رواية العميل 101 الفصل الثاني والعشرون
زخات المطر المنصدمة بالزجاج وذلك الضباب الكثيف من حولها لم يعيقا رؤيتها لهما، كما لم يعيقها عيناها الغائمة بالدمع وقاتمة الليل المشرف على أسر السيارة لهم في ذلك المكان المنعزل، رجلا فارع الطول متين البنية شبيها به أتى إليهما من العدم، ما أن ابصره قادما بسيارته بالقرب حتى تحرر من مقعده نحوه على الفور، ليستمر حديثهما في الخلاء ما يقارب الثلث ساعة الثبات يحتله رغم توالي حركة شفتيه بينما الضيف منصتا يعزو صفحته الضيق الشديد، قويان شامخان لا يعنيهما احاطة الماء لهما من كل جانب، مفطنة هويته بأنه حتما أحد رجال المخابرات من فريق عمله، لهذا لم تطل رؤيتها لهما ونقلتها على تلك الصغيرة التي على ما يبدو غلبها النوم في احضانها بعد طقوس يوم مرعب، تنهدت مشفقة على براءتها الطفولية مما تعايشته خلال الساعات الماضية، خاصة بعدما فقدت والديها في سنها ذاك ليصبحا متساويتين في يتمهما وحرمانهما من عطف الوالدين تماما ..
أذرفت العبرات بسخاء وهي تعاهدها في صمت على بذل ما بوسعها لتولي اشباع حرمانها، غزت مشاعر الأمومة فؤادها من فورها حين جردت جسدها من معطفها البيتي لتغمرها بين ثناياه من صقيع الأجواء، تلاحقه بنظرة دافئة احاطتها كليا، فبغت به مقبلا تجاهها يفيض عليها بضرورة مغادرة تلك السيارة والتوجه معه لسيارة الرجل المجهول، رمقته بتردد ثم حسمت أمرها بإيماءة هادئة وهي تهم للاستجابة، فبغتت برجاءه الخافت بعد نظرة شاملة سريعة لهيئتها على ضرورة انتظاره لثوانٍ، راقبته يبتعد نحو السيارة الأخرى عائدا بحيازته معطفٍ أخر كي تلتحف به فوق منامتها الحريرية جريئة اللون، اطاعته في صمت ثم تفاجأت به يجذب الصغيرة لاحضانه ليسبق بها نحو الرجل الأخر الذي اسرع بفتح الباب الخلفي أمامه خشية اصابة المطر لبنيتها الهشة، وما أن التحقت بهم واطمئن عليها بجوارها حتى أحكم غلق الباب الخلفي عليهما ليحتل هو المقعد المجاور للسائق المجهول، لتتحرك عقبها الإطارات مغادرة المكان وهي تجهل وجهتها ومستقبلها ..
ولكنها على يقين تام بأن الأمان رفيقها طالما هو من بعد خالقها قائدها ..
---------------------
رفع حدقتيه المقتدتين نحوها وهي توالي بلباقة تقديم رجلا رافقها إلى مكتبه:
- حضرته الاستاذ رفيق الشرنوبي المستشار القانوني للشركة هنا ولشركة "علي" .. أنا طلبت مساعدته في اجتماعنا أنا وحضرتك عشان يقدر يفيدنا قانونيا وأحنا بندرس العروض المقدمة ..
اطرق جفنيه عنوة ما أن ادرك تخطيطها الجيد للهروب من جلستهما المنفردة ..
متهكما بداخله "بأنها لعبة قط وفأر إذن ! "
تنهد بصمت متوعدا " حسنا لكِ ما تريدين "
حرر لسانه المنعقد وصاح بلا مبالاة تشربها بحرفية :
- كويس جدا أحب الدماغ المصحصحة في الشغل مش اللي نايمة في العسل ..
دحرج جملته الماكرة لملعبها ثم استقام من فوق مكتبه يرحب بذلك المسن في حبور وهو يوجهه تجاه طاولة الحوار دون اكتراثٍ لوجودها، وذلك كان كفيلا لاشعالها غيظا من خلفه خاصة بعدما ذكرها بذلة تقصيرها، شعورا مهين سبب لها الضيق والغيظ، مما جعلها تلحقهما بعزيمة إصرارية لتقديم الأفضل لديها حتى تعلن نصرها المستحق على غريمها المعتوة ..
