروب وبنت أجنبية.
صُدمت سيلا من الكلام:
ـ معقولة؟ معتز؟ مش مصدقة… عشان كده عاصم شبه مقاطعه!
تحدثت الأخرى بألم:
ـ أنا مش متخيلة إني كنت موهومة فيه، وصدّقت إنه بقى شخص جديد وتاب بجد… قد إيه انخدعت فيه!
ومش عارفة إزاي سايبينه، ده عاصم من ممتلكاته خط أحمر، فاكرة؟ اللي يقرب من أخواته يدمره… ليه سايبه كده؟ وولاد عمه فين كمان؟
زفرت سيلا بضيق ثم تحدثت:
ـ عاوزة أقولك إن عاصم وصل بيه الحال إنه ضربه علشان يفوق من اللي هو فيه، وولاد عمه، وليد وعامر، محدش سابه، بس هو شاط فيهم، مش عاوز حد جنبه خالص…
مش فاهمين في إيه وليه بيعمل كده… للأسف، معتز اتغير…..
