رواية العميل 101 الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم شريهان سماحة


 رواية العميل 101 الفصل الثامن والعشرون 


على ما يقارب الخمسة عشر دقيقة كان "عمر" في المكان الذي أمر بالقدوم إليه كما العادة آلا وهو مكتب مدير المخابرات المصرية ..
والذي قام حارسه بفتح الباب امامه من فوره بعد التحية، فسارع "عمر" بالدخول بين جدرانه ولكنه صعق من وجود رئيس حكومة البلاد بذاته ووزيري الدفاع والداخلية بصحبة رئيسه الذي يحتل مكتبه في صمت مُوّقر وكأن صفحتهم توشي بشيء جليلٌ قد وقع ..

تدارك اندهاشه سريعًا وولج يؤدي التحية العسكرية امامهم بكل تبجل ليأمره الأخير وهو يشاور على أحد المقاعد المقابلة لثلاثتهم :
- أتفضل يا ١٠١ ..

اطاعة "عمر" بكل ولاء وراح يجلس كما أمره حتى انصت لطرق الباب مرة أخرى ودخول أحد الضباط بصحبة رجل طويل البنية ذو خصلات كستنائية وعينين خضرواتين دعاه هذه المرة رئيس الوزراء قائلا بانجليزية مطلقة :
- مرحبا "علي البنا" تفضل بالجلوس ..

مشيرا إلى المقعد الذي بجوار "عمر" وبالفعل اطاعه الأجنبي بكل هدوء رغم أثار الارهاق المسيطر على صفحته .. ليراقبون جميعا مغادرة الضابط وغلق الباب خلفه ليتولى رئيس الوزراء دفة الحديث قائلا بالإنجليزية :
- حتما كلا منكما لم يعرف الأخر ولكننا سنؤجل ذلك التعارف حتى يأتي ثالثكما ..

لم يكد يتم جملته حتى اطرق الباب مرة ثالثة ودخل عقب فتحه رجلا ثلاثيني أخر يبدو عليه الوسامة الشديدة ببنية جسد مشدودة وكأنها بنية عسكري مخضرم وبالفعل صدق حدسه حين أدى التحية العسكرية بكل حرفية وطاعة ليأمره مدير المخابرات قائلا في جدية وهو يشاور على المقعد الثالث بجوار "عمر" و"علي" :
- أتفضل يا حضرة الرائد طيار "حمزة حسين الألفي " ..

اطاعه "حمزة" أيضا بكل ولاء محتلا مقعده بجوار شخصان يجهل هويتهما حتى تمتم مدير المخابرات قائلا :
- احب اعرفكم ببعض الأول 
ثم اتخذ الجانب الأيمن منه مواصلا :
الرائد "عمر أحمد سلامة" أو فهدنا زي ما بنطلق عليه ثم اعاد نفس حديثه باللغة الانجليزية لبث ما يدور بلغة "علي" والذي راح يشار عليه هو الأخر قائلا :
- "علي جلال البنا" دكتوراة وخبير مخضرم في الهندسة الالكترونية وابن العالم المصري "جلال البنا" صاحب الاكتشاف العالمي الذي اسقط عنه الستار اليوم داخل البلاد ..
مستكملا بإشارة عينيه وأخيرا معنا البطل صاحب أسر الأربع سنوات في معتقلات الصهاينة الرائد طيار "حمزة حسين الألفي" .. 
ثم صمت لوهلة حتى اعاد تولي دفة الحديث مردفًا :
- كلكم مشرفنا النهاردة يا رجالة رغم أن تجمعنا جه بسرعة وغير مخطط له بسب الظرف الطاريء اللي حصل من عدة ساعات ..

