رواية بيت العيلة الفصل الحادي عشر
أدهم مسك قلم الفحم، وبدأ يرسم ملامح من الذاكرة.
وش هادي، نظرة مستقيمة، وابتسامة خجل نصّها مختفي، وقف، وبص للوحة وقال لنفسه بهمس:
-" يارب، خليني أستاهل ".
| في أوضة صفا |
الليل نزل، والبيت كله هادي.
مُراد كان قاعد مع باباه في الصالة بيتناقشوا بهدوء عن موضوع الشركة، وحسن دخل أوضته، ونام، بس صفا كانت لسة صاحية، كانت بتحاول تنام، بس كلام أدهم بيتردد في عقلها دايمًا.
كانت صفا قاعدة على الأرض، وظهرها على السرير، وبتحاول تركز في دروسها، وفجأة أدهم خبط على الباب خبطة خفيفة، ونده عليها بصوت واطي:
-" صفا...."
صفا ارتبكت للحظة، وبعدها قامت تفتح له:
-" خير إن شاء الله، مش من عادتك تيجي في الوقت ده ".
أدهم دخل، وشكله مُرهق، قال لها بابتسامة خفيفة:
-" جاي أراجع معاكِ عربي، أنتِ قبل كدا قلتي إنك مش فاهمة النحو ".
صفا بصت له بتوهان، وبعدين افتكرت أنها اشتكت من النحو قدامه:
-" أنا فاهمة، بس يعني ممكن نراجع شوية، أنت شاطر في النحو، فأكيد هتساعدني ".
أدهم قعد قدامها، وكان في مسافة بينهم، بدأ يراجع معاها، وحل كمية كبيرة من التدريبات، وفي وسط ما هو بيشرح لها السؤال، سألها:
-" فاهمة، ولا لأ "؟
صفا ردت عليه بسرعة،وقالت له :
-" أيوة فاهمة، شكرًا ليك بجد، ربنا يجعل مساعدتك ليا في ميزان حسناتك ".
أدهم بص لها بحنان، وضحك ضحكة خفيفة:
-" إيه شغل الصعبانيات ده، دي مجرد مراجعة خفيفة يعني، مش شرحتلك المنهج كله ".
صفا اتنرفزت، وقالت له بجمود:
-" عمرك ما هتتغير خالص، لازم تقول حاجة تعصبني ".
أدهم ضحك على ردة فعلها بتاعت كل مرة، وقالها، وهو بيقوم عشان يمشي:
-" والله شكلك يضحك، مش هتكبري أبدًا، تصرفاتك كلها زي العيال الصغيرة ".
أثناء ما هو ماشي، ورق المشروع كله وقع منه، صفا مدت إيدها تلقائيًا عشان تساعده
لقيت ورقة مرسوم عليها ملامحها بكل تفاصيلها: عيونها، والغمازة اللي بيتظهر لما تبتسم
صفا اتجمدت في مكانها، وشهقت بصوت واطي:
-" دي.... دي أنا؟"
أدهم اتوتر، وبص لها بقلق واضح:
-" أيوة، يعني كانت تجربة رسم. مش قصدي ".
صفا قربت الورقة من وشها، خطوطه كانت دقيقة أوي، واهتمامه كان أكبر من مجرد تدريب
صوتها خرج بصعوبة :
-" ليه رسمتني؟"
أدهم بلع ريقه بتوتر، كان ممكن يكدب، أو يقول اي حاجة عشان يتوَّه على الموضوع
بس الحقيقة طلعت لوحدها:
-" عشان بحبك ".
صفا رفعت عينيها ببطء، عنيها واسعة، مكنتش مستوعبة من أثر الكلمة عليها، قالت له بهدوء كعادتها:
-" من أمتى؟"
أدهم ابتسم ابتسامة صغيرة، بس فيها صدق واضح:
-" من زمان ".
صفا حسِّت جسمها كله سخن، والتوتر زاد، مكنتش عارفة تقول ايه ،بس اكتفت أنها تقوله:
-" بس أنا صغيرة يا أدهم ".
أدهم بص لها بترقب، وقال لها بهدوء:
-" هستناكِ، ومش هطلب منك حاجة غير لما تكبري ،وتبقي قد قرارك".
صفا عينيها دمعت،أدهم قال لها بابتسامة:
-" مش وقت دموع دلوقتي، أنا مكنتش حابب أقولك عشان متنشغليش عن مذاكرتك، بس الكلمة طلعت مني بتلقائية ".
