رواية نبضات قاتلة الفصل الحادي عشر
ها هي تثار لنفسها ولوالديها، انفجر بركان غضبها دون سابق إنذار، لتحرقه و تلقنه درسا على أفعاله الشنيعة التي لا تغتفر. كررت فعلتها مرة أخرى دون أن يرف لها جفن كانت تطالعه بنظرات من الكره، ونار الانتقام التي اعتمرت بصدرها.
أعلنت ركبتيه الانسحاب، و خارت قواه موجد نفسه طريحًا على الأرض، فرت دموعه هاربة، بعدما خرجت منه أمة حارقة، بينما هي استوت على اقدامها و رفعت عينيها لتتقابل بأعين «سميرة» التي قد حضرت لتوها، فكانت تطالعها ينظرات من الحمود.
على صعيد آخر.
فتح عينيه ليري ضوء الحياة مرة أخرى، اعتدل جالسا على مهاده المريح، فأخيرا قد حصل على قسط من الراحة، بعد عام كامل من
التعذيب، والنوم على أرضية الغرفة الصلبة.
جالت حدقتيه في المكان بنظرة تفقدية، قبل أن ينهض ليبحث بنفسه عن ماهية البيت الذي أحضروه إليه، ما كاد يخرج من غرفته حتى
تناهي إلى سمعه صوت انتوي تتسلل منه رجعات الخوف
أنا مش عارفة هتعمل ايها بس لازم نتصرف لأن «عبير» قالت لي إن «مالك» بيعذب «غرام» بدل «أحمد».
رد عليها زوجها بنيرة تهكمية
أنا مش عارف «مالك» دا عبارة عن إيه دا الوحش بياخد وقت على ما ينقض على فريسة ثانية دا مش بيضيع وقت !!!
دا متوحش يا «مؤمن».. «غرام» ملهاش ذنب تعيش العذاب ده.
زفر «مؤمن» زفرة حارة، وقال لائها
أنا قولتلكم يا جماعة إنها لازم تيجي معانا، اهو اللي خوفت منه حصل ربنا يستر و تلاقي طريقة تخرجها بيها من هناك.
أنا عايز أشوف غرام
كان هذا صوت «أحمد» الخافت بالكاد قد سمعاه، فالتقتا إليه، وتحرك إليه «مؤمن» مطمئنا:
متقلقش با «احمد» «غرام» هتبقى كويسة و هتيجي.
أوما «أحمد» برأسه و انسحب عائدا إلى غرفته.
تلفظت «غرام» قائلة بحزن
مكنش قدامي حل ثاني.
خرجت «سميرة» عن صمتها و قالت
خلينا نمشي من هنا.
مرت عليهما لحظات قصيرة و هما تتذكران كيف انتهى بهما المطاف هنا.
«استرجاع»
«مالك» حابس شاب فوق و ببعذبه و عايزاكي تساعديني نخرجه من هنا.
وجهت تلك الجملة إلى عبير، ولكن جاء الرد من «سميرة» التي دلفت إليهما قائلة:
أنا اللي مساعدك يا دكتورة.
قطبت «غرام» حاجبيها تعجبا و قالت:
ايه اللي يخليكي تساعديني و تقدري بـ «مالك»
اردفت «سميرة» يضيق و نفور
دا واحد معندوش رحمة و ملهوش أمان إذا كان غدر يصاحبه وبنت عمه ليه أنا أكون مخلصة ليه و هو ممكن يقلب علي في أي وقت !!
سألتها «غرام» بفضول واضح
و لما انت مش حابة اللي بيعمله، ليه بتشتغلي معاه لحد دلوقت؟ و بالرغم من معرفتك باللي بيعمله مبلغتيش الشرطة؟
ردت عليها «سميرة» مستنكرة:
مبلغ عن مين يا دكتورة إذا كانت «جنى» نفسها فضلت ساكته على اللي حصل معاها، أنا اللي هتكلم وكمان مفيش معايا دليل ضده. إنه حابس «أحمد» صاحبه دا مش كافي للإدانة، وبصراحة أنا أول ما اشتغلت هنا مشغلتش بالي بالموضوع ده كان كل اللي يهمني إني بقبض وخلاص، وأهل البيت يكش يولعوا في بعض أنا ماليا
و ايه اللي اتغير؟
اللي اتغير اني بدأت احس اني يشارك في اللي هو بيعمله في «أحمد» ، بالرغم من اني مش يعمل حاجة غير بطلع الأكل بس، لكن يردو أنا مش مرتاحة وعشان كذا أنا مساعدك و أريح ضميري.
تنهدت «غرام» بارتياح، و قالت
طيب با «سميرة» عايزاكي تعرفي «مالك» محتفظ فين بالفون بتاعي و لو تعرفي تحبيه أكون شاكرة جدا.
اومات «سميرة» براسها و قالت:
تليفونك تحت في مكتبه، هجيبه حاضر
أضافت «عبير» قائلة:
طيب و أنا هعمل ايه؟
أجابتها «غرام» بنبرة جادة:
إنت يقى مطلوب منك تشربي كل الشباب الي برا عصير فيه مخدر و إنت كمان تشربي منه يا عبير، لكن «سميرة» لاء
و بالفعل التهرت «سميرة» غياب «مالك» عن البيت و اعطت «غرام» هاتفها لتتواصل مع الطرف الآخر الذي من دونه لن تكتمل المهمة.
