رواية جمر الجليد الجزء الثالث الفصل التاسع
لاحَت على وجه مي ابتسامة جانبية تهكمية:
ـ مش عاوزة أعرف عنه حاجة، أنا كويسة كده، وهعدي، وهقوي نفسي من غيره. سيبك مني، سافري إنتِ، والْحقي نفسك، وتمسكي بحبكم، وارجعولنا.
هقوم أنا لماما جوه، وأقفل الشنط بتاعتنا، دي هتفرح لك أوي.
شردت سيلا في شيء ثم قالت:
ـ بفكر الأول أنزل أشتري هدية كده… تنزلي معايا طيب بدل ما أنزل لوحدي؟
ـ أكيد طبعًا، بس قوليلي هتمشي إمتى؟ نمشي على سكتك بالمرة أنا وماما.
ردت عليها سيلا:
ـ همشي بكرة الصبح، هركب سوبر جيت، هروح أحجز لما ننزل.
نهضت مي:
ـ طيب يلا، الوقت لسه معداش سبعة، هروح أقول لماما وننزل نروح المول اللي بره الشارع ده… شُفته لما هيثم جابنا هنا.
ـ تمام، يلا، وأنا كمان هقوم ألبس.
صباحًا، وصلت إلى الغردقة، وداخلها مشاعر غريبة: حماس، حب، اشتياق، لوعة، وعتاب.
تريد رؤيته أولًا، ثم تُعنّفه وتُعاتبه وتغضب منه، قبل أن تختبئ داخل أحضانه مرة أخرى.
اتجهت إلى الفندق الخاص بهم، ووقفت أمام الريسبشن، لكن الموظف كان منشغلًا مع بعض الزوار، فانتظرت حتى ينتهي من عمله معهم.
نظرت حولها تتأمل المكان، فقد أطالت فترة تواجدها فيه منذ زمن.
لفت نظرها من يشير لها بيده ويبتسم، ويتجه نحوها بدهشة.
توقف مقابلها وتحدث:
ـ مش معقول! سيلا عندنا؟ وأنا أقول الفندق منوّر ليه كده؟ عاملة إيه؟
قالت سيلا بابتسامة رقيقة:
ـ ده منور بأصحابه. أخبارك إيه؟ رودينا والبنات عاملين إيه؟
ـ الحمد لله والله، كلنا زي الفل. المهم، إنتي جاية في شغل ولا إيه؟
ابتسمت له بتوتر ظاهر، وهزّت رأسها نفيًا:
ـ لأ، جاية أشوف عاصم… عاملة له مفاجأة وكده، وكنت لسه هسأل عن رقم الغرفة.
ـ ربنا يخليكم لبعض يا رب! وعشان مفاجأة دي بقى، اتفضلي ده…
أخرج من جيبه كارتًا خاصًا يُفتح به أي غرفة وأعطاها لها:
ـ ده ماستر كِي، هيفتح معاكي غرفته، هو قاعد في أوضة رقم 999.
أخذته منه شاكرة:
ـ متشكرة جدًا يا عامر، خلينا نشوفك بقى، إنت، رودينا، والبنات، نفسي أشوفهم أوي.
ـ أكيد قريب إن شاء الله. أسيبك عشان عندي فوج على وصول.
تركته وذهبت تقصد غرفته.
أخرجت من حقيبتها علبة ملفوفة بطريقة رائعة.
أصبح قلبها ينبض بشدة، وتُقسم أن من يمر بجانبها قد يسمع دقاته.
حاولت أن تهدأ قليلًا.
توقفت خارج الجناح، ثم مرّرت الكارت بين فتحتي الباب، فانفتح معها، وبيدٍ مرتعشة دفعته.
فتحته متحمسة لرؤيته ولردّة فعله عندما يجدها أمامه.
تقدّمت إلى الداخل بهدوء شديد، تنظر حولها باحثة عنه.
الغرفة كانت مظلمة وهادئة.
فجأة، استمعت إلى صوت دربكة باتجاه الباب الداخلي…
كان الجناح كبيرًا جدًا، يبدأ بصالة واسعة تحتوي على كنبة وطاولة وشازلونج، وشرفة تطل على حوض السباحة، أما غرفة النوم فلها باب خاص.
تقدّمت بخطوات تكاد تكون منعدمة بسبب انقباض قلبها، ثم مرّرت الكارت مرة أخرى وفتحته ببطء.
اتّسعت عيناها على ذلك المشهد المريع…
زوجها وامرأة أخرى بين أحضان بعضهما، في مشهد غرامي مثير يهتز له البدن.
صُعقت مما رأت، وظل عقلها يترجم ويحلل:
أهذا هو عاصم؟ شريك دربها؟
أمامه، عاري الصدر، بأحضان امرأة أخرى!
لهذا رفضها؟
أم استغل تلك الفرصة لينعم برفقة النساء؟!
بعد لحظات من الصدمة، استعادت وعيها وعادت إلى رشدها، تراجعت بخطوات مرتعشة إلى الخلف،
ماتت الكلمات في حلقها، شُلّت حواسها، قُـ,ــ,ـتل كل شيء حولها،
لم ترَ سوى ذلك المشهد أمام عينيها.
عقلها توقّف في تلك اللحظة.
