رواية العميل 101 الفصل الثالث والعشرون
رفع كتفيه بإجهاد نضح على تقسيماته من فوق بعض الأوراق الهامة التي يجب مراجعتها قبل اجتماع الغد بالمصدرين الأوروبين، ثم توجه لحفظهم بعد انتهاءه منهم كافة بأحدى الأدراج الآمنة، منتويا عقبها التوجه لغرفته لأجل راحة بدنه إلا أن بعض التلقصات الجوفية نبأته عن جوعه فأوقفت خطاه، ليداعب ذهنه الكثير من الأفكار التي لا يحوفها البراءة في شيء، والذي ساعده على ذلك هدوء الأجواء وغط الجميع بالنوم، لهذا صدق فكره بأن حان وقت الانتقام من تلك الخجولة التي لا تستوعب حقيقة زواجه بها حتى الآن!
مسح وجهه مصحصحا لمهمته القادمة والتي وجه خطاه إليها دون تباطئ ..
على حدود غرفتها توقف مطرقا بابها في تأدب وكأنه فتى خلوق مطيع يقدر عدم احقيته بالدخول وفقا لتقاليد هذا المجتمع وتلك الأرض، لهذا انتوى بأن يجلبها لأرضه لتحتضنها بكل ترحاب، أجفل من خضم مخابثه بفتح الباب وظهورها أمامه مندهشة تردد بعفوية :
- "علي" إيه اللي جابك هنا !
فانتبهت بعدما شاهدت معالمه المبهمة لما قالته بعربيتها فاعادة جملتها بلغته مرة ثانية بارتباك :
- ما الأمر الهام الذي استرعى حضورك ؟!
بنظرة خاصة عقد ساعديه فوق صدره وهو يميل بكتفه على حافة بابها مردفًا بمكر :
- لأجذبك لارضي طالما أرضك حُرمت عليّ ..
- نعم !
ذهولها اربكه مما أجبره على اعادة جملته مصححا :
- بل أقصد بأني جائعا وبشدة ..
- الآن !
إيماءة قوية وشفتي مبتسمة على أخرهما اجابها :
- الآن !
ثم واصل وهو يرمق هيئتها بنظرة شمولية استفزازية :
- ولكن رجاءً التحفي بشيء فوق منامتك الطفولية تلك حتى لا يختلط الأمر عليّ مجددا بينك وبين أطفال المنزل !
على مدى بصره تطلعت لمنامتها بعدم تصديق ثم راحت تطالعه مرة ثانية بحدقتيها المقتدة حنق وشراسة، فابصرته يجاهد لكتم ضحكته مما استفزها كثيرا ودفعها لأن تهوي بقبضتها تجاه كتفه دون تأني، فعاق فعلها براحته متمتما من وسط ضحكاته التي تحررت :
- يكفي "آنا" فأنا أكاد اقتنع بتركه بعيدا قبل قدومي إليك وإغاظتك ..
جملته كفيلة لبتر نظرتها المستعرة واختلاس من شفتيها ضحكة رقيقة اختلجت بحمرة الخجل بعدما رصدت نظرته الهائمة الشاردة بين جزيئات وجهها السمح، مما استدعت سرعة بديهتها لسحب يدها من راحته بارتباك بحجة جلب إسدالها، ثم همت هاربة تسبقه لتولي زمام الأمر داخل غرفة تحضير الطعام، اتبعها مطيعا إلى الأسفل بابتسامة جانبية ونظرة غير بريئة مفركا أذنه اليمنى ببطء وهو يشاهدها تطالعه مستفسرة بعدما شاهدت الطعام المُعد مسبقا على المائدة به :
- عجبا .. يوجد طعاما جاهزا يكفي الغرض هنا ؟!
عبر للداخل بخطوات هادئة ثم إستند بخصره على طاولة التحضير متمتما بخبث :
- أريد غيره ..
ثم واصل متشوقا بعدما إرتكزت ساقه فوق الأخرى :
- أشتهي البيض المقلي والخبز المحمص والچبن !
طالعته بضيق عينيها لقليل من الوقت بعدما جال بخاطرها الكثير من الشكوك، ولكنها حسمت أمرها بتنهيدة عميقة وأومأت بالقبول وهي تتوجه تجاه مبرد الطعام لجلب ما تحتاجه من مكونات..
استرخى في وقفته عاقدا ساعديه وهو يرصد تحركاتها بتلذذ أمامه لخفق البيض وتجهيز المقلاة بمادته الدهنية فوق المطهى الحراري منتظرة الوقت المناسب لدمجه بالمخفوق، فاهتزت بنيتها وأنتشرت القشعريرة في اوصاله عقب شعورها به خلفها مباشرة، لتزداد ارتعاشا عند عبثت اطرافه في حجاب رأسها حتى سقط عن شعرها الذي لم يسلم من مداعبته إيضا لينساب بنعومة فوق كتفيها، هامسا بانفاسه الساكنة :
- اتتذكرين تلك الوجبة ..
