رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل الثاني عشر
تحركت من بين الجميع تغادر الجامعة بصمت .. لكن صدمها رؤيتها لوسيم يجلس حيث كان يجلس ريان قبله .. ولا تعلم لماذا ضرب قلبها بعنف في هذه اللحظة ..
لم تدري بقدمها التي توقفت وعينيها التي ترتكز داخل عينيه تمامًا ..
انتبهت أخيرًا حينما رأته يتحرك تجاهها فأخذتها قدماها مباشرة للخروج .. لكنها توقفت وهي تستمع لصوته يناديها ..
التفتت له في جزع وتحولت نظراتها في الحال إلى الجمود .
وسيم بحمحمة :
- سمعت صحابك بينادوكي سندس .. ولا ده اسم دلع ولا إيه ؟
سندس بنبرة خرجت متوترة رغمًا عنها :
- خير حضرتك عايز حاجه ؟
وسيم :
- أبدًا أنا بس كنت جايبلك ده .. بما إني كنت السبب يعني في إن فونك يتكسر .
نظرت سندس ليده الممدودة بحقيبة صغيرة ومن ثم نظرت له بضيق وتحدثت وكأنها تفرغ تلك الشحنة السلبية المكتومة بداخلها :
- بأي صفة أصلًا تجبلي تليفون ؟ وبعدين مين قالك إنه اتكسر ؟ لو سمحت إلزم حدودك في التعامل .
أنهت عبارتها وتركته يقف محله مزهولًا من رد فعلها وقد احتلت تعبيره الضيق من رفضها ولهجتها .. لكنه صبور .. بالطبع صبور .
بينما خرجت سندس من الجامعة وأخذت طريق عودتها للمنزل سيرًا على الأقدام في شبه خطوات راكضة .. ماذا حدث ؟ لما هي بهذه الحالة؟ لماذا جلس في مكان ريان اليوم؟ هذا المكان ملك خاص لشخص واحد فقط ولا يحق لسواه أن يجلس فيه؟ لماذا تشعر أن قلبها يكاد يبكي؟ روحها منطفئة والحياة معتمة بشكل محزن لفتاة تعشق الحياة مثلها .
لماذا تشعر بالتيه هكذا؟.. فتاة أخرى عليها أن تكون إلى جانب من أحبت تقويه على مصاعب الحياة وتأخذ بيده كي يكون أقوى ويمر من محنته !.. لكن أين عقلها هي ؟ فيما تفكر ؟
يعود حديث والدتها يضرب جدار عقلها من جديد فيصيبها بالتيه أكثر وأكثر .. هل يحبها ؟.. هل أخفى عليها من حبه لها وعدم قدرته على رؤيتها تتألم بسببه ؟.. هل هي مجرد تعود في حياته ؟ إن كانت كذلك .. فهذه الفتره هي خير دليل على كونه سيعود دون أن يكون لها مكان في حياته .. إن كان قد استطاع أن يحيا ألمه دونها فسيحيا السعادة دونها أيضًا ..
لم تدري بنفسها سوى وهي أمام غرفته مع كل هذا التشوش الذي تحياه ..
طرقت على الباب بهدوء مميت ليأتي صوت والدته من الداخل يأذن لها بالدخول ..
خطت خطواتها الأولى لترى ريان موليًا ظهره لها يجلس ناظرًا للشرفه .. بينما تحركت ديالا سريعًا تجاهها بسعادة عارمة وهي ترحب بها وبقدومها..
التفت على صوتها نصف التفاتة .. لقد اشتاق لها .. يعترف .. أضناه الشوق لرؤية ابتسامتها وضحكتها المفعمة بالحياة ..
لكن ما ألجمه حقًا أنها لم تنظر له .. لم تلقي عليه كلمه .. لم تتحدث سوى مع والدته تخبرها أن تهاتفها ما إن كانت بحاجة لشيء ما ..
