رواية نداهة السيالة كامله جميع الفصول بقلم أندرو شريف
بعد ما اترقيت وبقيت مقدم حياتي بقت اصعب، حتى المسؤولية اللي على كتافي زادت وبقيت مُضغوط وبتعصب على أقل حاجة، وعشان كده أي قضية سهلة بقيت بسيبها لخليفة، ملازم أول بس شاطر، مُجتهد في شغله وأنا شايفله مستقبل كبير، بس القضية اللي هتكلم عنها ماكانتش محتاجة مجرد ظابط شاطر، لإن العدو المرادي كان أصعب بكتير، والصعوبة ماكنتش في قوته على قد ما كانت في قدرته وطريقته في التنقل، وده لإننا المرادي قصاد شبح، وأه، أنا اقصد شبح بالمعنى الحرفي.
***********
القصة بدأت لما كنت قاعد في مكتبي جوة القسم ولقيت عسكري بيفتح الباب وفي واحدة وراه بتعيط، اول ما شوفته وشوفتها، طلبت منه يدخلها وقعدت اسمعها، وبعد ما دخلت قالتلي وهي بتبكي وجسمها بيترعش:
-مش لقياه يا باشا، دورت عليه كتير واختفى، كإنه فص ملح وداب.. روحت مستشفيات واقسام وماحدش يعرف عنه حاجة، وبعد يومين من اللف جيتلك دلوقتي، جيتلك وبطلب منك تلاقيلي جوزي يا باشا، ده الحاجة الوحيدة الحلوة في حياتي.
-اهدي ياااا.
-سميرة يا باشا، اسمي سميرة، وجوزي المختفي اسمه هشام المليجي.
-طيب يا سميرة، قولتيلي جوزك مختفي من امتى؟
-من يومين بالظبط، وزي ما قولتلك يا باشا، انا دورت عليه في كل حتة جوة اسكندرية ومالهوش أي أثر.
-وأخر مرة شوفتيه فيها.. كانت امتى وفين؟
بصت على الأرض وهي متضايقة والدموع بتنزل من عينيها، بعدها ردت وهي بتبلع ريقها:
-أخر مرة كانت أول أمبارح بليل، في نفس الوقت ده كده، وقتها كنت قاعدة أنا وهو والشيطان حوالينا، اصلنا اتخانقنا خناقة كبيرة، طلقني فيها ونزل وهو مخنوق ومتضايق، ولما فضلت أرن عليه ماكنش بيرد عليا لحد ما الموبايل فصل خالص ومابقاش بيجمع.. انا.. انا خايفة لا يكون حصله حاجة، ده انا ماليش غيره يا باشا ومقطوعة من شجرة وهو الحاجة الوحيدة اللي بتسند عليها.. بالله عليك يا باشا تلاقيه، وابوس ايدك تدوروا عليه، انا عملت المحضر ودخلتلك عشان بيقولوا عليك كلام كويس وانك بتاع ربنا وبتراعي شغلك.
-ماتقلقيش يا سميرة، انا بس عايز اعرف لو هشام كان له حد بيكرهه، أو لو عندك معلومة تفيدنا.. ياريت قوليلي.
-هشام ماكنش بيقولي على اي حاجة، حتى موبايله ماكنتش بلمسه وكل حاجة كان بيعملها بعرفها بعد ما تحصل، وفضلت على الحال ده لحد ما اتعودت، ودلوقتي هو راح مني يا باشا ومش لقياه.
-اهدي يا سميرة، احنا هنشوف شغلنا ونبلغك لو فيه جديد، ودلوقتي تقدري تمشي واحنا هنتصرف.
خرجِت سميرة من المكتب ودخل خليفة وراها، قعد على الكرسي وطلع علبة السجاير من جيبه، خرج سيجارتين وعزم عليا بواحدة، خدتها منه وولعتها، بعدها خدت نفس طويل وخرجته وأنا بقوله بهم:
-في محضر اختفاء اتعمل لواحد اسمه هشام المليجي، مراته لسه طالعه من عندي وشكله طفش منها، فانا عايزك تشوف الموضوع وتحقق فيه، انا مش فاضي للكلام الفارغ ده وفيا اللي مكفيني.
-وماله يا باشا، نحقق فيه، ارتاح انت بس وسيب الحكاية دي عليا، أصل هيروح فين يعني، تلاقيه اتجوز عليها وطفش زي حالات اختفاء كتير حصلت.
