رواية العميل 101 الفصل الواحد والعشرون
ما أن تفرق الجمع، هدأ الصخب، و رُوضت الإضاءات، ليخطو ساكني القصر كلا على حده نحو غرفته والصمت يزينه، صمت قد يكون كفيلا لمحاكاة معارك نفوسهم الطاحنة على قسمات وجهوهم !
"مرتضى" الذي رمق ابنته مطولا بنظرة مبهمة فشلت في تفسيرها، ثم انفرد بغرفته طالبا الصبر على افعال زوجته الذي بات يشك بسلوكها بالأواني الأخيرة بعد رفضها الدائم لقربه وخروجها الغامض والمتكرر .. شعورا مهين يجرحه كرجل مرغما على كبته داخله وعدم التفوه به جهرا طالما تلك المنظمة تضع نصلها الحاد على رقبته كظله !!
أما عن "مرام" فقد افرغت شحنتها عقب دخولها في وجه المسنة القابعة تنتظرها :
- أنتي روحتي قولتيله أيه يا "دادة" ؟!
التحف التوتر بالعجوز، ثم استقامت تردد بإرتباك :
- هكون قلتله إيه يا بنتي، مفيش صدقيني غير خوفي الطبيعي لحضورك حفلة زي دي !
عقب جملتها صاحت ممتعضة :
- ليه شيفاني عيلة صغيرة هتتخطف عشان تقوليله كده .. ولا واحدة معندهاش عقل هبلت بقرار في لحظة ضعف ومش هتقدر تتحمل مسئوليته للنهاية ..
أقبلت العجوز عليها مندهشة :
- لا يا "مرام" .. لا يا بنتي أنا عمري ما شفتك زي ما بتقولي ولا هشوفك كده أبدا .. أنتي متعرفيش ولا أنا هقدر أوصفلك أنا شيفاكي بقلبي أزاي ..
تراخى تشددها ثم اغرورقت عينيها بالدمع مردده بنبرة مختنقة :
- يبقى بلاش تدخليه في حياتي أكتر من كده .. بلاش هو بالذات بالله عليكي لأن حبه بيضعفني .. وأنا مش عاوزه أبقى ضعيفة ولا جبانة بعد كده لأنك شفتي بعينك حصلي إيه النهاردة .. أنا عاوزه أفضل احافظ على "مرام" القوية اللي جوايا .. "مرام" اللي بتحارب وهتفضل تحارب لما توصل للي هي عاوزاه .. فعشان خاطري ولو بتحبيني بجد بلاش هو بالذات .. بلااااش !
بكت العجوز على أثر رجاءها، فغمرتها باستفاضة حانية هاتفة :
- أه لو تريحيني وتحكيلي إيه اللي أنتي شوفتيه عشان توصلي لحالتك دي .. أنا بقيت بتقطع من جوايا عليكي ومعرفش إيه دواكي عشان أجاهد وأجبهولك لو هدفع عمري كله !
تراجعت للخلف تردد وهي تشيد بناء روحها المنسلبة بجمود مستجد :
- مفيش حاجة متشغليش بالك .. أدعيلي بس وأنتي بتصلي أن ربنا يريح بالي وحالي .. ده بجد اللي محتاجاه منك الفترة دي ..
محت "أنيسة" دموعها وهي تجيبها بهدوء:
- بدعيلك والله في كل لحظة من غير ما تقولي .. وبرضه هقوم دلوقت حالا أتوضا وأصلي ركعات لله من غير عدد عشان يخلصك من همك وييسر حالك يا قلب دادة "أنيسة" .. بس قبل ما أقوم عاوزاكي تسامحيني لو زعلتك من غير قصد ..
اندهشت وهي تغمرها بنظرة حانية :
- انتي بتقولي إيه يا أمي التانية وعوضي من ربنا بعدها دا أنتي اللي مفروض تسامحيني على اللي بتمري بيه معايا ولازم تعرفي أنه غصب والله ومليش يد فيه ..
ربتت على ذراعيها بحنو وابتسامة عذبة تزين تجاعيد وجهها :
- أنتي أغلى من روحي يا "مرام" .. ومفيش حد بيزعل من روحه ولا بيستنظر منها اعتذار !
ثم غمرتها في دفء عناقها الأمومي لبعض الوقت، قطعته بخفوت :
- قومي .. قومي غيري فستانك ده يا بنتي .. و سبيني أقوم أتوضا وأصلي ومتقاطعنيش !