عاد بناظريه للشرفة فأتاه صوتها المتسائل بنبرة لم يفهمها جيدًا ولم يستطع تفسير ما خلفها :
- إزيك يا ريان ؟
ريان بصوت خافت :
- الحمد لله .
سندس وهي تستعد للذهاب :
- ربنا يتم شفاك على خير .. بعد إذنك يا طنط هروح بقا .
ودعتها ديالا وعادت للجلوس إلى الفراش وهي تنظر لريان الذي أظلمت ملامحه ..
الظلام عادة في انقطاع الكهرباء .. لكن في حالته هو .. الظلام نابع من خذلانه ممن أحب واستثنى .. لقد خذله استثناؤه لها .. وهذا كافٍ ليصبح أسوء مما كان عليه .
كلمة .. كلمة منها فقط كانت كفيلة بأن تهون عليه كل تلك الآلام التي يحياها .
نظرة .. نظرة واحدة فقط يملؤها الحب كانت كفيلة بأن تجعله ينسى كل تلك النظرات المشفقة عليه، لكنها كانت كمالة عدد المشفقين .
إن كان عليه أن يقول شيئًا الآن .. فلن يكون سوى كلمة شكر !! سيشكرها لجعله أسوء من أسوء بارد على وجه الأرض .. سيشكرها لجعله يوقن أن الحب ما هو إلا كذبة .. كذبة أقوى بكثير من أن يتحملها طرف أحب بصدق .. كذبة أكبر من أن تُغتفر .. كذبة لن يُسامح نفسه لأنه وقع بها .
لقد آذته حينما شعر بتلك المسافة بين حضورها وغيابها .. آذته حينما كانت تحبه يومًا وتبتعد الآخر .. آذته حينما كان حضورها قضاء واجب .. آذته حينما كان هو الاختيار الأول في التخلي والبُعد لديها .
ألمه منها بحجم ما كان يحمل من مشاعر بقلبه تجاهها .
لقد بدأ يتقبل الأمر برحابة صدر .. تيقن الآن فقط أن لا أحد يبقى للنهاية .. لا أحد صادق فيما يقدم من مشاعر .. لا أحد سيتقبلك بعيوبك التي ستكون على أتم الإستعداد لتغييرها من أجله ..
كل ما عليك فعله أن تكون أنت .. أنت فقط .. لا تتحول لآخر من أجل آخر .. كن أنت حتى لا تخونك اختياراتك .. كن أنت حتى لا تتعقد أمور حياتك .. كن أنت حتى لا تشعر بكم المهانة التي وضعت ذاتك بها كي تحصل على مكانة بقلب أحدهم أو لتكون أحد اختياراته .. كن أنت ولا تكن سواك .
(🌸لَعْنُ المؤمن كقَتْلِه🌸)
بعد وقت لا بأس به .. أدار بشير سيارته منتظرًا خروج وجد وإيلاف التي ما إن ظهرت ووقعت عينيه عليها حتى استدار بوجهه سريعًا في الجهة المعاكسه كي لا يُفضَح ما يحاول هو أن يواريه عن نفسه قبل الجميع .
بينما لمحته إيلاف ليتألم قلبها في الحال ظنًا منها أنه ينفر من ملامحها كغيره ..
كانت على وشك أن ترفض الذهاب معه لكن يد وجد التي فتحت لها الباب الخلفي ومن ثم تبعته بدلوفها في المقدمه جعلتها تذدرد غصتها مع اعتراضها وركبت معهما في صمت تام ..
أرادت وجد أن تقطع هذا الصمت السائد فتحدثت بهدوء موجهه حديثها لإيلاف :
- هتيجي الأسبوع الجاي يا إيلي بأمر الله صح؟
إيلاف بنبرة مهزوزة :
- اا اه انـ ان شاء الله .
وجد :
- هستناكي .. ولو احتجتي أي حاجه كلميني متتردديش أبدًا .
