رواية بيت العمدة الفصل الاول
كانت شمس الجنوب في قنا تشرق على أرض تعرف معنى العزة، حيث الرجال إذا قالوا صدقوا، وإذا غضبوا كانت كلمتهم حدّ السيف... هناك في قلب الصعيد، تقاس الهيبة بالصمت، وتحفظ العهود بالدم
وفجأة شقّ السكون صراخ حاد خرج من فمِ إحدى النساء في بيت العمده وهي تهرول من الدار مردده:
الحقوووني.... العمدة اتجتل! العمدة اتجتل... يا منصور بيه... يا ست هانم.. العمده اتجتل يا عالم
تدافع الرجال إلى الداخل وارتفعت الهمهمات قبل أن تتحول إلى صرخات مكتومة حين رأوه ممدّدا على الأرض.. غارقا في دمائه، وعمامته ملقاة إلى جواره.
وفي تلك اللحظة، اندفع ابنه الأكبر منصور إلى الغرفة ووجهه شاحب وعيناه لا تستوعبان المشهد فـ توقف عند الجسد المسجى، وكأن الأرض سحبت من تحت قدميه وارتمت زوجة العمدة، الحجة زينب، على صدر زوجها وهي تصرخ بحرقة:
اتصلوا بالإسعاف والبوليس بسرعة..... يا عمده جوووم... اتصلوا بالاسعاف... منثور اعمل حاجه يا ابني ابوك مش بيتحرك... حد يجيبلي كاسر... هاتولي كاسر بسرعه
وبعد برهة قصيرة كانت سيارة الإسعاف قد حملت الجسد الهامد، فيما انتشر رجال الشرطة داخل الغرفة يقلبون المكان بحثا عن دليل فـ وقف منصور في زاوية الحجرة يحدق في الفراغ، والحزن ينهش صدره و
اقتربت منه زوجته غزل بخطوات مترددة، ثم همست بجوار أذنه:
جتلت أبوك يا منصور
التفت إليها منصور بصدمة وتجمد الدم في عروقه، وعيناه تتسعان بغضب وفي مكان آخر، وعلى طريق صحراوي طويل... كانت سيارة سوداء تشقّ الأسفلت بسرعة جنونية، تلاحق أخرى أمامها بلا هوادة. هديرُ المحرّك يعلو، والغبار يتصاعد خلف العجلات، وكأن مطاردة لا تعرف الرحمة قد اشتعلت وخلال لحظات خاطفة انحرفت السيارة السوداء بمهارة حادة، فقطعت الطريق على الأخرى وتوقفت فجأة وسط الطريق الخالي وفتح باب السيارة بعنف، ونزل منها شابّ طويل القامة.. عريض الكتفين، تتجلّ في ملامحه صلابة الرجال الذين اعتادوا السيطرة لا الانتظار..... كانت عيناه حادتين كحد السيف وخطواته ثابتة واثقة... يوحي حضوره بالهيبة حتى قبل أن ينطق و في وقفته شموخ أبناء الصعيد وفي نظراته نار لا تخمد. كان ذلك هو كاسر الذي
تقدم نحو السيارة الأخرى، وفتح بابها بقوة، ثم أمسك بيد فتاة وأنزلها منها رغم مقاومتها وقال بصوت غاضب:
فاكرة إنك لما تهربي مني مش هعرف أجيبك يا هدير
نزعت هدير يديها من قبضته بعنف وابتعدت خطوة وهي تقول بحده:
ملكش دعوة بيا.... مفيش حاجة بينا أصلا
اشتعلت عيناه وصرخ:
مفيش بينا إي؟! أومال كل ال كان بينا ده كان إي
نظرت إليه بثبات موجع وقالت:
انتهى… كل حاجة بينا انتهت.... ابعد عني… وروح للصعيدية ال أهلك عايزينك تتجوزها.. روحلها خليها تنفعك
تصلب وجهه، واقترب منها خطوة غاضبة وقال :
إنتي شوفتيني اتجوزتها؟! أنا أصلا مليش علاقة بيها، ولا عمري شوفتها ولا أعرفها يلا تعالي معايا… كفاية فضايح كده يا هدير
وقبل أن ترد ظهرت سيارة أخرى تقترب بسرعة، وتوقفت خلفهما ونزل منها أحدي الحراس، واتجه نحوه بارتباك وهتف:
كاسر بيه… بيتصلوا بيك من الصعيد. لازم ترجع دلوجتي حالا احنا جحزنا لحضرتك علي اول طياره
لوح له كاسر بضيق وقال :
انا مش فاضي يا رجب.. امشي دلوقتي يلا
تبادل الحارس نظرة متوترة، ثم قال بصوت منخفض متقطع:
العمده... العمده اتجتل يا بيه
تجمد كاسر في مكانه، وكأن الزمن قد توقف للحظة واتسعت عيناه بصدمة لم يعرفها من قبل. همس بصوت مبحوح:
بابا
وفي صباح اليوم التالي، اجتمع أهل القرية في المقابر، والكل اقف حول قبر العمدة، والهواء محمل بالحزن والدموع و صرخات النساء تتصاعد، والرجال يحدقون في الأرض وهم يدفنون الرجل الذي كان رمزا للهيبة والقوة في بلدهم فاقترب المحامي من الحجة زينب وقال بصوت هادئ ولكنه جاد:
البقاء لله يا حجه …انا اسف في ال هجوله بش لازم نفتح الوصية
نظرت إليه زينب بعينين مليئتين بالحزن وقالت:
هو دا وجته؟
تنهد المحامي بحزم وقال:
أيوه يا حجة… وجته. لازم الكل يشوف الوصية، لأن لما تتفتح، فيه حاجات كتير هتتغير
ثم اقترب مصطفى من المحامي وقال:
خلاص يا حجه خلينا نشوفها. إن شاء الله هنستناك النهارده يا استاذ
تنهدت زينب بضيق، وأغمضت عينيها للحظة قبل أن تصمت فاقترب كاسر من والدته وقال لها بصوت حنون:
"يلا يا حجه… خلينا نمشي
احتضنته زينب وهي تبكي بحرقة وقالت :
ابوك راح يا كاسر… اتجتل ومش عارفين مين ال عمل اكده... العمده اتجتل
أجاب كاسر بعزم:
هنعرف مين ال عمل اكده… وأنا هعاقبه بنفسي والله
تدخل منصور وقال:
الشرطي مش هيسكت… هيمسكوه هياخد عقابه بـ القانون
وفجأة، ارتفع صوت فتاة من بعيد تقول بغضب:
من امتى والشركي هي ال بتاخد بتارنا … ده عمده بلدنا، واحنا ال ناخد بتاره مش الشرطي..ولو انتوا مش جادرين احنا نجدر وناخده بالنيابه عنكم ... البقاء لله يا حجه زينب ان شلء الله تبجي اخر الاحزان
القت الفتاه كلماتها وذهبت فتقدم الجميع نحو مصدر الصوت ونظرت عيون كاسر بدهشة عندما رأى الفتاة، ووجهها مغطى جزئيا إلا أن صوتها القوي جعل الجميع يتوقف وهمس كاسر بضيق:
مين دي… وإزاي تتجرأ وترفع صوتها اكده جدام الكل
اقتربت صفاء، زوجة أخيه منصور، وهمست له بخبث:
دي غصن … أم لسان طويل… خطيبتك.