أصبحت الدنيا ضئيلة، خانقة.
حبست دموعها، فالوقت ليس للبكاء.
لقد أنهى حياتهما بلا رجعة.
بالفعل، كما قال… صعب؟ لا، بل مستحيل.
هرولت بكل ما أوتيت من قوة،
ظلت تركض وتتصادم مع من يقابلها، لم تلتفت إلى الخلف.
رآها عامر، وكان واقفًا مع الفوج الجديد،
شاهد ركضها السريع وانهيارها، ثم لمح عاصم يهرول خلفها.
توقف عامر باستفهام:
ـ عاصم، فيه إيه؟ إيه اللي حصل بينكم؟!
كان عاصم يلهث بصعوبة، وقد ضاع أثرها،
نفخ بضيق، شدّ على شعره، وكوّر قبضته بغضب:
ـ إيه اللي جابها دلوقتي؟! يا ربي، مين اللي عطاها كارت الجناح؟!
ردّ عامر بعدم فهم:
ـ أنا يا عاصم! في إيه؟! قالتلي إنها عاملة لك مفاجأة، وأعطيتها الكارت…
إيه اللي حصل لكل ده؟!
هدر صوته عاليًا في وجهه:
ـ إنت مش فاهم حاجة خالص! لازم ألحقها بسرعة!
تركه وركض إلى الخارج يبحث عنها،
حاول مهاتفتها، لكن دون جدوى.
هتف وهو يشد على شعره بعنف:
ـ يا ربــــي!
عاد إلى جناحه وجلس على الفراش بألم،
الآن فقط شعر أن ظهره قد انقسم،
وأصبح الرجوع شبه مستحيل بعد أن رأته بهذا الشكل.
أغمض عينيه بوجع، يتخيل هيئتها وصدمتها،
كيف لم تستطع حتى الحديث أو إصدار أي ردّ فعل؟!
نهض فجأة يصرخ بأعلى صوته،
أخذ يكسّر كل شيء أمامه،
أصبح كالثور الهائج، من يقف أمامه يقـ,ــ,ـتله من فرط الغضب.
أمسك بأنتيكة موضوعة على المنضدة،
قذفها نحو المرآة،
تحطّمت لأجزاء صغيرة، وصورته فيها مكسورة كحال قلبه الآن.
جثا على ركبتيه بضعف،
والجناح من حوله أصبح أنقاضًا،
ثم أجهش ببكاء مرير.
من قال إن دموع الرجل ضعف؟
بل هي من شدة الفقد،
فأشد فراق هو فراق الروح للجسد…
وهي كانت روحه.
والآن… لم يتبقَّ سوى جسدٍ بلا روح.
أما سيلا، فلم ترَ أمامها شيئًا،
فقط تركض بلا هدف،
عبراتها تتساقط كالشلال،
تحاول أن تمحو من عقلها ما رأته عيناها.
أجهشت ببكاء مرير حتى انعدمت رؤيتها،
وزاد ركضها أكثر وأكثر،
تريد الابتعاد قدر الإمكان،
ولم ترَ تلك السيارة المسرعة التي أمامها.
أخذتها بكل رحب وسعة،
قذفتها لأعلى مسافة،
ثم سقطت على الأرضية…
صبغتها بلون الدم،
وأصبحت بلا حراك.
…
“جهاز الصاعق بسرعة القلب وقف. الحالة بتضيع منا.”
هاتف شخص آخر: “الضغط واطي.”
رد طبيب آخر: “الأكسجين بدأ يقل.”
كانت هذه كلمات ألقاها الأطباء داخل غرفة العمليات، محاولة منهم لإنقاذ فتاة تعرضت لحادث سير. استغرقت العملية أكثر من ست ساعات لوقف نزيف المخ، علاج كسور في قدميها، ورضوض في رأسها، وتم خياطة اثنين وعشرين غرزة، قبل أن تدخل في غيبوبة.
خرج طاقم الأطباء بعد إتمام واجبهم المهني لإنقاذها، فهتف أحد الأطباء إلى الممرضة التي كانت بالخارج:
ردت الأخيرة: “جاية في حادثة عربية والشرطة أخدتها القسم بعد ما وصلت هنا.”
قال الطبيب: “تمام، ماشي. شوفي معاها أي ورق أو أي حاجة تثبت هويتها، وتواصلي مع حد من أهلها علشان يحضروا. حالتها صعبة أوي.”
…
في الجهة الأخرى، حاول مهاتفته، لكن دون جدوى؛ الهاتف مغلق.
في اليوم التالي، نزل إلى مصر، لم يعرف ماذا يفعل أو من يسأل. توجه إلى منزل وليد عله يجد عنده ما يساعده. ما إن فتح الأخير الباب، حتى صُعِق من هيئة ابن عمه المزرية. أدخله بسرعة، وكان الآخر يلتفت حوله بعينيه الزائغتين، يريد فقط أن يطمئن عليها أو يراها ليطمئن قلبه. لكنه كان يعلم أنها ليست بخير.
هتف وليد، عندما شاهد شحوب وجهه: “عاصم، أنت كويس؟ شكلك تعبان. حد حصل له حاجة؟”
سأله وليد، والفزع على وجهه، ثم…
