رواية العميل 101 الفصل العشرون
ظل كالثور الثائر يغدو و يروح بين حدود مسكنه، وكلماتها الدامية، وعينيها الهاربة التي لم تطالعه إلا للضرورة فيرصد الخذلان بهما، يرافقانه في اتجاهاته كظله، مسترجعا ذكرى ذلك الأسبوع وعدم رؤيته لها خلاله، مغيبة عن عملها من بدايته أو بالآحرى من بعد تلك الليلة !
ليراها الآن بذلك النحول الشديد والشحوب الأشد !
إذا تخمينه في محله هي رصدت حضور زوجة ابيها لمحل اقامته وانصتت لحديثهما معا .. أو أكثر تدقيقا لوضاعتهما الغير أخلاقيّة !
مغيبا استدار يلكم الحائط من خلفه بلكماتٍ متتالية، اخلفت جرح سطحي نقش ظهر راحته، لم يدرك تطوراته المؤلمة في الحين نظرا لما يعتري داخله من ضيق مستفحل ..
هوى على أحد المقاعد القريبة يدفن وجهه بين راحتيه وهو لا يعلم سببا مقنعا لما يعتريه، مرجحا حججه التي ضوت أمام عينيه لتهدئة عقله الذي لا يهدأ، بأنه حتما لكشف أمره للمرة الأولى بذلك الشكل المتكرر، أو ربما لجرح شيئًا من الكبرياء داخله بانتساب ذلك الفعل المشين إليه أمام الغرباء ..
أو أمامها هي خاصة وتلك كانت الحقيقة الغائبة عنه !
ظل دقائق متقلبا على جمر حتى تشبعت راحتيه بزفرة ملتهبة قبل ابعدهما مستقيما بخطوات مميته، يبحث في اسعافات دورة المياه عن رباط طبي يطيب جرحه وأنين عظام اليد الذي بدأ يتفاقم، عقب ملاقاته واتمام عملية التطهير والتضميد انتوى الخروج للبهو، إلا أنه تقهقر عائدا بعد نظرة خاطفة في المرآة أمامه، فاطلق سهام نظراته بصورته المنعكسة بها بنفور أعاد كرّة غضبه مرة ثانية، مما رفع راحته الملكومة وجاد عليها بضربة قوية هشّمتها لجزيئات ضئيلة بعثرت معالمه التي تلقط منه نظرة حادة وكأنه بات يمقتها ..
------------------------
حالها لم يختلف عن حاله كثيرا بعدما تركته وفرت راكضه تجاه غرفتها بنحيب حاد، تاركة العنان لصرخة مدوية تلقاها فراشها الوثير عقب استلقاء وجهتها الأمامية فوقه .. هالة حزن وقهر التحفيها منذ اسبوعا كامل تزداد اتساعا مع الوقت، مما عجزت المسنة التي تجهل ما يحدث لها مؤخرا عن مداوتها بفيضها الحاني، مكتفيه بمراقبتها في صمت مقيد بالأغلال وتساقط العبرات، مؤمنة بأن كل ما حل بها مؤخرا من صفعات العشق ذو الطرف الأوحد ..
---------------
على الجانب المصري تفاجأ الجميع بعزوف "أمير" عن قراره والعودة بصحبة "حسين" للاجتماع مرة ثانية، فاستقبله العجوز و "علي" بكثيرا من الود رغم احترافية الأخير بمدارة ضيق العاشق داخله .. أما عن تلك المرأة بينهما ظلت كنسمة صيف خفيفة الظل لا يشوبها ريحًا صرصرا عاتية أو ريحانًا شذاه مرفرفا، فقط حمدت خالقها سرا على قراره الحكيم، واكتفت بمتابعة سير العمل بنظرات مطرقة بين الأوراق دون أن تفرش أمامه اساليب للود أو باب لمواصلة فيما بينهما، حتى بات يشك من حدود تعاملها ووجهها المحتد بأنها لم تحادثه منذ قليل أو قد تكون رأته من الاساس، تعجب في نفسه وآثارت فضوله كثيرا، مما استحوذت على أكثر نظراته العشوائية في الأجواء طوال اليوم، رغم انشغالهم اجمعين في العمل كخلية نحل لا تهدأ ..
-------------------
عقب مرور اربعة أيام على لقاء "عمر" بـ "مرام" وامتداد وصلة الفراق بينهما مرة ثانية، قام جميع العاملين بالقصر بالإضافة لأطقم شركات ضيافة خاصة على قدم وساق، من أجل أقامة حفل "مرتضى" السنوي الخامس عشر على مرور بناءه لصرحه التجاري في عالم الأعمال الدولية، والذي يحضره على رأس الضيوف هذا العام وزراء تجارة بعض الدول وكبار المسئولين ورجال الأعمال في أوروبا وأمريكا، مما وجه استدعاء عاجل لـ "عمر" داخل مكتبه قائلا إليه ما أن لبّ النداء:
- اهلا "ياسين" اتفضل بالجلوس ..
احتل أحد المقعدين أمام مكتبه مكتفيا بالصمت المراقب له وهو ينفث حولهما بدخان سيجاره الفاخر مواصلا :
- أكيد سمعت اليومين اللي فاتوا عن الحفلة السنوية اللي بتتعمل كل سنة هنا ؟
بإيماءة هادئة أجابه :
- فعلا ..
- ولكن اللي مش تعرفه بأن ضيوفي السنة دي أكتر قوة وهما وزراء تجارة بعض الدول وده طبعا من الانجاز اللي عملته شركاتي في عالم التجارة في أخر خمس سنين ..