ابتعدت بابتسامة هادئة تنفذ ما قالته بعدما أفاضت على جبينها بقبلة مطولة ثم ولجت لحمامها كي تحرر ذلك الثوب عنها .. ذلك الثوب الذى يأبى روحها أن يفارقه بعدما تشرب من ريحان قربه ..
ولكن ما باليد حيلة لا الثوب يلائمها، ولا هي تستطع نزع بقاياه منه والاحتفاظ بها ..
جردت الثوب عن الجسد واستبدلته بمنامة ناعمة ثم خرجت مرة ثانية لحيز غرفتها فرصدت "أنيسة" في زاوية بها راكعة ساجدة في حرم ركعات متلاحقة الخشوع والعزلة وصفها .. لهذا تناولت معطفها البيتي وتوجهت بخطاها للخارج تنوي التجول منفردة بين خضرة الحديقة، حتى تنتهي العجوز وتغفو بين ذراعيها بعدما هجرها النوم ودق بابها الضيق والتفكير فيما مر بحياتها من مآسي، وبما أقدم عليه هذا الضابط من كبرى التضحيات في حق النفس لأجل بلاده، لتنجرف الذاكرة أثناء تجوالها مع نسمة الهواء المحملة بالصقيع لجميع تصرفاتها معه من بداية ذلك المشهد الأول بينهما وتعديها الغاشم عليه حتى نهاية الحفل واحتوائه لها خلاله ..
انقباض، تراخي، بشاشة، استياء، كل موج التعبيرات غزا صفحة وجهها خلال ذلك الوقت، حتى جرفها الخطى مغيبة لزواية خلفية من الحديقة يميزها الهدوء والعتمة، أجواء تناسب ذكرى تلك القبلة بينهما ومذاق ترسباتها بالحواس، حتى وأن كان غير مخطط لها و يؤنبها ضميرها عليها، مستغفرة بتوالي لخالقها لِمَ يحتويها من ذنب عظيم ..
على بعد قريب نوعا ..
صورة صماء لهيئتها الشاردة لم تغب عن حدقتيه المراقبة لها من خلف زجاج النافذة، وحرب هوجاء داخله عنوانها "العديد من جنس حواء اختلط بهن خلال مهماته لم يؤثرن فيه مثلها" !
زفر ممتعضا وهو يدس راحتيه في جيب بنطاله محاولا إيجاد تفسير أخر لِمَ حدث منه اليوم ..
عجوز استنجدت به لإنقاذ فتاة ما .. وهو قام بدوره كرجل عربي شيمه الشهامة ليس أكثر !
نعم ليس أكثر .. وتلك الأمور المتفاقمة في ذهنه وقلبه سيوأدها من المنبع، فما هو إلا رجل بلا مشاعر كرث حياته لعمله وسيظل هكذا للأبد ..
في خضم الصراع الداخلي حسم الأمر أخيرا واقتنع بما قرره متوجبا تنفيذه خلال فترة إقامته داخل القصر .. يجهل بأن فراقه له بات حتميا عندما بدأ على بعد عدة أمتار منه جهة البوابة الرئيسية عملية المداهمة من قبل رجال مقنعين اشداء البنية تشغر الأسلحة كاتمة الصوت ساعديهم .. فقط نبرة استغاثة وآهات خافتة هي ما جعلته يسترق السمع ويتتبع منبعها بنظرة عابرة، عائدا لبؤرتها مرة ثانية بأكثر قوة وتدقيق، فتبين التشابك الناري بينهم وبين رجال الأمن المتساقط جثثهم أرضا في معركة دامية يدها العليا للمقنعين !
---------------
عاد من مدينة الاسكندرية لزيارته الأسبوعية بعد غياب دام لأيام عدة، أجازة يفهمها الجمع معتادة لمزاولة نشاط شركته هناك، وأجازة يفهمها هو بأنها هروب !
منها وما تملكه تجاهها طيلة الأسبوع المنصرم ..
مشاعر غامضة واضطراب داخلي، وميض إعجاب، مراقبة كالصوص ليست من عاداته !
أراد الابتعاد فيها للوقوف على طبيعة مشاعره بحيادية، وها هو بعد انقضائها حسم نتيجتها بوضوح، حين أحتل باب الشركة عقب سرعته الجنونية بين المدينتين وعذره الوحيد بأنها ..
توحشته كثيرا !
سلك طرقها ومصعدها بوجه أخر لا يحمل "أمير" الهادئ، الكتوم، الغامض، فالآن مشاعره تجاهها جرأته على اتخاذ منحنى أخر غير ذلك المنحنى النمطي الخجول المرافق له ..