حثه نظرة الاهتمام التي تلقاها من عيون "عمر" و"حمزة" على المواصلة بفيض معلوماته :
- وهو تعرض عائلة "علي" بالكامل للإبادة الجماعية ولكن ستر ربنا إن إنقاذهم يكون عن طريق تناول الأكل المسموم من خادمتين قبل تقديمه لأفراد الأسرة .. الفحص الفوري للجثتين ولكل الأكل المتبقي بيّن أنه بيحتوي على مادة قوية من أنواع السم الفريد اللي بيعمل على توقف عضلة القلب في غضون دقائق قليلة .. شكوكنا بدأت لما عرفنا أن النوع الفريد ده ما بيستخدموش الا منظمات لها خبرة قوية في حالات الأبادة وطرقها وخاصة لو أجنبية .. وده خلانا نقوم فورا باستخراج مذكره للقبض على صاحب سلسلة المطاعم وجميع العمال اللي كانوا مسئولين عن تجهيز الأوردر، بعد تحريات النيابة العاجلة وصلنا أن عاملين التوصيل بيحوم حوالنهم الشكوك وده بسب تفريغ كاميرات الحديقة لبيت "علي" ورصد شكل مختلف للجسم عن هيئة العاملين دول .. بعد الضغط من فريق التحقيق وموجهتهم بصور كاميرا المراقبة اعترفوا أخيرا بأن في أحد المجهولين قام بمساومتهم على مبلغ وقدره عشرة الف دولار مقابل إنه يقوم هو بتوصيل الأكل لوجهته المحددة .. وفعلا اغرتهم الفلوس وافقوا وفي الوقت المناسب اعطوه الأكل بعد ما طلعوا بيه من المطعم .. النيابة خلتهم وصفوا شكله بالضبط وقدرت عن طريق رسام خبير أنها تطلع نسخة مطابقة لصورته وتبدأ البحث في قاعدة البيانات الالكترونية بتوصيات سريعة مننا .. في غضون ساعة كان فريق البحث عمل انجاز عظيم واتأكد شكوكنا لما عرفنا بأنه أجنبي ومن الوجوه المعروفة عالميا بخطورة نشاطه التابعة للمنظمات المشبوهة كالمافيا وغيرها ودخل زيارة للبلد من حوالي اسبوع .. لما قدرنا بفضل الله نحدد مكانه للقبض عليه عن طريق فريق حرفي من رجال الشرطة اكتشفوا للآسف أنه تم تصفيته في الفندق المقيم فيه بطريقة بشعة قبل وصولهم بدقايق .. 
مواصلا عقب زفرة ضيق : 
- هما قدروا اه يصفوه بس لسوء حظهم مقطعوش الخيط عندنا لاننا كنا خلاص اتأكدنا بأن وراه تخطيط محترف .. والمؤشرات كلها كانت موجهة لعدوك الأول يا "علي" "أوستن فليب" خاصة بأن الأمر اتصادف مع خروج الجهاز النهاردة للعلانية وبالتالي اعلان وجودك في مصر بعد ما ظن أنك مت بعد محاولته لاغتيالك في أمريكا قبل قدومك لهنا .. وكمان اتصادف يا "عمر" بعد إيام قليلة من تصفية الشحنة .. يعني راس الأفعى للعمليتين واحد !

عقب ترجمة رئيس الداخلية لـ "علي" ما قاله مدير المخابرات فزع من مقعده مشدوهة يلتحف معالمه القلق وكلمة وحيدة هي ما رددها بتوجس :
- عائلتي !!

تفهم القادة والوزراء هالته المستجدة فتمتم له رئيس الوزراء على عجل مهدئًا :
- لا تقلق "علي" واجلس رجاءً فهنَّ بأمان الآن وتحت حماية رجالنا حتى تعود لهنَّ ..

ظل يمحلق به بعينين شاخصتين لبعض الثوان حتى توغلت جملته المطمئنة لطيات صدره فعادت به لرشده وجعلته يترخى بمجلسه مرة أخرى وهو على يقين تام بصدق وعده طالما وعده بذلك .. 

فالتفت الجمع على تمتمة "عمر" المخيفة بعدما فطن بذكائه المعهود مدى تفاقم الوضع حوله :
- طيب طول ما محرك الدمى لأغلب الأحداث اللي بتحصل ذيله متحرر هنتوقع ضحايا أكتر ..

أومأ مدير المخابرات رأسه بالإيجاب ثم قال :
- بالظبط كده وخاصة ناحيتك أنت وعيلتك يا "عمر" من بعد التخلص من "علي" وعيلته غير الأهم مستقبل البلد من حتمية تجهيز عملية تانية ليها أكيد هتكون أقوى من اللي فاتت .. واللي بنعترف للآسف بتأخرنا في اخد رد صارم بعد عملية الشحنة الأخيرة..
مستأنف عقب زفر مطولة يشوبها الندم :
- بس الفرصة النهاردة جت قدمنا أننا نعوض ونعرفه أن مش كل الطير اللي يتاكل لحمه بالسهولة دي ..

رغم تأثر معالم "عمر" بما قاله من لحاق الأذى لعائلته أيضا إلا أنه حافظ على ثباته بحرفية كالعادة متمتما :
- وأنا تحت أوامر معاليكم يا فندم ..

فاجابه مديره وحدقتيه تنهش الوجوه الثلاثة بترقب :
- مش أنت لوحدك .. أنتم التلاتة !

فلحق جملته ولاء "حمزة" العسكري أيضا بكل ترحاب :
- وأنا مستني من أربع سنين أي فرصة للرد .. وعمري ما هتأخر لحظة عن اللي شايفينه حضراتكم في صالح البلد ..

بنظرة مرضية غمرهم بها راح يفيض عليهم جميعا بمخططتهم الأقوى كما اطلقو عليه، متمتما :
- أنتم التلاتة هتقوموا بالمهمة اللي هدفها الأوحد تصفية الراس الكبيرة "أوستن فيليب" .. المهمة هتبدأ بسفركم اللي هيكون من بكره بليل .. كل واحد فيكم هياخد خط سير منفصل عن التاني لغاية لما توصلوا لأمريكا .. بمعنى أن هيكون خط من هنا على فرنسا و التاني على المغرب والتالت على اسبانيا هتقعدوا في البلاد دي اسبوع كتموية ومن بعد إشارة مننا هتطلعوا على أمريكا بجوازات سفر سياحية بتتجهز دلوقت لكم من قبل رجالنا .. 