نظرة اهتمام من "عمر" استرعته على المواصلة فقال:
- عشان كده أنا قمت باستدعاء أكبر الشركات في الأمن والحراسة لحماية الحفلة من بدايتها لنهايتها وبطلب شخصي مني كنت عاوزك تتولى الأشراف عليهم بخبرتك المعهودة من أيام "كاظم" صديقي لغاية حماية بنتي "مرام" وكسب ثقتي عن جدارة ..
ضوى استفسارا صامت في مقلتيه، فاستقبله "مرتضى" بشيء من الحزن قائلا :
- "ياسين" أنا عرفت من فترة قليلة جدا اللي حصل في البندقية ومن لحظتها ومع كل هروب لبنتي وقدرت فعلا تكسب ثقتي ..
ثم واصل بامتنان :
- بجد شكرا ليك أنك بتجاهد بكل قوتك عشان بنتي تفضل جمبي مهما كانت حربها ..
- دا واجبي سيد "مرتضى" وأنا بأديه من غير شكر ..
ثم اضاف مترددا :
- وبعدين أنا تحت أمرك في أي وقت بس مهمة زي دي مع مراقبة الأنسة "مرام" هيكون الوضع صعب وأكيد هيكون فيه تقصير وأنا مش حابب كده ؟!
انخفضت عينين "مرتضى" وهو يجيبه بانكسار:
- متخفش مش هتحمي بنتي وقتها لأنها مبتحضرش معايا أي حفلة من النوع ده ودايما بتقعد في أودتها مابتنزلش ..
-----------------------
- أنا هحضرها !
رددتها "مرام" بقوة حازمة وهي تقلب بنظراتها المتمعنة بين أثواب والدها المهداةُ فاهملتها بخزانتها دون اهتمام، مما جعلت المشيبة يفتر فاهها منصدمة وهي تصيح في ذهول :
- أنتي بتقولي إيه ؟!
عقب ثبات حدقتيها على فستان ملتحف بالجسد كشميري اللون عاري الظهر حتى أخره اجابتها بأصرار :
- اللي سمعتيه يا دادة "أنيسة" أنا هحضر الحفلة السنة دي ..
ذهب عقلها على صدى جملتها الرصاصية، مما صاحت بلوم :
- وفين رفضك ونفورك لنفس السهرات دي طول السنين اللي فاتت، فين رفضك للفساتين دي وكلامك بأنهم عريانين زيادة عن اللزوم وأن بنت بعفتك وباخلاقك مينفعش تلبسهم، فين وصايا ومبادئ والدتك اللي صمدت وماتت وهي بدافع عنها وغرزتهم فيكي لغاية أخر يوم في عمرها ..
لحقت حديثها بحديثها فاض دمعها بين حروفه :
- أهو أنتي قولتيها بنفسك يا دادة .. عاشت تدافع عنها لغاية لما حياتها ضاعت وماتت ومفيش حاجة اتحققت .. عاشت مقهورة وماتت مقهورة ومرتحتش يوم واحد وأنا مش هستنى حياتي تضيع وتنتهي زيها ..
- يا بنتي بس !
- مفيش بس قوليلي مبادئي دي ودتني لفين .. شعاراتي للرفض للواقع اللي عيشاه اثرت على والدي فعلا وخلته يرجع عن طريقه .. طبعا لا .. بل بالعكس كلهم عايشين قدامك مبسوطين وأخر روقان زي ما انتي شايفه .. إلا أنا اللي مقهورة وحزينة طول الوقت .. فيبقى ليه مأجربش حظي في طريقهم يمكن أقدر اتأقلم عليه وأعيش طبيعية ولو ليوم واحد زي البشر ..
بخفوت يستجلب رقة قلبها لعلها تتراجع، هتفت العجوز :
- "مرام" أنتي عارفه نوعية الحفلات ضيوفها إيه وشربهم وتجاوزتهم فيها عاملة ازاي وأنا واحدة كبيرة في السن مش هتقدر تحميكي من أي حد فيها .. خصوصا أنك عرفه أن "مرتضى" بيه لو حد قل ادبه هيسكت ومش هيرضا يزعل أي حد من ضيوفه المهمين .. فعشان خاطري يا بنتي اخزي الشيطان وابعدي عن قرفهم واعقلي زي ما أنتي كنتي عقله طول عمرك ..
استدارت عن عينيها هاربة، تردد باستياء:
- كلامك ده أتأخر قوي يا دادة لأن معدش فيا عقل خلاص بعد كل قلم باخده من اللي حواليا والحياة اللي عيشاها ..
عزمت على الرد إلا أنها صمتت يأسه بعدما ايقنت بأن الكلام معها اصبح لا يجدي نفعا، ترقرق عينيها بالدمع وداخلها انتوى خطى واحدة لا غير عنوانه "ملحق ياسين"، فالوقت بات على صفيحٍ ساخن ولا يجب عليها الانتظار أكثر من ذلك !
-----------------------------
في المساء وبعد انتهاء يومه الشاق بين همة العمل والإشراف على تنفيذ الجهاز، والأكثر مشقة من هذا وذاك هو مقاومته للقضاء على ذلك الشعور اللعين بداخله - الغيرة- كلما رأى "أمير" امامه، صدح بوق سيارته بصوت متعارف عليه ما أن عبرت بوابة الڤيلا، مما رصد خروج "آناهُ" لانتظاره بعينين مشاعة بالاشتياق، تجهل شوقه هو إليها والذي راح يبثه عقب ترجله من السيارة ومتابعة مغادرة السائق بها، بعناق صامتا اشتد وطال مما جعلها تنطق توجسا من بين ذراعيه:
- "علي" ما بك ! أتوحشتك بذلك القدر ..