عيناها المتحجرتان وصدرها المتهدج أوحى لمن يشاهدها بتذكرها جيدا منذ البداية ولكنها أجادت تصنع النسيان بمواصلة الصمت، فتابع مستأنفا بنبرته المرحة رغم مواصلة خفوته :
- البيض المتقطع الغير متصل خيوطه شبيها بخلطة المريض، والخبز المحترق اطرافه .. عفوا بل المحترق كلهُ .. واخيرا الچبن عشوائي التقديم .. ذكرى كارثية مطبخية لن تمحى بالساهل من الذاكرة .. أليس كذلك !
حينها فشل صمودها مع وصفه المضحك وانفجرت ضاحكة تومئ بالإيجاب فتجانست مع ضحكاته لبعض الثوانٍ حتى اقترب من أذنها موشوشا :
- لقد فعلتها عن حب حقا .. مع كامل تحفظي على قباحة شكلها الخارجي ..
ثم عقب تنهيدة دافئة أوقدت خمول مشاعرها واصل :
- الفراش كان كالصبار يومها ولم أنعم بنعومته منذ أن علمت بكيفية صومك ومدته .. احسست بالذنب وضجيجا بداخلي لم يمهلني حتى نهضت واعددته عن طيب خاطر .. كأني اعتذر به عن مدى عنفي معك قبلها ..
تبددت ضحكاتها حتى أختفت وهي تنصت لمواصلته بعدما دسّ أنفه مستنشقا خصلاتها :
- وبرغم فشلي في إيجاد صنعه لأنها كانت أولى محاولاتي في ذلك الكيان .. إلا أني جاهدت بفعلها لأجلك ولا أعلم حينها لِمَّ !
سحر همسه وتعويذة حروفه ضويا حدقتيها بلمعة براقة، جعل روحها تحلق عاليا بسعادة في الفضاء رغم عنفوانية نبضها !
فسمعها للبوح المنتظر اذاب الحاجز بينهما ودعاها لبدء طريق الهداية في لِين مشاعرها الموصدة، مما استدارت مغيبة توزع نظراتها بهيام بين خضرة عينيه المتوهجة وكستنائية خصلاته الناعمة والأكثر بين حدود ملامح موروثة من الجد تعشقها بجنون مردده :
- لم أراهُ كما وصفته مطلقا .. ففي اليوم التالي وقبل قدومك مصاب لم أتركه حتى تذوقته وتجرعت مصل مشاعرك واهتمامك به .. وهذا ما جعلني كالثملة في قربك بعدها !
تفاجئه أيضا بأعترافها جعله عاجزا عن الرد المقدر لجمال بوحها، ولكنه بادلها النظرات بأكثر ذوبانا وعشقا تاركا للغة العيون بث شوقه إليها وما بداخله من اشتياق، وأجاد حقا اختيار لغة الحديث حين رصد تراخيها شيئا فشيئًا بين ذراعيه، فدني مغيبًا بوجهه نحوها حتى كاد لا يفصلهما شيء إلا صوت "رقية" الناعس خلف ظهره متساءلة :
- إيه يا أولاد اللي مصحيكم لغاية دلوقتي !
نبرتها كانت كفيلة لقطع كل سبل التواصل واحتلال الارتباك لابنتها بينما "علي" استدار يستند براسغه على الطاولة خلفه وهو يمضغ قطعة خيار تناولها من طبق قربه تاركًا بنظرة ماكرة دفة الأجابة لـ "هنا" الملعثمة :
- لاااا شيء أمي هو يحتاج لعشاء خفيف قبل ..
ثم وعت لانجليزية حروفها فاسرعت مرتبكة :
- أااابدا .. يا ماما كنت بحضر أكل لـ "علي" عشان جعان !
كتم ضحكاته على وداع التركيز لعقلها بينما تخطت "رقية" للداخل لجلب قنينة ماء من داخل البراد وهي تجيبها بملامح ناعسة :
- بألف هنا يا حبيبي .. وحاولوا لما تخلصوا متتأخروش عشان "علي" يعرف يصحى بدري ويشوف شغله ..
ثم همت مغادرة للأعلى بهدوء يماثل ولوجها، ليكتسي "هنا" شعورا مستجد تضافر بالغيظ والخجل وهي تطالع معالمه الضاحكة :
- لقد شعرت بوالدتي وقصدت ما فعلته !
