رواية خلف زجاج النظارة الفصل الاول
قالت بانهيار وهي تمسك صورة خطيبها مع أختها، ترفع يدها المهتزة بضعف:
"حرام عليكي يا قاسم! ليه تعمل فيا كدة؟ ليه؟! أنا عملتلك إيه؟ يا أخي أنا محبيتش حد قدك.. هو أنا مش زيها؟ ليه مش عايز تشوفني؟ ليه؟"
انتزع قاسم الصورة من يدها بعنف وصرخ بحدة:
"أنا خطبتك يا همس وانتي عارفة كويس إني بحب أختك! أنا مخدتكيش على عماكي، إنتي اللي طلبتي مني.. إنتي اللي كنتي عايزاني وأنا حاولت، وده اللي عندي! لازم تتقبلي إني بحب أختك وعمري ما هحبك، ولا هحب غير أسيل!"
حلت الصدمة على وجه همس؛ قلبها لم يصدق أن هذا الشخص الذي تعشقه، والتي تخلت عن كل شيء لأجله، يقول لها بكل هذه البجاحة أن عليها أن تتقبل الأمر الواقع. قالت همس بدموع محترقة:
"قاسم.. أنا مش هقدر أكمل معاك خلاص. إنت في حالك وأنا في حالي من النهاردة."
اتسعت عينا قاسم بصدمة لدقيقة، ثم ضحك بسخرية:
"وياترى يا سندريلا بعد ما ننفصل، هترجعي تقوليلي ارجعلي يا قاسم أنا مقدرش أعيش من غيرك؟"
نظرت إليه همس بقوة لم يعهدها فيها:
"تعرف؟ أنا أول مرة في حياتي أكره نفسي لأني كنت عامية كدة! إزاي ماشوفتش وشك الحقيقي؟ كرهت نفسي لأني حبيت إنسان واطي زيك."
أكملت كلامها وهي تلملم حقائيبتها بحزم:
"وآه صح.. المرة دي غير كل مرة يا قاسم بيه." أخذت حقيبتها وخرجت وهي منهارة. خطوبتها التي لم تكمل شهراً انتهت بسبب حبها الأعمى. لم تكن تصدق كيف لم تره على حقيقته، وكيف وصلت به الجرأة ليطلب منها تقبل حبه لأختها وهي خطيبته
طرقت باب منزل أهلها، ففتحت لها "سميحة" الخادمة. ركضت للداخل لتجد والدتها "صفاء" التي فزعت من هيئتها:
"إيه يا همس؟ مالك يا حبيبتي بتعيطي ليه؟ مش معقول اتخانقتي مع قاسم تاني!" ارتمت همس في حضن والدتها دون أن تنطق بكلمة.
في تلك اللحظة نزلت "أسيل":
"إيه ده، همس؟ إنتي بتعملي إيه هنا ومالك كدة؟ تعالي معايا." سحبت أسيل أختها للأعلى وهي تكاد تموت من الفضول، ولم تتوقف عن الأسئلة: "ليه جاية بتعيطي؟ إيه اللي حصل؟"
أسيل بإلحاح:
"همس اتكلمي بقى! قولي إيه اللي حصل؟ قاسم عملك إيه؟ اكملت بغرور قولتلك قاسم عمره ما هينساني."
انفجرت همس في البكاء مرة أخرى، ثم وقفت وتحدثت بغضب:
"ابعدي عني يا أسيل! عايزة إيه تاني مني؟ ليه دايما كل حاجة بحبها بتاخديها مني؟ إنتي كنتي عايزة كدة، مش عايزة قاسم ينساكي، عايزة الكل يجري وراكي عشان ترضي غرورك! عارفة إنك عايزة تعرفي اللي حصل مش حباً فيا، لأ.. إنتي عايزة تتأكدي إن قاسم لسه بيحبك، صح؟"
ابتسمت أسيل ببرود:
"قولتلك يا همس من قبل ما ترتبطي بيه، الطبيعي إنه مش هيبدلني بيكي. يعني مين إنتي؟ ومين أنا؟ شايفه الفرق؟ أنا بيتقال عني الملكة، كل حاجة فيا كاملة، لكن إنتي مفيش فيكي أي ميزة.. أنا برضه عاذرة قاسم."
نظرت إليها همس بشفقة:
"تعرفي؟ أنا مقروفة إنك أختي! عمري ما تخيلت إن غرورك يوديكي لهنا. إنتي شبه قاسم بالظبط، تليقوا لبعض جداً.. أنتم الاتنين ماتعرفوش يعني إيه حب، أنتم بتحبوا التسلية بس. لا إنتي حبيتي "كمال" اللي قاعدة مستنياه يرجع، ولا قاسم عمره حبك، دي مجرد شهوة مش أكتر."
كانت أسيل تسمعها بلا مبالاة وهي تعبث بشعرها:
"ميرسي يا حبيبتي على رأيك فيا. أتمنى قاسم يرجع ياخدك، لأني مش هقدر أشوفك كتير في البيت."
خرجت أسيل وذهبت لغرفتها، ورغم تظاهرها بالبرود إلا أن كلام همس كان يتردد في أذنيها. كانت خائفة ألا يحبها كمال.. كمال الذي سافر منذ سنين وسيعود أخيراً. أمسكت هاتفها واتصلت به "فيديو". قالت بتوتر:
"كمال.. أخيراً رديت عليا!"
