رواية العميل 101 الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم شريهان سماحة


 رواية العميل 101 الفصل الرابع والعشرون 


- أنا عاوز أفتح قبر "ياسين" وأخد عينة Dna ؟!

انتفض رئيسه منتصبًا من فوق مقعده الوثير، مرددا باندهاش :
- أنت بتقول إيه يا "عمر" .. وإيه اللي جد لكده ؟!

ابتلع "عمر" خطوة حذره تجاهه متمتما :
- أظن أن اكتشافنا بوجود عميلة صهيونية وراء تصفيته أكبر عامل يحفزني بأن أعمل نوعية التحليل ده لبنتها اللي عمرها بيتوافق مع موته واللي بتحمل نفس نوع الأنيميا اللي هو كان حاملها .. والأكتر ليا هو رؤيتي لشهادة تثبت بأن "مرتضى" اتصاب في حادث من قبل مولدها سبب له إعاقة للابد .. يبقى البنت دي جت منين ؟!

- أنت قصدك أن .. ثم هتف بعفوية : بس مفيش عقد زواج موثق في السجلات الرسمية للبلد يثبت اللي بتقوله ده وإلا كنا عرفنا حاجة مهمة زي دي ؟!

تلقى خنجر كلماته في عقر قلبه متمتما بخزي وخفوت :
- يبقى الاحتمال التاني واللي هي أكدته ليا بنفسها .. 
ثم صمت لوهلة يستأنف بصعوبة : 
- وهو أن "ياسين" أخويا ابتلع طعمها وقدرت تجذبه للحرام بطريقة حبها المزيفة اللي أكتسحت كل قيمه ومبادئه اللي اتربى عليها العمر كله زي ما قدرت تعمل معايا بالظبط !!

-----------------------------

خمسة عشر مرة فعلت خلالها البيض المخفوق حتى صاح ديك الملك عن بزوغ نور الصباح في السماء! 
الملك شهريار الذي اشبعها بغزله الملكي في كل محاولة .. أو فتاها المدلل الذي اكتشفت خبثه في النهاية عندما استدارت مصادفة وشاهدت أثار الجريمة بين أنامله .. 
اشبعته ضربا عشوائيا بمقدار إجهادها ليقابله بالقهقهة المهلكة للثبات وهو يتصدى لهجومها بعناق حاني انساها حربها القائمة ..
ولكن ليس لكثير من الوقت فعقب زحزحتها للخلف وتصنعها الخمول من قربه مدت راحتها خلسه تقبض على حفنة من الطحين لتبدره به كليا في غفلة منه، فطمس الكثير من ملامحه مما قيدته الصدمة وعدم الاستيعاب لوهلة استطاعت خلالها الفرار من حيزه والركض برقة ضحكاتها نحو غرفتها التي احكمت بابها في وجهه بعدما لحقها ولاهثها وتهدج صدرها يمنعانها من مواصلة الضحك وهي تسمعه من خلف الباب يكيل إليها بالوعيد ..

وها قد نفذ صاحب السمو وعيده بعد مرور ساعتين فقط حين بدأ صخب العاملين الصادح من فوقها لتنفيذ طابقهما المنتظر على عجل حتى يرحب بالفأر في مصيدته ولا يقفل بابًا في وجهه ..

على أثر ما وصلت إليه من سوء نيته دثرت بنيتها حتى وجهها الذي تشربه حمرة الخجل بالغطاء .. كأنها بفعتلها ستسطيع الاختفاء عن عقابه للأبد ..

----------------------

ليوما كامل لم ينعم جسده ولا باله بالراحة !
فكيف وقد استطاع خلاله بالخروج بذلك الترخيص بين يديه ..
ترخيصًا سيسمح له بفتح قبر أخيه تحت إشراف أمني مشدد ليهتدي إلى ضالته سواء بالاثبات أو النفي .. مع أن فؤاده بات واثق الميل ..

فؤاده الذي صرخ مشتاقًا لشقيق هبت نسائمه ما أن رصد خروج عينة الحمض النووي الخاصة به أمام حدقتيه وإعادة قفل مدفنه .. إلا أنه لملم شتاته بوعيدٍ خفي لروحه بألا يغمض له جفن حتى يبين الحقيقة كاملة ..