الرائد "حمزة" هيدخل البلد كرجل أعمال داخل سياحة لأسبوعين وبعد كام يوم هيكون استخرج ترخيص بالطيران للتنزهة بطائرة مستأجرة فوق الحدود الأمريكية .. في الوقت ده هتكون يا "عمر" أنت و"علي" دخلتم البلد برضه بنفس الجوازات السياحية المزورة وباسم ل "علي" مختلف عشان ما يوصلش "أوستن" أي معلومة عن دخول اسمه في جوازات الواردين.. وفي اللحظة الحاسمة اللي هنحددها ليكم بإشارة خاصة هتبدأ رحلتكم على الطيارة الداخلية المستأجرة من قبل "حمزة" .. عن طريق خريطة الولاية اللي "حمزة" هيكون دارسها هيبدأ ينزلكم عن طريق الحبال في حتة أمنه على أطراف أقليم الجبال لصعوبة دخول الطيارة بين الأشجار العالية بارتفاعها المنخفض ده، وفي نفس الوقت هتكون قريبة نوعا من قصر "أوستن" الموجود بين الغابة والجبال هناك .. من بعدها "حمزة" لازم ينسحب فورا من الموقع ويكمل رحلته السياحية لساعة ولا لاتنين وبعدين يرجع الأوتيل عادي ويلم اغراضه للسفر فورا على فرنسا .. أما أنت يا "عمر" ومعاك "علي" فهتكملوا طريقكم مشي بمعدات تسلق الجبال اللي هيكون فيها القنبلتين اللي برضوا هيجهزوهم ليكم رجالنا هناك ويحطوهم مع الشنط جوا الطيارة .. أنا عارف أن حمل شنط التسلق هتكون عليكم صعبة خصوصا من كثافة الأشجار في الغابة وسوء الطريق فيها بس ده وقاية عشان محدش يشك فيكم بعد ما تخلصوا المهمة .. ولما توصلوا بالسلامة قبل كام متر من القصر وفي مكان متخفي عن عيون الكاميرات "علي" هيقوم بخبرته عن طريق جهاز الكمبيوتر المحمول اللي هيكون جوا شنطته بمحاولة اختراق وتعطيل نظام الأمان الإلكتروني القوي اللي عمله "أوستن" حوالين قصره ومن بعدها يبدأ "عمر" بتولي المهمة عن طريق تخطي السور وزرع القنبلتين في مكان متخفي .. لما تخلص هتبدأ ترجع لمكان "علي" وتغادروا فورا وعند البعد المناسب هتعطي يا "عمر" من الذر الالكتروني الخاص بالقنبلتين أمر التفجير ..

وتبدأ رحلة عودتكم أنتم كمان عن طريق خريطة المكان اللي هتكون بحيازتكم بجانب خبرة "علي" في أمريكا في الخروج من مكان زي ده لغاية الفندق ..

واللي من فور وصولكم لازم تبدأ رحلة رجوعكم للعاصمة الفرنسية وتتقابلوا مع "حمزة" وبأذن الله من بعدها نشوفكم تاني على أرضكم يا رجالة ونبارك لكم على نجاح مهمتكم وتصفية رأس الأفعى بنجاح ساحق ..

ليأتيه على عجل ودن تباطؤ قول "عمر" و"حمزة" في آنٍ واحد بكل حزم :
- وأحنا تحت أمرك يا فندم .. وبأذن الله نكون موفقين زي ما حضراتكم عاوزين وأكتر ..

تأخر "علي" في ترددها معهما لرهبته للمشاركة الأولى في أمر عسكري ضخم مخطط بحرفية كهذا، إلا أن ذاكرته تأرجحت ما بين مشهد اغتيال والده الدامي وما بين نظرة التوجس والرعب في نفوس نسوته عندما ابصرونَّ فاجعة القتل مما جعلانه يلحق بقول الموافقة بكل ترحاب يضاهي ترحابهما .. 

ليتولى مدير المخابرات الحديث مرة أخرى بعد نظرة رضا خص بها الثلاثة: 
- بس لاحتمالية تجهيز "أوستن" لضربة تانية أثناء عمليتكم لازم عائلتكم أنتم التلاتة تتأمن كويس جدا وده مش هيتم إلا لما يتجمع التلاتة في مكان واحد.. ولأننا قعدنا نفكر كتير في صعوبة توفير المكان ده .. وتصادف معرفتي من الرائد "عبدالرحمن" النهاردة بأمر بيت جد "مرام" بالصعيد وخطتك لنقلها هناك يا "عمر" لقيت أن دي أحسن فرصة ممكن ننتهزها في تأمينهم الجماعي .. وده لبعد المكان كل البعد عن القاهرة ونسبة وصول رجال "أوستن" ليهم تكون معدومة خلال مدة عمليتكم ..

مواصلا : أحنا بدأ بالفعل بمراسلة أخوات والدتها هناك لفتح البيت وتجهيزة لوصول بنت أختهم ومعها ضيوف حبه ترحب بيهم في الصعيد وداخل مكان سياحي زي المدن هناك .. وهما اقتنعوا ومنتظرين وصولكم ..

دلوقتي تقدروا تتفضلوا عشان كل واحد يقدر يجهز عيلته من الصبح بدري وياخدها لعنوان المكان اللي هنبعتله ليكم بخاصية تحديد الموقع على شاشة سيارتكم .. وطبعا مش محتاجين أوصيكم بأن لو حد سألكم من عائلة كل واحد فيكم عن طبيعة الرحلة دي هيكون حرفية الرد إيه ..