كمال بضيق:
"لأ أبداً يا أسيل، كل الحكاية إني بخلص شغل وأسهر مع أصحابي مش بيكون عندي وقت أفتح التليفون كتير." أسيل بغيرة: "وأصحابك دول مين بقى يا سي كمال؟" كمال بزهق: "بعد إذنك يا أسيل عشان بكرة هسافر ولازم أنام."
ضحكت أسيل محاولة إطالة الحديث: "آه راجع بكرة.. ده حتى من حظك إن همس هنا." كان يهم بإغلاق الخط، لكن عندما سمع اسمها انتبه وقال بفضول:
"همس بتعمل إيه عندكم؟ مش مفروض إنها متجوزة؟" ضحكت أسيل: "ما إحنا عارفين قاسم كان طول عمره عايز مين يا كمال. مش هنضحك على بعض، أكيد مش هينساني بالسهولة دي ويتقبل همس.. مين همس يعني؟ طول عمرها ماتعرفش حاجة عن الدنيا."
أغلق كمال الخط دون رد، فقد كان يشعر بالقرف من أسلوب أسيل. أسيل بغضب: "ماشي يا كمال باشا، بتقفل التليفون في وشي؟ أوكي.. بكره نشوف."
في صباح اليوم التالي
استيقظت أسيل بنشاط لتستعد ليوم عودة "عشقها" كما تسميه. وضعت مكياجاً كاملاً وارتدت فستاناً أنيقاً اشترته خصيصاً من فرنسا لهذه المناسبة، مع حذاء بكعب عالٍ. نزلت الدرج بنعومتها المعتادة.
أما في غرفة همس، فكانت تقف أمام المرآة تفكر في كلمات أسيل الجارحة.
"يعني إيه الفرق بيني وبينها عشان يحبها وأنا لأ؟ ليه أسيل دايما بتسخر مني؟"
دخلت "هاجر" المربية وقالت بحنان وحزم:
"عشان دايما جمالك مش ظاهر.. جمالك مدفون يا همس، وانتي لازم تخلي أسيل وقاسم يندموا ويشوفوا جمالك الحقيقي. وريني.. لازم تقلعي النظارة دي، نظرك بقى تمام بس إنتي كنتي مصرة تلبسيها عشان اتعودتي، وشعرك لازم يتفرد كمان."
همس بتردد وهي تفرك يدها: "بس أنا مقدرش أطلع كدة يا دادة، أنا بتكسف.. بتوتر خالص." هاجر رفعت رأسها بأمر: "ارفعي رأسك يا همس! لازم تثقي بنفسك، ده أول درس لازم تتعلميه لو فعلاً عايزة قاسم يندم."
همس بدموع: "بس أنا عايزة قاسم يرجعلي وبس، مقدرش أعيش من غيره.. عايزاه يحبني زي ما بيحب أسيل. موافقة أعمل أي حاجة بس يشوفني." هاجر بيأس من حالها: "مش عايزة أضربك، بس خليني معاكي للآخر.. لو عايزة قاسم يشوفك، خليكي معايا وتعالي هنا."
في الصالون
كانت العائلة مجتمعة على مائدة الإفطار. عندما رأى "سامح" أسيل نازلة، صفر بحماس:
"أوووه.. إيه الجامد ده! أيوه بقى، كمال راجع النهاردة، فاهم أنا الحركات دي." ضربته والدته على يده مداعبة: "يا ولا عيب، بلاش تكسف البنت." أسيل بثقة: "مقالش حاجة غلط يا طنط، دي الحقيقة فعلاً، كله عشان كمال.. أنتم كلكم عارفين بحبي ليه قد إيه."
ياسر (والدها): "أسيل، امبارح همس رجعت في وقت متأخر ليه؟ وكانت معاها شنطة هدومها.. متخانقة مع قاسم ولا في إيه؟" أسيل بلامبالاة وهي تأكل: "اتخانقت مع قاسم وشكله حوار كبير، هي من ساعة ما اتخطبوا وهما كل يوم بيتخانقوا.. قولتلكم خطوبتهم مش هتدوم بس محدش سمعني."
في تلك اللحظة دخل كمال فجأة وقال بحماس: "سبراااااايز!" قام الجميع بصدمة وفرح، فقد كان من المفترض أن يصل ليلاً. ركضت والدته "عبير" وحضنته وهي تبكي:
"حبيبي يا ابني، مش مصدقة إنك رجعت بعد الغيبة دي كلها!" كمال ضاحكاً: "طيب بتعيطي ليه دلوقتي يا ماما؟ مش مفروض تكوني فرحانة؟ ولا أنتم شعب نكدي حتى في الفرح؟"
جلس كمال على السفرة، وكانت أسيل تجلس أمامه تتأمله بعشق دون خجل. وفجأة.. نزلت همس من الدرج بعدما أصرت "هاجر" أن تخرج بمظهرها الجديد. كانت تخجل لأقصى حد، ووجهها أصبح أحمر كالجمر.
صفر سامح للمرة الثانية، وقام من مكانه منبهراً: "يا بنت الإيه! كنتي مخبية الجمال ده كله فين؟" كانت هناك عيون أخرى تراقبها بصمت.. عيون اشتعلت فجأة بالغضب والغيرة عندما أمسك سامح يدها ليلفها حول نفسها. ضرب المعلقة على السفرة وقام بغضب مكتوم...