وبالفعل عاد للمشفى وعقب تسلم العينة راح يأمر الطبيب المكلف لتحليل البصمة الوراثية بضرورة سحب عينة منه أيضا بجانب عينة أخيه وذلك لتحليل أخر يبين صلة القرابة بينه وبينها، وذلك ليزيد اليقين تأكيدا بقلبه .. 

أومأ الطبيب بالقبول ثم توجه كذلك لسحب عينته الرئيسية من "أديل" بعدما أكد لـه باستعداد جسدها نوعًا لذلك، مجيبا على استفساره الذي لحق حديثه بأربعة أيام حتى النتيجة المرجوة، ستة وتسعون ساعة لا يعلم كيف ستكون حالته خلالهم، ولكنه سيطلب من الله الصبر حتى لا يصاب بالجنون ..

اجاب على اتصالات والدته المتكررة وطمئنها بأن الطفلة بخير متحفظا بدقة كلماته عن ما يختلج صدره حتى لا يطلق عنان مخيلتها للطيران بأجنحة ضعيفة فيصاب قلبها من عنفوانية السقوط أن تكذب الأمر بعد ذلك ..

بالقرب وهي نائمة مستسلمة فوق الفراش الطبي راح يتمعن بها للمرة الأولى بدقة متناهية وبشغف مطلق كأنه لم يبصرها من قبل، يعلم بأنها لا تشبه أخيه بتاتا بإنتاجها الأوربي البحت ولكنه يعلم أيضا بأن حدسه بعد كافة الدلائل لن يخونه ..

هيئته الشاردة وما تبثه عينيه تجاه شقيقتها اثار ريبتها وهي ترصد اهتمامه على غير العادة بها مما استدعت استفسارها المترقب :
- "عمر" في إيه .. هو الدكتور قالك حاجة عنها ؟!

انتبه لوجودها وكأنها غابت عنه بالفعل فرفع حدقتيه يواصل تمعنه إليها وهو يعاتب ذاته على خروجها من حسبته في تلك الساعات المنصرمة إذا كانت الصغيرة كما يظن ؟

ماذا عنها وعن شعورها حينذاك وهي تعتبر تلك الطفلة حياتها ؟!

هل ستقترب بها محبه تبارك، أم ستبتعد بها تغادر، أم ستبارك وتغادر دونها !

استفسارات سلبت روحه في تلك الثواني التي ظل خلالها يواصل نظراته إليها والصمت حليفه، إلى أن رأي أنه من الجيد أعلامها بكل شيء من الآن حتى تتهيأ للأمر بكافة منحنياته !

- مش هنا .. تعالي نقعد في الكافتيريا تحت شوية ..

خروج جملته بذلك الهدوء والثقل جعل القلق يطعنها بخنجره بعدما تأكدت بوجود أمرًا خفيًا يستدعى اتساع صدرها، لهذا دون وعي نطقت ملعثمة وهي تقترب منه دون إدراك :
- أااختي .. مالها !

تصنع الثبات وهو يطمئنها:
- مفيش أي حاجة البنت صحتها الحمدلله تمام .. والنهاردة قدرت اطمن عليها نسبيا وبأذن الله قبل خروجنا بكره هعمل لها فحص شامل كمان لزيادة الاطمئنان ..

غاصت عيناها في عينيه متمتمة :
- أمال فيه إيه قلقتني ؟!

رمق الصغيرة بنظرة عابرة وهو يجيبها بإصرار:
- تعالي تحت ..

طالعت الصغيرة كذلك ثم أومأت بالإيجاب تتبعه خانعة حتى جلسا على طاولة جانبية منعزلة عن تكدس الزوار، مطلقة بسهام نظراتها المحفزة استعدادها للإنصات الجيد له، وبالفعل قرأ ما في زرقة عينيها، قائلا بهدوء وحكمه :
- قبل أي حاجة طالب منك التفكير بالمنطق والتروي وأي كان القرار فلازم كلنا نتقبله .. لأنه زي ماهيكون صعب عليكي فهو كان مفاجأة ليا ..

صدق ما شعرت به، هناك أمرا جليا يلوح في الأفق يخفيه عنها، ولهذا استنشقت نفسا عميقا وهي تحسه على المتابعة، فتلقى ما يحتاجه مواصلا بنظرة زائغة :
- طبعا اللي متأكد منه أنك سمعتي حديث "راشيل" يومها ..

