رواية ولنا في الجحيم لقاء ( كاملة جميع الفصول ) بقلم عادل عبد الله


 رواية ولنا في الجحيم لقاء الفصل الاول 


شاهد رجلاً غريباً يدخل إلي المنزل ،
فتسلل خلفه دون أن يشعر به، تحرك بخفة طفل لا يدرك أن خطوة واحدة قد تغيّر كل شيئٍ في حياته.
رآه حين دخل إليها،
كانت تقف في مطبخها تُعدّ الطعام،
كانت منشغلة بما بين يديها،
غافلة عمّا سيتركه ذلك المشهد في روحٍ صغيرة تقف تراقب عن بُعد .
أقترب منها،
أحاطها بذراعيه،
فقاومته بضحكةٍ خافتة 
أمتزج فيها التردد بالرغبة، 
سمع أمه تقول لهذا الرجل بصوتٍ حاولت أن تجعله مازحًا:
" إيه اللي جابك دلوقتي يا منيل؟! الراجل زمانه راجع من الشغل… هتفضحنا !! "

لم تُوقفه كلماتها،
بل زادته إصرارًا،
واستمر في اقترابه حتى خضعت لرغبة لا ترى سوى نفسها،
بينما كان يقف هو بعيداً،
متجمّدًا في مكانه،
يشعر أن قلبه يخفق بقوة،
يكاد يفضحه.
كانت دقاته تضرب صدره كصرخة مكتومة ،
كأن الألم يبحث عن صوت يسمعه العالم بأسره،
لكنه لم يجد !!!
تراجع ،
إنسحب ببطء،
بخطواتٍ حذرة،
حتى لا يشعر أيّاً منهما بوجوده.

وما هي إلا لحظات حتي صار منزل الطهر معبداً للعهر يقيما فيه سوياً طقوس الرذيلة. 

خرج إلى الأطفال حيث كان يلعب معهم أمام المنزل قبل قليل، لم يستطيع أن يكمل اللعب معهم، بل جلس أمام البيت يبكي …
بكاءً حارًا لم يفهم سببه حينها، لكنه لم يستطيع كتمانه.
بعد قليل، شاهد ذلك الرجل " سعد " يغادر المنزل ، ولم تمضِ إلا دقائق حتى عاد أبيه من عمله .
كان الأب يحمل بين يديه أكياساً من الفاكهة كعادته،
وعلى وجهه ابتسامة رضا.
وجده يجلس وحيداً وعلي وجهه آثار البكاء فسأله : مالك يا زين ؟ قاعد كده ليه ؟ فيه حد زعلك ؟
أبي لسانه أن ينطق وأستسلم للصمت الحزين .
ابتسم له أبوه ابتسامة حانية قائلاً : يلا بينا ندخل نتغدا، زمان ماما عملت الأكل .
ثم أمسك بيده و دخل البيت مطمئنًا، لم يكن يعلم أن الخيانة سبقته إلى بيته منذ قليل .
نظر إلي أباه بعينين تقول " كم أنت مسكينًا يا أبي ، تكدّ وتتعب لتعود محمّلًا بثمرة جهدك، فتمنحها لمن خانتك في غيابك ! "
كانت دموعه تنهمر حزنًا عليه، وعلى إمرأة تمنّي يومًا أن يفتخر بها كما يفعل كل طفل .
مرت الأيام، وكلما رأي أمه، أو رأي ذلك الرجل، يشعر وكأن نارًا مستعره تلتهم وجدانه .
ولم تمضِ سوى شهور قليلة حتى مات أباه فجأة!!
بكي يومها للمرة الثانية…
أخبروه إنها سكتة قلبية، لكن شيئاً ما بداخله كان يرفض هذا التفسير.
كان صغيرًا، لم يتجاوز عمره العشر سنوات، لكن ما رأته عيناه زرع داخله بذورًا سوداء ... بذوراً للكراهية وأخري للقسوة، بذوراً وجدت داخله أرضاً خصبة لتنمو معه يومًا بعد يوم.
ومنذ ذلك اليوم، لم يذكر أن الدموع عرفت طريقاً إلى عيناه.
لم تمر سوي أشهر قليلة حتي نشبت مشاجرة كبيرة بين أمه وبعض الجيران، لم يفهم سبباً لها في ذلك العمر.
لكنهم تركوا بعدها البيت والشارع بأكمله، وانتقلوا إلى مكانٍ آخر.
ترك مدرسته وأصدقائه، وبدأ في مدرسةٍ جديدة، غريبًا بين وجوه لا يعرفها.
ظل ذلك المشهد ماثلاً أمام عيناه دائماً ، لم يستطيع نسيانه.
ظل يطارده في يقظته، في منامه، ثم نمت رغبة الانتقام داخله في صمتٍ مخيف.
لم ينسي ذلك الرجل، الذي خان أباه في بيته، وربما كان سببًا في موته.
لم يغفر لأمه يوماً، بل كانت دهشتها تزداد يوماً بعد يوم من جموده وقسوته معها. 
حاولت أن تفسر ، أن تفهم سر تلك القسوة ، لكنه لم يبوح لها يوماً .
ظل البركان داخله مستعرًا… لا يراه أو يشعر بوجوده غيره.
ثم جاء اليوم الذي رأي فيه سعد يدخل بيتهم الجديد !
مرت أيام قليلة حين فوجئ بذلك الرجل يأتي إلي منزلهم الجديد وعلم أنه تزوج أمه زواجاً عرفياً حتي لا تفقد حصولها علي معاش أبيه.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ مرحلة جديدة من الألم.
كان وصول سعد إلي منزلهم يعني إنه سيجبر علي النوم مبكراً ، وحين كان يرفض كان ينال أشد العقاب منها، حتي كان يضطر لتمثيل النوم كثيراً لتتركه وتذهب بعيداً !!
كان يستلقي في فراشه، والغضب والحقد ينامان إلى جواره، يراقبانه في صمت.
كان يراهما والسعادة تكسو وجوههما وأصوات الضحكات العالية تملأ اركان المكان في تجاهل تام لوجوده ، فأراد أفساد سعادتهما ، و بطفولة يائسة كان يذهب ويطرق بابهم بصوت عال متكرر ومتعمد ، وحينما كانت تفتح له الباب كان يصطنع المرض والشكوي من الألم .
نجحت حيلته مرة ثم الأخري في إفساد وقتهم ، لكنهما فطنا أخيراً لحيلته التي كان يصطنعها .
ومنذ ذلك الحين، صار وجود سعد يعني رحيله بعيداً عن المنزل .
أحيانًا يذهب للمبيت في منزل عمته التي كانت تسكن في شارعهم القديم ، و كثيراً كان يضطر للنوم علي درج المنزل أمام بابهم المغلق.
تعمق الجرح، وتعاظمت الآلام، حتى صار الإنتقام شاخصاً أمام عينيه لا يفصله عنه إلا الوقت.
كان يعلم أن الوقت سيأتي…
وأن الحساب مهما تأخر لا يسقط،
لكن شاء القدر أن تفلت هي من عقابه حينما توفاها الله فجأة بعد أربعة سنوات و كان لم يتجاوز الرابعة عشر من عمره !!
حينها صار سعد هو هدفه الوحيد.