- كلا ..
اجابته في ضجر :
- بلى قصدته .. ثم واصلت محذره بسبابتها أمام وجهه قبل أن يجيبها :
- ثم لا تكذب وقل نعم .. لأن الكذب سيدخلك النار من أوسع أبوابها !
انفجرت ضحكاته عقب اصرارها الطفولي أمامه مما اندفعت نحوه بتنمر نظراتها ووعيد صوتها المزيف :
- أهذا هو انتقامك لتهربي صباحًا وعدم انتظاري لك مساءً .. أنت بت رجلا غليظ "علي" ولا استبعد إيذاءك الليلة على يدي .. فاحذر !
قطع نوبته بغته وهو يبادلها النظر بتحدي أقوى ثم في غفلة منها جذبها من خصرها بطول ساعده نحو صدره بأكثر جرأة متمتما بإيحاء ترنحت مخدرة من عبقه:
- وأنا أتوق شوقا لمعرفة نوع انتقامك !
لبسها ثوب التوتر وتغير مناخ وجهها لعاصفة خجل مما جعلها تدفعه وتتملص من سيطرته تجاه المقود بارتباك بحجة مواصلة صنع البيض والانتهاء منه سريعا لتفر هاربة من مشاكسة فتاها المدلل ..
جاهلة من خلفها تلك اليد التي بدرت البيض خلسة بالمزيد من بودر الفلفل الحار، والتي التفتت عقبها بالخبز المحمص لوضعه مع باقي الوجبة فوق حامل الطعام، فتناوله منها بملامحه الوديعة متهيئا ببراءة مزيفة لتذوق طعمه أمامها، فتفاجأت به جاحظ العينين يكمل مضغ ما في فمه بامتعاض، فهتفت متوجسة :
- ما الأمر .. أهو بالسيء ؟!
صاحب جملته السعال الخفيف موضحا :
- لم أطلبه منك كثير الحرارة هكذا !
بضيق عينيها رددت بترقب :
- ولم أفعل !
- بلى فعلتي !
- حقا لم أفعل .. وأنا على يقين بذلك !
مط شفتيه ببرود متمتمًا :
- تذوقي إذا !
رمقته متوجسة وهي تمد يدها ببطء تجاه الشوكة التي قصت بها قطعة من البيض ودستها في فمها تمضغها بحذر، وهلة وتوقفت مندهشة من سبب تلك الحرارة الشديدة فيه، فأجفلت بقربه مرة أخرى ومواصلة همسه وهو يحيط خصرها بتملك :
- أريد غيره !!
---------------------------
واصل نظراته التمعنية إليهما وهما يأكلان بشهية معدومة رغم مواصلة نومهما ليوم كامل، الكبيرة بنظرتها المتحجرة الشاردة في الفراغ أمامها والصغيرة المنكمشة على نفسها وتكاد تلصق بشقيقتها التصاقا بمرآة عينيها المتوجسة، لهذا حافظ على قدر كافي من البعد عنهما خشية فزعها فيكفي ما مر عليها حتى الآن ..
جلى حنجرته وقطع سكون الاجواء بزفرة عميقة مردفًا:
- إيه الأكل مش عاجبكم للدرجة دي ؟!
نجح في لفت انتباه "مرام" على الأقل حين ذهب شرودها واجابته بارتباك :
- بالعكس دي أول معلومة أعرفها عن قرب أنك بتعرف تطبخ بالشكل ده ..
اصطاد طرف حديثها الحساس ووجه دفته بحرفية ليعدل من صمتهما حين أردف بنبرته المرحة :
- لا دا ولسه لما تدوقوا أكل الحاجة والدتي كمان .. لحظتها هتعرفي بأن أكل إيطاليا وأكلي كمان ميجوش جمب أكلها حاجة ..
صعقت مما سمعته فطالعته باندهاش متساءلة:
- هو أحنا هنطلع من هنا على ولدتك !
صمت لثوانٍ ثم أضاف بإصرار عقبها :
- إيوه لأن مفيش مكان آمن غير مكانها أقدر اسيبكم فيه وأنا مطمن .. ومتقلقيش أمي هتقدر توفر لكم الراحة اللي محتاجينها.
اسرعت موضحة :
- أنا مقصدش كده خالص .. كل اللي اقصده أننا أغراب وهي متعرفناش وأكيد بقعدتنا معها هنسبب لها الازعاج ..
أجابها تلقائيا في شرود :
- والدتي مش زي ما أنتي فاكره .. دي عاشت عمرها كله وحيدة مع زوج وولدين بنفس ظروف شغلي .. فمتتخيليش شعورها هيكون إيه لما تونسوها الفترة دي ..