صفا كانت لسة هتتكلم، لكن قاطعها صوت حسن من بره:
-" أدهم! تعالى عايزك ".
أدهم رد عليه بسرعة:
-" حاضر، ثواني بس يا بابا، وهاجي ".
بص لها وقبل ما يمشي قالها:
-" متخافيش، الورقة معاكِ، ومتحطيش حاجة في بالك، ركزي في المذاكرة، وبس ".
أدهم خرج، وصفا فضلت قاعدة مكانها بتوهان، وماسكة الرسمة بين إيدها، إيدها كانت بتترعش، مكنتش تتوقع إنه أدهم بيبادلها نفس الشعور، بس الفرق بينهم، أنها عرفت تخبِّي حُبها لأدهم، وأدهم معرفِش.
| في الصالون |
حسن كان قاعد مستني أدهم، ملامحه كانت عادية، فده شيء طمِّن أدهم شوية، أدهم قال بترقب:
-" خير يا بابا ".
حسن انتبه له، وشاور له إنه يقعد، وقال بهدوء:
-" أقعد يا أدهم، محتاجك في موضوع ".
أدهم بص له بتركيز، وقال له:
-" اتفضل يا بابا، سامعك ".
حسن اتعدل مكانه، وقرب منه شوية:
-" بابا عايز يتكلم معاك في موضوع كدا، بس معرفش هيبقى رد فعلك ايه، فأنا هطلب منك تاخد الأمور ببساطة، وتفكر براحتك ".
أدهم حَس إنه في حاجة كبيرة هتحصل، فسكت للحظات، وبعدين قال بتساؤل:
-" ممكن أعرف ايه الموضوع ده؟"
حسن رد عليه بتنهيدة طويلة:
-" عن مستقبلك".
أدهم هنا تأكد إنه الموضوع هيكون عن مجال تخصصه، فحاول يهدّي نفسه، وقال بنبرة جادة:
-" متقلقش يا بابا، هاخد الأمور بهدوء، وهفكَّر كويس ".
حسن استغرب من كلامه، كان متوقع إنه أدهم هينفعل، أو حتى يدايق من السيرة، فقال له:
-" أنا فخور بيك أوي يا أدهم، وعارفك هتختار الأنسب ليك ".
هنا أدهم حَس براحة لمجرد إنه باباه واثق منه، ومن اختياراته، وفي لحظة سكون، أدهم قرب من باباه، واخده في حضنه، قال له بهدوء:
-" إن شاء الله هعمل المُناسب يا بابا، وأنا متأكد مفيش حد هيخاف عليا قدكم ".
حسن ابتسم بحنان، وقال له بفخر:
-" وأنا متأكد من كدا، يلا بقى روح نام، عشان تقدر تقوم لجامعتك بدري ".
أدهم قال له، وهو بيلم حاجته:
-" حاضر، تصبح على خير يا بابا".
أدهم دخل أوضته، وبعدها بدقايق يوسف أخوه نزل يقعد مع باباه، فقال لحسن:
-" ممكن أعرف يا والدي العزيز كنتوا بتتكلموا في ايه من غيري ".
حسن ضحك بصوت واطي، وقال له بابتسامة:
-" جدك عايز يقعد معاه بكرة على رواق عشان يشوف هو ناوي على ايه بعدين ".
يوسف سكت شوية، وقال بتفكير:
-" أتوقع بخصوص المصنع، أو مجال تخصصه، صح؟"
-" حسن هز رأسه بتفهم، وقال له:
-" بالظبط كدا، وبالذات مجال الرسم ده، لأنه احنا من الأول مكناش عايزينه يدخله ".
يوسف رد بإحترام:
-" بس يا بابا ليه مش عايزينه يعمل الحاجة اللي هو بيحبها، هو داخل من الأول، وهو حابب كدا، ليه بقى رجعتوا تتكلموا في الموضوع ده، وهو في سنة تانية ".
-" حسن أتكلم بتفهم، وحاول يشرح ليوسف الموضوع من وجهة نظره:
-" بص يا يوسف، أنت عارف، ومتأكد إني عايز مصلحتكم أنتم الاتنين، يعني أنت شايف إنه مجال الرسم ده هيساعد أخوك، هل هيقدر يفتح بيت في يوم من الأيام، هل هيعرف يأمن مستقبله بالشكل ده ، ومتضحكش على نفسك، وتقولي ما هو هيفتح معرض، أصلًا محدش هيروح غير اللي مهتمين بالرسم، واحنا في دولتنا يدوب الناس بتطلع تشتغل عشان تجيب لقمة عيشها، يعني والله المعرض ما هيفيده بحاجة ".