----------------------
مع بزوغ خيوط الفجر ومرور ساعة على جلستهم الصامتة داخل السيارة، انعطفت بهم لطريق زراعي خارج حدود العاصمة استغرق وقته نصف ساعة أخرى، في نهايته توقفت الإطارات وراح "عمر" والمجهول يتحرران لخارجها بينما هي ظلت تراقبهما في صمت وهو يأخذ مفتاحا منه على ما يبدو لذلك البيت الريفي الوحيد امامهم في تلك الساحة الخضراء، ثم رصدت توجهه لفتح باباها المجاور وهو يخبرها بالترجل بعدما جذب الصغيرة لاحضانه مرة أخرى، ثم هم بها للداخل وهي تتبعه باستسلام مع ذلك الغريب، فشاهدته يضعها فوق فراش أحد الغرفتين به وهمَّ خارجا لهما في ردهتها قائلا لذلك المجهول :
- شكرا يا "عبد الرحمن" تعبتك معايا ..
والذي بادله مرددا :
- مفيش بنا الكلام ده ..
ثم وزع نظراته بينهما مستطردا :
- البيت ده من البيوت اللي متأمنه كويس جدا وتحت إشرافنا .. اتمنى ترتاحي فيه الفترة اللي هتقعديها أنسة "مرام" ..
طالعته بعينيها المجهدة تمّن عليه بابتسامةٌ متكلفة دون إبداء التعجب لمعرفة شخصها، فتمتم مواصلا :
- يومين أو تلاتة بالكتير وهكون جهزت الجوازات للمغرب على اساس رجل ومراته وبنته جايين سياحة لإيطاليا من شهر وراجعين تاني ومن المغرب هنجهز جوازات تانية لمصر على طول إن شاء الله .. وده اجراء أمني لابد منه عشان أي فرد من المنظمة مايشكش في شخصياتكم .. وخاصة "راشيل" ..
ثم تابع باستفساره متنهدا بعدما ثبتت حدقتيه عليها :
- لسه مصممة تأخدي البنت معاكي .. اتمنى تفكري كويس لأن مامتها مش هتسكت لو عرفت !
جملته كانت كالمطرقة فوق رأسها فعن إي "راشيل" وعن إي أم يتحدث هو !
مقطبة الحاجبين صاحت منصدمة ونظراتها تتمعن بهما بأندهاش:
- ثواني بس .. حـ..حضرتك تقصد " راشيل " مين !
فشاهدتهما مطرقان الرأس الصمت رفيقهما، ولكنه كان كفيلا لنحر استجوابها واستعواض ذهنها بمئات الجمل، مما جعل عيناها بارزتات الذهول رفيقها .. واللتان توجها تلقائيا لـ"عمر" بالكثير من استفسارتها المتلاحقة :
- هو اللي فهمته من سكوتكم دا صح .. الأبادة كانت جاية لسكان القصر كله بما فيهم بنتها بموافقتها وعلمها !! ..
مع استمرار هروب حدقتيهما عنها اسقطت عيناها المشاعة بالصدمة عنه وهي تهذي بنبرة مسموعة :
- أنا مش مصدقة .. معقول .. دي بنتها! .. يعني حتة منها .. في أم تعمل كده في بنتها! دي .. دي أاااكيد مش بشر زينا من لحم ودم !
مع توالي هذاينها وحالتها المغيبة انسحب "عبدالرحمن" مغادرا عقب رؤيتها هكذا ليتبعه "عمر" بملامحه العابسة حتى باب البيت هامسا بإقتضاب:
- عاوزك توفرلي لبس مقاسها ومقاس البنت ضروري ..
أومأ بالإيجاب مجيبا :
- حاضر يا "عمر" هحضرهم واجيبهم ليك بكرة إن شاء الله .. ثم همس مواصلا :
- خلي بالك أنت بس منها لما تتخطى صدمتها على خير ..
اجابه في ضجر :
- حاسس دماغي هتنفجر .. من ناحية العملية وقلة معرفتنا عن أي معلومة تفيدنا عن وقتها ونكاد نعلن فشلنا لأول مرة .. ومن ناحية تانية هي واللي مرت بيه كله والأهم مش عارف هتروح لمين في مصر ..
بادره بجملته:
- أنت قولتلي أن ليها أخوال في الصعيد باين ؟!
طالعه بنظرة جانبية مرددا :
- مجرد معلومة صغيرة مفيش أكتر من كده لا عنوان ولا بلد ولا حتى رقم تليفون !