انتصب كلا ممن"عمر" و"حمزة" سريعا وهما يتمتمان : 
- مفهوم يا فندم كل حاجة وضحت وهنبدأ بتنفيذ أوامر ساعتك فورا ..

ليتبعهما "علي" بملامح جدية وحازمة لا تختلف عن ولاءهما اطلاقا وكأنه بات من ابناء هذا الوطن منذ الناشئة وليس بصلة الدم فقط حين يوصم تاريخ موطنه الأصلي عن أولى مشاركته الوطنية التي لم تتراود على ذاكرته مطلقا ..

------------------------

في الثانية بعد منتصف الليل وعند عودته متوخيا الحذر حمد خالقه بأن الاستدعاء جاء له والجميع نائمون وعاد أيضا وهم في وضعهم ذاك، ارتقى درجات سلم البيت والهدوء حليفة عند فتح باب غرفة نومه المظلمة حتى لا تشعر بحركته زوجته الغافية في سباتها العميق ..

على ضوء القمر المنبثق من النافذة تسلل خفية حتى جلس على أحد المقاعد الأولى أمامه ينزع حذائه واحدًا تلو الأخر ليتبعه نزع قميصه عن جذعه العلوي ثم راح يدثر أسفل الغطاء بجوارها بهدوءٍ مبين .. فبغت بها تفتح عينيها وترفع رأسها وهي تبادره مستفسرة :
- كنت فين يا "حمزة" ؟!

جاءها رده مصعوقا :
- إيه دا أنتي صاحية !

اعتدلت جالسه تفيض بما لديها وهي تعيد حمالة منامتها المتمردة على كتفها العاري .. 
- أنا أصلا حاسه بخروجك من أول لما جالك التليفون ومقدرتش أنام بعدها .. هو في إيه بجد ومن مين الاتصال ده وخرجت رحت فين ..

حاصرته باستجوابتٍ يمقتها كي لا يثير قلقها ولكنه امتص توجسها بدهاء قائلا :
- هو يعني أول اتصال يجلنا في نص الليل ولا هيكون الأخير .. ما انتي عارفه طبيعة شغلي ومفروض اتعودتي عليه يا "خديجة " ..

- يعني بجد خير يا "حمزة" وزيارة عادية ومفيش حاجة خطر ..

اجابها بهدوء ساحر وهو يداعب حمالة منامتها بإغراء بيّن :
- إن جيتي للصراحة أنا مش شايف أي خطر يقلقك عليا إلا قميصك المغري على ضوء القمر ده ..

نجح في وأد قلقها حين زارها حمرة الخجل وهي تعيد خصلتها وراء أذنها هامسة على استحياء :
- الدكتورة منبهة أن مفيش حاجة إلا لما يعدي ٣ شهور على الحمل يا "حمزة" ..

حينها اعتدل جالسا بجوارها وهو يبدأ بالتودد هامسا بعدما أسر خصرها بطول ذراعه :
- أظن أنك واثقة بلا فخر أن مفيش حد قدر يمنعني من بصماتي أبدا أبدا .. 

تعالى عذوبة ضحكاتها عاليا وهي تتجاوب معه هامسة :
- أبدا .. أبدا .. 

فرددها بأكثر عزمًا وهو ينغمر معها في دفء مشاعرهما العاشقة:
- أبدا .. أبدا ..

--------------------------

على الجانب الأخر وفي ذات الوقت عاد أيضًا "عمر" لمسكنه فتفاجأ بجلوس والدته و"مرام" ينتظرانه والقلق ينخر صفحتهما وبينهما الطفلة نائمة وعليها غطائها بالوسط، فقال متوجسا :
- إيه اللي مسهركم لدلوقت وليه البنت نايمة كده ..

اكتفت "مرام" بنظرة متشككه يفهما جيدا بينما والدته اجابته بعتاب :
- عاوزنا ننام أزاي ونرتاح في سرايرنا وأنت من ساعة ما قلت ل "مرام" أنك رايح تمون عربيتك مرجعتش .. وأرن عليك تليفونك مغلق .. 
مضيفة بنبرة حانية :
- كنت فين يا حبيبي وإيه اللي أخرك كده .. وليه تليفونك كان مغلق .. 

على الأرجح أنه سيستقبل قلقها دائما من هنا وصاعد طالما علمت بطبيعة عمله، وهذا ما لا يحبذه مطلقا ولكن وطأة الظرف هي ما آلت الأمور إلى ذلك .. تنهد بعمق ثم اقترب يجثو امامها وهو يجاهد أن يكون كذبته أكثر صدقًا :
- أبدا يا ماما بعد ما خلصت اتصل عليا صديق ليا ماشفتوش من سنين وأنتي عارفه مقابلة الشباب بقى .. القعدة خدتنا ومحستش خالص بأن تليفوني فصل شحن .. 
مضيفا بحنان وهو يقبض على يدها ببطء ليحثها على النهوض بصحبته :
- قومي معايا ادخلك أودتك تنامي عشان تستعدوا الصبح بأذن الله تروحوا الصعيد مع "مرام"ظ& تقعدوا معها كام يوم لما تتطمني عليها بنفسك وكمان تغيري أنتي و"مريم" جو ..