همس مؤكدا :
- وأكثر مما تتخيلين ..
بنبرة ضاحكة قالت متعجبة :
- لقد كنت في الصباح معك ..
اشتد في عناقها متذمرا:
- وفي المساء وفي كل وقت أريدك معي و لي ..
ازداد توجسها فأعادت استفسارها مرة ثانية:
- "علي" ما بك اليوم حقا .. لقد قلقتني حالتك كثيرا !
متنهدا اجابها :
- لا أعلم .. فقط أريد أن اطمئن بأنك معي مدى الحياة ..
همست تأمل خيرا :
- أن شاء ربي هو كذلك "حبييي" ..
ابتعد عنها قليلا يحصرها بين حدقتيه مترجيا:
- قوليها مرة أخرى .. ادمغي سمعي بهمسها دائما حتى تطيب جروحي وتتعافى ..
جحظت عينيها صائحة بلهفة وعينيها تتفحصه بأكثر دقة :
- "علي" ااأنت مريض اليوم ..
ضغط بحنو على ذراعيها وهو يجيبها هائما :
- كنت كذلك حتى توسدتي صدري .. فأقسم بأن جميع ما بي فارقني مغادرا !
تراخت معالمها المتوجسة وهي تردد بغيظ :
- فتى مدلل .. ودلالك ارهقني كثيرا ..
بضيق عينيه سألها معترضا :
- الا يحق لي أن كون كذلك وأنا بجوارك ..
مطت شفتيها بابتسامة مغرية :
- بلى ..
دنى يهمس باغراء عند أذنها :
- فتاتي المطيعة دائما اعشقها ..
ابتسمت برقة عذبة سلبت تركيزه منبه :
- هيا فتاتك جائعة والجميع ينتظر حضورك في الداخل من أجل ترأسك لمؤدبة العشاء ..
- من الجيد تناول الطعام بصحبتهم ..
- نعم وخاصة تلك الصغيرة المدللة "جويرية" التي تشاركني بك وتنتظرك بلفهة فاقت الحد فاصبحت أصاب بجنون الغيرة منها ..
على ذكر كلمتها الأخيرة ونيرانه ما مر عليه اليوم قال محذرا :
- كلا ارجوكِ لا تغارين .. فذلك شعورا شنيع يقتل صاحبه حد الموت .. وأعدك جاهدا بأن لا يصيبك بقسوته ما حييت ..
بنظرة ماكرة رددت :
- امممم من الجيد أن اقتلع وعدا كهذا منك .. والذي أنت حتما على استعدا بتنفيذه ..
قطب حاجبيه بحيرة :
- إلى ما ترمين بقولك ..
ثم ما أن لبث ثواني في حالته حتى انقشع انقباض معالمه متفهما غرضها :
- اووووه لقد ازداتي خبثا يا فتاة ..
ثم همس مبتسما :
- ومع ذلك لك ما تريدين ..
ببهجة تملكتها :
- حقا "علي" ..
ثم استكانت مشاعرها سريعا منبها:
- ولكن ليس رفدها طبعا .. فقط اكتفي بنقلها لقسم أخر بعيدا عن السكرتارية خاصتك .
ضحك مشاكسا :
- اثبتي على رأي "آنا" ارفدها أم لا ..
هوت بقبضتها على صدره متذمرة :
- لم اقل رفدا من الاساس "علي" هذا إفتراء كاذب !
واصل مشاكستها وهو يقمع ضحكته :
- ولكنها اخترقت بصيرتي بنارية عينيك عقب ذكر الفتاة .. ألن تلاحظيها !
قالت مندهشة :
- حقا فعلت !
ثم ما أن شاهدت معالمة الضاحكة حتى تجعد أنفها بضيق مصطنع من مراوغته :
- هاهاها .. شابًا غليظ ..
اشبعها بهمسه الحاني :
- وأنتى حياتي وبصيرتي !
ذابت بخضرة عينيه متمتمة :
- صدقًا !
أومأ بالإيجاب بنظرات هائمة:
- وأكثر .. ثم واصل ماكرا: أخترتي كتاب لسهرتنا الليلية في مجلسنا المنعزل ..
استفسرت مندهشة :
- أنواصل الليلة أيضا ..
بتذمر وضيق :
- وكل ليلة .. أم تملين مني ؟!
نفت سؤاله بعجالة :
- كلا بالطبع ..
ثم استطردت مدعية التفكير :
- امممم ما رأيك بكتاب يحكي عن حياة سيدنا عمر بن الخطاب ..
ثم واصلت بشغف :
- التعمق في شخصيته سيدهشك كثيرا، فعن نفسي اعشقها ولا ينافسني أحدا بحب ذلك الصحابي الجليل ..
بابتسامة جذابة اجابها :
- تحمست كثيرا وغمرني الشوق لكي انافسكِ أنا بحبه ..
أردفت تداعبه بتحدي :
- إذا استعد لحينها أيها المنافس وتأكد من خسارتك ..
مواصلة بمزاح : ثم هيا الآن للعشاء فالجميع جائعين واصبحت متقنه بهجومهم علينا كوجبة طعام دسمة أن تأخرنا عليهم أكثر من ذلك ..
قهقهات قوية خرجت منه على مداعبتها كفيلة لتبدد مزاجة السيء وهو يشتد بساعده على بنيتها داخل صدره ويهم بها للداخل دون تباطأ، لتبادله هي الضحك وقلبها يزداد عشقا لرجل اذاقها العشق طبقات طبقات وغمرها بينهما بحنينه الفائض ..
