رواية فيلا معروف كامله جميع الفصول بقلم أندرو شريف
مرض الأم صعب، وأنا أمي مش بس مريضة، دي بتعيش أيامها الأخيرة معايا بسبب مرض لعين بياكل في عضمها، ومرضها هو سرطان العضم، وزي ما معروف، علاجه يبقى بشيء وشويات، وللأسف، أمي كانت في مرحلة متأخرة، يعني علاجها مش هيداوي، بس على الأقل هيطول عمرها شهور وهيسكن ألامها طول الليل، ووسط ده كله... اتطردت من شغلي بسبب الغيابات الكتير، والغيابات دي كان سببها إني ببقى مع امي في المستشفى، ومن بعد طردي مابقاش معايا فلوس أقدر أجيب بيها الدوا، حتى التأمين ماكنش مكفي حاجة، وقتها الهم طالني، وعشان مابانش مهموم في البيت قصادها، نزلت القهوة، لما نزلت ماطلبتش حاجة عشان جيبي فاضي، انما حاجة زي كده ماتفوتش على حمادة زويلة؛ وحمادة هو شاب عنده 26 سنة، ورث شغلانته عن باقي عيلته، سموه زويلة عشان مُتعلم، ومع ذلك كمل في شغلته، أصله شايف إنه لقى نفسه فيها وإنه ورثه الوحيد... أول ما شافني ماطلبتش حاجة، جالي، وقف قدامي وقالي بصوته الرفيع والمميز:
-مسا مسا على الناس اللي مش كويسة.
طلعت علبة السجاير من جيبي:
-مين ده اللي مش كويس يا زويلة؟
-خد بالك... انت بتزعلني منك، بس عارف... أنا بحبك، ومع إنك عارف إني مابحبش أجي أرازي في حد وأقوله تشرب ايه، لكن أنا جايلك أهو وبقولهالك... تشرب ايه يا سُمعة؟
جيت أفتح علبة السجاير لقيتها فاضية، وبسبب قرفي وفقري رديت عليه بخنقة:
-شارب المُر ومعبي، حتى علبة السجاير فضيت وماعيش أجيب غيرها.
ماردش عليا، ده بص لعنبة اللي شغال على نصبة الشاي ونده بصوت عالي:
-عندك واحد شاي جنايني للأستاذ اسماعيل يابني.
بعدها طلع سيجارة من جيبه وكمل كلام بصوت واطي، صوت، أنا بس اللي سامعه:
-أحلى سيجارة عليك، هاجي أولعهالك أول ما كوباية الشاي توصل، مش زويلة اللي يرازي في أخوه، المهم... طمني على الحاجة سميرة، عاملة ايه؟
رديت عليه بحزن:
-تعبانة يا زويلة، ومش تعب عادي... كل ليلة بتعدي عليها من غير الدوا، بتبقى أسوء من الليلة اللي قبليها، وانا... انا واقف بتفرج، لا عارف أساعدها، ولا عارف أساعد نفسي، وأخرتها نازل القهوة وسايبها لوحدها، قاعدة على السرير بين اربع حيطان وهي بتتألم.
-لا اهدى كده اومال، انت الدموع هتنزل من عينك ولا ايه يا سُمعة، أنا متعود عليك شديد وبتاع ربنا، وماتخفش، مش هحاسبك على كوباية الشاي والسيجارة.
قال أخر جملة بطريقة خلتني ابتسم وأنا بمسح الدمعتين اللي نازلين من عيني:
-انت فايق للهزار يا زويلة، وأنا مش قادر أهزر.
-ومانهزرش ليه، الضحكة دي الحاجة الوحيدة اللي عليها القيمة وببلاش.
-ببلاش!... كداب اللي يقولك الضحكة ببلاش، الضحكة المليانة هم، كلها وجع من جوة، انما اللي مرتاح ومعاه فلوس، ضحكته هتبقى صافية ووراها هم اه، بس سهل يتلم.
عنبة العيل الصغير جاب كوباية الشاي وحطها على الطقطوقة اللي جنبي، بعدها زويلة طلع علبة كبريت من ايده، حطيت السيجارة في بوقي عشان يولعها، ولما ولعها، خدت نفس دخان وطلعته بهم من جوايا، ووقت ما الدخان بيطير في الهوا، مسكت كوباية الشاي وشربت منها بوق، وبعد ما شربت، لقتني سرحت في مرض أمي لحد ما زويلة قاطعني:
-واللي يجيبلك الحل؟
-حل لايه ولا ايه؟
-استنى بس وماتقطعنيش، الكلام على منطقة جديدة لسه ماسكنتش، فيها فيلل كتير، اصحاب الفيلل لسه بيشطبوا، والمفيد منه، إن مافيش فيلة فيهم سكنت.
