رواية اسيرة زعيم المافيا ( كاملة جميع الفصول ) بقلم حنين محمود


 رواية اسيرة زعيم المافيا الفصل الاول 

حين أُغلِقَ الباب… بدأ قدري
لم تكن “ليلى” من الفتيات اللواتي يصدقن أن القدر يكتب مصائرنا في لحظة واحدة، لحظة صغيرة لا تُرى… ثم تُصبح كل حياتنا بعدها مجرد أثرٍ لها.
كانت تؤمن أن كل شيء يمكن السيطرة عليه: الدراسة، العمل، الأحلام، وحتى الخوف… لكن تلك الليلة تحديدًا، أثبتت لها أن بعض الأبواب حين تُفتح، لا تعود تُغلق إلا على قلبٍ مكسور… أو روحٍ مسلوبة.
في تلك الليلة كانت القاهرة تبدو مختلفة، ليست تلك المدينة التي تعرفها ليلى، بل مدينة بوجهٍ آخر… وجهٌ مظلم يبتسم خلف الأقنعة، ويخفي في جيوبه سكاكين كثيرة.
السماء ملبدة، والهواء ثقيل كأنه يجرُّ خلفه نذيرًا غامضًا، والسيارات تبتلع الشوارع بسرعةٍ جنونية، بينما كانت هي تقف أمام المبنى القديم الذي تعمل به، تُحكم معطفها حول جسدها وتضم حقيبتها إلى صدرها، كأنها تحاول أن تحتمي بنفسها من شيءٍ لا تراه.
انتهى دوامها متأخرًا.
كانت تعمل في مكتب محاماة صغير، تُرتّب ملفاتٍ قديمة، وتكتب ملاحظاتٍ لا معنى لها، وتبتسم في وجه الزبائن بينما قلبها يتمنى لو يركض بعيدًا عن كل هذا التعب.
لكنها لم تكن تعلم أن التعب الحقيقي لم يبدأ بعد.
سمعت صوت خطوات خلفها… خطوات ليست عادية.
ليست تلك الخطوات التي تسبقها ضحكة أو حديث عابر، بل خطوات باردة… محسوبة… كأن صاحبها لا يمشي، بل يقترب ليأخذ شيئًا.
توقفت ليلى للحظة.
التفتت ببطء.
رأت سيارة سوداء فاخرة تقف عند الرصيف، لا تحمل لوحة واضحة، والزجاج مظلل بدرجةٍ تخنق الرؤية.
ثم… فتح الباب الخلفي.
خرج رجلان ضخمان، ملامحهما لا تعرف الرحمة، يرتديان بدلات سوداء، وفي أعينهما شيء يشبه التهديد الصامت.
تراجعت ليلى خطوة، وقلبها يخفق بقوة.
قال أحدهما بصوتٍ خشن:
— “الآنسة ليلى عبدالعزيز؟”
تجمّد جسدها.
من أين يعرفان اسمها؟
ابتلعت ريقها وقالت بحذر:
— “نعم… أنا. من أنتما؟”
لم يجيبها.
تحرك الرجل الآخر خطوة للأمام، وبيده هاتف مفتوح على صورة… صورة لها، التُقطت من بعيد، وكأنها كانت مراقَبة منذ وقت طويل.
شعرت ليلى بوخزة خوفٍ تسري في عمودها الفقري.
قال الأول بنبرةٍ جامدة:
— “ستأتين معنا.”
شهقت:
— “ماذا؟! لا… لا يمكن! أنا لم أفعل شيئًا!”
رفعت حقيبتها كأنها درع، ثم استدارت لتجري.
لكن يدًا قوية أمسكت بذراعها فجأة، سحبتها بقوةٍ أذهلتها.
صرخت، حاولت المقاومة، حاولت أن تضرب، أن تعض، أن تفلت…
لكنهم كانوا مدربين.
كانوا يعرفون كيف يسلبون صوت الإنسان دون أن يتركوا له فرصة.
وضعت يدٌ قطعة قماش على فمها… رائحة غريبة… مخدرة.
قاومت ثوانٍ… ثم بدأت الدنيا تدور.
آخر ما رأته قبل أن تغيب… كان الباب الأسود يُغلق عليها، كأن العالم بأكمله يقرر أن يدفنها في ظلامه.
استيقظت ليلى وهي تشعر بأن رأسها ينقسم إلى نصفين.
كان الضوء خافتًا، والهواء باردًا.
نهضت بفزع، فوجدت نفسها في غرفة واسعة… ليست غرفة احتجاز قذرة كما تخيلت، بل غرفة فاخرة بشكلٍ مرعب.
أرضية خشبية لامعة، ستائر ثقيلة، سرير كبير، رائحة عطر رجولي تملأ المكان، وكأن صاحب الغرفة كان هنا قبل دقائق.
كانت ترتدي نفس ملابسها، لكن حقيبتها اختفت، وهاتفها اختفى، وكل شيء يخصها… اختفى.
قامت بسرعة، ركضت نحو الباب.
أمسكت المقبض…
لم يفتح.
كانت الغرفة تُغلق عليها من الخارج.
ضربت الباب بقبضتها، صاحت بصوتٍ مرتجف:
— “افتحوا! من أنتم؟ ماذا تريدون؟!”
لا إجابة.
صمتٌ قاتل.
ثم… سمعت صوت خطوات تقترب.
خطوات ثابتة، ثقيلة، لا تتعجل.
تراجعت ليلى للخلف، وظهرها يلتصق بالحائط، وقلبها يخبط صدرها كطبل حرب.