-----------------------
وهلة من الزمن تقدر بالثانية فقط ما احتاجها الفهد حتى يستوعب ما يحدث في المحيط، على آثارها جلب سلاحيه ثم هرول بحيطة وحذر لخارج مسكنه من الجهة الاخرى المخالفة لوجودهم، متوجها لإنقاذها أولا قبل البقية لسهولة بعدها عن براثن المعتدين ..
سريعا تنقل بين علو الأشجار الغير ممتد وظهر أمامها فجأة يرغمها بالاشارة على اتباعه في صمت بعدما أحاط كتفيها بطول ساعده وهو يلتفت برأسه تجاه الاشتباك الذي لم تبصره من موقعها، ولكن صوت اسلحة رجال القصر كانت حينها قد بدأت تعلو صخبا، ففزعت قائلة وهي تركض أسفل سلطته بإجبار :
- في إيه .. وبنجري من مين .. وإيه صوت الرصاص ده كله؟!
حدجها بنظرة محذرة وسبابته على فمه بضرورة الصمت ثم اشار إليها بأطراف راحته على اتباع طريقه والذي شقّه مهرولا حتى انحدر في منحنى القبو وادخلها بداخله مرددا بحزم خافت :
- "مرام" مهما يحصل .. سمعاني مهما يحصل أوعي تخرجي بره الباب ده ..
ثم هما مغادرا إلا أنه توقف عقب تشبثها بكف يده هامسة بزعر :
- هو في إيه بجد والناس دي بتهجم علينا ليه .. أنا .. أنا خايفة ومش فاهمة حاجة وووبعدين أاااختي ودادة جوا وووكمان دادي خليني أروح اشوفهم ارجوك !
اقتدت عينيه متوعدا لهؤلاء المجهولين عقب ما رصده من خوف في ذبذبة صوتها وعينيها، مردفًا باطمئنان :
- "مرام" اهدي مفيش أي حاجة وإن شاء الله خير بس رجائي الوحيد لو ليا خاطر عندك متخرجيش بره تحت أي مسمى لغاية لما أجبهملك واجيلك ..
تلقت تحذيره بنظرة مطولة ثم بايماءة مرتعدة وداخلها ينبأها بمخاطر حقيقية تحوطهم تجهل مصدرها وهدفها ..
وحقا صدقت نبوءتها حينما غادرها مبتعدا يسلك باب عاملين القصر الخلفي وهو يشهر سلاحيه بامتداد ذراعيه أمامه بوجه صارم لا يحتله تعبيرا غير نظرته الثاقبة، ثواني بسيطة استغرقها متواريا لدراسة الوضع قبل أن يعلن عن نفسه في ساحة القتال رصد خلالها بعثرة جثث الخادمين ومربية الصغيرة "ماكلين" في الردهة ثم صعود بعض من المقنعين فوق الدرج للطابق الأعلى ووجود أكثرهم ينازع مع رجال الأمن أمام الباب الأمامي وداخل صحن القصر، فحرك خطاه خلف الصاعدين لأجل نجاة مَن فوق مِن هجومهم اللعين، ولكن قبل أن يكمل طريقه تصدر أحدهم الطريق أمامه مشهرا سلاحه في وجهه، فاطلق "عمر" النار عليه سريعا قبل أن يفعل هو ليليه الأخر والأخر فوجد نفسه يشتبك مع من بالأسفل بعدما تساقط رجال الأمن كافة أمامهم وهو الوحيد الذي بات يحاربهم ..