-ده مش معناه اننا نطنش يا خليفة.
-ريح بالك انت بس يا باشا وانا هشوف المحضر وهنزل اطّقس على الموضوع.
-تمام، ولو في جديد يا ريت تبلغني.
-على تليفون يا ايهاب باشا.
خرج خليفة وانا بعدها قعدت شوية في المكتب، ولما حسيت بالتعب خدت بعضي ومشيت، رجعت البيت وارتاحت من الطريق وعملت أكل، أصل انا عايش لوحدي من وقت ما ابويا وامي ماتوا، ومن ساعتها وانا متعود على عمل كل حاجة بـ ايدي، حتى الأكل، لما بعمله بيبقى له طعمة تاني عن بتاع برة، زي المكرونة اللي باكلها دلوقتي، هاتلي محل يعرف يعمل زيها، بس مش عشان من ايدي، عشان بنفس الطريقة اللي كانت بتعملهالي امي زمان، ومش هقولك بقى على الذكريات اللي دوقتها وافتكرتها مع كل معلقة، ولما خلصت، دخلت أوضتي، ريحت ضهري وروحت في النوم، لكن فجأة فوقت على صوت موج البحر عمال يخبط في الصخر وينحت فيه، فتحت عيني وبصيت حواليا لقيتني في السيالة، نايم على صخرة وجسمي كله مكسر، ولما ركزت، شوفت واحدة واقفة بعيد، مدياني ضهرها وبتغني( يا اللي بتسأل عن الحياة، خدها كده زي ما هي، فيها ابتسامة وفيها اه، فيها قسية وحنية).. بعدها لفت جسمها وبصتلي وهي مبتسمة، كانت ست ملامحها هادية وعينيها واسعة، لابسة فستان عليه ورود كتير ومبلول:
- فيها قسية وحنية، وانا في أخر أيامي ماشوفتش غير القسية.
-انتي بتكلميني انا؟
-أه يا ايهاب، وعلى فكرة، انا أقدر أوصل الرسالة دي مع رسايل تانية، والرسالة دي إن الموضوع انتهى والقضية مش هتفيد، فيا ريت تبعد عنها، انا معاك.. مش ضدك.
قومت من على الأرض وجيت أطلع الطبنجة من جيبي، مالقتهاش، اما الست اللي كانت لسه قدامي، ف ضحكت وقالتلي:
-مش هتلاقيها يا ايهاب، عشان كل ده مش حقيقي، كل ده جوة دماغك انت.
-انتي مين؟
-انا قضية قديمة، خدت حقها بـ ايديها.
-كلامك كله ألغاز وانا مش هصبر عليكي اكتر من كده.
-توء.. كلامي واضح ومفهوم، والحقيقة كلها هنا، على الشط وجوة البحر، بس حتى لو وصلت، مش هتعرف تعمل حاجة، فبلاش تدور.
في اللحظة دي حسيت اني منجذب ليها، اعصاب جسمي كلها سابت وقربت منها وانا مسلوب الإرادة، وقبل ما أوصلها كنت وقعت جوة البحر، فوقت وانا شرقان وجسمي كله عرقان وسايب، وفضلت على الوضع ده شوية لحد ما اتمالكت اعصابي وقومت، دخلت الحمام غسلت وشي وخرجت عملت فطار، ووانا باكل وقبل ما أخلص، موبايلي رن، بصيت على اللي بيتصل لقيته خليفة اللي رديت عليه.
-ايه يا خليفة؟ في جديد؟
-اه يا باشا، شكل موضوع هشام المليجي ده كبير ومش زي ما كنا فاكرين.
-قول اللي حصل على طول من غير مقدمات.
-في حد لقى موبايل هشام على بحر السيالة، ولما فتحه، اتصل بسميرة مراته وقالها ان الموبايل معاه، اصلها اتصلت بينا وقالتلنا، واحنا لما حققنا مع الراجل ده، طلع مايعرفش حاجة اكتر من كده.
-قولتلي فين؟!
-في السيالة يا باشا.
-طب انا نازل قسم الجمرك دلوقتي وعايزك قدامي.
-هو في حاجة؟
-لما تيجي يا خليفة.. لما تيجي.
