رواية نبضات قاتلة الفصل العاشر
و كان عاصفة من النوم قد هيت على عاملي البيت بمن فيهم «عبير» و «سميرة»، فقد سقطوا في أماكنهم ذاهبين في ثبات عميق.
غافلين عن وصول أربعة من السيارات السوداء، وقد ترجل منهم ما يزيد عن عشرة رحال.
كانت ملابسهم شديدة السواد، و قد أخفيت وجوههم أسفل قناع قماشي أسود، لم يظهر سوى أعينهم.
ما إن اقتربوا مباشرة من الباب الداخلى للمنزل، فتح لهم الباب وكأن هناك من ينتظر قدومهم، تسلل جزء منهم إلى ظهر المنزل.
دون أن يصدورا صوتا قد يسلط الضوء عليهم. و بقي الجزء الآخر لتأمين الطريق.
كانت لديهم نسخة من المفتاح الخاص بغرفة «أحمد» ، الذي أصابه الزعر لرؤيتهم، مما جعله يشدد يديه محتضنا ركبتيه، فكان
ملتصقا بحائط الغرفة، و لا مجال للهروب منهم.
اقترب منه أحدهم مطمئنا، وبدأ في نزع السلاسل الحديدية بعيدا عنه إلى الأبد، وعندما حاول الرجل مساعدته على الوقوف، دفعه
«أحمد» أرضا.
فخرج صوت الآخر، ليتضح من نبرتها الرقيقة أنها أنثى، فقالت:
هو أكيد خايف حاول تطمته.
امتثل لحديثها و اردف بصوت خافت
متخافش يا «أحمد»، احنا هنا عشانك لازم تيجي معانا عشان تبعد عن أدى «مالك».
حرك «أحمد» راسة تكرارا للرفض، ونطق بتلعثم
امشوا من هنا مش عايز اجي معاكم امشوا من هنا.
حاول الشاب أن يأخذ بيد «أحمد» الذي حرك جسده بعشوائية، فنتج عن ذلك إزاحته للطاولة الخشبية الموضوعة جانبا فارتطمت
أرضا و نجم عن ذلك صوتا مزعجًا، ارتفع صداه في المكان.
انتبه «مالك» إلى ذلك الصوت، فلم يكن الفاصل بين غرفته و غرفة «أحمد» سوى الكتلة الخرسانية التي تعمل كسقف الغرفة «مالك» ، و الذي بدوره ترك من يده كأس العصير، ناظرا إلى الأعلى بإنصاب و اهتمام، وكأنه يستشف ما يحدث عند أسيره. ابتلعت «غرام» ريقها بتوتر، قبل أن تمتد يدها لتتلمس الخاصة بـ «مالك» ، و هي تقول في خطوة لإرباكه
ايه رأيك لو
قاطعها «مالك» عندما أشار إليها باصبعه في تخف عن الحديث.
***
على الجانب الآخر
نظر الشاب إلى رفيقته قائلا:
مش معاكي مخدر؟ هاتيه.
اعترضت الفتاة قائلة
ما بلاش مخدر، حاول تطمنه زي ما «غرام» قالت.
زجرها الشاب قائلا:
دا مش وقت يسمح لنا تطبطب ونطمن اخلصي هاتي المخدر بدل ما ترجع من هنا من غيره، أو الكافر اللي تحت ده ميخلناش
ترجع أصلا
ناولته قنينة زجاجية صغيرة، وقطعة من القماش و بينما كان يصب المخدر فوق قطعة القماش، باغته «أحمد» و أسقط القنينة
من يده، متهشمت و انتشر ما بها أرضا.
و بالرغم من ذلك، أطبق الشاب القطعة المبتلة على أنف «أحمد»، الذي حاول جاهدًا أن ينقلت من بين يديه و لكن باعث محاولاته بالفشل. رفعه الشاب على كتفه وأشار للفتاة بالتحرك، لتخرج أمامه و من بعدهم خمس رجال.
التقط سمعه الصوت الناتج عن انكسار القنينة، فهب واقفًا كمن لدغته حية، قائلا بشك:
في حاجة بتحصل فوق.