زفر "عبدالرحمن" في ضيق ثم ربت على كتفه محفزا:
- متستعجلش خلينا نخلص الأول من مهمة سفركم على خير وبعدها هتلاقي ألف حل لما توصلوا مصر بأذن الله ..
ثم استرسل مردفًا :
- وبعدين في اوامر بسحب خاتمك لأن وجوده معاك دلوقت بقى خطر عليكم .. وأي اتصال ما بينا هيكون عن طريق تليفون محمول هتلاقيه جوا على تربيزة الاستقبال .. وفي كمان سلاح في درج المطبخ الأخير للطوارئ ..
هز رأسه باقتناع ثم قام بنزع خاتمة دون تباطئ و ناوله إياه .. مراقبا لحركته حتى غادر بالسيارة عائدا .. محكما غلق الباب خلفه بحركة مفتاحه الداخلية ثم التفت لمكانها يطالعها بشيء من الحزن يعزو عينيه وهي جالسة باكية تحتضن بنيتها بطول ذراعيها كأنها والضعف بات رفيقان، زفر في ضيق ثم همَّ بخطواته المثقلة تجاهها حتى اتخذ الطاولة أمامها مجلسا له، مرددا في هدوء :
- انسانة زي دي مفروض نتوقع منها كل حاجة وميتعاتبش على تصرفاتها ..
طالعته وأثر الدمع على وجنتيها بنبرة محتقنة:
- مش انسانة ولا حتى وصلت لوصف حيوان .. اللي تخون الأمانة واللي تقتل واللي تغدر واللي تتنازل عن امومتها لا يمكن ابدا تكون انسانة طبيعية جواها قلب زينا ..
ثم صاحت تواصل بحده :
- لا وكمان بتسألوني أن كنت لسه مصممة على اخد البنت معايا ولا لا .. أنا دلوقتي أحب ابلغكم بأن بقى عندي عزيمة واستعداد يتحدى "راشيل" العمر كله ولا أن اسيب البنت تربيها واحدة زيها ابدا ..
ثم استقامت تردف في إصرار :
- وأنت مش مجبر تتحملني ولا تتحمل حربي الجاية .. عشان كده أنا هاخدها وهمشي دلوقت حالا .. وجميل حمايتها وحمايتي هفضل مديونالك بيه العمر كله ..
استقام يغزو وجهه التجهم مرددا :
- مرام" بلاش الحساسية الشديدة دي والقرارات العصبية في الوقت الغلط .. أولا أنا موجهتش ليكي أي سؤال بخصوصها ولا عمري كنت هوجه لأن عارف هي بتعنيلك إيه .. واللي متعرفهوش أن طول مدة مناقشتي مع صاحبي كانت عنها واللي أنتهت بأن أنا اللي متكفل بنقلنها معانا على مسئوليتي الشخصية واتحديت بقراري ده مبادئ وظيفتي لأول مرة في حياتي لأن مش اخلاقي أن اخذل حد خدني حماية ليه .. أما عن سؤال "عبدالرحمن" فهو عفوي ميقصدش بيه إلا حمايتك من "راشيل" لما تعرف بنجاتنا واللي أكيد وقتها هتتهمك بخطف بنتها على الأقل ..
تمعنت في عينيه بقوة توافقت مع قولها :
- حتى لو فعلا عملت كده والعالم كله بقوانينه طلعوني غلطانه هفضل احارب عن وجود أختي معايا لأخر نفس في عمري وبعدها تعدي على جثتي اللي هتعترض طريقها لحظتها وتاخدها لو كانت تقدر .. وأنت اللي مفروض تشجعني على كده لأنك عارف ومتأكد أن شر زي شرها مفروض يتقلع من جذوره ويتعدم ..
ثم هيئ لها بأن مدافعته ما هي إلا مشاعر داخله تجاهها نتيجة لما حدث بينهما، فضاقت الغيرة بصدرها مواصلة :
- وبعدين دي انسانة حقيرة متستهلش كلمة واحدة منك تدافع بيها عنها لأنها ماصنتش حتى معاهدة التضحية اللي عملتها معها وبلغت عنك في أقرب فرصة ..