عاد إلي شارعهم القديم وانتقل للعيش عند عمته، ومع كل يومٍ يمر كان يراقبه عن بُعد، يجمع عنه ما يستطيع من معلومات، وينتظر.

بدأ يفكر ويبحث عن الوسيلة الأشد ألماً لسعد حتي يكون الموت له رجاءً وأمل وراحة من الألم الذي سيوجعه به !
لم يكن هدفه أن يصيبه بألم جسدي، فذاك بسيط وهيّن، أما ألم الروح والنفس فأكبر أثراً وأشد فتكاً .
وصار السؤال الذي يبحث له عن أجابة ... كيف ؟ كيف سينتقم لأباه من هذا الرجل ؟ كيف يذيقه الويلات ؟ كيف يصل به لتلك المرحلة من ألم الروح التي يتمني معها الموت هرباً من جحيمه ولا يجده !!

صارت فكرة إنتقامه من سعد تشغل كل تفكيره حتي تعثر في دراسته .
في ذات الوقت ساءت أحوال معيشة عمته وزوجها المادية، وكانت النتيجة أن زوج عمته أبعده عن المدرسة و ذهب به إلي الأسطي جمال الميكانيكي للعمل في ورشته .

لم يكن يعلم أي شئ عن تلك المهنة ولذلك كان الأسطي جمال دائم الضرب والإهانة له .
كان يعود كل يوم منهك القوي، متعب النفس بسبب الضرب المتكرر الذي كان يتعرض له كل يوم .
أما في نهاية كل أسبوع حين كان يتسلم مكافأة تعبه هذا، كانت تتقاسمه معه عمته مقابل طعامه ومبيته في منزلها !!
كان لا يزال في هذا العمر الصغير وكان يتجرع مرارة اليتم والوحدة دون أن يشعر به أحد .
لم يخترق وحدته تلك سوي " حسن " و " حنان " أبناء عمته .
كان حسن يكبره بعام واحد ، وكانا ينامان في نفس الغرفة،
ورغم أنه كان الأقرب له إلا أن المشاعر السلبية التي غمرته جعلته يشعر بالغيرة تجاهه. 
فحياته وسط ابويه وذهابه إلي مدرسته الثانوية بصحبة زملاؤه أشياء كلها حُرم منها في مثل هذا العمر .
كانت نيران الغيرة تشتعل داخله حينما كان يجده يسهر ليلاً لمذاكرة دروسه، بينما كانت عيناه تبحثان عن النوم ولا تجد له سبيل .
أما حنان التي كانت تصغره بعام  فكانت مصدر سعادته الوحيدة، خاصة يوم أجازته من العمل حينما كان يجمعهما سوياً اللعب واللهو .
كانت حنان تملك من الطيبة و الجاذبية ما جعلت مشاعره نحوها تتطور دون أن يدري حتي عرف بعد ذلك أنها ما يطلق عليها " الحب " .
نعم الحب الذي وجد بالكاد مكان في قلبه الممتلئ بالقسوة والحقد ورغبة الانتقام .
لم يبوح لها يوماً بحبه و أيضاً لم تنطق شفتيها الورديتين بتلك الكلمة أبداً، ولكنه كان يري كل كلمات الحب الدافئة تنطق في عينيها ويشعر بأثرها داخله في قلبه .