ثم فاق يسترسل وهو ينتصب من جلسته :
- "عبدالرحمن" جاب لبس مناسب ليكي وليها في شنطة حطتها جوا ..
مسترسلا بطرف ذقنه تجاه الصغيرة :
- يا ريت تجهزيها وتستعدوا بعد ما تخلصوا أكلكم لأن هنبدأ نتحرك من الليلة وهنتقل لكذا مكان لما نوصل المطار ..
اطالت نظرتها إليه لاستيعاب مدى حرصهم الأمني في التنقل أو بالآحرى تعجبا لتواريه المتقن لطيف حزن عبر بحدقتيه لا تعلم منبعه وتتمنى مشاركته به لمحيه ولكن ! .. تنهدت بصمت ثم أومأت بالقبول لتتابع مغادرته تجاه غرفته .. عقبها تنهدت يائسة مرة أخرى بصوت مسموع وهي تدفس بنية الصغيرة داخل صدرها، تمسح خصلات شعرها الشقراء ببطء يفيض بالحنان لتغمر شفتيها بينهم بقبلة مطولة وحدقتيها ما زالت تقتفي أثر ذلك الغامض المحتل لبؤرة نبضها ..
----------------------------
مع توالى الأيام تكررت الاجتماعات بينهما حتى وإن كان ذلك يخالف رغبتها، فالعمل مجبر ومحكم ببعض القوانين التي لا يجوز مخالفتها من أي شخص كان، لهذا انصاعت خانعة وراء تطور الاوضاع وبدأ اللين يعرف طريقه جيدا بين لقاءاتها مع ذلك الشاب "أمير" الذي اكتشفت من مجالسته بأنه خفيف الظل والروح ولم تعترض على هذا ما أن علمت مصادفةً وهي تحضر بعض التراخيص باسمه بأنه أصغر منها بعامين مفاجأة جعلتها تطمئن باستحالة ما تظنه لتضاف لقائمة عيوبها بأنها أرملة ولديها ابنة، والأكثر أنها تبني بتخشب وجهها فاصل الحدود كما كانت تظن !
نعم .. فعقب افتراش شفتيها بضحكة عذبة عفوية كرد فعل على مداعبته المازحة في أخر لقاء عمل بينهما حتى عصف وجهها العبوس والتوجس والريبة والاندهاش بعدها .. خليط مشاعر نبأها بأنها باتت على حافة الهاوية .. وأن الخطر بات يهدم بفأسه حصونها .. فليست الضحكة البريئة "الكارثة بعينها" بل قدرته هو فقط عن الجميع على اخراجها صادقة من القلب بعدما ودعتها منذ موت الزوج .. مما جعلها تستقيم من جلستها داخل مكتبه بفزع وتفر من أمامه راكضة للخارج، ترغم ساقيها على الخروج بدقات قلبها الصاخبة من حيز الشركة كاملا وضباب الدمع يصاحب رؤيتها كليا حتى كاد يطولها اطارات سيارة مسرعة بالطريق الذي عبرته تائهة مشتتة ولكن رعاية الله فرضت غطاءها فوق المكان ..
_________________
بعد مرور يوم بليلة بين طرق إيطاليا الداخلية والسفر عبر الجو لسماء المغرب الشقيق ومن ثم رسو الطائرة أعلنت الخطوط الجوية المصرية أخيرا عن وصولهم لأرض الوطن .. ثم داخل عربة مصفحة تابعة للمخابرات تم نقلهم بآمان لمسكن والدته كما أمر مسبقا ..
ما أن فُتح مصعد البناية عن دفتيه بالطابق المحدد رصد بعينيه وهو يحمل الصغيرة النائمة من عناء السفر و"مرام" من خلفه جلوس أحد العساكر على مقعد محدود بسلاحه أمام أحدى الشقق به والذي بدأ الحديث معه بألفة اعقبت وصوله إليه :
- أزيك يا "مصطفى " ..
رفع المجند عينيه بنظرة عابرة توسعت ببهجة ما أن أدرك شخصه، مسرعا بالاستقامة وهو يمنحه التحية العسكرية بتبجل :
- سيادة الرائد "عمر" بيه الف حمدلله على سلامة سعادتك يا فندم .. والله الدنيا نورت بقدوم جنابك ..
- الله يسلمك يا "مصطفى" .. أخبار الحاجة إيه ؟!
بنظرة منخفضة إجابه في حبور :
- الحمدلله الحاجة بخير وفي خدمتها وراحتها طول ما انت غايب يا "عمر" بيه .. كل اللي ناقصها بس شوفت حضرتك بالسلامة ..