انفتح الباب أخيرًا.
ودخل رجل.
لم يكن كأي رجل رأته من قبل.
طويل، كتفاه عريضان، يرتدي بدلة سوداء فاخرة وكأنها خيطت لتُعلن سلطته، لا لتستر جسده.
وجهه حاد، ملامحه منحوتة كتمثالٍ قاسٍ، عيناه سوداوان… لكن ليس سوادًا عاديًا، بل سوادٌ عميق يشبه الليل حين يكون بلا نجوم.
كانت في عينيه نظرة لا تُشبه الغضب، ولا الرحمة، بل شيء أخطر…
السيطرة.
تقدّم ببطء، ثم وقف أمامها على مسافةٍ كافية ليشعرها بأنها ضعيفة… وعلى مسافةٍ قريبة كفاية ليجعلها تختنق من حضوره.
قال بصوتٍ منخفض… لكنه يحمل أمرًا لا نقاش فيه:
— “صباح الخير يا ليلى.”
اتسعت عيناها.
كيف يعرف اسمها؟!
صرخت بعصبية وخوف:
— “من أنت؟! ولماذا أنا هنا؟!”
لم يبتسم.
لكن شفتيه تحركتا ببطء، وكأنه يقرأ خوفها حرفًا حرفًا.
قال:
— “اسمي سليم.”
تلعثمت:
— “سليم… ماذا؟”
اقترب خطوة أخرى.
وأجاب ببرودٍ مرعب:
— “سليم الراوي.”
توقفت أنفاسها للحظة.
هذا الاسم…
سمعت عنه.
سمعت عنه في الأخبار، في الهمسات، في القصص التي تروى بخوفٍ في المقاهي، وفي الملفات التي تمرّ على مكتب المحاماة ولا يُسمح لأحد بفتحها.
“سليم الراوي”… زعيم مافيا.
رجل لا يسقط.
رجل لا يُمس.
رجلٌ إذا أراد شخصًا… أخذه.
وإذا أراد موتًا… صنعه بسهولة.
ابتعدت ليلى خطوة حتى اصطدمت بالطاولة خلفها.
قالت بصوتٍ متقطع:
— “أنت… أنت مجرم!”
لم يبدُ عليه التأثر.
بل رفع حاجبه فقط، وقال بهدوء:
— “هذا وصفٌ لطيف.”
صرخت:
— “دعني أخرج! أنا لا علاقة لي بك! لم أفعل لك شيئًا!”
اقترب، حتى صار قريبًا جدًا.
لم يلمسها… لكنه جعلها تشعر أن الهواء بينهما أصبح ملكه.
قال بصوتٍ أكثر انخفاضًا:
— “بل لكِ علاقة بي… أكثر مما تتخيلين.”
تجمدت.
سألته وهي ترتجف:
— “ما الذي تريده مني؟ مال؟! لا أملك شيئًا!”
قال:
— “لا أريد مالك.”
قالت بسرعة:
— “إذن… تريد الانتقام؟! أنا لا أعرفك أصلًا!”
هنا… لأول مرة تغيرت ملامحه.
لمعت عيناه بحدة، وكأن اسمًا ما مرّ في رأسه.
ثم قال ببطء:
— “أنتِ لا تعرفينني… لكن هناك من يعرفني بسببك.”
ابتلعت ليلى ريقها، وشعرت بأن قلبها ينهار.
سألته بصوتٍ ضعيف:
— “أنا… أسيرة؟”
توقف للحظة، ثم قال:
— “نعم.”
كلمة واحدة.
لكنها سقطت على روحها كقيدٍ ثقيل.
ثم أكمل:
— “أسيرتي أنا.”
شعرت ليلى بأن الدموع تحرق عينيها، لكنها لم تسمح لنفسها بالبكاء أمامه.
رفعت ذقنها رغم خوفها، وقالت بشجاعةٍ مكسورة:
— “لن تستطيع كسرى.”
اقترب سليم أكثر… حتى صارت قريبة من رائحة عطره القوي، وحرارة أنفاسه الباردة.
ثم قال بجملةٍ كالسهم:
— “أنا لا أريد كسرَكِ يا ليلى… أنا أريد أن أحميكِ.”
تسمرت مكانها.
حدقت فيه كأنها لم تفهم.
— “تحميني؟… ممّن؟!”
تراجع خطوة واحدة، وكأنه يمنحها فرصة لتتنفس، ثم قال:
— “من نفسك… ومن الذين يطاردونك.”
اتسعت عيناها:
— “أنا لا أحد يطاردني!”
ابتسم ابتسامة صغيرة… لأول مرة.
لكنها لم تكن ابتسامة دافئة.
كانت ابتسامة رجل يعرف الحقيقة، ويستمتع بجهل الآخرين.
قال:
— “ستعرفين قريبًا.”
ثم التفت ناحية الباب، وقبل أن يخرج، قال دون أن ينظر إليها:
— “ستبقين هنا. لا تحاولي الهرب.”
صرخت خلفه:
— “لماذا؟!”
توقف عند الباب، وأجاب بصوتٍ حاسم:
— “لأنكِ أصبحتِ نقطة ضعف… وأنا لا أسمح لنقطة ضعفي أن تقع في يد غيري.”
ثم أُغلِق الباب.
وبقيت ليلى وحدها.
في غرفة فاخرة…
لكنها كانت، لأول مرة في حياتها، تشعر أنها داخل سجنٍ لا تُرى قضبانه.
سجنٌ اسمه: سليم الراوي.
وسجنٌ آخر… بدأ يتشكل ببطء داخل قلبها:
الخوف منه…
والفضول…
وذلك الشعور الغريب الذي لم تجرؤ على الاعتراف به حتى لنفسها…
أن حضوره، رغم رعبه… كان يترك أثرًا لا يُنسى.


تعليقات