----------------
ما يقارب الساعة بملحقه السكني وفي زواية منعزلة عن بث الكاميرات تجنب الخروج لأجل مراسلة فريق العمل بأخر تطورات الأمر، عن طريق ربط بلورة خاتمة بجهاز محمول يرسل الاشارة إليهم بواسطة القمر الصناعي .. محاولا السرعة في قضاء الأمر ومواصلة عمله في ذلك اليوم الهام لحماية حفل "مرتضى" المنتظر تنفيذه بعد ساعات ضئيلة، وبالفعل في نهاية المدة كان قد افادهم بعدم وجوده لشيء داخل المكتب أو باقي القصر على أمل دوام البحث دون مل، ثم اسرع بتحرير تلك البلورة من الجهاز واعادتها لمكانها داخل الخاتم بالأضافة لاعادة كل شيء قد استعان به حوله لمكانه الأصلي ..
ثم استقام يستعد لارتداء حُلة الحفل الرسمية للإشراف المنتظر بعدما افاض باوامره المشددة على رجال الأمن في الصباح بتوزيعاتهم المتقنة بالمحيط، إلا أنه بغت بتنبيه باب مسكنه يتواصل، فحرك خطاه بترقب وداخله الفضول يزداد لمعرفة من الطارق في هذا التوقيت، تفاجأ عند فتحه باحتلال "أنيسة" لحيزه، فصمت مندهشا يستوعب وجودها، بينما هي بادرت استفساره الصامت مردده:
- أكيد مستغرب من زيارتي لمكانك هنا .. بس فعلا محتاجه أتكلم معاك شوية ..
رمقته يطالع ساعة معصمه مقطب الحاجبين، فواصلت حديثها قائلة :
- عرفه أنك مشغول بس صدقني لو الموضوع مش مهم على الأقل بالنسبالي مكنتش جيت واصريت عليك دلوقت .. وعلى الأقل كنت أجلته..
رفع رأسه يطالعها بنظرة مبهمة ثم حزم الأمر مبتعدا للخلف وهو يبسط راحته إليها للدخول، والتي نفذته بخطواتها المسنة ثم باحتلال أحد مقاعد الاستقبال مستأنفه باستحياء :
- أنا عارفه أن بزيارتي دي والكلام اللي هقوله فيها ليك هيكون بيني وبينها عتاب شديد ممكن يقطع صلة التقدير والاحترام اللي موجودة بينا ..
ثم صاحت بعينين دامعتين غرس الحزن بهما كافة بذوره :
- بس والله ما خدت الخطوة دي إلا عشان مصلحتها وعشان بعتبرها بنتي اللي مخلفتهاش وخايفة عليها من اللي جاي أكني والدتها وأكتر ..
جلس مقابلها مستغربا حديثها الغامض والذي تقصد به حتما من مؤشراته الأولى "مرام"، فاسترعاها بنظرته المهتمة للمواصلة، فقالت بخفوت :
- أنا وزوجي كان بقالنا عشر سنين متجوزين من غير خلف لما "مرتضى" ومراته أتزوجوا وسكنوا في الشقة اللي جنبنا .. وبما أن الباب جنب الباب وأنها من الصعيد ومتعرفش حاجة في القاهرة كانت بتستعين بيا في أكتر استفسارتها وبالتالي عاصرت حياتها لحظة بلحظة من أول لما هو سافر ايطاليا وسبها وهي حامل في الشهور الأولى لغاية لما ولدت "مرام" وبقى عندها سنة .. خاصة أن مامتها متوفية وباباها بس اللي كان بيزورها وطبعا راجل كبير زيه كان هيساعدها ازاي .. فكنت أنا اللي براعيها وبراعي طفلتها الرضيعة اللي كبرت بين ايديا وخطفت قلبي وحنيني للأمومة .. لغاية لما جت في يوم وفاجأتني بأنها هتجهز ورقها هي وبنتها وهيسافرو لزوجها .. مش قادرة اوصفلك هي كانت فرحانه قد أيه بسفرها خاصة لما عرفت بأن ربنا عوض عليه أخيرا ولقى شغل كويس يكسب منه عيش في الحلال .. بصراحة رغم حزني لفراقهم انبسطت علشانها واتمنيت ليها السعادة لأنها طيبة وبنت حلال وتستاهل كل خير .. وفعلا خدت بنتها وسافرت وقطعو بيا أنا وزوجي اللي كنا بنعتبر "مرام" لحظتها بنتنا اللي مخلفنهاش خاصة بعد ما الدكاترة أكدوا في حالتنا باستحالة الحمل .. توقعت تراسلني أول لما توصل ونفضل على علاقتنا الطيبة زي هنا بس للأسف انقطعت اخبارها وكل حاجة عنهم لمدة شهور بعد سفرها .. لغاية لما في يوم اتفاجأت باتصالها بيه ونفسيتها مدمرة .. ولما سألتها اشتكت ليا وهي بتبكي بكلام كتير من اكتشفها لشغل "مرتضى" بيه وأنه شغل يعني حرام .. وأنها نفسها تنزل هي وبنتها القاهرة تاني عشان متربهاش في عيشه زي دي .. بس هو رافض ده بأي شكل ولما سمح لها تنزل زيارة أخيرا قالها تنزل وتسيب بنتها لما ترجع وطبعا هي رفضت .. وأنها