ظهر تشتتها بين طيات الماضي لثوانٍ حتى أعاد رشده بكلمته الخافتة :
- داخل الملحق ..

أسدلت جفنيها بطيف حزن فكيف ستنسى تلك الليلة المحاضة لغيرتها والمضاعفة لهمومها رغم جهودها المضنية للنسيان، فستأنف متمتما بعدما أيقن تذكرها :
- اللي متعرفهوش أنتي أو هي أن "ياسين" ده يبقى أخويا ..

ابصرته بأعين جاحظة وشهقة صادحة حررتها بفزع جلي تملك من جسدها وهي تردد باندهاش :
- أخوك !!!

شهيقه ثم زفرته المتمهلة ونظرته الضائعة عنها أكدت صدق قوله، إذا ليست مزحة .. أغمضت عينيها بألم بعدما ماتت حزنًا عليه حتى سمعته يعيد جشأته بصلابة شعرتها مزيفة وهو يطالعها مرة أخرى:
- يوم تفتيش الخزنة أنا شفت قبل دخولك ورقة طبية بتفيد بعدم قدرة والدك على الخلفة بعد الحادث اللي اتعرض ليه أول قدومه لإيطاليا ..

حينها طالعته متشككه وعقلها يكاد يكون مسكرا من قوة ضربته الذي استرسل بها بلا تباطئ: 
- "مرام" أنا عملت تحليل بصمة وراثية لـ " أديل" ومستني نتيجته بعد بكره .. لأن عمرها مع مدة الحمل فيها بيتوافق بالشهور مع موت أخويا دا غير تطابق مرضهم مع بعض وشهادة والدك الطبية!

إلى هنا استنتجت ما في جبعته واكتفت دون إيضاح زائد .. سهامها تحجرت عليه كالموتى حتى ابتسمت ساخرة بإيماءة رافضة وهي تستقيم مهرولة من أمامه وكأنها تخبره بالرفض المطلق لتلك التخاريف ولتلك الصدمة التي تلقتها دون شفقة تجاه مشاعرها وجنون عشقها لتلك الطفلة ..

تابعها راكضا حتى شاهدها تختلي بالصغيرة داخل غرفتها الطبية وشهقاتها الباكية لم تتوانى عن التوالي إليه .. فحرك خطاه تجاهها حتى ارخى جبينه على الباب الموصد بينهما، مرددا باستياء:
- مع أن مكنتش اتمنى أن أوجعك بالطريقة دي .. بس حبيت أعرفك قبلها عشان تكوني قوية زي ما عهدتك دايما ..

إلا أنه تفاجأ بانهيارها على غير العادة قائلة :
- أاااي قوة بطالبني بيها وأنا بسمع عار في حق والدي زي ده .. أي قوة وأنا الحاجة الحلوة اللي في حياتي بقت كذب وخيال .. أي قوة بالله عليك وأجبها منين .. قولي يمكن ارتاح؟!

ظلت ترددها بشهقات مسموعة من شدة البكاء وما يعتلي روحها من حزن وألم .. بينما على الجانب الأخر تقهقر للخلف جاهلا بما يجيبها رغم رغبته بالقرب إلا أن البعد يكون واجبا إحيانا حتى تقرر وتستوعب وتتهيئ لما هو أتٍ ..

----------------------

ايقظت ابنتها التي فطمتها على خطتها مساء وأتمت استعدادها على أكمل وجه ثم ولجت للشركة باكرا لتنفيذ مخططها، استهلت دخول مكتبه أولا لحفظ كافة ما به من ضروريات ومستندات هامة حتى لا يتضرر العمل بما ستفعله ابنتها بعد ان اقنعتها بشراسة رب العمل ومدى كرهه لجنس الأطفال، ثم تركت بخبث بابه غير موصد أمامها وراحت تكمل سير عملها ببراءة مع ولوج كافة الموظفين الذين رحبوا بالصغيرة بكافة طرق المرح حتى جاءت لحظة بدء مهامهم وانشغل كلا بما عليه واصبحت ابنتها بين الطرقات والمكاتب متنقلة بطفوليتها المرحة إلى أن جاءت تلك الصورة التي تمنتها والداتها من البداية آلا وهي رصد حركة دخولها لحيز مكتبه حتى اغلقت الباب خلفها .. 