إيلاف بابتسامة متوترة :
- تسلميلي .
وجهت وجد حديثها لبشير بمزاح :
- ما أسكت الله لك حِسًا .. خير يا ضنايا مؤدب ليه ؟.. اا .. قصدي ساكت ليه !
دحجها بشير بغيظ قبل أن يدفع وجهها متحدثًا بضجر :
- عامل احترام لبنت عمي ياسر .. لكن انتي مينفعش معاكي الاحترام أصلًا .
استدارت وجد تناظر إيلاف التي تنظر لها بخجل لتضحك وجد عليها قبل أن تقترح تشغيل المسجل الخاص بالسيارة ..
قام بشير بتشغيل المسجل على إحدى القنوات ليصل لمسامعهم سؤال يختم إحدى الحلقات الدينية " من هم أهل الأحقاف ؟ "
انتهت الحلقة الدينية عن هذا السؤال ليُعلن المذيع كون الإجابة ستكون في الحلقة القادمة ..
إيلاف ببعض التردد :
- اا .. وجد .
ناظرتها وجد باهتمام :
- نعم يا قمر .
إيلاف :
- مين هما أهل الأحقاف ؟
شعرت وجد بيد بشير التي أمسكت بيدها لتبتسم بخفة وهي توجه حديثها لبشير بتساؤل :
- بشير ذكرنا بأهل الأحقاف كده لو سمحت .
بشير بابتسامة واسعة :
عيوني .. أهل الأحقاف دول يا ستي هما أهل " عاد الأولى ".. الأحقاف دي كان إسم مكان في اليمن ..
نسب " عاد الأولى " بيرجع لنبي الله نوح - عليه السلام -..
الناس دي كانوا بيسكنوا في بيوت بأعمدة ضخمه .. وده ذُكر في القرآن الكريم في سورة الفجر لما ربنا قال :
" إرم ذات العماد .. التي لم يُخلق مثلها في البلاد "
وكانوا بيبنوا القصور العالية والحصون المرتفعة وكانوا بيتفاخروا ببنائها .. وده بردو ذُكر في قول الله تعالى في سورة الشعراء :
" أتبنون بكل ريع آية تعبثون .. وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون "
كانت عندهم حضارة عظيمة جدًا .. وكانوا بيزرعوا من خيرات الله ما لا يُحصى .. وده لإن عندهم ميه كتير وعذبة .. طبعا كتر الخير وكتر المال .. ده غير أن ربنا خلقهم بخلقة مختلفة عن البشر شوية منحيث القوة والطول .. لدرجة إنهم لو حاربوا فهما الفائزين في أي حرب ..
فكان ربنا بيقول في كتابه :
" وإذا بطشتم بطشتم جبارين .. فاتقوا الله وأطيعون .. واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون .. أمدكم بأنعام وبنين .. وجنات عيون "
وتخيلوا بقا .. إن مع النعم دي كلها .. إلا إنهم أشركوا بالله .. وعبدوا الأصنام .. وكانوا هما أول قوم يعبدوا الأصنام بعد الطوفان ..
من رحمة ربنا بعباده .. أرسل ليهم نبي منهم يدعوهم إلى الله وعبادته .. النبي ده هو هود - عليه السلام - ..
قالهم :
" يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون "
سألوه انت مين عشان تقولنا الكلام ده .. فرد عليهم :
" إني لكم رسول أمين .. فاتقوا الله وأطيعون "
رجعوا قومه ردوا عليه باستكبار :
" إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين "
فرجع هود عليه السلام يبررلهم :
" ياقوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين .. أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين"
برضو استنكروا وقالوا :
" يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن بمؤمنين "
ورجعوا قالوا إن الآلهة بتاعتهم غضبانة عليه عشان كده ابتلوه بالجنون ..