-ايوة وأعمل ايه انا بفيلا فاضية؟
-مش قولتلك ماتقاطعنيش... الموضوع بسيط، بليل... بعد الساعة 12، هتصل بيك ونروح هناك ناخد اللي فيه النصيب ونبيعه، وأهي، نواية تسد الزير لحد ما تلاقي شغل تاني، ها.. قولت ايه؟
-قولت ايه في ايه؟... قولت لأ طبعا، انت عايزني أسرق على أخر الزمن؟
-وطي صوتك، هتفضحنا، كل ما في الموضوع انك مزنوق في قرشين للحاجة، ودول ناس متريشة ومعاهم فلوس.. يعني مش هيحسوا بحاجة لو خدنا حتة، ف ماتعتبرهاش سرقة، اعتبرها ثواب منهم بدل الشغل الشمال اللي بيعملوه.
-أنت كمان بتحلل السرقة؟
-برضه بتعلي صوتك، بقولك ايه... خلص شايك وشوف هتعمل ايه، وعلى كُلٍ، أنا رقبتي سدادة ليك وللحاجة، واهو كله بشوقك.
قعدت لوحدي افكر، ووسط مانا بفكر خلصت كوباية الشاي والسيجارة، ولما بصيت على بلكونة بيتنا، حسيت بألم أمي طالع من الشباك وهي بتطلب مني المساعدة، فضلت على الحال ده وقت طويل، بصيت في ساعتي لقيتها عدت 12، ساعتها خدت قراري وطلعت البيت، فتحت باب الشقة وقعدت على الكنبة، ولما قعدت كملت تفكير في بكرة لحد ما قطع تفكيري صوت ألم أمي العالي، ماقدرتش أتحمل صوت ألمها، وبسرعة طلبت من كوثر جارتنا تقعد معاها شوية، أصلها بتعتبرها زي أمها بالظبط، ولما اطمنت على أمي، نزلت قابلت زويلة، وبعد مقابلته، ركبنا عربيته الفيات موديل 28 وطلعنا على المنطقة، اصل خلاص، هعمل ايه يعني، ايوه، انا قررت إني هسرق، واهي السرقة أهون كتير من ألم الأم، ولو حبيت انيم ضميري، هعتبرها سُلفة لحد ما أظبط دنيتي.
المهم، خدت طول الطريق وانا سرحان لحد ما وصلنا المنطقة، وقتها لقيت نفسي في شارع طويل كله فيلل، كلهم مش منورين، الجنينة بس اللي فيها نور بسيط للرؤية، اختارنا أفخم فيلا فيهم وركنا العربية بعيد شوية، بعدها نطينا من على السور ودورنا على شباك مفتوح مالقناش، بس باب الجنينة الخلفي، حد نسيه مفتوح، فتحته وجينا نخش، لقيت زويلة بيهمسلي:
-بقولك ايه يا سُمعة، أنا هستناك برة أراقب الجو، عشان لو في حاجة كده ولا كده، أناديك ونكُت من هنا على طول، والمهم، طقطق ودانك وركز معايا.
بصيتله بنظرة كلها قلق من اللي بيحصل:
-هو لازم نكمل اللي احنا جينا عشانه ده؟... ما نمشي أحسن، أنا مش بتاع الكلام ده.
-نمشي ايه سُمعة، انت عارف العربية خدت بنزين بكام؟... يا راجل كفاية يوميتي اللي هتطير عليا من المعلم عامر، خش بقى بلاش كلام كتير، خش يلا وشدلك كام تمثال على كام انتيكا عشان نبيعهم للي يقدرهم.
رفعت عيني للسما وخطيت برجلي جوة الفيلا، بعدها دخلت وانا برد عليه:
-انت شايف وعارف يا رب، أنا مُجبر.
أول ما دخلت واتمشيت خطوتين لجوة، سمعت حاجة بتزيق ورايا، بصيت ورا لقيت باب الجنينة بيتقفل ببطء شديد، رجعت الخطوتين اللي خدتهم، ولما رجعت، باب الجنينة اتقفل لوحده، وبعد ما كان شفاف ومبين اللي وراه، بقى معتم، حتى الفيلا بقت مضلمة، ولأن الجنينة هي مصدر الضوء الوحيد اللي كنت شايف منه، طلعت موبايلي وشغلت الكشاف، بعد كده خبطت على باب الجنينة وأنا بزعق في زويلة:
-افتح يا زويلة، بلاش الهزار ده.