ربت على كتفه مرددا :
- تعيش يا "مصطفى" أنت وباقي الحراس .. عارف أن سايب ورايا رجاله ..
- تسلم يا فندم أحنا نفدي أي طرف لسعادتك برقبينا والله ..
- دا العشم فيكم دايما .. ثم استأنف بحركة من راحته:
- هات مفتاح الشقة وتقدر تاخد باقي اليوم اجازة أنت وباقي الرجالة اللي على باب العمارة تحت .. وتواصلوا بكرة إن شاء الله لو خرجت ..
دس راحته في بنطاله مخرجا غايته ثم مد يده بها إليه مرددا :
- حاضر أنت تأمرني جنابك .. وحمدلله على سلامتك مرة تانية ..
ثم راقبا معا مغادرته من أمامهما للمصعد فهمّ بمناولة "أديل" إليها فاستقبلتها بين احضانها وطيف سعادة يغزو صدرها مما رصدته أمامها الآن من لقاء حاني رؤوف منه بالمستضعفين من عمله والأكثر بهجة لطيات صدرها هي بداية رصد حياة محبوبها الخاصة .. والتي بدأت برصدها عقب فتحه لباب الشقة وولوجهم داخلها شاهدت مُسنة عبثت كثرة السنوات بصفحتها البشوشة الهادئة فنتج عنها الوقار والطيبة جليست أحد مقاعد الاستقبال وبيديها مصحف شريف تروي صدرها من فيض راحة كلماته والتي صدقته على الفور ما أن شعرت بوجود طيف أمامها مردده تلقائيا وهي تضع كتاب خالقها أمامها برفق :
- تعالى يا "مصطفى" عاوز حاجة !
استمرار صمت الطرف الأخر ارغمها على رفع ضيق حدقتيها للأعلى مدققة بمن أمامها فازدادت اتساعا وهي تصيح بلهفة :
- "عمر" !
قالتها وهمت مهرولة تجاهه بصحة شبابية خلقت من العدم والذي قطع خطاها المتبقية بهرولة تماثل هرولتها إليه ليجتمع الاثنان رغم طوله الفارع عنها في عناق فاح منه كافة مشاعر الاشتياق والحنين وهي تواصل بنبرة باكية :
- أخيرا جيت .. وحشتني قوي يا بني ليه كده تطول الغيبة بالشكل ده ..
ابتعد قليلا يهدى جبينها قبّلة عميقة ثم انحنى يقبل ظهر يدها مردفا :
- غصب عني والله يا حاجة أنتي عارفه أن مقدرش أبعد عنك غمضة عين بس ظروف شغلي دايما العائق بيني وبينك ..
ربتت على صدره براحتها وهي ترزقه ابتسامة حانية :
- عارفه يا نور عيوني .. عارفه .. وعشان كده بدعيلك دايما بأن ربنا يجعلك في كل خطوة السلامة والنصر اللي يتعجب منه أهل السموات والأرض ..
اقترب يحتضنها مرة ثانية وهو يتمتم بتنهيدة عميقة :
- واحشني صوتك وهو بيدعيلي يا حاجة ..
اشتدت بذراعيها حوله متمتمة :
- على لساني وقلبي دايما يا قلب الحاجة حتى وأنت غايب ..
مشهد لقاءهما كان كفيلا بملئ عينيها بالدمعات رغم احتلال الابتسامة لشفتيها دون إدراك .. مزيجًا خرج منها عفويا لمشهد تمنت منذ موت والدتها بالعيش بين طياته وروي ظمأها من عاطفته، ولكن كان ليد القدر الحكم الفاصل في عدم تحقيقه ..
في خضم احلامها وعلى حين غرة تبددت ابتسامتها و بُهت وجهها يرافقهما قشعريرة صرت باوصالها ما أن ابصرت عينين العجوز عليهما، على أثارها تراجعت للخلف عدة خطوات وهي ترصد استفسارها الصامت لولدها الذي راح يجييها على الفور وهو يطالعهما :
- دول ضيوفي يا ماما لوقت قصير وجبتهم هنا لأني واثق بأنك أنتي بالذات اللي هتكرميهم وتاخدي بالك منهم زي ما أنا عاوز ..
ثم أقبل نحو "مرام" يحمل منها الصغيرة على أحد ساعديه وبالساعد الأخر حثها على التقدم بخطواتها المثقلة تجاه والدته دون إحراج،
والتي اطاعته بخطى متردد وحدقتيها تراقب بتوجس رد فعل العجوز بعد حديثه فتفاجأت بها تُقبل بساعديها المنفرجتين نحوها مردفة بابتسامة حانية وعينين تضوي بالترحاب :
- وضيوف "عمر" بالذات ميتسموش ضيوف لأنهم أصحاب مكان ..