وارت ابتسامتها بحرفية ثم شرعت باستكمال ما بين يديها من أوراق وداخلها يتمنى حضوره بين وهلة وضحاها حتى يخرج ما بداخله من قبح ليكون فاصلا قويا بين قلوبهم لانهاء تلك المهزلة كما تصفها .. وبالفعل بعد ما يقارب الخمس عشرة دقيقة ما أن رأت قدومه من على بعد حتى تصنعت أمام زملائها بالبحث عن طفلتها والذين بدأ سعيهم على الفور خشية ضياعها ..

بينما على جانبه امتدت خطواته بثقل وهو يتهيئ لعدم رؤيتها لليوم الخامس على التوالي حتى سمع همس من حوله عن جهلهم لمكان الصغيرة صاحبة الخمسة أعوام ابنة السيدة "أميرة" .. 
لم يعي لما قبلها بقدر وعيه لسماع اسمها وكأنه تلقى مفتاح الحياة لوجهه العابس، وترياق نجاة لروحه المودعة .. مرددا جملة واحدة بداخله "هي حضرت أخيرا " ..

عند اقترابه وقعت عيناه الهائمة تلقائيا فوقها ولكنه سريعا ما لملم ثوب شوقه بإباءة وولج داخل مكتبه حتى لا تنتبه وتفر مرة أخرى من أمامه لأيام ..

أثر رؤيتها صار مغيبا حتى إنه لم يدرك حالة الفوضى التي يلتحف بها مكتبه حين استرخى مبتسما على مقعده بتنهيدة عميقة وراحة اطمئنان محتفظا بصورتها بعينيه لأشباع بها كل جزء من خلاياه المفتقدة لوجودها إلا أنه شعر عقبها بشيء خفي عند ساقه يدغدغه بإشارات عفوية !

باندهاش وفضول راح ينظر خلسه أسفل مكتبه فشاهدها ! 

بنية صغيرة ذات شعر هائج مجعد قصير الأمتداد تتوارى بمقص في يدها أسفله حتى نالت بنطاله !

كاد ينتفض يستفسر عن ماهيتها إلا أن عبارة واحدة جعلت الثبات حليفه عندما طرأت على مخيلته صدى استفسارهم الغامض عند قدومه " هاجر بنت مدام "أميرة" ماشوفتيهاش "

جملة اخترقت سمعه ولكنها لم تخترق عقله حينها عندما طغى نبأ حضورها على كافة حواسه والآن اعادها بأريحية .. هل يعقل بأنها هي !

المؤشرات الأولية تدعم ما وصله لأن لا وجود للأطفال هنا .. تعمق بفكره عن طريقة للخروج وما أن زارته الخطة حتى تنهد مسترخيا بعد أن شدّ جسده من تفاجئه .. وشرع يتمتم مصادفة بمقطع غنائي شهير للأطفال رغم رداءت صوته ..

" ذهب الليل طلع الفجر والعصفور صوصو

شاف القطة قالها بسبس قالت له نونو

ماما قالت له سيب القطة خليها فى حالها

ساب مدرسته ورمى كراسته وراح جر شكلها

راحت القطة مخربشة ايده لما مسك ديلها

وادى جزاة اللى مايسمعش كلمة ماما تقولها

ذهب الليل طلع الفجر والعصفور… "

- صوصو ..!

لم تأتي التكملة منه حين اخترق الأجواء صوتها التلقائي بتلك الكلمة وهي ما زالت بمخبأها .. فتصنع الامبالاة مستكملا فبغت بها تدعم صوته بصوتها حتى صار مزيجا متناسقا .. فاسترسل واسترسلت معه على نفس حالهما حتى افسح لها المجال للخروج ..

وبالفعل استجابت وخرجت على استحياء بوجهها البشوش، فـ راح يبدأ الحديث بنبرته خفيفة الظل المعتادة لنزع فتيل الحدود بينهما خاصة بعدما أبصر انحرافات المقص الشديدة ببنطاله أثر لمساتها :
- يا للهول لقد ظننت أن القطة ستأكله بفمها وليس بفم الأسد هكذا ..