يوسف فهم مقصد باباه، وبعدها قال له بترقب :
-" تفتكر أدهم هيقتنع، وخصوصًا إنه صعب في التفاهم".
حسن رجع ضهره لورا، وبعدها قال له بثبات:
-" أدهم هيعمل الصح، وكلنا عارفين إنه خلاص أتغير، وبقى سهل تتعامل معاه ".
يوسف رد بابتسامة:
-" خير إن شاء الله، هقوم اصلي، وأدخل أنام، تصبح على خير ".
حسن رد عليه بلطُف:
-" وأنت من أهل الخير يا حبيبي ".
| صباح يوم جديد، الصالة |
صفا صحيت، وأحداث الليلة الماضية لسة في بالها، نفضت للأفكار اللي كانت بتجيلها دايمًا، وقامت تتوضى، بعد ما خلصت صلاة نزلت تحت عشان تفطر.
نزلت صفا، ولقيت رياض قاعد لوحده، وملامح وشه بتدل إنه مبسوط من حاجة.
صفا قعدت جنبه، وقالت بتفكير:
-" خير إن شاء الله ، ممكن أعرف يا جدو سبب الفرحة اللي باينة على تعابير وشك دي".
رياض ابتسم بحنان، وقال لها بهدوء:
-" كنت بتكلم مع أدهم بخصوص موضوع مهم كدا، والحمد لله، سمع كلامي، بس قالي أديني وقت أقدر إني أعرف أخد قرار ".
صفا سكتت للحظات، وحاولت تتوقع ايه الموضوع المهم ده، بس رجعت قالت مع نفسها" وأنا مالي، هما حُرين سوا " ، بعدها قالت بسرعة لجدها:
-" تمام يا جدو، ربنا يديم الفرحة ".
قامت صفا دخلت المطبخ لقيت مامتها، ومرات عمها بيجهزوا الفطار، فقالت بتلقائية:
-" أنا ممكن أساعدكم، خلوني أحط الأطباق على السفرة ".
علياء ردت بابتسامة:
-" طيب، خدي السلطة قطعيها أفضل، ومريم هتجهز السفرة ".
صفا ردت بسرعة:
-" بس مريم مش موجودة دلوقتي ".
زينب ضحكت بصوت عالي نسبيًا، وقالت لها:
-" مامتك قصدها روحي ناديها، وتعالي اعملي السلطة ".
صفا حطت إيدها على وشها بإحراج، وقالت:
-" حاضر، هروح أجيبها من فوق، واشوف وسام لو محتاجة حاجة ".
صفا طلعت تناديها، لقيت مريم لسة بتفكر تقوم من النوم، فقالت لها بهدوء:
-" قومي يا مريم، أنتِ هتفضلي نايمة لحد أمتى، مامتك محتاجالك تحت ".
مريم ردت عليها، وآثار النوم واضحة على صوتها:
-" حاضر، خمس دقايق، وهكون تحت ".
صفا اتعصبت، وقالت بنرفزة:
-" خمس دقايق ايه، وتكوني تحت، أنتِ صليتي الأول، قومي ادخلي الحمام، وجهزي نفسك لحد ما اشوف وسام ".
مريم أدايقت، وقامت غصب عنها، وقالت لصفا بضيق:
-" حاضر يا ماما، ما أنتِ مسبتيش من تصرفاتها حاجة ".
صفا كانت طالعة، فبصت لها بطرف عينيها، وبعدين مشيت من غير ما ترد.
في أوضة وسام، عوض كان نزل الشغل من زمان، و وسام قاعدة على طرف السرير بتحاول تقوم، صفا دخلت ساعدتها، وقالت لها بحنان:
-" لو مش قادرة تنزلي، خليكِ هنا، وأنا هجبلك الفطار لحد عندك ".
وسام ردت عليها بإمتنان:
-" تسلمي يا حبيبتي، أنا بس دايخة شوية، وهقوم دلوقتي ".
صفا قربت منها، وسندتها ، وأثناء ما هما طالعين، قابلوا يوسف على السلم.
صفا قالت له بسرعة:
-" بالله عليك يا يوسف، روح صحي مريم، قالت لي خمس دقايق، وأنزل، ودلوقتي بقالها ساعة ".