و بالفعل قد دنا «مالك» من الباب، تحت نظراتها المتوجسة، متحركت سريعا لتمنعه من الخروج، لكنه فعليا قد فتح باب غرفته
تزامنا مع هبوط الآخرين على الدرج فأدارت وجهه إليها وعائيته بدلال أجادت تصنعه:
يعني كل ما يبقى لينا وقت خاص تسيبني و تروح عند اللي فوق ده!
شعر بدوار في رأسه، و تشوشت رويته متعجبا
ايه اللي بيحصل
لم تكن هي في حالة أفضل منه، بل أصابها ما أصابه، فتراجعت إلى الأريكة وقالت: حاسة نفسي دايخة.
رمقها «مالك» بنظراته الناعسة، قبل أن يتحرك ليجلس على طرف فراشه مرددا و أنا كمان .
**
أفاضت الماء على وجهها، فنهضت مذعورة من سباتها كمن أفزعه كابوس لاذع، كان وجهه المتهجم ونظراته التي ترميها بسهام الغضب المشتعلة، تكاد تجزم في تلك اللحظة أنه إن كانت النظرات تحرق، لكانت «غرام» الآن تحسب ضمن التراب.
لم يعطها تفسيرا لفعلته. و لم ينطق بحرف واحد من شفتيه، بل نطق ذراعه عندما امتد إلى خصلات شعرها القصيرة جاذبًا إياها
يعنف مفرط كان يجرها خلفه كمن يسحب حزمة من القش، لم يكترث بصراخها و توسلها إليه في يتركها.
دلف بها إلى الغرفة التي غادرها «احمد»، لتبدأ رحلتها في عذاب زوجها الوحش الكاسر دفعها أرضا فتاوهت بشدة، فقد اخترقت القطع الزجاجية ساقها، تفاضت عن الدم المتدفق من قدمها، كما تفاضي «مالك» عن آلامها تم و قرر أن يغدق عليها بالام جديدة. عندما بدأ ضربها بحزامة الجلدي كما فعل سابقا مع «أحمد».
دوى صراخها في أرجاء الغرفة، كمن يعزف لحنا حزينا يقطع نياط القلوب، ورغم ذلك فهو لم يشفق عليها و إنما زجرها قائلا: صوتك دا يتكتم مش أنتي التي هربتيها يبقى تستحملي و تاخدي دوره بقى.
حرکت راسها نفيا، وحاولت الدفاع عن نفسها قائلة:
أنا معملتش حاجة معملتش حاجة.
دنا منها، ليعتصر فكيها بين قبضته الغليظة، وتحدث بأنفاس متهدجة
متكذبيش، أنا سمعت في تسجيلات المراقبة الناس اللي يعتيهم وهما بيتكلموا عنك.
اتسعت حدقتيها، واختنقت الكلمات في حلقها، فلم تكن تعلم شيئًا عن تلك الكاميرا، أغمضت عينيها بألم أدركت الآن أنه لن ينتهي.
فقد سقطت بين براثن الوحش.
ابتعد عنها قائلا يتوعد
هخليكي تلعني اليوم اللي اتولدتي فيه، وإلا ميبقاش اسمي «مالك».
تركها وغادر لتنزوي بنفسها. وانخرطت في بكاء مرير، حسرة على ما قد آلت إليه الأمور يا لحظها العاثر: لقد حافظت على قلبها و مشاعرها. لم تسمح لشاب قط بالتودد إليها، حتى ظهر هو بأسلوبه الناعم وقسوته المغطاة بوشاح وثير من الطبية و الحنان. لقد اختارته وفضلته عن الجميع، فقابل حبها بخذلان لن يغتفر و بدلا من منحها بينا جديدًا. هدم بيتها واستقرارها العائلي فوق رأسها. حرمها أمنها وأمانها، فقدت الاحتواء من أمها، وخسرت من عاشت دائما تحتمى بظهره ليتها علمت مسبقا بأنه اختيار خاطئ. فكيف للمرء بإكمال حياته بعدما تعرض قلبه إلى خيبة أمل، وعاش مرار الانكسار من أين لها بالقوة كي تنسى أوجاعها يحتاج قلبها إلى جرأة كبيرة للوقوع في الحب مجددا.