وضعت على جرحه ذرات ملح دون أن تتدارك ما يؤلمه، رمقها بنظرة قاتلة لبعض الوقت دون كلمة ثم ابتعد مغادرا من أمامها والحزن يحتله إلا أنه توقف على فزعتها الصائحة ما أن رأت نقش ظهره وكأنها لم تعي له إلا حينها :
- إيه اللي في دهرك ده !
عصر عينيه أسرًا بعض الهواء بصدره عقب شعوره برعشة يدها تحاوط مكان اختراق الرصاصة الذي اتلف كنزته وهي تستأنف بنبرة مرتجفة باكية عفوية:
- إيه العلامة دي .. أنت .. أنت أكيد كويس .. مش كدا .. ولا دا إيه بالظبط ما هو مش معقول اللي خطر في بالي .. رد عليا ساكت ليه !
نبرتها المترجية المتذبذبة لم يستطع الصمود أمامها أكثر من ذلك، مما أُرغم على الاستدارة في الحال كي يطمئنها بنبرة رؤوفة :
- "مرام" أهدي أنا واقف قدامك كويس أهو الحمدلله .. الرصاصة جت في القميص الواقي ومفيش أي خطر عليا ..
عند مصطلح الرصاصة خرجت شهقة صاخبة انسابت معها العبرات بغزارة وعبارة واحدة تشعبت في مخليتها بأنها كانت معرضة لفقده كما فقدت الباقيين، وهذا كان كفيلا لفقد السيطرة على تماسكها وصم أذنيها عن محاولات تهدأتها المتلاحقة، تهاوت أرضا تبكي بهسترية كأنها تلقت الآن خبر وفاة الجميع من جديد ..
جثى بجوارها وداخله يؤلمه على مشاعر منفردة نمت بداخلها دونما هو، مشاعر ستكون لها دوما المقصلة لبقائها في الحياة كباقي البشر طالما بينهما حائط عمله الفولاذي للأبد ..
راقبها بشح مشاعره وتصرفه حتى هدأت رويدا رويدا ثم راح متمتما بجمود :
- أدخلي نامي مع "أديل" و أنا هكون في الأودة اللي جمبكم لو احتاجتي حاجة ..
تحجرت العبرات من قسوته وتجاهله العمد لمشاعرها، نهضت سريعا تحفظ المتبقي من كبريائها مطرقة بخطوات مثقلة تجاه غرفة الصغيرة، نادمة معاتبة على ظهور مشاعرها الجياشة تجاهه دون إدراك، بينما هو زفر بارتياح لينفض عنه ثوب التوتر والارتباك الذي لاحقه من شعورها الجارف نحوه، متحركا هو الأخر تجاه الغرفة الأخرى يتوسل النوم بأن يدق جفنيه حتى ينفض عنه شعور العجز بقربها .. فا لا مشهد الدماء والرصاص والمطاردة ذات تأثيرا گ تأثيرها الذي بات أقوى الآلاف المرات من كل ما مر عليه من معارك !
عقب استبدال ثيابه المبتلة بثوب وحيد وجده في خزانة الغرفة ومرور ساعة على الفراش لم يزوره النوم مطلقا، متفاجأً في خضم مشاعره بحركة ما بالخارج على أثارها انتفض من فوق الفراش متسلحا بسلاحه الذي جلبه بجواره، ثم عاجل بفتح الباب متهيئا للهجوم فصعق من رؤيتها تلتحف بشرشاف وتؤدي عدد من الركعات في زاوية ما في صالة المنزل والنحيب رفيق سجدتها، زفر بارتياح ثم راقب انتهاءها فتحرك تجاهها واضعا راحته فوق كتفها متمتما برجاء :
- "مرام" أرجوكي حاولي تنامي شوية واهربي من كل حاجة عشان تقدري تكملي .. المشوار لسه طويل ..
فبغت بمطالعة عينيها الدامية وسيل دموعها الذي شق قلبه هاتفة بنبرة مرتجفة وهي تدفس وجهها بين ذراعيه فجأة :
- مش قدره والله مش قدره غصب عني .. الفراق ده صعب وشيء مؤلم عمري ما كنت اتصوره بأنه بالقسوة دي يا"ياسـ.. "
ثم قطعت حديثها ولم تواصل ..
اغمض عينيه يجيبها دون تريث وهو يحوطها بيديه المتصلبة في الهواء ردًا لفعلها الذي اباد حصونه كافة :
- "عمر" .. "عمر" مش "ياسين" !