وهود كباقي الرسل والنبيين كافح وحاول وسعى وفضل يدعي فيهم لطريق ربنا والخير .. وفضل يذكرهم بنعم ربنا عليهم من خيرات في الأرض .. فكان بيقولهم :
" واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون .. أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون "
ورجع قالهم برضو :
" وياقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يُرسل السماء عليكم مدرارًا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين "
ملقاش منهم بقا غير قلوب حجر وإصرار على الكُفر ونكران النعمة والفضل اللي ربنا مَن عليهم بيه .. ومكنوش بيقابولوه غير بالسخرية منه .. فقال لهم :
" إني أشهد الله وأشهدوا أني بريء مما تشركون .. من دونه فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون .. إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم .. فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أُرسلت به إليكم ويستخلف ربي قومًا غيركم ولا تضرونه شيئًا إن ربي على كل شيء حفيظ "
استكبروا تاني وقالوا لهود باستخفاف :
" ومن أشد منا قوة ".. وفضلوا يستهزأوا بيه ويسخروا منه ويستعجلوا العذاب في استهزاء وضحته الآية الكريمة اللي بتقول :
" فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين "
فرد عليهم هود عليه السلام وقال :
" قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين "
بدأ بعدها عذاب ربنا سبحانه وتعالى لقوم عاد بإنه أرسل عليهم الحر الشديد .. وجفت الآبار والأنهار .. وماتت الزروع .. وانقطع المطر لفترة طويلة ..
بعدها جه سحاب عظيم ... أول ما شافوه ظنوا الخير جالهم خلاص وفرحوا جدا إنها هتمطر وترجع لهم الحياة .. فقالوا :
" هذا عارض ممطرنا "
لكنهم اتصدموا بالرياح الشديدة اللي هبت عليهم واستمرت سبع ليالي وتمن أيام بدون انقطاع .. دمرت كل شيء ..
وده ذُكر في قول ربنا سبحانه وتعالى :
" ريح فيها عذاب أليم .. تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين "
منجاش من الريح دي الا هود واللي آمنوا معاه وده بدليل من كتاب الله بيقول :
" فأنجيناه والذين آمنوا معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين " .
بس كده .
ابتسمت إيلاف بإعجاب كبير لطريقته المبسطة والمسنودة بكتاب الله تعالى في كل موقف .. فخرج صوتها مهزوزًا بعض الشيء :
- متشكرة أوي .. و .. وربنا يزيدك .
بشير :
- وإياكي يا رب .. ومفيش شكر ولا حاجه .
وصل بها إلى حيث منزلها فشكرتهما بهدوء قبل أن تغادر .. ولا تعلم ماهية شعورها الجديد هذا .. وفي واقع الأمر هي لا تود معرفته كذلك .. فهي لن تُمني نفسها بما هو مستحيل .. تذكرت كيف أشاح وجهه عنها حينما خرجت من بوابة المنزل .. لكنه كان يتحدث بأريحية كبيرة في السيارة ويمزح مع وجد ..
تنهدت بقوة وهي تستعد لدلوف البوابة لكنها اصطدمت بسندس التي تدخل بشرود ..
إيلاف بتعجب :
- سندس !.. مالك يا حبيبتي انتي تعبانه ولا إيه ؟
سندس بانتباه :
- أهلا يا بنت خالي .. ازيك عامله ايه ؟
إيلاف بحمحمة :
- الحمد لله بخير .. اا .. انتي كويسه ؟
أماءت سندس دون أن تتحدث وتركتها حيث هي ودخلت إلى المنزل لتعقد إيلاف حاجبيها بحزن لهذا التباعد بينها وبين ابنة عمتها .. رغم كونهما تعيشان في منزلين ببوابة كبيرة واحدة ولا يفصل بيتيهما سوى الحديقة .