استقامت معه تفترس وجهه وهي تهتف في حبور :
- بجد يا "عمر" هتسبنا نروح معها ..

بهجتها الناضحة من عينيها ونبرتها اخبرته أنه اجاد الكذب للمرة الأولى مضطرا، لهذا راح يتمتم بخزن تملكه:
- بجد يا أمي ..

عقب تأكيده التفتت "عفاف" ببسمة منفرجة وهي تحادث تلك الشاردة بصفحة وجه مُعكره :
- شفتي يا "مرام" المفاجئة الجميلة دي .. ربنا ما خيبش دعائي بأنك متتفرقيش عننا .. 
مضيفة بدهاء وعيناها ترسي على ولدها مرة ثانية :
- ولسه كمان عندي أمل بأنه يستجيب لدعائي و متبعديش للأبد ..

حينها تحشرج صوت "عمر" هاربا من مغزى جملتها قائلا وهو يتجه صوب الصغيرة :
- أحم .. أنا هروح أنيم "مريم" في سريرها عشان الْحق أنام أنا كمان ليا شوية ..

تداركت هروبه فابتسمت قائلة وهي تتجه في خطى غرفتها :
- وأنا كمان هروح برضه أنام ساعتين ولا حاجة قبل صلاة الفجر .. تصبحوا على خير ..

عقب رصدها لمغادرة العجوز وتوجهه بالصغيرة نحو الفراش، لحقته سريعا ثم تباطأت عند باب الغرفة حتى انتهى من تدثرها بالأغطية واشباعها بقبلة عميقة على جبينها، مستقيما للمغادرة ولكنه تسمر ما أن ابصرها تنهشه بتلك النظرة المستفسرة ليتبعها خفوتها المميت :
- مهمة جديدة ..

ازدرد ريقه ثم مضى بطريقه متجاهلا سؤالها عن قصد، إلا أنها عند حافة الباب اعترضت خطاه بتكرار سؤالها ذاته ولكن نبرتها كانت أكثر ضعفا وكأنها أصبحت بروح كهل خانع وهذا ما يبغضه بشخصها خاصة في ظل غيابه المتكرر، لهذا جذبها من راسغها بغتة داخل الغرفة حتى استكانت بظهرها على أحد الحوائط الخالية وهو يقترب همسا منها بنبرة أشد لاذعا :
- إيوه مهمة جديدة .. وشغل أشد خطورة .. وطول ما أنا عايش هتكون هي دي حياتي .. يعني باختصار أنا منفعش لحب ولا لجواز ولا أن أجيب أطفال احتمالية يتمهم أكيده .. فنصحيتي ليكي فوقي بقى واتلخصي من أي مشاعر سلبية تجاهي لأن مفيش فيا أي أمل بجد .. ولأن "مريم" محتاجاكي أكتر مني لو قدر الله حصلي حاجة ومرجعتش ..

ارتعدت بنيتها شاهقة بفزع وعينيها تفيض بالدمع ومع ذلك تنهش تفاصيله بنهم لاشباع شوق فؤادها وهي تترجاهُ بحركة وجهها الرافضة بأن يصمت ولكنه لم يفعل ..
- بكرة لما أوصلكم الصعيد هيكون معاكم في بيت والدتك أُسر تانية لأهل ظباط زيي مهددين برضوا بالخطر واحتمالية موتهم بين لحظة والتانية أكيده لأن كل ذنبهم أن ازواجهم وأولادهم بيدافعوا بدمهم عن وطنهم .. 

- كفاااااااية… كفااااية أرجوك ..

صرخت بها وهي تصم أذنيها براحتيها عن ذكر كل ما يتعلق بالموت فيكفي ما مر عليها الآن من فقد أحباب كانوا لها الحياة ليأتي ويزف إليها خبر موته بهمسًا بارد ينحر روحها العاشقة له .. لهذا تراجع عن قسوته أمام توسلاتها الباكية وابتعد يغادر حيزها وهو على يقين تام بأنه فعل الصواب حتى تودع احلامها الوردية في حضرة رجلاً عسكريًا مثله ..

----------------------

عند عودة "علي" بالمثل وعلمه بنوم النساء أخيرا بعد ما مرّ عليهنّ من متاعب اليوم، اجتمع في استقبال الفيلا بالعجوز "شاكر" و"حسين" و"أمير" المنتظرين لقدومه على الفور وراح يخبرهم بحقيقة الأمر دون التطرق للعملية المخابراتية السرية .. وذلك بأخبارهم بأن أهل البيت هو المقصود وليس الخادمتين من قبل جهات مجهولة يُرجح بأن الجهاز أحد اسبابها لهذا وجب عليه نقل النسوة لمكان آمن في صعيد مصر على أن يبقى الرجال يتابعون الاعمال هنا .. وأن التنفيذ الحتمي لهذا من الغد فاليستعد الجميع لساعتين نوم لبدء المهام على وجه السرعة من الصباح الباكر ..