و ظهرت «سميرة» و هي تستقبل الملتمين ليلة أمس، وظهرت مرة أخرى و هي تقرر السكين إلى «غرام» من أسفل الباب.
نهاية الاسترجاع»
تحركت «سميرة» لتأخذ «غرام» التي شعرت وكأن قدميها قد التصقتا في موضعهها، ثم تركت يدها عندما وصلت إلى ردهة الطابق
المتوسط، وأردفت بنيرة جادة يشوبها الحذر
خمس دقايق يا دكتور هاتي حاجاتك المهمة والأوراق الرسمية التي تخصك وتعالي فورا، و أنا هعمل حاجة ضرورية و جابة.
كانت تتصبب عرقا، و سألتها بتوتر زائد.
متخرج من هنا ازاي ؟ الحرس تحت كثير.
هنولع في البيت.
نعم
ردت عليها «سميرة» بقلة حيلة:
مفيش حل ثاني غير كدا. لازم تلهيهم في حاجة عشان تعرفي تخرجي من هنا.
اومات لها غرام، و انطلقت تلملم أغراضها الهامة، وبعض من ملابسها، بينما قصدت «سميرة» مكتب «مالك» لتعبت قليلا بحاسوبة الإلكتروني، قبل أن تنهي هدفها بضغطة واحدة تمحو بها تسجيلات المراقبة الخاصة بغرفة «أحمد» ، ثم التقطت هاتف «غرام» و عادت إليها مجددا و لكن هذه المرة بصحبة عبير
حملت «غرام» حقيبة على ظهرها، كتلك الخاصة بالرحلات، بعدما ضمت خصلات شعرها و احكمتها برباط مطاطي اسود. و بادرت بالحديث قائلة:
أنا جاهزة.
حركت «سميرة» رأسها بخفة، و قالت
إحنا هننزل دلوقت و نستنى في أوضة المعايش، و إنت يا «عبير» كل اللي عليكي هتولعي عود كبريت و ترميه على الأرض في أوضة «مالك و واحد في الطرقة هنا وتصوتي.
مرت عليهما قلة من الدقائق، ثم دوت في المنزل صافرة الإنذار لتشق هدوء المنزل و تزلزل جدرانه و سرعان ما انطلقت «عبير» في الصراخ كشلال لا يتوقف، فاندفع رجال الحرس إلى الداخل واحد تلو الآخر حتى تراجعوا في الطابق العلوي يحاولون إطفاء الحريق. و هنا أتيحت الفرصة للهروب من عرين الأسد. تقدمت «غرام» مهرولة و من خلفها «سميرة» وكانها تحمى ظهرها، وأخيرا بعد مدة طويلة من قيع الهواء في صدرها، استطاعت «غرام» أن تتنفس الصعداء.
جعل يتحرك راحقا، إلى أن وصل إلى بداية الدرج، فتحامل على نفسه، وجاهد بما تبقى لديه من قوة، واستوى على قدميه، بالرغم من تزيفه المستمر، وأنفاسة المتقطعة.
كانت وقفته تفتقر للصلابة، مما جعله يتخذ من درابزين السلم عكاز يتكأ عليه، فكان يهبط الدرج بضعف شديد و الم متزايد و خان كل ما تسبب فيه من أذى للجميع، تكاتف وانصب فوق رأسه الآن..
كان دمه يترك أثرا من خلفه، وعبراته تسبقه للأمام. لقد كان وقتا ثقيلا ، مر عليه كدهر من الزمن. لكنه استطاع في نهاية الأمر أن يصل إلى منعطف الدرج الذي يقابل الدور المتوسط حيث رجاله يطفنون التيران المشتعلة، منطق باسم أحدهم، قبل أن تنعدم
رؤيته و يسقط مغشيا عليه.
تتفقد ساعتها اليدوية بين الفينة والأخرى بقلق ظاهر، حتى تعالا صرير الباب و هو يفتح هبت واقفة لترى من القادم، فاتسعت
ابتسامتها فورما رأت «غرام» برفقة زوجها.
ركضت إليها واستقبلتها بعناق دافئ و قالت بسعادة و ترحاب:
الحمد لله، الحمد لله إنك بخير يا غرام، أنا كنت خايفة عليكي اوي.
منحتها «غرام» ابتسامة خفيفة وقالت:
الحمد لله بخير، متقلقيش على.
تدخل «مؤمن» قائلا
خليها ترتاح شوية يا «صبا».
اعترضت «غرام» قائلة بقلق:
لاء أنا عايزة اشوف «أحمد».
أدارت المقبض، و فتحت الباب برفق وخطت إلى الداخل وعينيها تبحث عنه، موجدته قد تكور في مهاده كطفل يخشى الظلام. دنت
منه و اعتلت طرف الفراش و هي تتأمل حالته التي أصبح عليها بفضل ذئب بشري.
قبل أن تنطق شفتيها، تسلل عطرها الذي ضعف أثره إلى أنفه، فسرق من الهواء شهيقين متتاليين، ليتأكد بأنها من قدمت إليه، ثم
التفت إليها معتدلا في جلسته، وبحركة سريعة أصبحت بين ذراعيه.