قهقهات قوية خرجت منها مع مداعبته حتى انحنت للأمام من هول النوبة، فابتسم بود على هالتها المتوهجة يتمعن بكل أنش بها بعد أن اتضح كافة معالمها الشهية أمامه .. ولكنها لم تطل كثيرا حين شاهدها تضع كف يدها الايسر بأنامله المبتورة لتكتم صوت ضحكاتها لتبدو من الوهلة الأولى بأنها إعاقة طبيعية مولودة بها .. تبددت الابتسامة وازدراد ريقه بتمهل مشفقا بفؤاده عليها إلا أنه ضبط ذاته سريعا وراح يكمل لليقين :
- أنتي مين ؟!

- هاجر أحمد رمضان المرسي .. عنوان تيتا الكمبوند العاشر مدينة زايد .. ورقم تليفون مامي…01028

قاطعها بضحكة تحررت دون قصد مندهشا من تغير حالته بقربها في أقل من لمح البصر قائلا :
- خلاص عرفت إنك شاطرة وحافظه بياناتك كويس .. 
مواصلا عن حب : طب وجيتي هنا أزاي ؟!

فاجبته بعفويتها المضحكة :
- أنا هاجي هنا أزاي لوحدي يا ذكي .. مامي "أميرة" هي اللي جابتني بعربيتها لغاية هنا عشان انفذ خططتها ..

استغرب ما سمعه فحملها من ذراعيها حتى اجلسها فوق مكتبه مستفسرا بترقب :
- أي خطه قصدك !

- ابوظ والخبط مكتب المدير بتاعها عشان يزعل ..

- ليه 

مطت شفتيها ببراءة وهي تواصل :
- مش عارفة .. ممكن عشان هي قالت أنه رخم ومبيحبش الأطفال ومش بيغني ليهم ..
ثم قطعت حديثها مواصلة بنبرة مبهجة :
- بس أنت طلعت شاطر وبتغني ذهب الليل اللي بحبها .. 
ثم قطعت حديثها مرة أخرى تساءله مستفسرة :
- تعرف حبيبة أمها .. ويا بابا سناني واوا .. لأن بحبهم كمان ؟!

رغم اندهاشه مما سمعه وهدف والدتها الغامض وراء ما حدث إلا أنه جذبه واضْحكه حديثها فاجابها بعفويته :
- حتى لو مش عارفهم أعرفهم وأغنيهم عشان خاطرك كمان ..

فرصد تهلل اساريرها فـ راح يواصل بمكر وعينيه على بنطاله :
- بس الأول يرضيكي أغني وأنا بالشكل ده ..

فتوجهت بحدقتيها على ما يطالع فاكتسى الندم صفحتها مردده بخفوت :
- أنا آسفة .. 

رفع حاجبيه واسقطهما مرددا عقب تنهيدة حزينة :
- ممكن أقبله بس بشرط .. 

رددت ببهجة :
- إيه هو ؟! 

اقترب يهمس إليها وهو يقتنص نبرة قائد مدرعة :
- إننا نقضى على الشيطان اللي دخل بنا ..

رزقته نظرة مبهمة بتبلد فهمها فعاجل بقوله :
- أقصد أنك لازم تساعديني أن مامي تجبلي بنطلون جديد لأن هي اللي وصتك تعملي كده .. ومن المعروف أن كل واحد غلط لازم يصلح غلطته ..
ثم بنظرة جانبية غامضة ساءلها بخبث:
- مش صح ولا إيه! 

--------------------------

- أنت بتقول إيه يا دكتور !

رددها "عمر" مندهشا فنزع الطبيب عويناته من فوق وجهه يوضح ما قاله بهدوء :
- حضرتك طلبت تحليل طبي شامل للبنت عشان تطمن عليها أكتر قبل خروجها وبالفعل قمنا بكل الفحوصات والنتيجة طلعت كلها مرضية الحمدلله هتكتمل بشوية فيتامينات بسيطة مع حرصكم على عدم تناولها أي شيء ضد نوع الأنيميا المصابة بيها .. بس أنا لاحظت أن البنت بتشتكي من وجع بسيط في دراعها خاصة لما بينسحب منها عينة دم وده خلاني أزود على التحاليل اللي طلبتها بأشعة عليه عشان تطمن عليها كليا ..