خايفة تعرف باباها بطبيعة شغله وحبسة ليها ولبنتها في الغربة لأنه أكيد لما يعرف هيجي لغاية هنا ويأخدها بالعافية وممكن يطلقها ولحظتها هتفقد بنتها للأبد لأن من حق "مرتضى" بيه هو كمان يحتفظ ببنته في البلد اللي يحبها .. ومرت سنينها اللي بعد كده على نفس المنوال ده وأنا مبقاش في ايدي الا أن اهديها وأخليها تتقبل واقعها وتعيشه لغاية لما تعبت فعلا من كتر حزنها وحالتها النفسية بالمرض الشديد .. بقت توصيني ودموعها بتنزل ببنتها وأن مفيش حد أمين عليها بعدها إلا أنا من بعد وفاة باباها و بُعد اخواتها عنها بحكم أن السنين والغربة بينسوا اي علاقة غير أن كان في خلاف بينهم من أول جوازها بـ "مرتضى" ورفضها لابن عمهم .. وفعلا الله يرحمها اتوفت وسابتها بنت ١٥ سنة يعني بعد ما شبعتها بمبدأها أنها ترفض فلوس باباها لأنها مش مصدر حلال وأنها تحاول تكمل اللي هي معرفتش تكمله وتهرب من العيشة دي وتروح على مصر ليا أو حتى لأخوالها وتطلب عطفهم .. بس بنت لسه صغيرة زي دي هتروح فين وازاي .. دي كانت بتكلمني فيديو وبس ومتعرفش خطوات سفر ولا غيره ولا هتحارب ازاي وفين في سنها ده .. بقيت ببكي عشانها كل ليلة وانا حسه نفسي متكتفة مش عرفه اساعدها وأعمل لها حاجة .. لغاية لما خطر ليا فكرة واللي شجعني أكتر عليها الوحدة اللي قتلتني من بعد وفاة زوجي وهي أن أحاول أوصل ل"مرتضى" بيه اللي طبعا ميعرفش أن كنت على علاقة بمراته طول السنين اللي فاتت دي وأعرف أي حاجة عنهم واقوله أن محتاجه شغل لو حتى مربية أو خدامة عنده بحكم سنين الجيرة زمان وإني وحيدة ومليش حد .. وبصراحة حسيته انبسط قوي من مكالمتي وبعت بعدها على طول يخلص ورقي ويجبني لبنته اللي في الوقت ده كانت مشاكل هروبها ونفورها منه بدأت تظهر عليها .. وصلت فعلا والحمدلله قدرت احتويها واعوضها بعدها عن وحدتها في فقدان الأم وانشغال الأب .. بقت كل حياتي بجد لأن لقيت فيها بنت ولا كل البنات .. بنت اشهد لها بالأخلاق والأدب عمرها ما اتأثرت بافعال البنات اللي هنا ولا اتمنت تعمل زيهم .. تفاجأت أن مامتها علمتها الصلاة وأنها من بعد وفاتها مبتسبش صلاة ليها .. غير أنها حاربت للحجاب نفس حربها للهروب بس طبعا اللي كان بيحارب تحقيق كل ده "مرتضى" بيه ..
اتسعت عيناه بملامح مشدوهة وهي توالي بكلماتها الصادمة بل اشتدت أكثر مع قولها :
- ومع ذلك بقت بتحارب بكل قوتها لغاية لما رفضت فلوسه خالص حتى الأكل والشرب جو القصر وعشان كده هي بتشتغل واليوم اللي بيخلص مرتبها فيه قبل الشهر بتيجي تستلف مني تكمله عشان تاكل منه بالحلال .. كنت اقعد اضحك معها واقولها ما أنا مرتبي من فلوسه برضه تقولي بس أنتي بتخديها منه في مقابل شغلك وتعبك يعني بيوصلولك حلال ..
ابتسمت متهكمة ثم واصلت :
- حتى العربية رفضت أنها تكون من معاه وجابتها من ورث مامتها اللي اخواتها بعتوه لها لما باباها مات في حساب بنكي لغاية هنا لما السنين عدت ومنزلتش تاخده ..
ومع ذلك كانت دايما تقولي طول ما أنا هنا أكيد بلمس الحرام في كل حاجة حواليا يا دادة وعشان كده عاوزه أهرب بعيد عن هنا عشان أبدأ من جديد بكل حاجة نضيفة وطاهرة عشان ربنا يرضى عني ويبارك لي في حياتي وأمي ترتاح في قبرها وتعرف أنها ربت صح ..
ارخى جفنيه وكله خلية به منصدمة من اطرافه إلى حتى أصغر عضو في داخله، الآن فقط علمّ حقيقة تلك الحرب الدائمة على والدها .. الآن اتضح أمامه حالتها الغامضة وتفسر كل لغز كان يحوطها .. الآن علمّ بأنها ليست فارغة أو مدللة كما كان يظنها .. بل هي محاربة شريفة تتسلح بالقوة رغم هشاشتها الداخلية لكي تدافع عن معتقداتها الصحيحة حتى النهاية !
هي بذرة خصبة وضعت في منبت سوء !
فبغت بمواصلة العجوز بحزن :
- وكانت بتحارب .. حتى بعد ما جيت كانت بتحارب وبتواصل اللي بدأته لغاية يوم البندقية معرفش إيه اللي حصل لكم هناك ورجعت ضعيفة بالحب ..