لبست ونزلت وطلعت على القسم، دخلت المكتب ولقيت خليفة مستنيني جوة، وأول ما شوفته بصيتله بتركيز وقولتله:
-عايزك تحكيلي الموضوع من الأول وبالتفصيل.
-يا باشا انت لما كلفتني بالمهمة قريت المحضر، وعرفت ان هشام وسميرة قاعدين في شقة على بحر السيالة، وعشان كده دورت هناك عن معلومة تفيدني ومالقتش، بعدها روحت البيت وجالي خبر بموضوع الموبايل، ولما حققنا مع الراجل، ماكنش يعرف حاجة، بس المنطقة هناك مافيهاش سيرة غير ان العفاريت والنداهة هم السبب في اختفاء هشام، يعني.. خرافات وكلام فارغ بيتنقل وسطهم.
-وماتعرفش الخرافات دي اصلها ايه؟.. وحتى لو ماتعرفش، عايزك تشوفلي محاضر قديمة عن قضية حصلت هناك.
-اعتبره حصل يا باشا، بس اللي عايزك تعرفه ان المنطقة هنا كده، من زمان وهي عليها كلام، بس ده مالوش علاقة بالقضية، احنا مش هنصدق في كلام العفاريت.
-طب انا عايزك تمشط المنطقة هناك وتخلي غواصين ينزلوا ويدورا على جثته، لكن انت.. انت بتقول ان موبايله كان عند البحر، يعني مش بعيد يبقى الموج شده او حد رماه.
-اوامرك، بس انا مش فاهم، هو انت مصدق في اللي بيتقال؟
-لا مش مصدق، بس احنا قدام قضية اختفاء غريبة، ويا الراجل ده اتخطف، يا موج البحر شده، وعشان نعرف الحقيقة، عايزك تعمل اللي قولتلك عليه وتبلغني بالجديد، واه، قبل ما تمشي، عايزك تعرف مين الناس اللي كلمهم هشام قبل ما يختفي، علاقته بيهم كان شكلها ايه، وكل ده في اسرع وقت يا خليفة.
-أوامرك يا سيادة المقدم.
مشي بعد ما قالي انه هينفذ كلامي، بعدها قعدت على كرسي المكتب وانا بروح بيه يمين وشمال، كنت بفكر في اللي حصل وبربط المواضيع ببعضيها، بس لأ، انا شكلي اتجننت، ماشي ورا عفاريت وكلام فارغ مايتصدقش، اكيد كل دي تهيؤات او صدف، مش حقيقة وواقع هبني عليه الأدلة وهعرف بيها المُجرم، أيوة، أنا لازم أفوق لنفسي وأركز على الواقع، وف وسط مانا بفكر نعست وروحت في النوم، وفجأة فوقت على حاجة لمست رجلي، فتحت عيني وبصيت عليها مالقتش حاجة، جيت ارفع راسي شوفتها واقفة قدامي، لابسة نفس الفستان اللي عليه ورود كتير، بس المرادي كان مبلول أكتر، ولما بصيت على وشها لقيته منفوخ وفيه حاجات سودة، كإنها قربت تعفن، منظر مرعب كنت شايفة قدامي ومش قادر أعمل فيه اي حاجة، جسمي كان متكتف واعصابي مش حاسس بيها، ومع كل ده، اتكلمت وقالتلي؛
-الموضوع اكبر من ما انت فاهم، وزي ما قولتلك، بلاش تدور، كده كده مش هتعرف تحل حاجة.
رديت عليها والكلام بيطلع مني بالعافية:
-ا ا انتي حقيقية ولا انا بحلم؟
-بتحلم.. بس انا موجودة حواليكوا ومش محتاجة مساعدتكوا، وبكرة هتفهم ده كويس.
-انتي مين بالظبط؟
-حتى لو قولتلك مش هتفرق، بالعكس.. الموضوع هيتصعب عليك اكتر واكتر.
حاولت اقوم من مكاني، ماقدرتش، لسه اعصابي مش حاسس بيها!
-انتي عملتي فيا ايه؟!!
-ماتقلقش، لما اخرج من هنا كل حاجة هترجع لطبيعتها، ووقتها هيجيلك خليفة، بس ماتنساش، لما تبتدي تفهم.. هتلاقي الموضوع أكبر.
وفعلا، في اللحظة دي اختفت، ومع اختفاءها اعصاب جسمي ارتخت والدنيا بدأت تضلم قدامي..