بعض الدقائق ونفذت زخيرته في السلاحين بعدما أوقع باحترافية تصويبه الكثير منهم، منتويا الحصول على أحد اسلحتهم لمواجهة من بالأعلى كذلك، إلا أنه لم يسعفه الوقت حين صوب أحدهم من الأعلى رصاصة اخترقت ظهره، تقلصت معالم وجهه ألما من شدة الأختراق ولكنه قاوم واستدار يبصر الوضع فاتسعت عينيه وهو يشاهد "مرتضى" ينازع للهبوط فوق الدرج تجاهه وقد تلقى العديد من طلقات الرصاص مِمّن خلفه والذي على ما يبدو اصابه بظهره معه عشوائيا، وهلة وتوسد صدره يطالبه بنظرة عينيه النجدة، وقبل أن يستجيب "عمر" بفعل شيء له شاهده يتلقى وابل رصاص أخر ازهق روحه في الحال مما أثقل جسده عليه، فاخذه درعا له حين انحنى يلتقط سلاحا بالقرب منه أرضا ويصوبه بدقة في عقر قلب ذلك المقنع فتراخى عقبها يتدحرج بجسده فوق درجات السلم كالكرة حتى وصل إلى أقدامه جثة هامدة، نقل بصره من فوقه ما أن تأكد من موته إلى "مرتضى" الذي استكان بلا حركة بين ذراعيه، فمدده على الأرض يجس نبض معصمه فلم يستشعره فعلم بأنه فارق الحياة، استقام على الفور يصعد الدرج لنجدة العجوز والصغيرة وسلاحه أمامه لمواجهة المقنعين الأخرين والذي رصد خروج أحدهم بالفعل من غرفة "مرام" ففاجئه "عمر" برصاصتين اخترقت صدره فسقط ينفذ انفاسه الأخيرة لوهلة ثم فارق الحياة عقبها، ليخرج الأخر من خلفه فيفاجئه "عمر" برصاصة اخترقت كتفه، وراح يجيد عليه برصاصة ثانية إلا أنه أكتشف نفاذ زخيرته مرة أخرى فأطاح به جنبا وهو يعاجلة بركله حلقت بسلاحه في بالهواء بعيدا عنهما ثم بلكمة وراء الأخرى موجهة لأنفه، والذي بادله المقنع باللكمات المماثلة ولكنه يفشل باصابته كلما ابتعد "عمر" بوجهه عن مكان توجهها، والذي راح الأخير يغافله بضربه أحسن تصويبها في مكان دقيق في العنق باطراف راحته فسقط يلاحق رفقائه سريعا ..
عبر من فوق جثتهما لداخل الغرفة فارتعد جسده وتراجع للخلف منصدما حين أبصر جسد العجوز يغوص في دماءه أثر بعض الطلقات المصوبة إليه، فاسرع يتهيئ لحملها لأجل إسعافها، فبغت بها تقبض على ساعده بضعف فرفع بصره من فوق يدها لوجهها فشاهد غروب عينيها وهي تردد بتهدج مبين كلمتها الوحيدة والمتقطعة:
- "ممــ...مر..ااام" !
أردف سريعا بنبرته المستاءة:
- هي بخير ومستنظراكي تحت .. حاولي تصمدي شوية لما اسعفك ..
تفاجأ بابتسامتها الجانبية الواهنة وبشاشة وجهها كأنها ابتهجت لخبر نجاتها ثم اشارت بسبابة راحتها المرتعشة تجاه خزانة الملابس لأقل من ثانية لتسقط عقبها في حجرها أثر فراق الروح عن الجسد للأبد ..
اغمض "عمر" عينيه متألما لوهلة لم تطل حتى يتم إنقاذ ما يستطع انقاذه، ولكن بعد أن يعلم الغرض وراء اشارتها الغامضة تجاه تلك الخزانة، والذي راح يستكشفه بعد فتح أحدى دفتيها بحذر، تشجنج أوصاله و ثار قلبه بدقات ساخية وهو يشاهد الصغيرة منكمشة الجسد ومرتعشة الفم وعينيها تتنقل زائغة دون تركيز من شدة الخوف، لم يدرك بأنه تحرر من حالته يسبهم في نفسه بأبشع الألفاظ وهو ينحني يلتقطها بين ذراعيه بحنان جارف خرج من داخله دون وعي، بعدما فطن لحرفية العجوز في مدراتها داخل ذلك المكان لأجل حمايتها من طلق الرصاص الذي وصل إليها صوته منذ اللحظة الأولى للهجوم ..
-----------------------------
مرّ على مكتبها متحججا قبل ولوجه لمكتب صديقه فلم يبصرها تحتله ولا في أي مكان حوله، لهذا نطق سريعا بضيق عقب دخوله إليه :
- "حسين" معلش قول لمدام "أميرة" تجيلي بملف التعاقد عشان نفحصه كويس ونختار أفضل العروض قبل ما تنتهي فترة التصنيع ونلاقي ضيق الوقت بيحاربنا ..
استقام "حسين" من فوق بعض الأوراق بملامح تتضافر بالدهشة والاشتياق متهكما :
- طب أرمي السلام وسلم على صاحبك اللي وحشته يا عم الأول وبعدها نعملك اللي أنت عاوزه !
"أميرة"!... رددها "أمير" في نفسه متوعدا وهو يجز على أنيابه مغمض العينين، فكيف للهفة اشتياقه لرؤياها يصير معتوها مغيبا ينسى عاداتهم المتعارف عليها خاصة أن "حسين" غير الأخرين بصداقتهما المتينة ..
ولكنه على ما يبدو بدء يزوره تيه الحب وسُكر العشق يا سادة !