اهتز جسده برعشة اخفاها وهو يقع بحدقتيه المتصلبة عليها عند استرسالها البطيء :
- أيوة يا "ياسين" زي ما سمعت أنا عرفت بالصدفة أنها وقعت من غير إرادتها في حبك .. وصعب عليا أقول الكلام ده في حقها وقدامك أنت بالذات بس غصب عني لازم اقوله دلوقت لحاجتين أولها أن عرفه من معشرتي ليك بأنك عمرك ما هتعرفها ولا تجرحها باللي عرفته مني .. ولأنك الشخص الصح اللي فعلا وفقت "مرام" في اختياره .. شخص هيقدر يحتوي عصيان قلبها الدايم بحكمته .. شخص بيخاف الحرام زيها وهيدعمها في أي وقت تحتاجه فيه ومش هيتخلى عنها لأنه راجل بجد .. شخص هيحتويها ويعوضها عن اللي اتحرمت منه من بعدي لو لقدر الله حصلي حاجة .. وتاني حاجة وأهمها وهو الوضع اللي بقت عليه دلوقت من واحدة اليأس فاز عليها وهز ثقتها في نفسها .. دول بيجبرني أن لازم أتكلم وأقولك على كل حاجة لعل تلحقها من اللي هتعمله في نفسها ..
توالي الصدمات افقده النطق، فقط حدقها بنظرة حادة تسترعي سرعتها في السرد قبل أن يصيبه سهام كلماتها :
- البنت هضيع مني في وسط قسوة واقعها وهتتلوث من المستنقع اللي حواليها زي ما عاوزه تعمل النهاردة .. لأن يأسها من التغير قتلها وهيخليها تحضر لأول مرة حفلة من الحفلات اللي بيعملها "مرتضى" بيه ومراته اللي جواها كل معنى حقيقي للشر والانحطاط ..
ثم في فعل مفاجيء قامت من جلستها تجاهه لكي تقبض على راحتيه متوسلة :
- فعشان خاطري يا بني أرحم ضعف واحدة كبيرة زيي قليلة الحيلة واحتويها من جفا معملتك ليها واحميها من اللي هتعمله في نفسها عشان تفضل نقية زي ما هي .. لأن عرفه نوعية زوار الحفلة وأهل البلاد دي ببقى بعد شربهم بيحصل ايه .. نوعية متحررة عندها كل حاجة متاحة ومفيش حد يقدر يقف قدام رغبتهم خاصة أنها حلوة وضعيفة ومفيش حد هيقدر يقاوم جمالها ..
من بين واجبه ومبادئه وحديثها ورجاءها توغله التشتت لثوانٍ، إلا أنه حسمه بعجالة لصالح بلاده كما يحدث دائما فهمس معتذرا :
- ست أنيسة أنا ..
بحرفية عمرها علمت قراره فهمّت مقاطعة :
- متقولش حاجة دلوقت لأن أنا عرفه أن اللي قلته من كتر ما صدمك هيأثر على قرارك .. وعشان كده أنا همشي من غير ما اسمعه على أمل أنك متخيبش ظني فيك وتلحقها ..
ثم بخفوت مستاء تنهدت :
- بس برضه عاوزه أعرفك حاجة قبل ما امشي وهي أن تقديمك على الخطوة دي لازم يكون برضاك وباقتناع ومن غير مجاملة لكبر سني ودموعي لأن الحب مش بالغصب يا بني ومش هفرح بأنك جبرت بخاطري دلوقت وبعد كده تسيبها وتجرحها أو لو كملت بعدها تحس أنك بضحي بنفسك لأن لحظتها هتعب فعلا أكتر من تعبي دلوقت .. فارجوك لو مفيش ذرة حب واحدة تجاهها من ناحيتك بلغني رفضك وصدقني مش هزعل منك ولا هعتب عليك ابدا ..
ثم واصلت بخفوت وهي تمحي انسياب دمعاتها الحارة :
- أما هي بقى مش هيأس من دعائي ليها بأن ربنا يتولها برحمته و يحفظها بحفظه من كل شر يحاوطها .. وهو قادر وكريم يطمن قلبي اللي واجعني عليها دايما .. واللي معرفش هيكون عنده عمر كافي لما يطمن عليها ولا لا ..
ثم همت ذاهبة مطرقة الرأس يعتلي وجهها الحزن الشديد بينما هو تركته متصلبا داخله امواج عاتية لا تتواني عن الهجوم داخل عقله وشيء ينبش للمرة الثانية داخل قلبه رغم ادعاءه بالصمود، مما جعله مشتتا يفرك جبهته بأطرافه عاجزا عن التركيز كالصبي قبل البلوغ ..
--------------
توالت الأيام على "أمير" اُصيب خلالها بداء مراقبة تلك المرأة المتقوقعة على نفسها، رصد خلالها كل تصرف تفعله عادة أو عابر .. ابتسامة واهنة متحفظة لكل الرجال عند الضرورة، وابتسامة أكثر اتساعا قليلا للفتايات حولها، ولا شيء أخر لا ضحكة كاملة ولا صوت مرح ولا حديث متواصل يتملكه الأمل كالفتيات .. حتى في تلك الثواني التي تغفل عينيه عنها يزوره طيفها دون مل كصورة حية أمامهما .. فصدم من وصول الحال به للكثير من التهيئات أو أحلام مبطنة عن وجوده في كل مواقف حياتها .. وكيف هي هيئتها في البيت وعند الطعام وعند المرح، داء غلب دفاع كراته البيضاء وهدم مناعته بحرب حسمت أخيرا باستقراره داخل الفؤاد للأبد لايؤثر عليه مطلقا ما علمه بطريقة غير مباشرة بأنها أرملة ولديها من الأبناء فتاة لم تبلغ الخامسة من عمرها بعد !