ثم واصلت وعينيها تجول بمعالمها عن قرب :
- غير إنك بسم الله ما شاء الله تدخلي أي قلب من غير أي وسطة.. ربنا يحفظك يا بنتي ..
ارتمت في احضانها دون تمهل تشبع عجافها بنهم ملحوظ وكأنها من خلاله تشبع اشتياقها لوالدتها والعجوز "أنيسة" ..
شاهد "عمر" عناقهما الأول وهو على يقين بأنه ليس الأخير وهذا أكثر ما يحتاجه لهما في الوقت الراهن .. بابتسامة سعيدة راح يمازحهما بنبرته المستجدة :
- أنا قلت كده من الأول والله أن محدش هيكرمكم قد الحاجة "عفاف" أمي لدرجة أنها هتنسى أن ابنها من أول حضن ..
ابتعد الاثنان عن بعضهما يطالعانه بضحكة منفرجة تحرر صوتها والعجوز تواصل :
- أنت بالذات يا "عمر" اطمن وحط في بطنك بطيخة صيفي لأن مكانك بالقلب محفوظ يا أول فرحتي ..
ثم استرسلت بهمة :
- وبعدين يلا بقى سيبني اجهز السفرة زماتكم ميتين من الجوع عقبال لما تعرفهم أودتهم ..
مستأنفه عقب نظرة متمعنة نحو الطفلة على كتفه :
- عشان الجميلة دي تعرف تاخد راحتها على السرير ولما تصحى أنا هأكلها بأيديا ..
ثم توجهت لغرفة تحضير الطعام تاركه خلفها ولدها يوجههما نحو الغرفة التي يحددها أو أكثر تدقيقا معرفة أي غرفة سيختار لهما من بين غرفته وغرفة شقيقه المتوفي ..
--------------------------
داخل الحدود الأمريكية عاد "أوستن" لمحل اقامته السري والمؤمن جيدا بصحبة "راشيل" بعد أن ودعت كل ما لها داخل الحدود الأيطالية والتي سألته مستفسرة :
- ما العمل عقب وصول تلك المعلومة التي تفيد بعدم وجود جثث للظابط المخابرات وابنة زوجي وابنتي .. هل سيتم الغاء العملية ؟!
نفث دخان سيجارة متمتما بنظرة ثاقبة :
- لن تلغى عملية من الصعب تكرارها إلا بعد سنوات طوال بتلك البساطة .. بل وسيتم دخولها الحدود المصرية في معادها كما هو محدد مسبقا .. فالشحنة تجمعت وبدأت رحلتها في عرض البحر منذ بضع سويعات غير أن الأهم لا أحد يتوقع بأن الشريحة المدمجة بتفاصيل العملية تم زرعها تحت جلد الطفلة أثناء سفرها معك إلى هنا حتى وأن بحثت المخابرات المصرية عنها لسبعون عاما ..
حديثه متقن واسبابه أكثر إتقانا ولكن المفاجأت القدرية لا تأمنها وتخشاها كذلك .. لكنها لا تملك الآن إلا اخراج إيماءة هادئة تاركة الأمر كله لترقب الأحداث القادمة على صفيحٍ ساخن !
-----------------------------
ولج لمكانها ببطء وعينيه ترصد تحركاتها لتحضير الطعام، توحشه كثيرا رؤياها بكل مكان بالبيت كما توحشه رائحة طعامها التي ملأت حدود صدره بتلذذ، امال كتفه على إطار الباب ثم عقد ساعديه متمتما بابتسامة ودودة :
- دخلتهم أودتي وأنا هنام في أودة "ياسين" الله يرحمه لأن عارف أنك مبتحبش حد يدخلها إلا أنا أو أنتي بس ..
انتبهت لوجوده خلفها والأكثر لحديثه فعلى عينيها سحابة غائمة محمله بالشكوك فالتفتت تبثها إليه هاتفة :
- طب ما أنت كمان يا "عمر" مبتحبش حد يدخل أودتك نهائيا أي كان هو مين !!
سؤالا ثاقب اخترق ثباته وجعل الارتباك والصمت حليفانه، مما ارغمت والدته على الاستئناف مستفسرة بكثير من الوضوح :
- البنت دي وبنتها هنا ليه يا "عمر" .. وليه هما بالذات من كل عملياتك وسنين شغلك هنا في بيتي .. مع أنك طول الوقت بتخاف حد يعرف طريقي ويأذيك فيا ؟!!