ردا متهكما في نفسه على جملته الأخيرة بجملة ترحيبيه ساخرة " يا هلا .. ويا مرحبا " !
ثم رمق صديقه بنظرة جانبية مرددا بحرج :
- آسف يا صاحبي .. أعذرني معرفش إيه اللي حصلي ..
التف "حسين" من حول مكتبه متوجها إليه بذراعين منفرجتين ليعانقه وهو يحادثه بمزاح:
- ما هو لو أنا مش عارفك أكتر من نفسي كنت قلت أنك بتحب وعذرتك، لكن أنا عارفك بتتكسف وعمرك ما هتعملها وتفرحنا يبقى إيه اللي شاغل بالك بقى ؟!
تلجلج "أمير" متصنعا الثبات وهو يتراجع من عناقه للخلف قليلا:
- حب ! .. حب إيه يا "حسين" .. وبعدين أنت قلتها أهو أنا دغري ومليش فيه ولا في شغل الشباب اليومين دول ..
طالعه "حسين" متشككا وهو يجيبه :
- أنت ارتبكت كده ليه يا "أمير" هو أنا لزقت فيك لسمح الله حاجة حرام ولا حاجة .. دي مشاعر جميلة و راقية بتحتل الانسان مننا من غير قصد .. دينّا الحنيف بحترمها ورسولنا الكريم أشهر لأمته بكل فخر واعتزاز على مر العصور حبه لأهل بيته .. مشاعر صادقة إيجابيتها الطريق الصحيح والزواج .. ومتربطهاش بشغل الشباب الأيام دي لأنها بعيدة كل البعد عنه بعد ما لطخوا اسم الحب وسمعته بالبلاوي الزرقا وقلة الضمير اللي بيعملوه في بنات الناس اللي مصنوهمش وخافوا عليهم زي أخواتهم البنات !
تبدد توتره ما أن سمع حديثه وهدأت ثورة قلبه، صامتا لبعض الوقت يستجمع شجاعته مردفًا بتلعثم :
- بصراحة لسه في الأول ومش حابب أحكي دلوقت !
التمعت عينيه "حسين" قائلا في حبور :
- مش مهم تحكي التفاصيل .. المهم أنك خدت الخطوة دي يا صاحبي الحمدلله وناوي تفرح قلوبنا أخيرا ..
إيماءة هادئة رافقت همسه :
- إن شاء الله .. دعواتك معايا ربنا يقرب البعيد ويلين العاصي ..
جذبه "حسين" في عناق ممتد مرددا بقين:
- إن شاء الله يا صاحبي واثق أن ربنا هيكتبلك كل الخير لأنك فعلا طيب وابن حلال وبتخاف ربنا طول عمرك في بنات الناس وسمعتهم ..
--------------------
حملها بذراعه الأيسر لتدفس بنيتها الصغيرة في صدره بارتعاب وذراعه الأخر ممتد بأحد الأسلحة امامه خشية هجوم مفاجئ عليهما،ثم عبر بها من فوق جثثهم المبعثرة في بحور دماءهم، محافظا على اخفاء عينيها في عنقه لغياب تلك الصورة البشعة عن براءة حداثتها، مغادرا القصر الذي خيم عليه الصمت بموت كافة من به عقب ضوضاء اطلاق الرصاص منذ قليل، متوجها بخطاه نحو القبو لسرعة استدعاء "مرام" والخروج بهن من محيطه قبل أن يصل دعم لهؤلاء المقنعين، والذي أيقن بأنهم أتباع تلك المنظمة وخير دليل على ذلك هو عدم وجود تلك الحرباء "راشيل"، ما أن خرج من البناية واستدار رصدها أمام بابه بعينين جاحظتين تنتقل بينه وبين القتلى بهالة هلع بيّنه كأن قلبها حدثها بما وقع بالداخل، تسمرت قدميه وتراخى ذراعيه فاسقط الطفلة بجانبه وعينيه المواسية لم تفارق عينيها المتسفسرة، والتي ما أن قرأت تعازيه بهما حتى حررت صرخة من حنجرتها لم تشهد قوتها يوما طيلة حياتها وهي تنوي الذهاب لهما في الحال لتكذب خبره اللعين، ولكنه منع فعلها بساعده الذي احاط جوفها بعزيمة تساوت مع إصرارها، فتوالى نحيبها وشهقاتها صائحة :
- لاااااااااااااااااااا... أنت بتكدب عليا أنا لسه سيباها دلوقت حالا بتصلي وبتدعيلي على أمل لما تخلص هطلع أنام في حضنها زي كل يوم .. وهي عرفه كده كويس فازاي تنام من غيري ومتخدنيش معاها .. اااااااااازاي .. ولا دادي ليه هو كمان يسبني من غير ما يناكفني ويحارب هروبي زي كل مرة ويجي في الأخر يخضع لقرارتي ويقولي هنفذلك اللي أنتي عاوزاه .. ويعرف أن عملت وبعمل كده عشان بحبه وخايفة عليه .. أزاي يبعد ويستسلم من أولها كده .. ازاي يبعد قبل ما نعيش مع بعض لحظات خالية من الخوف والوجع .. أرجوك أبعد عني خليني أشوفهم واعرفك أنك بتكذب كذبة كبيرة هتروح النار بيها لأن مش هسامحك عليها أبدا .. أبدااااا !!!
