رواية خلف زجاج النظارة الفصل التاسع
سقط قاسم كجثة هامدة بعد تلك الضربة القوية على رأسه. التفتت همس بذعر لترى من أنقذها، لتجد منار تقف وخلفها قطعة حديدية سقطت من يدها المرتعشة. كانت أنفاس الأم متقطعة، وعيناها تفيضان بالدموع وهي تنظر لابنها الملقى أرضاً.
— "منار! أنتي.." همست همس بذهول.
صرخت منار وهي تدفع همس نحو الباب:
— "اهربي يا همس! اهربي بسرعة! مش هسمح لابني يبقى قاتل ويروح لحبل المشنقة.. اجري يا بنتي قبل ما يفوق، قاسم مابقاش قاسم اللي نعرفه.. الشيطان ركبه!"
لم تنتظر همس ثانية واحدة؛ ركضت بكل ما أوتيت من قوة نحو المجهول.
تيه في جوف الليل
خرجت همس إلى الطريق الصحراوي، كان الجو "معتماً" لدرجة مرعبة، والرياح تصفّر في أذنيها كأرواح تطاردها. تعثرت قدماها في الرمال والحجارة، بكاؤها لم يتوقف وهي تنظر خلفها خوفاً من شبح قاسم. وقفت على حافة الطريق المظلم، تلوح بيدها المرتجفة لأي بصيص ضوء قادم من بعيد.
فجأة، اقتربت سيارة مسرعة، كادت أن تصدمها لولا أن السائق ضغط على المكابح بعنف "فرملة" أصمتت المكان. انفتح الباب، وخرج منه ذلك الطيف الذي تعرفه جيداً.. كمال.
ارتمت في حضنه قبل أن ينطق بكلمة، كانت ترتجف كعصفور بلله المطر. شدد كمال قبضته عليها، ودفن رأسه في عنقها يستنشق عبيرها وكأنه يتأكد أنها حقيقة وليست سراباً.
— "همس.. أنتي كويسة؟ حصلك إيه؟"
لم تجبه، اكتفت بالبكاء في صدره. في تلك اللحظة، توقف الزمن؛ لا خطوبة أسيل تهم، ولا جشع قاسم يهم، فقط نبضاتهما التي اختلطت ببعضها في صمتٍ أبلغ من ألف قصيدة. لم تخبره عن قذارة قاسم كاملة، ولم تنطق بحرف عن خيانة أسيل.. كان صمتهما "ميثاق حب" لم يكتمل بعد.
في المخزن
فتح قاسم عينيه ببطء، شعر بآلام تمزق رأسه. وجد أمه تجلس بجانبه تبكي. انتفض غاضباً وهو يمسك برأسه:
— "هربت؟ هربتيها يا أمي؟ أنتي عارفة أنتي عملتي إيه؟ أنتي حكمتي عليا بالموت!"
صرخ فيها بعنف وهو يحطم ما حوله، بينما كانت منار تنظر إليه بشفقة وخوف، مدركة أنها فقدت ابنها للأبد لصالح المادة
بكت منار بنهيار
حرام عليك يا ابني كنت هتروح فيها انت الشيطان كان عامي علي عينك وما كنتش عارف بتعمل ايه وكمال كاو ممكن يلحقك وساعتها هتموت فيها
وامسكت بذراعيها وهي تسحبه يالا نهرب بسرعه قبب ما كمال يجي هنا وساعتها هتكون اخرتك
قاسم استنع الي حديثها وهرب معها قبل وصول كمال
لأ يعلم تن كمال انشغل مع معذبة قلبه ونسي أمره من الأساس عندما رآها أمامه بخير وكأن روحه ردت الي جسده مره اخري
دخل كمال الفيلا وهو يسند همس التي كانت تترنح من فرط التعب والبكاء. بمجرد دخولهم، التف الجميع حولها بذهول. ياسر الشامي صرخ بخوف: "همس! حصل إيه يا بنتي؟ كنتِ فين؟"
لم ترد همس، اكتفت بنوبات بكاء مريرة هزت كيانها. هنا تدخل كمال بحزم، وهو يوجه نظرة حادة لـ أسيل التي كانت تقف شاحبة كالموتى:
— "يا جماعة سيبوها دلوقتي، مش شايفة قدامها. يا دادة.. اطلعي مع همس أوضتها وخليكي جنبها لحد ما تنام."
بعدما صعدت همس، وقف كمال وسط الصالة، خلع نظارته ومسح وجهه بتعب، ثم بدأ يقص عليهم ما حدث: "قاسم خطف همس.. كان عايز يساومكم على ورثها عشان يسدد ديونه."