كانت تمر ساعات العمل ثقيلة قاسية يكاد يتحملها، حتي يعود مساءاً إلي المنزل فيذهب شقاء اليوم كاملاً مع أول إبتسامة يراها في عينيها .
حتي جاء يوم و أنهال الأسطي جمال عليه إهانة وضرباً حتي بكي و أرتفع صوت بكائه ونحيبه، لكن لم يسمعه غيره.

طرح ما في يداه أرضاً وترك ورشته وعاد إلي المنزل باكياً .
سألته عمته : رجعت من الورشة بدري ليه يا زين ؟
لم يستطيع لسانه الكلام بينما أجابتها عيناه معاتبة، تريد أن تقول بصوت عالٍ : أنتي وجوزك السبب في كل البهدلة اللي أنا عايشها دي .
قرأت عمته نظراته، فتركته وذهبت في قلة حيلة .
جاءت حنان وجلست إلي جواره تشاركه حزنه ودموعه .
لم يتوقف عن البكاء إلا عندما رأي دمعاتها تفيض من عيونها البريئة .
توقفت فجأة عيناه عن البكاء ومسح بأصابعه دموعها.
فقالت له في غضبٍ وحزن : متروحش الورشة دي تاني يا زين .
أجابها بصوت يمتزج فيه الحزن مع الألم : أبوكي السبب ، هو اللي خرجني من المدرسة و شغلني عند الرجل ده .
قالت وهي تمسح ما تبقي من دموعها : أنا هقول لبابا يشوفلك شغل عند حد تاني .
أجابها بيأس : هيفرق ايه الأسطي جمال عن غيره !! أكيد لو روحت أشتغل عند أي حد غيره هيضربني برضو .
حنان : أنا هكلم بابا علشان ترجع للمدرسة وتبطل شغل خالص .
 
لم تمر ساعات حتي عاد زوج عمته من عمله ولكنه لم يعود منفرداً مثل كل يوم، فقد كان بصحبته الأسطي جمال !!
كان زين لا يزال جالساً في الغرفة يبكي حاله ومآساته حين نادي عليه زوج عمته : تعالي يا زين الأسطي جمال عايز يراضيك .
كان لا يريد الخروج من الغرفة، لكن عمته جاءت و قالت له : روح يا زين كلم جوز عمتك .
أجابها بضيق : مش هخرج ومش هكلم حد .
قالت بأصرار : عيب كده يا زين، جوز عمتك بيناديك ولازم تكلمه، متنساش أنه دلوقتي في مقام أبوك الله يرحمه ولازم تسمع كلامه .

خرج من الغرفة مرغماً ووقف أمام الأسطي جمال، يقاوم رغبته الغاضبة في الإطاحة به من أمامه.
ولكنه تعجب حين وجده ينظر إليه بإبتسامة باهتة قائلاً : معلش يا زيزو حقك عليا ، أنا كنت متعصب شوية وأنت عصبتني زيادة ، متزعلش مني، مش هضربك تاني .
وبالرغم من حزنه الشديد علي حاله وغضبه الذي يكاد يشتعل ، لكنه وللمرة الأولي يشعر بأنه قد أسترد جزءً من حقه .
تغلب علي حزنه و حبس دموعه وقال له في غضب : أنت بتضربني علطول بسبب وبدون سبب !
الأسطي جمال : حقك عليا با زين ، خلاص مش هضربك تاني، أنا بحبك يا زين علشان ناصح وبتفهم الصنعة بسرعة، وقربب أوي هتبقي صنايعي شاطر أد الدنيا، لكن أهم حاجة عايزك تسمع الكلام وأنا أوعدك مش همد أيدي عليك تاني .

ومنذ ذلك اليوم تغيرت علاقة زين بالأسطي جمال وبدأ يعامله بود و عطف كبير ، حتي أنه أتخذه كصديق له رغم فارق العمر الكبير بينهما .
أصبح الأسطي جمال كصديق لزين يحكي له عن طفولته و عائلته و يحدثه عن مغامراته النسائية العديدة .
بدأ زين يشعر بنفسه أثناء حديثه مع الأسطي جمال وكأنه قد صار شاباً في مثل عمره .
حتي أنه يوماً حين شاهد هند زوجة سعد تمر أمامه ذاهبة للتسوق، جاءته فكرة أن يقيم معها علاقة !!
لم تكن رغبته فيها لنفسها أو لجمالها ، ولكن كانت رغبته الوحيدة هي أن يتذوق سعد من ذات الكأس !
وبدأ تفكيره في شئ واحد هو كيف يصل إليها ؟


تعليقات