سمع شهقاتها تتسابق وهي تغرز بنيتها بين ضلوعه، شهقات ظلت لكثيرا من الوقت ليقابلها هو بكثيرٍ من الاحتواء، حتى تفاجأ بها تغفو بعد وقت قصير بين ذراعيه كطفلة متوجسة تسعى لموج حنان يغمرها ليطمئن قلبها الخائف بأن كل شيء سيصبح بمشيئة رب العالمين بخير كي يزورها النوم ..
استقام يحملها فوق ذراعيه بحذر ثم وضعها بالفراش بجوار الصغيرة بمعالمها العابسة المستاءة مما شهدته اليوم من واقع مرير، ليشاهدهما معا بنظرة تمعنية مطولة بأن لا اختلاف بينهما وكأن الاثنان صار أمامه متساويتان في العمر .. احدهما طفلة والأخرى امرأة في ثوبٍ طفولي .. انحنى يدثرهما بالغطاء جيدا داعيا الله سرا بأن يعينه حتى تكتمل مسئوليته تجاههما .. ثم غادر مغلقا الباب خلفه بكثير من الهدوء والبطء ..
-----------------------------
في نهاية اجتماعهم راقبها وهي تجمع أوراق المناقشة وتحكم عليهم بحكمة مغادرةٌ من فورها بصحبة الضيف ..
رغم مشاعر الحنق تجاهها في البداية إلا أنه لن ينكر سعادته لموقفها الجاد تجاهه وتجاه إي رجلا كان، وحتما لها كل الحق في ذلك طالما ستظل تحت وطأت مجتمع ذات نظرة سوداوية للفئتين الأرملة والمطلقة، مجتمع معاق لا يخشى خالقه في القيل والقال ..
الاجتماع بها وبذلك الضيف اثبت بأنها قوية .. قوية جدا حتى كان يظنها بألف رجل أمامه! .. تناقش، تحاور، تبدي رأيها بتأني واحترافية دون تعدي حدودها، كأنها آلفت العمل منذ زمن .. لا تلك المرأة المتقوقعة، الباكية، الواهنة في تلك الليلة ..
"امرأة خلوقة اوجبت عليه احترامها، مما أوجب على قلبه مباركة غرامها .."
------------------------
هي ليست بانتظاره .. وعن قصد تتهرب منه من أثر مكالمته صباحا ..
فتاته اللعوب !
ازداد الوعيد بداخله ما أن ولج القصر وشاهد السيدة الموقرة تستقبله بفيض امومتها فهتف مبتسما :
- مرحبا سيدة "رقية" !
والتي بادلته الترحاب ثم واصلت بتردد :
- "علي" الم ترى بأن لفظ السيدة "رقية" ثقيل الظل في حديثنا وما بيننا من علاقة قوية .. فأنا قبل أن أكون والدة زوجتك فأنا زوجة عمك الوحيد وابنة عم والدك وبمثابة عمتك !
تجهم وجهه ما أن اسكبت دلو الماضي فوق رأسه، ولكنه قبل أن ينجرف وراء سلبية مشاعر الماضي استثناها هي وبناتها منها .. فحقا نساء صالحات يشيب لهن المجالس تقديرا واحترام، تربية وأخلاق محت سواد ذاكرته عن جنسهم، رسمت ابتسامة هادئة على شفتيه وهو يجيبها بخفوت حاني :
- أتوق شوقا لنطقها للمرأةٌ الصحيحٌ !
رغم حيرتها من غموض جملته إلا أنها تفادت التعليق عليها مستفسرة باندهاش :
- أعتبره قبولا رسمي "علي" !
تبددت ابتسامته وتنهد مطولا ثم عزم أمره مردفًا:
- نعم .. والدتي "رقية" !
لمعت عينيها بأمومية صادقة متمتمة :
- كانوا يقولون لي كثيرا بأم الفتيات كنوع من التقليل بالشأن والشماتة ووصمة العار .. ومع ذلك كنت أنا كثيرة الشكر والحمد بنعمة ربي عليّ .. لأن بداخلي كان اليقين بحفظ مكاني بالجنة من تربيتهن كما قال رسولنا الكريم .. ثم وبفضل الله كنت كثيرة الأفتخار بذاتي بأنهن أيضا من سيأتيني بالرجال الحق .. لأن استعنت بالله في تربيتهن واخلاقهن .. وها هم ابصرت رجالهم أجمعين حتى ختمتهم بوجودك أنت وأثبت بأني على حق !