هنا تدخلت أسيل بمحاولة يائسة لتبرئة نفسها:
— "أنا بجد مكنتش أعرف يا كمال.. تليفونها كان مقفول وافتكرت إنها بتهزر، مقدرتش أبوظ حفلة خطوبتنا وأقلق بابا على الفاضي."
نظر إليها كمال بسخرية مريرة:
— "خوفك على الحفلة كان أهم من حياة أختك يا أسيل؟ عموماً.. الحساب مخلصش تركها وهو مازال ينظر اليها بتهكم وسخريه كم تمني ان يخلع ذاك الخاتم الموجود في اصبعه وكأنه يخنقه ولكن كيف يخطبها ويتركها بنفس اليوم كما يعلم أن أسيل لا تعرف ما حدث مع همس والا ما كنت فعلت هذا هي فقط خافت ان تخرب خطوبتها لا تعلم ما تعذبته اختها هي بالاخر اختها واكيد لن تضرها
في غرفه همس
كانت همس تنظر للسقف بجمود، تتذكر كيف حذرها كمال من قاسم مراراً وكيف كانت تدافع عنه. بكت بحرقة وهي تشعر بالندم، كم تمنت لو اعطت فرصه الي كمال لم تسخر منه بهذه الطريقه عندما اعترف لها بعشقه. لمن لا فائده لهذا فالأن هو خطيب اختها تذكرت ما فعلته معها اسيل هل تكرها اسيل الي هذه اختها التي لم تسأل عنتا واردت التخلص منها كانت شارده بلا حياه دموعها فقط تنزل بصمت لكن فجأة سمعت طرقة خفيفة على الباب.. كان كمال يدخل وبيده كوب من الليمون الدافئ.
— "مش عايز أسمع صوت عياط تاني.. أنتي أغلى من إنك تبكي على واحد زيه." صدقيني تستحقي واحد يحبك بجد
نظرت له همس بامتنان، ولأول مرة تشعر أن "الأمان" ليس في الحب الذي اختارته، بل في الحب الذي كان دائماً يحميها من بعيد.
نظرت إليه بأمعان وقالت بتركيز
والحد دا الي هو. انت انا انا
كانت تريد أن تقول له انها تتمني ان يعطيها فرصه تانيه
لكن قاطعها كمال وهو يقف من علي الكرسي ويخرج من الغرفه وقف بجانب الباب قبل أن يغلقه
لأ الحد دا مش انا همس انا خلاص قصه كانة وانتهت قولتلك انك هتندمي وساعتها هيكون فات الأوان وهو بالفعل فات الأوان رفع كف يده امامها وأظهر خاتم خطبته من أسيل.
دبله اختك دلوقتي في أيدي وانا عمري ما هفكر اخونها. وانتي كمان لازم تنسي السيره دي من الاساس مش هنكر انه حبك انتهي من عندي لكن واحده واحده هنسي مين همس اساسا ودا هيبقي علي ايد خطيتبي
أغلق الباب وخرج وهو يبتسم علي نفسه بسخريه فا هو يعلم انه من المستحيل نسيانها يعلم كم يحبها وكم مازال يتمناها ندم علي تسرعه وخطبته من أسيل الذي اعطاها امل من فراغ لكنه أنوي من داخله انه سوف يعطي لها فرصه بالفعل
قاسم كان سوف يهرب ولكن رجال جينك لحقته واخذوه الي مكتب جينك
في مكتب "جينك باشا".. الصفقة المحرمة
في مكتب فخم يطل على أضواء المدينة، كان قاسم يقف برأس معصوب وأطراف ترتجف أمام جينك باشا. جينك لم يكن رجلاً عادياً، بل كان يمتلك سلطة تجعل القلوب ترتجف.
ألقى جينك بصورة على المكتب، كانت صورة لـ همس وهي تضحك في إحدى المناسبات القديمة، وقال بنبرة هادئة ومخيفة:
— "الفلوس اللي عندك كتير يا قاسم.. وأنا صبري قليل. بس البنت دي.. همس.. دخلت دماغي."
قاسم بذهول: "بس دي خطيبتي يا باشا.. دي اللي كنت هجيب منها الفلوس!"
ضحك جينك ضحكة باردة وهو ينفث دخان سيجاره في وجه قاسم:
— "ودلوقتي بقت هي التمن. هاتها لي يا قاسم.. هاتها برضاها أو غصب عنها، وساعتها مش بس ديونك هتتمسح، أنت هتبقى دراعي اليمين في السوق. فكر كويس.. حياتك، ولا همس؟"
نظر قاسم للصورة، والشر يلمع في عينه؛ فقد أعماه الجشع لدرجة أنه مستعد لبيع القلب الذي أحبته يوماً ما لا يهم فقط انه سوف يصبح ذات سلطه غير انت ديونه سوف تنتهي.
امسك بالصوره وعيونه تلم بخبث
اعتبره حصل يا باشا