تشنجت ملامح كاسر وضيق صدره وقال:
غصن... يعني اي غصن وبعدين مين جالك امي خاطب يا مرت اخوي انا مش خاطب اي حد
ثم رفع صوته بقوة أمام الجميع وردد بصوت مرتفع قوي :
شكر الله سعيكم… لا فيه عزا ولا واجب. العزا هناخده لما ناخد بتار العمدة…الكل يرجع لبيوته
توقفت كل العيون عليه، والجو أصبح متوترا وفي المساء حل الليل على بيت العمدة، وهدأ صخب القرية بعد يوم مليء بالدموع والحزن داخل الصالون الكبير حيث وقف المحامي مصطفى ممسكا بالوصية، وعيون الجميع شاخصة إليه بترقب خاصة منصور وكاسر اللذان لم يعرفا ماذا يخبئ هذا المستند الغامض وفتح المحامي الظرف بعناية، وأخذ يقرأ بصوت ثابت:
"بسم الله الرحمن الرحيم… أنا العمدة أحمد منصور العمده أضع هذه الوصية لتحديد من سيتولى أمر العائلة والعمودية بعد رحيلي… لقد قررت أن من يمسك بزمام الأمور ويقود العائلة سيكون ابني كاسر، فهو الأقدر على الصبر والحكمة وحماية شرفنا وكرامة العائله . لكن لتحقيق هذا، يجب أن يتزوج من غصن ابنه صديقي ورفيقي الوفي المرحوم محسن … وإن رفض كاسر الزواج، فيحق لمنصور أن يتولى الأمر بعد الزواج بها ليكون هو من يمسك العائلة والعمودية"
انهي المحامي كلماته وارتجفت كل العيون، وتبددت الأنفاس في الصمت، حتى ارتفع صوت منصور، صادما الجميع وهو يردد :
إزاي يعني؟ أنا الكبير… أنا ال المفروض أمسك العيلة
أجاب المحامي بهدوء ولكن بحزم:
دي الوصية يا سيد منصور… بس في شرط واحد علشان يحصل كل دا، لازم كاسر يتجوز … ولو رفض أنت تتجوزها غير اكده كل الفلوس والاملاك النص هيبجي ليكم بالشرع والنص هيتوزعوا علي الجمعيات
وقفت صفاء مذهولة، وعينها لا تصدق ما تسمعه، بينما نظر كاسر إلى الجميع بعينين حادتين، وقال بصوت منخفض ممتزج بالغضب والعزم:
أنا مش موافج… ومتنازل عن كل دا… ومش عايز أي حاجة
ثم التفت وانصرف، تاركا الجميع في صدمة وحيرة، بينما ابتسم منصور ابتسامة غامرة بالرضا وقال:
انا موافج خلاص… موافج.. هتجوز غصن
وقفت صفاء متجمدة، والصدمة تتحول إلى غضب وهي تحاول فهم ما حدث وبعد فترة، وأثناء الليل كانت صفاء تقف في غرفة كاسر، وعيونها متقدة بالغضب والخيبة، تصرخ فيه بصوت مرتفع:
هتتجوز عليا بعد ما استحملتك وخبيت انك انت ال جتلت ابوك يا جاحد … انت ال جتلت العمدة.. ثحيح واحد هان عليه ابوه.. يبجي هيعمل في مرته اس
توقف منصور لحظة، ثم اقترب منها بهدوء شديد وأمسك بكتفيها، قائلا بصوت منخفض لكنه حازم:
"اسكتي… أنا بعمل كل دا علشانك، انتي… انتي الأصل… وغصن مجرد وسيلة. أنا همسك العمودية والعيلة، وبعدها اطلجها … صدجيني.. انا مستحيل اتنازل عنك
رفعت صفاء حاجبيها بعناد وقالت:
لو عملت غير اكده، أنا هجول للكل إنك انت ال جتلت ابوك… فاهم
ابتسم منصور بابتسامة باهتة وخرج بينما بقيت هي واقفة، تنظر إليه في صدمة وغضب، وهو يغلق الباب خلفه، حاملاً سره وعزمه، وحده في صمت الليل وفي اليوم التالي حل الصباح على بيت العمدة، وازدحم الصالون الكبير بالحضور.... المأذون... المحامي ومنصور، وجميع الحاضرين من العائلة والمقربين حيق جلست غصن في مكانها، وجهها مغطى بوشاح خفيف، وعيونها متوترة تنتظر ما سيحدث حتي اقترب منصور من المأذون وقال بثقة:
يلا يا حضرت المأذون… اكتب الكتاب.
رفع المأذون يده وكان على وشك البدء، لكن فجأة انفتح الباب بقوة، ودخل كاسر بخطوات حاسمة. اقترب من غصن و أمسك يدها وسحبها اليه مرددا:
مفيش جواز هيتم… غصن خطيبتي، وأنا ال هتجوزها ودلوجتي
ابتسمت الحجة زينب بهدوء، وهمست بصوت خافت:
الحمد لله…الحمد لله
اقترب كاسر من منصور بثبات وعيونه مليئة بالحدة وقال :
أنا هجتلك.... هجتلك يا منصور … جسما بالله موتك لـ هيكون علي ايدي يا اخوي
القي كاسر كلماته ثم ثم التفت إلى المأذون وقال بحزم:
يلا يا شيخنا … اكتب الكتاب
تجمد الجميع للحظة، بينما ارتسمت على وجوههم دهشة وارتياح و فجاه