استطاع بجسده عركلة حركتها الهجومية تجاهه قائلا بحدة بعدما أحاط براحتيه جانبيه وجهها :
- "مرام" فوووووقي أحنا مش في وقت بكي وضعف دلوقت، القصر تعرض لإبادة عنيفة عمري ما كنت اتصورها في تاريخ شغلي كله، وفي احتمال يجي تعزيز اشد كمان عشان يكمل الإبادة ويخلص علينا، فلو قعدنا نبكي ومتصرفناش حالا قبل ما يجوا اضمني من الثانية دي موتنا كمان وخاصة دي !
قالها وهو يشاور بحركة عينيه للصغيرة بجسد مرتعد وعينين باكية، فاستدارت بوجهها الباهت وعينيها الدامية من سيل الدمع تتفحصها في صمت فاتسعت عينيها و دق قلبها بعد ان اماته الحزن فلبسها عزيمة فولاذية لأجل حماية زهرتها الوردية وهي تحمد خالقها على نجاتها، وكأنها لم تعي لهذا إلا الآن !
اغمض "عمر" عينيه بارتياح عقب ما رصده من سكون جسدها وعزيمتها التي نضحت من مقلتيها .. فتحسس ظهره ببطء مكان اختراق الرصاصة فلمس مكانها في درعه الواقي والذي يلتحف به دائما كعادة روتينية هامة في كافة مهماته .. ولكنها تركت صدى ألما بعظام عموده الفقري سيستغرق تافنيه بعض الوقت ومع هذا حمد ربه سرا .. ثم حسها على ضرورة المغادرة بالصغيرة سريعا والتي جذبتها "مرام" لاحضانها بعناق حميمي باكي سرد ما بداخلها من بهجة لنجاتها و وجع لفراق أحبتهما ..
والتي استدارت خانعة تتبع خطواته ففزعت بهرولة أحد الرجال المصابين بطلق ناري نحو ظهر بنصل حاد ينوي به شرا له، فلم تعي بانها اسقطت الصغيرة من فورها لتواجهه بركله باطن قدمها المفاجئة في كافة وجهه، فترنح المقنع مقهقرا فتوالت عليه بلكمة في احشائه ثم قبضت على كتفيه تلاحقها بضربة ركبتها في حوضه فصرخ متألما بوجه ازرق اللون وعينين بارزتين فحضنت براحتيها رأسه ثم عكست اتجاهها عن مسار جسده فسمعت عقبها صوت كسر عظمة العنق ثم رؤيته يتهاوى قتيلا في الحال ..
وللتدقيق ليست هي من سمعت فقط بل ذلك الواقف الذي استدار متسمرا باندهاش أيضا سمع بإتقان، والذي ظن عندما طالبها بالقوة بأن تكون أقصى ردها هو سرعة الهروب معه لا تلك الاحترافية في القتال والذي اشهد عقبها بأنها فاقت حرفية اشهر المقاتلين الرجال !
صوت حضور سيارات الدعم كما توقع هو ما جعله ينفض اندهاشه سريعا ويقبض على معصمها ومعصم الصغيرة راكضا بهما تجاه المرأب لاحتلال سيارته الأمنية المخصصة له من قبل "مرتضى" لحماية ابنته، ثم العبور بها من باب القصر الخلفي في عجالة أقرب لتحلق الطائرة في السماء .. خاصة بعدما شاهد بمرأتها الجانبية انتباه سائق احدى السيارات لهم وملاحقته العاجلة من الوراء لسيارتهم ..
--------------------------
نقرت بنهاية قلمها سطح مكتبها بتوتر لاحقها منذ قدومها من المبنى الأخر بعد اخذ توقيع "علي" لبعض الأوراق، أو بالآحرى ما أن أخبرها "حسين" برغبة "أمير" بالتوجه إليه حاملة بعض الملفات ..