زاغت عيناهُ ذاهلة في معالمها وهو ينصت لما تحدثت به، شعر للوهلة الأولى بأنه عاجزا عن النطق الذي يليق بعظمة كلماتها، لهذا أيقن بأن خير رد كان احاطته لمقدمة رأسها مقبلا ..
حدثا لم تكن تتوقعه ولكنها اغاصها بالسعادة فرمقته عقب ابتعاده بنظرة دافئة كفيلة لتعويضه عن سنوات عجاف من ظمأ الأمومة، عقبتها بود مرح :
- العشاء جاهز .. وقبل أن تسأل لا أعلم ما حدث لتلك الفتاة من الصباح كمسكرة كانت وما زالت حتى هربت قبل قدومك بدقائق دون أن تستجيب لندائي المتكرر !
وهلة استغرقها في التفكير ثم ضيق عينيه مواصلا ببراءة مصطنعة :
- لا عليك أمي اتركيها وشأنها .. أم العشاء ليس وقته معي الآن .. فالعمل لقليل من الوقت ثم هو ..
ربتت على كتفه تجيبه وهي تهم للمغادرة :
- حسنا بني الجميع تناوله لتأخرك عن العادة وعشاءك سيكون على طاولة المطبخ في أي وقت تريد .. تصبح في رعاية الله ..
- أمين وإياكِ .. شكرا لكِ !
غمرته بابتسامة حانية ثم همّت صاعدة، راقب مغادرتها في صمت وبداخله يشتعل ضيقا من فتاته الخجول .. ولكنه أيقن بأن الانتقام صار واجبا فليس من شيمة مسامحة ما يخصه من ذنوبها !
-----------------------------
للمرة الثانية سيجمع الغذاء من فوق الطاولة كما جمع الأفطار الذي أعده مسبقًا أيضا، وكأن الفتاتان من الأمس تلبسهما نومة أهل الكهف إلا من بعض الفزع والصراخ وهلوثة أحلام الواقع مما تعيشاه اليوم الماضي .. ليدخل عليهما يربت على رؤوسهم بلمسات ناعمة تبث لعقلهما الباطن الكثير والكثير من الأمان .. لمسات مؤقتة حتى تتكفل بهما الوالدة عقب وصولهم للقاهرة ..
نعم فهو بات على يقين بضرورة تواجدهما تحت عينيه وبجوار والدته إلى أن يتم تسلمهم لأهل والدتها بالصعيد عقب بحث متقن على عنوانهم ..
-----------------------------
رفع كتفيه بإجهاد نضح على تقسيماته من فوق بعض الأوراق الهامة التي يجب مراجعتها قبل اجتماع الغد بالمصدرين الأوروبين، متوجها لحفظهم بعد انتهاءه منهم كافة، منتويا التوجه لغرفته إلا أن بعض التلقصات الجوفية التي نبأته عن جوعه هي ما أوقفت خطاه، ليداعب ذهنه الكثير من الأفكار لا يحوفها البراءة في شيء، والذي ساعده على هذا هدوء الأجواء وغط الجميع بالنوم، لهذا صدق فكره بأن حان وقت الانتقام حقا !
مسح وجهه مصحصحا لمهمته القادمة والتي وجه خطاه إليها دون تباطئ ..
على حافة غرفتها توقف ثم مد يده يطرق بابها في تأدب وكأنه فتى خلوق مطيع لا يحق له الدخول بين ارجائها، طالما علم بعدم قبولية ذلك الأمر لدى تقاليد هذا المجتمع وتلك الأرض، لذلك رأى بأن أرضه ستحضن مشيتها عليها بالترحاب، أجفل من خضم مخابثه بفتح الباب وظهورها بمعالمها المندهشة وعينيها البارزة تردد بنبرة متوترة :
- "علي" إيه اللي جابك هنا ..
فشاهدت معالمه المبهمة فعدلت ترجمتها سريعا للغته قائلة :
- ماذا هناك ؟!
عقد ساعديه وهو يميل بكتفه على حافة بابها مردفًا عن قصد :
- لأجذبك لارضي طالما أرضك محرمة عليّ ..
- نعم !
بتلعثم أعاد جملته مصححا :
- بل أقصد بأني جائعا وبشدة ..
- الآن !
إيماءة قوية وشفتي مبتسمة على أخرهما اجاب مثلها :
- الآن !
-----------------------------
.jpg)