ثم رفع صورة طبية تشخصية لحالة الذراع مواصلا وهو يشير على جزء غائم بها بحجم الأنملة:
- فتفاجأت بأن في حاجة موجود في باطن دراعها الشمال وللأسف شاكك أنه يكون ورم لأن مستبعد أن يكون جسم صلب .. ودي مجرد شكوك بدائية لسه هنتأكد منها بالتحاليل الخاصة .. بس حبيت أعرفك الوضع من البداية عشان لو الأمر احتاج لتدخل جراحي عاجل ..

اغمض عيناه والصمت حليفه لثوانٍ حتى همس متمتما : 
- معاك يا دكتور .. وموافق على كل حاجة طبية هتصب في مصلحة صحتها أكيد المهم أنها تكون بخير ..

----------------------

رفع سماعة هاتف الشركة الداخلية يطلب إياها على وجه السرعة والتي لبت النداء على الفور والانتشاء حليفها، فحتما هو غاضبا من وجود الصغيرة بعدما عبثت بالمكان، غير مدركا بأنه سيصدم مرة أخرى عندما يعلم بحقيقة هويتها فيبتعد بعيدا عنهما بعدما يقتنع بزيف مشاعره ..

طرقت بابه ببطء ترتسم الثبات والبراءة وهي تعبر خلفه وتطالعه وهو مكفهر الوجة يهتف بضيق بإشارة من راحته تجاه ابنتها :
- الاستاذة دي بتقول أنها بنت حضرتك ..

جاهدت لمدرات بسمة كادت تتحرر على جمال هيئته الغاضبة وهي تجيبه بوجل مصطنع ونظرة عابرة على المحيط من حولها :
- إيوه يا فندم .. وبعدين إيه اللي قلب المكتب بالشكل ده ..

ابتسم في تهكم متمتما :
- هنشوف قصة المكتب دي بعدين وبالتفصيل .. الأهم دلوقت لازم حل سريع للموقف السخيف ده ..

تطلعت لمدى اشارته فشهقت بفزع عندما شاهدت فراغان شاسعان ببنطاله يبينان جزء من ساقيه المكشوفة وجزء من جواربه .. وهي لا تصدق بأن الأمر وصل مع ابنتها بذلك الانحراف عن ما قالته لها والتي التفتت إليها بنظرة عاتبة وكلمات اللوم تمخضت على لسانها إلا أن وجوده أمامها لا يسمح بذلك بتاتا ..

أجفلت من خضم صراعها بعبارته القاتلة للأنفاس :
- لو سمحت أنا عاوز بنطلون بنفس مقاس وجودة وخامة وماركة ولون ده دلوقت حالا !!

رمقته بنظرة جانبية مستنكرة لا تستوعب ما قاله وكأنها تكذب أذنيها بجودة سمعهما المتناهية، هو يطالبها بالذهاب والعودة إليه ببنطال !

فبغتت بقوله وكأنه يعلم ما تفكر به :
- وكمان أنا مبحبش حد يشتري لي غميضي .. لازم أتابع تفاصيل شراؤه لحظة بلحظة عشان اتأكد من دقة المواصفات بنفسي ..

ليدعمه أخر صوت كانت لا تتوقع سماعه مردده بتوسل :
- إيوه يا مامي لازم ننزل مع عمو "أمير" دلوقت نشتري له بنطلون عشان اللي غلط لازم يصلح غلطته !

رغبت لأول مرة بصفعها لأعادة انتماءها إليها وتنفيذ مخططتها هي لا مخططته بعدما إيقنت بأنه يخبرها بطريقة غير مباشرة بأنني علمت بكل شيء وأرغب بالمواصلة بكامل قواي العقلية ! 
جف حلقها وتسربت الكلمات من فمها بعدما رصدت إنقلاب السحر على الساحر وتقرب ما كانت تبغاه أن يبتعد !
بسؤالا نحر ذهنها ..
هل كان يعلم بوجودها إذا من قبل عندما ولدت مشاعره ؟!

-----------------------------

- أنتم واخدين البنت على فين ؟!

قالتها "مرام" بنبرة شرسة وهي تعارض طريق الممرضين والممرضات أثناء سحبهم للطفلة على فراش متحرك لخارج الغرفة ..