(🌸عُذبت امرأة في هِرَّة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار🌸)
وقفت أمام المرآة بعد أن أخذت حمامًا دافئًا وارتدت ملابس بيتية مريحة وأخذت تطرقع رقبتها يمينًا ويسارًا ومن ثم جذبت المجفف وبدأت بتجفيف خصلاتها وهي تشرد في اللاشيء
كانت لا تزال على حالتها حينما طُرق باب الغرفة وتلاه دخول توأمها المنهكة ..
نظرت لها ببعض التعجب لكونها بملابس الخروج وكأنها عادت للتو من الخارج !.. كيف ذلك لقد تجاوزت الساعه الثامنة مساءً !
أعربت عن سؤالها بفضول :
- انتي لسه جاية من بره ولا إيه ؟
أماءت بدور وهي تلقي حقيبتها فوق الفراش ولحقت بها وهي تتنهد بتعب .
بدر بتعجب :
- انتي كنتي فين وجايه همدانه كده ؟
بدور وهي تعتدل نصف جلسة :
- ما انتي لا بتسألي عني ولا عن غيري عشان تعرفي حاجه عن أهل البيت .. يعني مثلا روضه ورضوى امتحاناتهم الأسبوع الجاي .. تعرفي ده ؟.. أو عرضتي عليهم المساعدة في حاجه ؟.. أنا مثلا استلمت شغلي في الجريدة .. تعرفي حاجه عن الموضوع ده ؟.. قابلتيني تسأليني عملتي إيه ووقتك كان عامل إيه هناك أو مرتاحة في شغلك ده أو سألتيني حتى عامله إيه وصحتك عامله إيه ؟.. طبعًا لا .. وده لإنك مبتفكريش غير في نفسك ومبتهتميش غير بنفسك .. وعايشة بس عشان نفسك .. لا فارق معاكي مين داخل ولا مين خارج .. مين تعبان ومين مرتاح .. مين حاضر ومين غايب .. طب ده حتى أنا مستعده أحلفلك إنك لو نعسانه كنتي هتدخلي تنامي رغم إني مش معاكي في الأوضة .. وده كان هيبقى شيء مش فارق معاكي من أصله .
انتهت من ضخ مكنون غيظها من بدر في وجهها وتحركت تجاه خزانة الملابس جاذبة ثوب الاستحمام ومتعلقات طقوسها المسائية وخرجت من الغرفة بصمت تام دون أن تلقى نظرة واحدة تجاه بدر التي تقف محلها تنظر في المرآة بدون تعبير ..
ابتسمت بتهكم وهي تفكر فيما تفوهت به توأمها .. حسنًا .. لم تخطئ بدور في شيء مما قالت .. ولكن ماذا عنها ؟.. هل أعطتها بدور شيء من اهتمام مثلما تطالبها به ؟.. هل فكرت في سؤالها عن حالها أو عن عملها بالنادي ؟.. بدور لا تفعل شيء في حياتها سوى أن تنتقدها في كل صغيرة وكبيرة ..
ملابسك ضيقة .. حجابك قصير .. صوتك مرتفع .. حذاؤك يصدر صوتًا .. عِطرك نفاذ ..
كل شيء تفعله مُنتقد من قِبلها ..
روضه ورضوى لا ينتظرون منها أو من غيرها مساعدة .. فهما متفقتان في كل شيء وتفعلان كل شيء معًا ..
واجهت نفسها بالمرآة في تساؤل .. لماذا ليست هي وبدور كرضوى وروضه !!
محت سؤالها سريعًا وهي تلقي المجفف بإهمال ومن ثم اتخذت مكانها فوق الفراش موليه ظهرها للباب وأجبرت عقلها عن التوقف والتفكير كي تذهب في سباتها ..
بينما أنهت بدور حمامها وخرجت إلى الغرفة ملقية نظرة على أختها وهي تحرك رأسها بيأس .. جففت خصلاتها ولحقت بتوأمها .. لكنها غطت في سباتها سريعًا بإرهاق .. رغم كونها لم تعمل بعد وكل ما فعلته هو المراقبة ورؤية ما يمكن فعله والتدرب لوقت بسيط على الكتابة .. إلا أن ذلك قد شكَّل إرهاقًا عليها لكونها لم تعتد العمل بعد .