كأي أنثى لاحظت نظراته الأسبوع الماضي وفطنت نيته للتقرب منها، لهذا ابتعدت وباعدت المسافات بينهما، ولكن للأسف هو مازال يسعى بحجة العمل وهي مجبرة على التعامل معه تحت مسمى العمل !
معادلة قاسية وقعت بين دفتيها دون شفقة لحزنها أو احتراما لخصوصيتها ..
لهذا تملكها التوتر وخفق قلبها تبحث عن حل يعيق رغبته وبذات الوقت لا يأثر في سير العمل، استغرقت وقتا أخر بذات الحالة حتى التمعت عينيها بوميض فكرة طارئة رسمت الضحكة المنفرجة على شفتيها المتيبسة بالحدة دائما ..
على الجانب الأخر ملأ "أمير" صدره بالهواء لمحاربة توتره ما أن أمر طارق بابه بالدخول ظنا بأنها هي، فأجفل بولوج أحد طاقم السكرتارية تقدم إليه الملف المطلوب وهي تردد بتبجل :
- "أمير" بيه أنا جيت لحضرتك عشان نراجع الملف زي ما أمرتني مدام "أميرة" ..
ثم واصلت بعفوية :
- تحب نشتغل هنا ولا على طاولة الاجتماعات !
على أثر ما انصت إليه غلت دماءه وخرجت نارية حنقه من جوف عينيه التي باتت بعد ذلك الموقف مظلمة بالوعيد لتلك المتقوقعة ..
-----------------------
" ما هذا "
رسالة نصية ارسلتها "هنا" تستفسره عن تلك الرسومات الهندسية المرسلة إليها .. والذي بادلها "علي" برسالة أخرى ..
" تصاميم لطابق زواجنا "
احتل العبوث صفحتها وصمتت دون رد، ففاجئه برسالة تالية ..
- " ما الأمر ألم يعجبك شيئا منها ؟! "
- " ليس كذلك "
- " إذا "
- " لا أريد إزالة ذلك المجلس"
- " أهذا فقط ما يقلقك "
- " أهو بالهين ! "
- "بلى" .. ثم تنهد مطولا مع رسالته الثانية.. "أرجعي وتمعني تلك الرسومات مرة ثانية !"
يلحقها بأخرى للتوضيح :
" لقد أخذت تصوير دقيق لسطح البناية بما فيه المجلس وارسلته لمصمم محترف في أحد الدول الأوروبية كي يجد تصميم يلائم بناء الطابق حول ذلك المجلس دون المساس به، وجميع التصاميم التي ارسلتها الآن كانت اجابته لرغبتي ! "
ضحكت برقة وارتجف أناملها وهي تكتب إليه ..
" علي لا أعلم كيف اشكرلك حقا، فلقد اسعدتني كثيرا برغبتك للمحافظة عليه، جعلك الله لي دائما ضوءا ساطعا لبؤرة همي وغمي "
" هل كنتِ تظنين أني ساحزنك واتغضى عن محبتك لذكرى الجد "
اجابته بدهاء ..
" ليس ذكراه وفقط"
"لم أفهم "
ابتسمت وهي تجيبه ..
" لقد اصبح يحمل قلبي له ذكرتين إحداهما للجد والأخرى للحبيب "
" أي حبيب تقصدين "
ابتسمت تغازله عن قصد ..
" ذاك الوسيم صاحب الطول الذي يغمرني والعينين الخضراء التي تسحرني والذي يعتلي مكتبه الآن و يحادثني من وسط اشغاله "
اكتفى بتلك الكلمة لتعبر عما يختلج صدره ما أن شاهد كلماتها ..
" أحبك "
" وأنا كذلك "
شغوفًا لهوفًا عاجل باستفساره ..
" ماذا .... أنتِ ماذا؟! "
صمتت لوهلة، ثم رسمت حديث قلبها بالحروف ..
" أحبك يا قرة عيني وقلبي "
ما أن شاهد رسالتها المتلألئة بمشاعرها الجياشة حتى يستبدل المحادثة باتصالٍ عاجل متمتما بنفاذ صبر عقب استجابتها لاتصاله :
- "آنا" انظري أي التصاميم ستختارين حتى اُسرع بتنفيذه في الحال، فلقد حقا احترقت شوقا للقاءك "
تحررت ضحكة خجلة من بين شفتيها وهي تسرع بغلق اتصاله كي تفر من ضيق نطاقه قبل أن يجن وينهي حديثه بأن يأتي إليها الآن راغبا بالزواج في التو واللحظة ..