فتفاجأت بظهور "عمر" وجذبها من ساعدها وهو يحثها بنظرة خاصة على التنحي، رفضت باستماتة إلا أن ثقتها به هي فقط ما جعلتها ترضخ بالنهاية لترصد ابتعادهم شيئًا فشيء عن مرمى بصرها ..

فاستدارت إليه صارخة :
- أنت أزاي تسمح لهم ياخدوها .. وبعدين ياخدوها ليه من الاساس !

قبض على ساعديها يحثها على الهدوء بكلماته الصارمة :
- "مرام" أهدي أظن أنها أخر واحدة هسمح بأذيتها طول ما أنا عايش في الوقت ده بالذات ..

انسابت دمعه مع تراخي معالمها من الشراسة للوهن مردده :
- طب فهمني هما واخدينها ليه مش هيا بقت كويسة وكنا هنخرج بيها النهاردة .. 

أسدل جفنيه متمتما :
- "مرام" الدكتور لما عمل التحليل الشامل لها واللي طلبته قبل خروجنا ظهر له وجود حاجة في دراعها الشمال .. وبعد شكه أنه يكون ورم وقرر يسحب منه عينه لتحليلها تفاجأ بأنه جسم صلب .. عشان كده قرر لها جراحة عشان يشوف ده إيه ..

الصدامات تتوالى عليها كزخات المطر وحقا اكتفت .. اكتفت حد الشبع الذي جعلها تنهار بين يديه تودع ذلك العالم القاسي حتى لو لوقت قصير في حالة من الإغماء واخر كلماته تتوغل عمقها :
- "مرام" فوقي ارجوكي .. العملية بسيطة جدا ومفيهاش أي خطر على حياتها .. كل الحكاية جرح بسيط عشان يشوف ده إيه .. أرجوكي

مع استسلامها بين ذراعيه حملها دون تباطأ نحو أقرب فراش وصوته يصدح بالنجدة .. بعد وقت قصير تم اسعافها على وجه السرعة ثم قامت الطبيبة الملكلفة بحالتها بطمئنته بأنها تم استعادة وعيها بحمد الله وإعطائها مهدأ بسيط بعدما اتخذت البكاء رفيقا لها عقب استعادة وعيها ..

في ذلك الاثناء توجه للطبيب الجراح بعد انتهاء مهامه داخل غرفة العمليات والذي طمئنه على حالة الصغيرة أيضا بعدما ناوله شيء مجهول في حافظة بلاستيكية شفافة ثم غادر عقبها ..

طالعه "عمر" باندهاش بعد علم ما هيته جيدا بطبيعة عمله باستفسار مميت :
- كيف وصل هذا إلى جسد الفتاة ؟!

في المساء عقب عودة "مرام" لوعيها كاملا واطمئنانها على شقيقتها التي عادت إلى طبيعتها إلا من ألم بسيط نتج عن بعض الغرز الضئيلة في ذراعها قررت العودة بها للبيت .. ولم يمنعها الطبيب بعد تأكده عليها بضرورة متابعة التغير على الجرح يوم ويوم والعودة بعد سبعة أيام لفك الخيط ..

قام "عمر" بإيصالهما لبيته والاطمئنان حتى نامت الصغيرة بالفراش وبجانبها "مرام" موصيا والدته عليهما جيدا حتى يعود من مقابلة عمله الهامة والخاصة بتلك الشريحة التي دسها في جيب بنطاله حتى يمر باقي اليوم بسلام ..

والآن جاء دورها في مكتب رئيس المخابرات الذي اجتمع به مع عدد من القادة العسكريين لتوضيح ما محتوى تلك الشريحة على شاشة عرض ملأت عرض الحائط أمامهم ..

لتتوالى الكارثة أمام أعينهم أجمعين بأنها خاصة بتلك العملية التي يبحثون عن أي معلومة عنها منذ خمس سنوات كاملة مثنيين من قدرت الطرف الأخر الذهنية على طريقة مخبأها والتي اكتشفت أمامهم صدفة بتوفيق من الله وفقط ..

والتي زودتهم بـ :
بأن العملية الكبري معاد تحركها بدأ بالفعل وبحساب المدة اتضحت أنها مازالت في عرض البحر المتوسط ويتبقى ثلاثة أيام على وصولها ..

العملية محملة بكافة أنواع السلع والمخدرات حديثة الأنتاج ..