-----------------------------

في الصباح الباكر رصد خروجها بمئزها ناصح البياض وخصلاتها الندية تتناثر بإغراء على كتفيها فقال معتدلا منومته بنبرة أشد خبثًا :
- بقول إيه يا "خديجة" في كلمتين نسيت أقولهم ليكي أمبارح .. ما تيجي استهجاهم براحة في ودنك الله يرضى عليكي ..

ولكنه فزع عقبها على صخب احتل غرفته من العدم وهجوم صغيرانه عليه فوق الفراش بكل اسلاحتهم البلاستيكية المعبئة بالماء وهما يتوجهان بفوهتهما ناحيته و"الحسن" يتولى دفة الحديث أولا كالعادة ..
- استسلم يا بابي السرير كله محاصر ..

ليتبعه "الحسن" بلغتة لسانه الشهية :
- أه .. السيرر والمخدات كمان… كله كله محاسر.. 

ليتوغل المشهد قهقهة "خديجة" المتواصلة بلا انقطاع .. ليخرج إليها نبرة "حمزة" الحانقة: 
- هو أنا قولتلك أمبارح أبدا .. أبدا !

لتومئ برأسها بالإيجاب من وسط رقة ضحكتها، ليجيبها "حمزة" بتزمر :
- خلاص أعملي استثناء وضيفي الحسن والحسين !

قالها وهو يندفع تجاههم بالدغدغة المواصلة والمتفرقة في بنيتهم الطفولية .. لتخرج ضحكاتهم أجمعين في وصلة عشق عائلية مفعة بالدفء والعاطفة ..

عند مرور ساعة كان قد انعش خلاياه بحمام دافئ وهبط ينعم ببركة وجود والديه .. والتي استقبلته "صفية" بترحاب حاني يشوبه التوجس:
- قلب صفية إيه اللي "خديجة" قالته لينا ده .. رحلة إيه وصعيد إيه فجأة كده وبين يوم وليلة ..

وكأن نبض أمومتها استشعر بما يحاول جاهدا اخفائه، لهذا جلب نبرته المرحة :
- إبدا يا صفصف حسيت أنكم مظلومين بسب شغلي فحبينا أنا وصحابي اللي ظروفهم زيي بتجميع أهلينا في اجازة صغيرة كده للأقصر ومتأكد أنكم هتتبسطوا فيها جدا ..

- أقصر إيه يا بني دلوقت ومين هما دول ..

- يا ااااه يا ماما يعني لازم نسيب المهم ونتصدر بقلقنا ده في كل حاجة بريئة ..
ثم التفت يستأنف مرحه تجاه المشيب الذي يتفحص جريدته بهدوء كعادة كل صباح :
- ما تقول حاجة لماما يا والدي العزيز .. ولا مدافع قلقها هتفضل محاصراني بيه دايما ..

أهبط جريدته ليبين وجهه لهما قائلا برزانة ليهدأ من روع أمومة زوجته :
- وفيها إيه يا حاجة "صفية" .. بالعكس شايف أنها أجازة في وقتها ليكي ولخديجة وللأولاد غير أنها هتكون في الأقصر وأنتي عمرك ما زرتيها قبل كده ..

جدية حديثه جعلت شكوكها تطمس في مرقدها ثانيًا وهي تجيبه بتردد :
- بس يا حاج كده في لحظة واحدة من غير ما نجهز نفسنا ونأمن البيت كويس ..

- والبيت هيحصله إيه .. غير أن أنك واثقة أن مش هأعرف اسيب ادارة المعارض واستنعم بالرحلة دي معكم كأغلب رحلتكم اللي زي كده ..

بعد فترة صمت اقتنعت أمام اصرارهما متمتمة بخنوع :
- أمري لله لما اطلع أجهز نفسي مع خديجة والأولاد وننزل ..

حينها صاح "حمزة" بثناء مرح :
- إيوه كده أنا قلت مش هيجبها إلا الحاج "حسين" بجلالة قدرة .. تسلمي يا حجوج دايما ..

عقب مراقبته لمغادرة زوجته الضاحكة على قول ولدها رمقه بضيق عينيه قائلا بخفوت :
- إيه الحكاية يا "حمزة" !

تحشرج "حمزة"، قائلا بصعوبة :
- أحم .. حكاية إيه يا بابا .. كل الحكاية رحلة عادية جت فجأة وبدون مقدمات ..

مال والده عليه يبث إليه مغزاه :
- الكلام ده تقوله لولدتك مش ليا ..

مع صمت ولده إيقن بأن حدسه لم يخنه مما راح يواصل :
- مهمة جديدة والرحلة كمان بتأكد أنها أخطر مهمة شفتها وعاوز تأمن على عيلتك قبلها ..

- بابا أنا ..

- أنت بطل يا بني ومتبررش حاجة .. لأن لما وافقت على دخولك الحربية عارف أن بقدم روح ابني فدا لتراب البلد .. وصدقني عمري ما همنعك لو متصور أن ده ممكن يحصل مني من بعد لحظة رجوعك من الأسر ..

ارتمى بين ذراعيه متمتما بحب ينخر عظامه لأب حكيمًا مثله :
- عودتني أبقى راجل وهفضل مديونلك بكده طول عمري ..
مضيفا بعدما ابتعد قليلا :
- ليه مش عاوز تروح معاهم عشان اكون مطمن قبل ما أمشي ..