قلب الأم كما يقولون بحسته السادسة شعر بالكثير رغم جهل صاحب الشأن بذلك الكثير والذي راح يعتدل مكذبا شكوكها بعجالة :
- لا يا ماما ارجوكي متفهميش غلط دي مجرد ضفتين ممكن بعد أيام قليلة أو أكتر يسبونا يعني قاعدتهم معنا مؤقتة لما أوصل بس لعنوان قرايبهم اللي في الصعيد .. غير أن "أديل" مش بنت "مرام" دي أختها الصغيرة ومفيش أكتر من كده ..
- هي اسمها "مرام" !
- هي مين ؟!
بخبث حديثها اجابته :
- انت لحقت تنسى ولا إيه .. البنت صاحبة كلامنا .. اللي عينيها زرقا وجمالها ميختلفش عليه اتنين!
أُمه مُصرة على محاصرته بطرقٍ ملتوية مما اُجبر على مدعاة اللامبالاة مجيبا :
- احم .. اه .. اه !
هزت رأسها بنظرة غامضة وهي تهتف بهدوء أثار قلقه :
- طب اتناول مني الأطباق رصها على السفرة عقبال ما ضفتك المؤقتة تغير هدومها وتطلع تتغدى معنا ..
---------------------
اليوم واصلت غيابها عن العمل لثلاثة أيام منذ أن قطعت ضحكتها فجأة وفرت هاربة من امامه !
استفساره الغير مباشر عنها لطاقم السكرتارية جوابه أنها سعت لأجازة مؤقتة ولا أحد يزيد على هذا ويراعي نيران صدره المستعرة ..
رقمها الذي جلبه من سجلها الوظيفي خلسة يحتل شاشة هاتفه في اليوم مائة مرة لاجل سماع صوتها ولكنه لا يتجرأ على الاتصال بها ما أن يبصر ضعف حجته، جانب الاشتياق واللهفة يقابله جانب الرزانة والخجل والرشد المُعرف بهم صفاته دائما، تضاد شرس من الصعب تجاوزه مما سبب حرب مشتعلة بداخله، وعلى أثره اطاح ما أمامه من أوراق بضيق ثم صاح بعلو صوته يسبُ بعنفوانية ذلك العذاب الذي وضع بين طياته ولا يعلم منه مخرجا، دقائق مرت على حالته هكذا حتى هدأ مرة أخرى ما أن غمره موج يقين بربه يخبره بضرورة الصبر وأن هناك حتما حصادًا طيبًا لتلك المشاعر التي غرسها رب العباد بداخله دون وعيا منه ..
-------------------------
على الجانب الأخر لرصد حركات تلك المتوقعة بين جدران غرفتها .. انعزلت عن الجميع حتى ابنتها وبكت حتى ذبلت عينيها من الدمع خاصة كلما شعرت بشيء يحثها على الرجوع للعمل وشوقها لرؤياه .. لهذا حاربته بشتى السبل وواصلت الانقطاع حتى وأن اخذت خيار ترك العمل سلمٌ للبعد، مسببه بهذا تعذيبا للذات كأنها اذنبت بذنبا لن يغفر وتريد عقابها .. إلا أنها تذكرت ابنتها "هاجر" وعدم معرفة ذلك الغريب بوجودها كما تظن، حينها انتصبت بعزيمة نضحت من العدم تنوي إعاقة مسعاه بفرصتها الأخيرة قبل ترك العمل وذلك بجلب ابنتها معها للشركة ليصدم من حقيقتها ويتراجع عن خطاه ويتركها في حالها ولذكرياتها المؤلمة ..
جاهلة بأن ذلك الغريب أحبها بكل ما تظنه في مخيلتها من عيوب !
-----------------------------
- نامت ؟!
استفسارا توجه به "عمر" لوالدته التي راحت تشاركه الجلوس في استقبال البيت متمتمة :
- أيوه .. ومش عارفه هتعرف تواصل ازاي وهي مأكلتش كويس أو تقريبا كده مأكلتش خالص مع أن الأكل يفتح أي نفس ..
زفر بضيق ثم عقب :
- عشان كده جبتها هنا الفترة دي قبل ما تتواصل مع أهل والدتها اللي متعرفهمش وبالتالي ممكن حالتها تسوء ..
حدثته مستغربة :
- ليه متعرفهمش ؟!
طالعها مقطب الحاجبان في صمت فبأي حديثا سيبدأ .. الوضع معقد ولا يوجد به خطوطا للبداية .. فهي لا تعلم بسفره خارج البلاد من الاساس وطبيعة عمله من عمليات مخابرتية خاصة، فقط هو ضابط جيش كوالده ويغيب في عمله لا أكثر وذلك خشية قلقها وخوفها عليه ..