-----------------------------
من خضم تشتته حسم الأمر أخيرا ونفر كل شيء لا يخص مهمته وواجبه، وها هو يزين جسده الرياضي الغير مفرط بحُلة سوداء تتناسب مع ذلك الحفل المهول وتلك الالعاب النارية في الأجواء، لا يشغل ذهنه إلا حتمية خلو الحفل من أي عثرات أمنية تعكر صفوة، أمَّ عن مشاعر كبت نموها كي لا تحيا في تربة لا ترحب بأي زرع أو ماء بين ثناياها، صاحبها كُتب عليه التضحية والفراق بين وهلة وضحاها، رافضا بكل الطرق تغمسها في أوحال تربته ووصمها بالأرملة أن اصابه مكروه في أحدى عملياته المخابراتية الخطرة التي لم تتوانى عن الاستمرار ..
بعينين حادتين زاغيتين على كل الزوار وخاصة هؤلاء الوزراء انشغل ذهنه، متجنبا افتراس عينين الشقراء المنحط له كلما غدت أو راحت من أمامه بادعاء كاذب، والأكثر تجنب عينين العجوز المتلصصة عليه يتملكها الأمل في موافقته، والتي استوعبت أخيرا بعد وقت طال رفضه الصارم، فانسحبت مغادرة تجر اذيال الخيبة من المحيط، بينما هو لم يبالي أو ادعى بحرفيته المعهودة بأنه لم يبالي لهذه ولا لتلك ..
بعد الكثير من الوقت شعر بالاطمئنان لسير خطته الأمنية بمعاونة رجال الحراسة الخاصة، فتجنب صخب الحفل بالأشراف على سيرها من على بعد، إلا أن تلك النظرة العابرة لأعلى الدرج قبل مغادرته شلت اطرافه وسلبت انفاسه !
زرقاء العينان، صاحبة الخصلات الممزوجة بالسواد والبنية، والأكثر جنونا صاحبة ذلك الثوب العاري الذي خطف ابصار من حوله ..
راقبها بنبض قلبه المودع تهاديها على الدرج برقة وهي تزيح خصلة تمردت على وجهها مدعيا الثبات واللامبالاة، حتى استقرت في صحن القصر وأكثرهم يتهافتون عليها للسلام ولجذب الأنظار ..
حينها اغمض عينيه يعصرهما بقوة طالبا الصبر خاصة بعدما رصد مقلتين "مرتضى" المتفاجئة والمتقبلة في آن واحد، يصاحبهما بجواره عينين "راشيل" النارية، اسر ضيقه في نفسه وهو يفتحهما مرة ثانية، يتابع بصمت من موقعه احتلالها لاحد المقاعد المتباعدة كأنها تهرب من ذلك التجمع بين جدرانه لتخفي توترها وارتباكها البين ..
ظلت هدف بصيرته مع استمرار الوقت حتى رصد توجه أحد رجال الأعمال الشباب إليها طالبا مراقصتها على نغمة هادئة توغلت بنسيمها المريح بين ارواح الجميع يصاحبها خفوت الاضواء في الأجواء، جاهد وحارب ليستمر في الصمود بعدما شاهد إيماءة رأسها بالموافقة، وعندما استقامت ورفع ذلك الثلاثني يده تجاه ظهرها العاري حرك خطاه دون وعي، ولا يعلم كيف ومتى وصل إليهما لتستقر راحته هو على ظهرها مكان راحة ذلك المتفاجيء من فعله والذي راح ينكره فبغت بتجاهل "عمر" له وقوله المتوالي لـ "مرام" المتخشبة وهو يقبل وجنتها في قبلة جانبية :
- شكلي اتأخرت عليكي بدون قصد يا حبيبتي .. آسف بجد !
جملة كانت كفيلة لتقهقر ذلك الشاب للخلف، وتصبح بين ذراعيه له وحده في تلك الرقصة المنفردة، تتبع مغيبة توجهاته الراقصة وسحر جملته أو سحر كلمته "حبيبتي" يسكرها عن الواقع حتى جاء قوله القاتل لنبضها:
- آسف كان لازم أقول كده لأن دادة "أنيسة" خايفة عليكي وبلغتني أكون جمبك عشان احميكي ..
ازدردت ريقها ببطء تكاد لا تستوعب كلماته، ولكنها استوعبتها بالأخير، فصاحت نافرة :
- ومحدش قال لكم بأني صغيرة قدمكم ومحتاجه مساعده عشان تحموني ..
ثم ضغطت على صدره براحتيها تنوي ابعاده عنها والمغادرة من حيز سيطرته إلا أنه اعترض نيتها وهو يحوطها برقصة أكثر تملك هامسا عند أذنها برجا مستجد عليه :
- "مرام" أرجوكي بلاش عناد ..
ثم استرخى بجبينه على جبينها يواصل باستياء:
- أحنا كلنا وقعنا تحت يد القدر وادنسنا .. فارجوكي خليكي أنتي على الأقل النضيفة اللي بينا !
رفعت عينيها العائمة بالدمع في عينيه فرصدت انكسارها، فعلمت أنه علمّ بمعرفتها لكل شيء فانحدرت عبراتها وهي تستسلم باسترخاء لمواصلة الرقص بين ذراعيه .. فاحتواها وغمرها بظله عن الأبصار حتى منع قرب أحدا منها طوال الحفل ..