(🌸قال صلى الله عليه وسلم:
البخيل من ذُكرت عنده فلم يصلي علي🌸)
قطع المسبح ذهابًا وإيابًا لعدد لا يعلمه، رفع جسده عن الماء واستند إلى أحد جوانب حمام السباحة وبإحدى يديه قام برفع خصلاته عن وجهه وباليد الأخرى رفع علبة الكنز التي تحوي الصودا السوداء المفضلة لديه وأخذ يرتشف منها شيئًا فشيئًا ..
رفع ناظريه لذاك القادم من بعيد ليبتسم بخفه وهو يضع الكنز من يده ومن ثم صعد ليجلس فوق الحافة تاركًا قدمه تتحرك في المياه بخفة ..
- ألا هو آخر مره اتقابلنا قلتلي إنك في كلية إيه ؟
كان هذا سؤال بشير المازح والذي بادله إياه عمار بضحكة رجولية مبحوحة بعض الشيء :
- مش فاكر حقيقي .. بس فاكر آخر كلية موجود فيها حاليًا وهي العلوم .
ضم بشير ملامح وجهه بطريقة مضحكة ولوح بيده وهو يتابع مزاحه :
- معامل وروايح وتشريح وآخر حلاوه .
مد عمار يده لبشير الذي صافحه بابتسامه قبل أن يجلس أرضًا إلى جواره :
- إيه الدنيا ؟ عامل إيه ؟
عمار بإماءة خفيفة :
- ماشية الدنيا الحمد لله .. انت إيه أخبارك ؟.. وتيتا مريم عامله إيه ؟ وأبوك والعيلة ؟
بشير بتنهيدة :
- كلهم بخير الحمد لله .. من وقت ما اتوفى جدي وحاسس البيت مفهوش روح خالص .. مبقاش فيه مرح وضحك زي الأول .. كل واحد بيزق يومه يعديه .
عمار وهو ينظر لنقطة ما بالفراغ :
- الإنسان لما بيكون حنين بيتحب بالجوارح يا بشير .. فراقه بيبقى صعب أكيد لإن ليه مكانه خاصه بيه .
بشير بتأكيد :
- فعلًا .. وجدي سايب أثر حلو أوي لنفسه في الحياه .. الشركه كلها بتترحم عليه يوميًا ... موظفين الشركة بيتنافسوا مين هيتصدق على روحه أكتر ومين هيذكره بالخير أكتر .. بيتنافسوا حتى على مين له ذكريات معاه أكتر .. سايب أثر حلو ليه في الدنيا .
عمار وهو يضع علبة الكنز إلى جواره بعدما فرغت :
- ربنا يرحمه ويرحم موتى المسلمين .
بشير :
- اللهم آمين يارب .. إيه انت بقا أخبار دنيتك وأحوالك ؟ مستقر في شغلك ؟
عمار بتأكيد :
- آه الحمد لله .. كله ماشي تمام .
بشير بتساؤل :
- ألا هو انت بتشتغل إيه لمؤاخذة ؟
ضحك عمار بقوة وهو يضرب كتفه بخفة متحدثًا بنفي :
- محامي يا حب .
بشير بابتسامة :
- ربنا يوفقك ديما .. بقولك بالمناسبة .. يوم الجمعه الجاية رايح كام مشوار خير كده .. ما تبقى تشوف دنيتك كده ولو يناسبك نروح سوا .
عمار :
- كلمني هجيلك في أي وقت .
بشير :
- يبقى اتفقنا ..
تابع وهو يقف استعدادًا للذهاب :
- هطير أنا بقى عشان أشوف الشركة .