يوسف ضحك بخبث، وقال لها بنظرة شريرة:
-" من عيوني، أنا هخليها تنزل في ظرف دقيقة ".
وسام قالت له بخوف مصطنع:
-" هتعمل ايه في البنت يا يوسف ".
يوسف رد عليها بسرعة:
-" ولا حاجة، هصحيها بس ".
صفا اتكلمت بغيظ، وقالت ليوسف بِتَوَعُد:
-" لو عملت فيها هزعلك يا يوسف ".
يوسف كمل في طريقه، وقال لها ببراءة مصطنعة:
-" عيب عليكِ، دي بنت عمي برضو ".
| في الصالون |
كانوا متجمعين على السفرة، وفجأة سمعوا صراخ مريم، وهي بتزعق بصوت عالي:
-" ايه اللي أنت عملته ده يا متخلف، والله لأربيك يا يوسف ".
كلهم ضحكوا، ورياض قال لأدهم:
-" يوسف ده نسخة مصغرة منك، بس على أعلى شوية ".
أدهم ضحك بإحراج، وقال:
-" قصدك ايه يا جدو؟"
رياض ابتسم، وقال له بإستفزاز:
-" قصدي إنك أهبل، بس هو أكتر منك ".
صفا كانت قاعدة، ومركزة في كلامهم، وفجأة شرقت من الضحك، أدهم بص لها بدهشة، وقالها:
-" مالك يا شبر، ونص بتضحكي على ايه ".
صفا بصت له بإحراج، وقالت:
-" عادي يعني، كلام جدو صحيح والله، أنا ضحكت على ريأكشن وشك ".
أدهم ضحك، وقال لها بثبات:
-" خلاص ما دام أنتِ شايفة كدا، فأنا هعدي كلام جدي ".
مُراد بص لأدهم باستغراب، وقال له:
-" قصدك ايه يا أدهم؟"
أدهم اتوتر، وبعدين قال له بترقب:
-" بهزر معاها يا عمو، مقلتش حاجة غلط ".
مُراد بص لصفا بضيق، وقال بنبرة جادة:
-" طب خلي بالك من كلامك بقى ".
أدهم رد بإحترام:
-" حاضر، بس أنا بحاول اعمل جو مليان بهجة مش أكتر، ما كلنا بنضحك سوا ".
مُراد رد عليه بثبات:
-" تمام، بس خلي بالك برضو ".
رياض أستنى مُراد يكمل كلامه، وبعدين قال:
-" حصل خير يا مُراد ، ده أدهم ابن عمها، محصلش حاجة يعني ".
رد مُراد بعصبية مكتومة:
-" أنا مقولتش حاجة صعبة، أنا بقوله ياخد باله من كلامه ".
حسن وجه كلامه لمُراد، وقال له:
-" مالك يا مُراد ، أنت عارف أدهم كويس، وابني بيضحك عادي معاها ".
المناقشة الحارة دي كانت دايرة بينهم، وصفا قاعدة مُحرجة منهم، فبصت لأدهم لقيته بيضحك ليوسف بخبث، أدايقت جدًا، وبصتله بجدية:
-" أدهم، أنت رخم ليه كدا، بابا مدايق، وممكن تحصل مشكلة، وأنت بتضحك ".
أدهم قرب منها شوية،وقالها بهمس عشان مفيش حد يسمعه:
-" يوسف هو السبب، قاعد يضحكلي، وأنتِ عارفة مبعرفش اكتم الضحك ".
صفا الغيظ اتملك منها، وقالت بنبرة حازمة:
-" أنتوا الاتنين زي بعض فعلًا، واحد رش مريم بالمية، والتاني بيضحك على مشكلة حاصلة ".
أدهم ضحك بصوت واطي، وقال لها:
-" بس يا هبلة، أنتِ متعرفيش علاقتي بعمي مُراد عاملة إزاي، فاسكتي، وبعدين معروفة يعني، دي عيلة بتحب النكد ".
في آخر كلمة قالها، مُراد سمعه، فقال له بغيظ:
-" احنا بنحب النكد يا أدهم!"
أدهم بص له بكسوف، وماردش عليه، فرجع مُراد قال له بضحك:
-" اتكسفت، ايه ده! أنت مش أدهم لأ ".
الكل انفجر ضحك، وزينب قالت بحماس:
-" هموت، واعرف أنتوا دماغكم فيها إيه ".
هنا رد يوسف، وقال كلام هيشقلب حالهم تاني:.......