بوجوم أجابه العجوز :
- يعني لسه بتقول ربيت راجل وأطلع أنا مش قد كده .. 

- العفو يا ولدي .. أنا قصدي ..

قطع اعتذاره مربتًا على كتفه وهو يفيض عليه بهدوء :
- الأعمار بيد الله يابني ومفيش حد هياخد أكتر من نصيبه .. أنا وافقت أن هما يروحوا عشان بس تكون مطمن قبل سفرك إنما أنا مقدرش اسيب هنا و اروح في أي حته لمجرد أن في خطورة مزعومة على حياتي ..
مواصلا بتحفز :
- قوم يا بني .. قوم شوف هتعمل إيه عشان متتأخرش على مهامك أكتر من كده وربنا يجعلك في كل خطوة السلامة ..

عناقهما عقبها كان كفيلا باشباع كلا من الأخر بعبق الأخر، ودليل راسخ يقدمه القليل من الأباء بأيمانهم القوي لأجل رفع شأن الوطن وعزته في سماء الأمم ..

-----------------------

من الصباح الباكر تحرك "علي" بنسوته نحو بؤرة الحماية والذي اقنعهن بأنه إجراء حتمي حتى ينتهي التحقيق في البيت، بينما كان "عمر" وعائلته على بعد خمس ساعات من الوصول للموقع المحدد .. ليتبعه "حمزة" كذلك بقدر سبع ساعات متواصلة بسرعة سيارتهم المندفعة دون تباطؤ ..

مع سقوط الشفق الأحمر على طرفي المدينة كان "عمر" قد وصل ثم أتخذ الطريق الفرعي للوصول للقرية المذكورة "أرمنت" ليكون وعائلته أول الواصلين ..
متفاجأً باستقبال حافل بالكثير من الود لابنة شقيقتهم المصعوقة من دفء العائلة المتدفق عليها من الأهل والأقارب دون حسبان ولكنه لم يفلح بالوصول لحجرات قلبها المعبئة باسم مالكه القاسي الذي يهرب بعينيه سريعا ما أن تبصرهما يرصدان تحركاتها .. 

مع مرور الساعات الأخرى وصل الباقون في ظلمة الليل وراحت "مرام" بصفتها مالكة البيت تستقبل النسوة بكل ترحاب وود تنفيذًا لرغبة محبوبها التي فهمتها دون حديث .. ثم راحت تعرفهم بغرفهم المنتظرة بصحبة زوجات أخوة والدتها الذين لم يبخلوا عليهم أيضا بكرم واجب الضيافة كما عادة أهل الجنوب ..

وحين جاء لحظة الانطلاق الحاسمة من الرجال كُلٍ راح يودع ما لديه في غرفهم بحجة وجود عمل حتمي لهم يستوجب مغادرتهم سريعا والعودة مرة أخرى ..

كانت أولى المشاهد من نصيب "حمزة" وزوجته في أحدى غرف النوم المخصصة لها، والتي راحت تحادثه بتوجس :
- "حمزة" في إيه بجد دي مش رحلة طبيعية زي ما فهمتني وحسه وراها حاجة ..

اقترب حينها يأسر خصرها بين ذراعيه متمتما وهذا يغوص بزيتونية عينيها الساحرة :
- في إن بحبك قوي تعرفي كده ..

غاصت عينيها في عينيه متمتمة برجاء :
- "حمزة" أرجوك صارحني يمكن ارتاح ..

- بالعكس كتر الكلام هو اللي دايما بيتعبنا 
مواصلا بدهائه المرح المعهود :
- إنما مثلا لو خدت منك بوسة قبل ما أمشي عمري ما هتعب منها أبدا ويمكن تحفزني أرجع على طول عشان نكمل مشوار البصمات بكل إتقان وحرفية ..
ثم لما يعطيها فرصة للرد حين لثم شفتيها في قبلة عميقة لتهمس عقبها بدموعها المخطلة بقبلتهما ..
- "حمزة" ..

- عيون "حمزة" 

- خلي بالك من نفسك عشان خاطري ..

اجابها وراحته تمسد احشائها بودٍ حاني :
- وأنتي كمان خلي بالك من نفسك ومن اللي في بطنك ومنهم .. ثم تنهيدة عميقة واصل :
- كويس أنهم ناموا من تعب المشوار .. 
بقبلة أخرى على الجبين تحرر من قربها همسا قبل المغادرة :
-استودعكم الله فأنه لا تضيع ودائعه.. 

-------------

على الجهة الأخرى وعقب صعود أشقائها بصحبة أطفالهن ووالدتها لغرفهم هبطت تبحث عنه في الأجواء بعينيها التائهين من هول ما مر عليهم في الأواني الأخيرة والأكثر ذلك الرعب الذي يحدث به قلبها لعقلها طيلة اليوم ..

ابصرته بعد معاناة في أحدى الغرف يجري اتصالا هاتفيا لهذا ولجت سريعا وهي تغلق الباب خلفها تنتظر الانتهاء .. وما أن فعل وتفاجأ بها خلفه حتى تمتم بتوجس :
- "آنا" ما الأمر .. أهناك شيء يقلقك في المكان ..