قطعت وصلة بكائها عندما لاحظت سكينا يُمرر إليها من فتحة صغيرة أسفل الباب.
تراض الحرس أمامة كالمذنبين، فصرخ «مالك» في وجههم مستغربا.
كنتم فين يا بهايم لما هما دخلوا البيت ؟ قال مشغل عندي حرس دا انتم عايزين اللي يحرسكم
تحدث واحدا منهم دون أن يرفع عينيه عن الأرض:
و الله يا «مالك» بيه احنا كنا شايفين شغلنا كويس لحد ما حضرتك بعث لنا العصير والجاتو، من بعدها تمنا كلنا.
ضيق ما بين حاجبيه قائلا باستنكار
عصير ايه؟ أنا مبعتش حاجة.
تدخلت «سميرة» التي طلت من الخلف، قائلة
العصير دا بعثته دكتورة غرام
اوما براسه متفهما.
كدا العبارة وضحت.
سحب كرسي خشبي، وجلس أمامها واضعًا قدمًا فوق الأخرى، و تحدث بنبرة هادئة
يعني عيد الميلاد دا كان خطة منك عشان تهربي أحمد» . غدرتي بيا ليه؟ تعرفي «أحمد» دا منين عشان تعملي كدا عشانه ؟؟
كانت تعلم أن هدوءه هو ما قبل العاصفة، لم تجبه فقط تستمع إلى حديثه، فاسترسل مالك» بنبرة ماكرة:
بس أنا مينفعش حد يعلم على مينفعش انتي تعملي حاجة تزعلني مع أنا التي بدأت على فكرة.
نظرت إليه بأعين ضائقة وكأنها تنتظر تفسيرًا، فأضاف بصوت يقطر منه الشر
عارفة عملت ايه؟ أنا قتلت أهلك، أبوه أنا السبب.
فهقه عاليا بوتيرة جنونية، قبل أن تتهادي ضحكته قائلا:
أبوكي عرف موضوع «احمد» را قبل كتب الكتاب، و عشان كذا كان لازم اخلص منه. أصل أنا كنت معجب بيكي و عايز اتجوزك و عشان كذا بقى قتلته و قولت ابعت معاه امك تونسه و الموضوع بيان إنه مجرد حادثة بسبب أنبوبة الغاز.
انهمرت دموعها بتتابع متزايد وأردفت بلهجة من الندم
أنت بلاء أنت لعنة دخلت على حياتي.
تلوث شفتيه ببسمة ساخرة وقال بصوت كالفحيح:
لاء و لسه اللي هعمله دلوقت هيخليكي تكرهيني وتدعي على عمرك كله، أنا مرحمتش اللي حبتها ما بالك بقى اللي يادوب معجب
بها شوية صغيرينا
لم تفهم ما يرمى إليه، حتى وجدته يحاول التقرب منها، فدفعته بعيدا بأنفاس منبعها النفور فنظر إليها بعصبية و عصب شديد. و
عاد يضربها بلا رحمة، قبل أن يسيطر عليها بذراعيه
كانت ضعيفة و ضئيلة الحجم مقارنة به. لكنها لم تستسلم بل عافرت و جعلت تتحرك بعشوائية حتى وصل بهما الأمر إلى جانب
الفراش و هذا امتدت يدها إلى السلاح الأبيض الذي قد أخفته في الفاصل الصغير بين الحائط و السرير.
و على حين غرة، تفاجأ «مالك» بطعنة تخترق معدته. لقد فاقت توقعه بتصرفاتها الشرسة
ها هي تثار لنفسها و لوالديها، انفجر بركان غضبها دون سابق إنذار، لتحرقه و تلقنه درسا على أفعاله الشنيعة التي لا تغتفر. كررت
فعلتها مرة أخرى دون أن يرف لها حفن، كانت تطالعه بنظرات من الكره و نار الانتقام التي اعتمرت بصدرها.
أعلنت ركبتيه الانسحاب و خارت قواه، فوجد نفسه طريقا على الأرض قرت دموعه هاربة، بعدما خرجت منه أهة حارقة، بينما هي استوت على أقدامها و رفعت عينيها لتتقابل بأعين «سميرة» التي قد حضرت لتوها، فكانت تطالعها بنظرات من الجمود.