تنهد بصوت مسموع ثم راح يجيبها بحديثٍ عام لا يمس الموضوع بصله تخلله استفساره عن وضعها في الغياب، وبالفعل تجاوبت معه وبدأ الحديث يأخذ منحنى أخر كما أراد لساعاتٍ متواصلة حتى قطعه رؤية "أديل" أمامهما بوجه عابس عليه أثر النوم، و هذا ما كان يحمل همه فتعامله مع الأطفال معدوم وبينه وبينهم الالف الأميال، ولكنه تفاجأ من خضم مشاعره باستقبال حاني محمل بالود من والدته والذي قابلته الفتاة بالكثير من القهقرة للخلف وعينيها يتوغلهما الخوف والهلع، ولكن الحق يقال حكمة والدته وصبرها عقبها كان لهما الكلمة العليا بعد مرور الكثير من الوقت، فالآن تجلس الفتاة فوق فخذيها تنهم من برطمان زبدة الفول السوداني بتلذذ واستمتاع وابتسامة هادئة ترزقها لوالدته كل حين كأنها تمنحها الشكر لإهداءها اياه !
تعجب في ذاته من أن قلقه الدائم لأيام كان علاجه فقط "برطمان زبدة" .. افترشت شفتيه بابتسامة ساخرة من كيفية مرضات عقول الصغار وسهولة كسب ثقتهم !!
في سكون المشهد بُغت هو ووالدته بصرخة "مرام" الصاخبة خلفه والتي يبدوا بأنها فاقت من النوم توا ووعت لما تتناوله الصغيرة، مسرعا نحوها تطيح ما في يدها بعزم قوتها مردده :
- ليه تدوها من ده .. هي عندها أنيما الفول وممنوعة من أي حاجة بتتقسم نصين !!
مفاجأة نارية اغتالت ثباتهم لتعلق والدته عقبها بعفوية مفزعة :
- يا خبر أنيما الفول ! ..
ثم التفتت لولدها تواصل بفزعها المتزايد كأن خوفها القديم زارها توَّا :
- البنت أكلت كتير يا "عمر" الحقها أرجوك على المستشفى زي ما كنت بتلحق أخوك "ياسين" الله يرحمه لما كان بياكل زبدة الفول من ورانا وهو عنده نفس نوع الأنيما دي زيها !!
وكأن بكلماتها تلك ضربته بمطرقة فوق الرأس بضربة قاسية لم تشفق عليه من التشتت !!
ضربة ارجعته كثيرا للوراء خاصة لحظة سطوه على خزينة "مرتضى" السرية ورؤيا بعض الأوراق الطبية بداخلها والتي تفيد بتعرضه لحادث عقب وصوله للأراضي الأيطالية نتج عنه عجزه التام عن النسل بعدها !
"عمــــــــر" .. !
صرخة اخترقت شروده جعلته يلتفت لصاحبتها منتبها والتي صاحت تواصل بهلع وهي تحتضن شقيقتها التي هوت بين يديها بوجهها الشاحب واصفرار عينيها :
- الحقها يا "عمر" أرجوك .. أرجوك !
أمام حالة الطفلة المرثى لها ترك ما يدور برأسه جانبا واستعد لحملها وهو يهم راكضا بها نحو سيارته بالأسفل لتتبعه "مرام" مهرولة بذات هيئتها المتوجسة بينما العجوز رفعت يديها المرتجفة تناجي خالقها بالسلامة الدائمة للصغيرة والنجاة من كل شر بعد أن احتلها تأنيب الذات ..
--------------------------
داخل المشفى وعقب عمل صورة دم اتضح أمام طبيبها المعالج بانخفاض نسبة الهيموجلوبين بصورة بينة مما أمر بنقل دم ذات فصيلتها إليها فورا لتعويض الجسد بما يحتاجه من مقومات للحياة .. وكانت أول المتبرعين "مرام" التي تصدرت المشهد بحكم صلة الدم بينهما، ولكن الصدمة ابتلعت المنطق وكافة ثقتها حين اختلفت نوع الفصيلتان عن بعضهما !
حينها تحرك "عمر" بساقيه المتيبستين بخطواتٍ مثقلة نحو الطبيب مرددا بتوتر :
- ممكن تشوفوني !
وصدق حدثه حين تطابقا الفصيلتان وتم نقل ما تحتاجه الفتاة من دماءه، وما أن اطمئن أنها عافرت للحياة من جديد خرج عقبها من المشفى دون حديثٍ اضافي متوجها لمبنى إدارة المخابرات العامة للتأكد من شكوكه قبل أن يعيش في كذبة ويصدق اركانها متمتما بعد أن أعطى رئيسه التحية المبجلة :
- أنا عاوز أفتح قبر "ياسين" وأخد عينه Dna !!!
-------------------------
.jpg)