هزت رأسها بالرفض وهي تجيبه باستياء:
- ليس المكان ولكن قلبي يا "علي" !

إيقن ما ترمي إليه فقادته قدماه إليها قائلا بطمئنينه :
- لا تخافي كل شيء تحت السيطرة ..

- ذاك الذي كان يحاول قتلك هناك هو ما وراء الحادث بالأمس !

تفاجأ بتنبؤها الصائب مما صمت يبتلع ريقه دون كلمه، فجاءه شهقتها الفزعة وسقوط عبراتها وهي تردد بالنفور :
- كلا .. كلا ..

- حبيبتي هذا ليس وقت البكاء إنما وقت القصاص العادل فتذكريني في دعائك حتى أعود .. 

قصاص !
ويعود !
هو ذاهب إذا لوجهة باتت تعلمها جيدا .. 
وجهة بدايتها الثأر ومنتهاها الكثير من الدماء .. حتى باتت لا تسمع باقي حديثه ووداعه الشفهي لها بعدها ..

إلا حين سار تجاه الباب خرج ندائها الراجي دون تباطؤ :
- "عـلـــــي" !

استدار يبصر غايتها فشهدها ترفع نقابها وتركض نحوه بعزم قوتها حتى استقرت بين ذراعه تعلو صدره وبينهما قبلتهما الأولى المشبعة بكل الشوق والحنين والكثير الكثير من الغرام..  قبله كانت كفيلة لذلك الأجنبي أن تسكره حد الثمالة وتنسيه بها كل نون النسوة من قبلها وحتما لا يوجد بعدها ..

---------------------

- شكرا ..

همس بها "عمر" لتلك الشاردة المتسكعة بين خضرة حديقة البيت الكبيرة لتلتفت بعينيها الدامية تجيبه ما أن ميزة نبرته دون ترّيث وكأنها كانت تفكر به وتتمنى حديثه:
- مفيش شكر .. هما شكلهم ناس جمال وهيكون صحبتهم شرف ليا بالتأكيد ..

ثم لاحظ بعدها صمتها واطراق رأسها بعلامات حزن بينة على صفحتها والذي رسمها حتما قسوة حديثه بالأمس، أنبه ضميره على ما تفعله هي ليقابله بما يفعله هو، ودّ لو اسعدها لو قليلا قبل مغادرته لعل الوجوه لا تتقابل مرة أخرى إلا أن جمود لسانه كان له بالمرصاد ولم يستطع في ذلك الموقف المستجد عليه أن يهمس ببنت شفة ..

لهذا استدار يغادرها وهو يجر ذيل استسلامه ليصيبها الخذلان كما العادة في حضرته، إلا أنها تفاجأت باستدارته إليها مرة ثانية وهو يردد بنزاع مع الذات فضحه صفحته المترددة :
- عارفه .. لو في ظروف غير ظروفي .. كنت قلت حاجات كتير قوي في قلبي للبنت الرقيقة الجميلة القوية اللي خلتني أندم أن مقبلتهاش قبل كده .. وأندم أكتر أن قبلتها وشغلت قلبي الخالي اللي مش عارف يكمل حياتي زي الأول .. بس برده كنت هندم لأن اكتشفت بأن هي كل حاجة حلوة بتعنيها ليا الحياة ..

على أثر صفعاته المفاجأة كاد قواها يخور أرضا من هول اعترافه التي طالما تمنت سماعه، براحتها المرتجفة كممت فاهها وهي تردد بعدم تصديق :
- "عمر" !

ليواصل بخطوة نحوها :
- بقربها قلبي عاش احساس جميل أول مرة يعيشه وأظن أن عمري ما هعيشه مع حد تاني أبدا بعدها .. بنت كنت أتمنى أن أكون لها حصنها وحياتها ومصدر سعادتها .. بس للأسف حصني مشروخ واخاف اجرحها واوجعها وأنا أموت لو شفتها موجوعة وبتبكي كده ..  لأن عرفت أخيرا أن بحبها ..

قالها أخيرًا القاسي وهو في طريقه للموت دون رأفة أو رحمة لوهن روحها ..

ليجمع الحب والموت أمام عينيها الباكية في تضافر حاد وقاتل !!

نعم طالما تمنت الأولى في كل أحلامها ولكنها لم تتمنى مطلقا أن تسمعها تختلج حروفها الكلمة الثانية بكل اسلحتها الفتاكة ..

على أثر تيه روحها الهشة هزت رأسها برفضها التام لبعده عنها، وهي تجاهد لمد ذراعيها للتشبث به واعتراض طريقه إلا أن حينها كان معذبها قد ابتعد وهو يودعها بفيض نظرته الهائمة من خلف زجاج السيارة التي استقلها بصحبة الرجلين الأخرين بمعالم لا تختلف عن معالمه لتتحرك اطاراتها المسرعة دون ترّيث مسترقه من خلفها فؤاد وروح وعقل ثلاث فتيات لا يعود لهن الآمان إلا بعودة غائبينهن بآمانٍ تام ..

---------------------


تعليقات