وحقا صدقت في وصف حالته حين ابصر هاتفه وشاهد إنهاء المكالمة الهاتفية ليتوالى بداخله الوعيد للقصاص العادل من تلك المدللة ثقيلة المشاعر عديمة الرحمة لحاله ..
-----------------------------
- ازاي حضرتك تبعتي ملف مهم زي ده مع أي حد كده !
صاح بها "أمير" بهجوم غليظ ما أن خطى بخطواته السريعة حيز مكتبها، مما اجبرها على رفع رأسها تطالعه بشيء من البرود بعدما صدق توقعها لحضوره العنيف، قائلة :
- بس الاستاذة اللي جت لحضرتك مش أي حد دي واحدة من طاقم السكرتارية اللي هنا وده من مهامها !
متهكما اجابها رغم غيظه الشديد منها :
- مهامها في أي ملف تاني غير ده يا استاذة "أميرة" .. شكلك ناسيه أن ده ملف تعاقد الجهاز على مستوى العالم وأن ملف بالأهمية دي مينفعش يخرج برة إيدينا أحنا الخمسة حتى وإن كان مين اللي قدمنا ..
جملته الصائبة اصابت برودها في مقتل، والتي أثبت لها بأن العمل حقا تأثر من عنادها، فاطرقت رأسها باستحياء بنبرة خافتة :
- بصراحة كنت مشغولة شوية وخفت اتأخر عن حضرتك فاضطريت ابعته بالطريقة دي ..
هوى براحته يصفع ظهر مكتبها بصوت قوي أجفلها مرددا بإباءة للثأر لكرامته قليلا :
- يبقى تجبيه بنفسك وتيجي تعتذري ليا عن انشغالك .. وأنا كنت هكمله لوحدي من غير مساعدتك .. إنما كده دا اسمه تهاون وتقصير في العمل أنا مقبلوش ..
ثم خرج بزوبعة مقتدة يصفع الباب بجبروت زلزل الحوائط من حوله، والتي اهتز عقلها على أثره وراح يراجع صواب قراره من خطأه ..
وإن كان يشوبه الخطأ، فكيف لها أذن الفرار ؟!
--------------------------
دوى صوت الرصاص عاليا والمتجة تجاه سيارتهم فصاح "عمر" يأمر الصغيرة الجالسة بارتعاب في المقعد الخلفي :
- "أديل" أنزلي تحت فورا وأوعي ترفعي راسك إلا لما أقولك ..
اطاعته في صمت بعد أن أكل الخوف لسانها ومَلّك الرعشة من جسدها، ثم التفت بجواره لـ "مرام" قائلا :
- محتاجك تيجي هنا مكاني وتراوغي في السواقة زي ما بعمل بالظبط ..
ثم صوب حدقتيه في زرقتيها قائلا بتحدي :
- هتقدري وتكوني قدها ولا اضطر اشوف خطة تانية للهروب منهم ..
طالعته بنظرة عينيها الباكية محررة إيماءة قوية وهي توجه ساق وراء الأخرى نحو دواسة البنزين ليتحرك من خلفها بحرفية عاجلة محتلا مقعدها بجزعه العلوي ثم اتبعه بقدميه، وما أن تملك من جلسته حتى أخرج من خزنتها سلاحين ومخزون رصاص كان يضعهما بها للطوارئ، ثم انتقل للمقعد الخلفي متجنبا جسد الصغيرة المندفس ارضا واسقط زجاجها الخلفي بدفعه قوية من مؤخرة سلاحه والذي راح يصوبه بالعديد من الطلقات القاتلة تجاه السيارة المسرعة خلفهم والتي بعد محاولات عدة من عدم التوفيق له ولهم بسب دهاء "مرام" في قيادة السيارة حالفه الحظ أخيرا حين اخترقت أحدى رصاصاته جبهة السائق فترنح يفارق الحياة على عجلة القيادة مما أدى إلى انحراف مسار السيارة عن الطريق الجبلي السريع وسقوطها من فوقه مسببه كتلة نارية مهولة في الأجواء من خلفهم ..
ما أن ضوى بعينيه وهج اللهب المشتعل حتى مسح فص خاتمه زفرا بارتياح وهو يسند مؤخرة رأسه باجهاد شديد على مقعد السيارة من خلفه وبداخله يثني على عزيمة تلك الأنثى في نجاتهم رغم علمه بما يختلج صدرها من حزن وألم !
-----------------------
.jpg)