زويلة ماردش، لكني سمعت صوت حد بيكلمني... صوت حد بيرد عليا بنبرة خبيثة:
-ومين قال اننا مجبرين يا اسماعيل، انت، انا... كلنا مش مجبرين على حاجة، والغلط بيبقى بمزاجنا، مش بمزاج حد تاني.
لفيت جسمي ناحية مصدر الصوت عشان اشوف مين بيتكلم، ومع لفتي، شوفت شخص واقف قدامي، يدوبك، ملامحه باينه من الكشاف اللي في ايدي:
-والله يا باشا أنا ماكنتش عايز أسرق، زويلة هو اللي وسوس في دماغي وخلاني أجي هنا، بس أنا أوعدك اني همشي ومش هتكرر تاني، أنا أمي ست تعبانة ومالهاش في الدنيا غيري.
-بتفكرني بنفسي يا اسماعيل، عشان كده اختارتك أنت بالذات.
-اختارتني لايه يا باشا، أنا مش فاهم حاجة... هو انت مش هتبلغ عني البوليس؟
-البوليس مش للي زيك يا اسماعيل، البوليس للي كنت شغال معاهم، بس في الأخر امثالك هم اللي بيترموا في التخشيبة، وامثالهم عايشين دور الضحية، الفرق بس انهم عارفين يمثلوها كويس أوي، والناس مصدقين.
-والله يا باشا انا مش فاهم حاجة منك، بس الف شكر... انا همشي من هنا ومش هاجي تاني اقسم بالله.
-تمشي ايه يا اسماعيل، مافيش مشيان غير لما تسمع الحدوتة من الأول.
-حدوتة ايه يا باشا، بقولك امي تعبانة ومريضة بمرض خبيث، تقولي حدوتة!
-وعشان امك مريضة، تقوم تسرق؟
-والله يا باشا مجبر.
-ماانا كنت بقول زيك كده بالظبط، لحد ما وصلت للي أنا فيه دلوقتي.
بعدها الشخص اللي قدامي بدأ يحكي ويقولي....
***
أنا شغال محاسب قانوني، براجع حسابات ملجأ أيتام أعرف مديرته كويس اوي، وطبيعة شغلي اني بشوف اللي داخل واللي خارج وبظبط على الأساس ده كل حاجة، واهو الحمدلله الدنيا في البداية كانت كويسة، يعني اللي جاي، كان على قد اللي رايح واكتر، والعيال في الملجأ كانوا مبسوطين ومرتاحين كمان، لدرجة إن كل واحد فيهم كان ماسك موبايل، ومش أي موديل وخلاص، دول ماسكين موبايلات كويسة ومناسبة لسنهم، حتى أنا كمان كنت مبسوط وكل حاجة كانت تمام، لحد ما في يوم عرفت إن مش كل حاجة بتتقيد في الدفاتر عندي، وإن فيه تبرعات بمبالغ ضخمة بتخش الملجأ وأنا ماعرفش عنها حاجة، بهدوء روحت لأستاذة باكينام وقولتلها على كل المعلومات اللي أعرفها، في اللحظة دي طريقتها اتغيرت في الكلام، وعرضت عليا إني أشاركهم في تظبيط الحسابات... ومعنى كده اني الحسابات بحسابات تانية وهمية، عشان الضرايب ماتقدرش تمسك علينا حاجة، وبكده هيبقى ليا نصيب كبير في كل مبلغ هيخش الملجأ، بصراحة كلامها دخل دماغي لأني كنت على قدي، وعلى الرغم من إني محاسب قانوني، إلا إني ماوصلتش لمرحلة كبيرة، يدوبك، الواحد عايش ومش عارف يتجوز، وعشان كده وبعد تفكير عميق، شاركتها، وأهو كله يعتبر، بس من ساعتها وانا نسيت يعني ايه ربنا، لحد ما في يوم كنت رايح لأستاذة باكينام عشان أسلمها الأوراق، ولما طلعت المكتب مالقتش السكرتير، قولت مش هتفرق، أنا أخبط الباب وأديها الأوراق، بعدها أمشي، لكن قبل ما أخبط على الباب، سمعتها بتتكلم في الموبايل وهي متعصبة:
-زينة دي احنا كنا حاطين أمل كبير أوي عليها، يقوم في الأخر يحصلها كده!!... أكيد في حاجة غلط وأنتوا لازم تصلحوها، أنا مش مستعدة أسمع منكوا كلام تاني غير بعد التنفيذ..
سكتت للحظات وبعدها كملت كلام بعصبية أكبر...