يجهلان مراقبة "أنيسة" لهما ضاحكة مستبشرة والقلب يتوالى بالدعاء لهما، و "مرتضى" بنظرة راحة واطمئنان، و"راشيل" بجمرات لهب من عينيها تحرق كيانهما حرقا مما جعلها تلجأ بفحيحها لزوجها لتفرقتهما :
- ملفتش نظرك أن رقصها مع الحارس بتاعها مش يليق باسمنا ولا سلطتنا بين المدعوين !
نقل تمعنه الراضي من فوقهما وحوله إليها في نظرة جانبية متمتمًا :
- كنت ممكن أقول قبل كده إن معاكي حق وأثور وارفض .. بس مش عارف ليه حاجة مكتفاني وبتقولي يمكن ده اللي يقدر يحافظ على بنتي فعلا من بعدي ..
ثم طالعها مرة أخرى مسترسلا بإصرار :
- وصدقيني هكون مطمن عليها مع راجل زي ده مش مع فلوس ولا سلطة ..
كادت تعارضه وتكشف غيرتها أمامه دون إدراك إلا أن اهتزاز هاتفها في رسالة قادمة إليه جعلها ترفع راحتها لتبصر محتواها فشاهدت ما جعل جسدها يقشعر جبنًا وهي تقرر المغادرة سرا تجاه العنوان المرسل داخل الرسالة ..
بعد النصف ساعة بسرعة سيارتها الجنونية خارج العاصمة روما توقفت الإطارات أخيرا أمام أحد البنايات الجبلية، ثم تحررت من مقعد القيادة تجاه بناية من طابقين منعزلة عن باقي أمثالها، متخطيه بابها الخارجي بجرأة وثقة وكأنها تعلم طريقها جيدا، حتى توقفت تطرق بطريقة معينة بابها الداخلي فشاهدت أحدهم ضخم الجسد يفتحه أمامها للعبور ثم اغلقه بأحكام من خلفها وهو يتوجه أمامها لأحدى الغرف ليفتح بابها امامها، فعبرته بتوجس ارتفع لأقصى معدلاته وهي تشاهد رجلا يعطيها ظهره ووجهته للنافذة، ببنية أشد قوة وأكثر وقارا .. فتجرعت لعابها من فرط الخوف متمتمة :
- مرحبا سيد "أوستن فليب" .. ما الأمر الهام الذي استدعى حضورك على وجه السرعة من أمريكا بهذا الشكل المفاجيء ..
استدار ينفث غبار سيجاره الفاخر مرددا وعلامات الضيق تتملك من قسماته الغليظة :
- معلومة مزعجة ازعجتني وازعجت باقي أعضاء المنظمة هي من جعلتني أقطع استراحتي الأسبوعية واتوجه إلى هنا !
بنبرة مهتزة بادرت رغم علمها مقدما :
- ما الأمر ؟ا
اقدم يلتف حولها في دائرة من صنع خطاه مردفًا بخبث :
- اجهزتنا الصناعية رصدت اشارة غريبة خارجة من حيز قصركم اليوم .. تلك الإشارة وقوتها لا تدل إلا على شيء واحد وهو أن فريق العمل هنا قد كشف بكامله .. وحتما من كشفكم هو المخابرات المصرية بعد سماعها عن تلك العملية التي جهادنا لاخفاءها طول تلك السنوات ..
وعت لمقصده فتمتمت بعجالة بحركات مرتبكة :
- صدقني سيد " أوستن" "مرتضى" هو من جلب أحد الرجال من موطنه لحراسة ابنته وعند معارضتي هو من قال أنه المسئول عن اختياره امامك ..
- كنت على الأقل أخبريني أن كنتي لا تشاركينه بالأمر ..
التفت بنظرة جاحظة وهي تهتف بلوم :
- أتشك بولائي لكم الأن سيدي .. أنا من ترعرعت على ايديكم ودائما وأبدا ولائي لكم ..
ثم دنت راكعة عند ساقه تقبض على راحته متوسلة :
- ثم لا أعلم بأن عدم افصاحي سيؤدي لتلك الكارثة .. صدقني غلطة غير مقصودة أعلم أنها ستمحو الكثير من حسناتي لديكم ولكن حسن نيتي كفيل بطلب الغفران من جديد وأعلم بأن سعة صدركم ستسيعني ..
اشاع إليها نظرة حارقة قائلا :
- "راشيل" نحن لا نغفر لأحد وأنتي تعلمين هذا، ولا يمكنني الدفاع عنك أمامهم .. فلقد أصدر الأمر دون راجعة بتصفية من في القصر جميعا دون استثناء !
دنت بوجهها تقبل قبضته المحكمة بترجي وبكاء :
- كلا أرجوك فليشفع لي ما فعلته دائما معكم وانتمائي إليكم .. أرجوك سيد "أوستن" صدقا لم أكن أعلم .. عاقب من اخطأ وليس أنا ..
- فقط ماضيكي .. فقط ماضيكي هو من سيشفع لك "راشيل" فقط !
ثم دفعها بقوة مهينة من راحتيها القابضة على راحته فبغتت بتمددها على الأرض خلفها من قوة دفعته الغاضبة، ثم استدار يرفع هاتفه على أذنه قائلا بحدة للطرف الأخر :
- أرسل الرجال لمراقبة القصر وعقب انتهاء الحفل نفذ الإبادة الجماعية لجميع ساكني القصر فورا ..
- بنتي !
التفت إليها يحدجها بنظرة مخيفة اسرت تيار كهربائي في شراينها انستها النطق للأبد، مما جعلها تهز رأسها بتلاحق لاعطاء المباركة لمخططه بكل طاعة وخنوع ..
------------------
.jpg)