والأكثر كارثية هي عدم قدرتهم على منعها من دخول البلاد وإن تم دخولها لا يسمح بتفتيشها لأنها تحت وصاية ثلاث وزراء وسبعة أعضاء من مجلس الشعب تم عرض كامل تفاصيلهم تحت غطاء صفقة تجارية من المواد الغذائية المدعمة بإشراف حكومي بحت !

----------------------------

- مش حلو يا مامي ..

مط "أمير" شفتيه وهو يطالع "هاجر" الجالسة بجواره قائلا بامتعاض :
- وأنا كمان رأي من رأيك يا جوجو معجبنيش ..

ثم قضم معا من حلوى غزل البنات الخاصة بكل واحد منهما بعد أن أحضرها له وللصغيرة دون الكبيرة التي رفضت ذلك بشكل قاطع، مستمرين بغير مبالاتهما للكتلة النارية الملتهبة أمامهما والتي لا تكل منذ قدومهم لذلك المول الضخم عن جلب كافة أنواع البنطالات الجيدة لعرضها عليهما .. 

ضربت الأرض بقدمها من شدة الحنق ثم غادرت تواصل البحث عن نوع أخر يراضي ذلك الفظ غليظ القلب للانتهاء من ذلك اليوم الذي لا كان على بالٍ أو خاطر .. 

والذي حرر عقب مغادرتها ابتسامة متشفية وهو يصفع راحة الصغيرة براحته محتفلان بمواصلة نصر  خطتهما ..

-------------------------

- إزاي مينفعش نستنى الشحنة هنا ونهجم عليها ونخرج مذكرة لاعتقال الاسماء المذكورة في الشريحة .. 

قالها "عمر" مندهشا لرئيسه الذي راح يحادثه بهدوء وحكمة :
- لأن أمن البلد ميسمحش بكده .. وزي ما واجبنا نحميها من المخدرات والاعداء برضوا من واجبنا أننا نحميها من الفتنة وقلة الأمان ..

- أنا لأول مرة أكون تايه كده ومافهمش حاجة ..

اشتبكت اطراف راحتيه ببعضهما فوق مكتبه مع زفرة عميقة بدأ بها قوله :
- "عمر" الأمور الأمنية اللي زي دي مبتمشيش زي ما أنت قلت كده .. لأن القبض على تلاتة وزراء وسبع اعضاء من مجلس الشعب دفعة واحدة شيء مش هين وأكيد هينزع استقرار البلد وأمنها لما الشعب يعرف نوع الكارثة اللي وراهم .. لأن أكيد هيعمموا الأمر على كل الحكومة والمناصب الهامة فيها وبالتالي مش نستبعد الرئاسة كمان وكده هندخل في دوامة التعبير عن غضبهم بإتلاف الممتلكات العامة والخاصة .. يعني حالة فوضى عارمة هتستمر سنين من الخراب .. الله واحده أعلم ممكن نخرج منها أزاي ..

- والحل ..

تنهد بصوت مسموع ثم راح يجيبه :
- الشحنة هتتصفى في عرض البحر قبل ما تدخل البلد والفاعل والسبب مجهولين قدام العالم واعلامه .. قضاء وقدر يعني بمعنى أصح .. 

- طب وهما .. هنسيبهم كده من غير ما ياخدوا عقابهم !

بابتسامة جانبية ساخرة راح يجيبه بخبث :
- مين قالك كده .. بالعكس الجهات الأمنية هتنسق سقوطهم واحد ورا التاني بطريقة متلفتش الأنظار .. يعني هنبحث في خباياهم ومش هنسكت إلا لما يتفحموا في السجن بس بهدوء وبشويش ..
ثم راح يواصل بعدما لمس اقتناعه ..
- لازم تجهز نفسك على التنفيذ ليل اليوم ده لأنك أنت اللي هتقوم بالمهمة دي لوحدك يا بطل وأملنا في ربنا كبير أنك تتوفق فيها زي عادتك ..

قطع حديثه وصول اتصال على هاتف مكتبه فرفع سماعته مجيبا .. فاستمر إنصاته لبعض الوقت حتى أنهى المكالمة وهو يطالع "عمر" بنظرة غامضة :
- نتيجة تحليل Dna ليك ولـ "ياسين" طلعت إيجابية !!

----------------------------------

تعليقات