عمار عاقدًا حاجبيه :
- انت مش جاي تلعب ؟
بشير وهو يرفع كتفيه وينزلهما بحركة سريعه :
- لا .. جيت أشوف جدي مروان بس واتطمن عليه .. وعرفت منه إنك هنا فجيت أشوفك .
عمار بتفهم :
- تسلم يا بشير .. سلام خاص للجميع عندك .
بشير وهو يلوح مغادرًا :
- ابقى خلينا نشوفك .. أخرج من جو الشغل والدراسه شوية .. في أمور تانية في الحياه محتاجه إنك تبص عليها .
غادر بشير ليتنهد عمار بقوه وهو ينظر للمياه بتفكير عميق ..
تسابقت الأحداث أمام عينيه عن ماضٍ لا يحبذ التحدث فيه كثيرًا أو التفكير فيه حتى .. لكن تأتي بعض الأحيان الغريبة والتي تُجبره على أن يتذكره رغمًا عنه ...
والدته ..
تلك التي تتخذ من عملها رقم واحد في حياتها ولا شيء يسبقه .. يعلم أنها رساله ويجب عليها أن تؤديها .. لكن رسالتها في أبنائها أولى بكثير من غيرهم ..
لا يذكر أنها أعطته من اهتمام الأمومة ما يكفيه ليكون رجلًا حنونًا مدركًا لمعنى الحنان الخاص بالأم .. لقد أنجبت والدته أصاله بعد عامين من إنجابها له .. لم يأخذ من حنانها ما يكفيه .. ولن يستطيع أن يحقد على أخته لكونها قد افتقدت الشيء ذاته حينما كانت تتركهما والدتهما بصحبة جدتهما معظم الوقت حتى تنتهي من عملها كدكتورة جامعية ..
حياته وأصاله استمرت لسنوات وهم بين منزل جدتهما ومنزلهما الذي يقطن بنفس البناية ...
جل ما كان يفعله هو ممارسته للسباحة وركوب الخيل .. حتي هذه الهوايات لم يهتم بها والده .. بل جده مروان هو من فعل ذلك ليكون عمار وبشير معًا ..
علاقته ببشير قوية في أصلها .. لكنها ساكنه .. ليست متجددة .. لا يتهاتفان كي يقضيان وقتًا مع بعضهما البعض .. لا يشكو أحدهما شيء للآخر ..
ومع ذلك يشعر أن علاقتهما قوية ..
بشير تلقائي للغاية .. لا يحتاج من يحادثه لأن يتكلف في حديثه .. وهذا أمر يحبه عمار .. يحب أن يكون على طبيعته ... أن يحترم الآخرون صمته دون أن يحاولوا التدخل فيما يخصه ..
هناك علاقات ليس لها أي مسمى .. ليست بالصداقة وليست بالأخوية وليست بالحب .. هي علاقة أجمل ما يميزها هو الارتياح .. فقط الارتياح الذي يتبادله الطرفين .. ولا يريد هذا من ذاك شيئًا .. لا عتاب .. لا حديث .. لا ضغوط .. فقط الارتياح .. وهذا ما يراه في علاقته ببشير .
علاقته بأصالة أشبه بعلاقة صديقين مقربين .. إنها صديقته المقربة .. تقوم بواجباتها كأخت له .. وفي ذات الوقت تعامله بمبدأ الصداقة ..
ضحك بخفة حينما تذكر مبدأ الصداقة لديها .. لقد أخبرته ذات مره أن كل علاقة في هذه الحياة تقوم على مبدأ ..
فمثلًا .. الأخوه مبدؤها :
( حينما أهاتفك وتلاحظ اختلاف نبرتي .. فلا تسألني ما بك ..
ولكن اسألني" أين أنت ".. واتبعها فورًا بـ " أنا قادم إليك " . )
في حين أن مبدأ الصداقة يندرج في عبارة :
" إن كانت رغبتك هي الصمت .. فسأبقى إلى جانبك منصتًا لصمتك "
أما عن مبدأ الحب :
" حينما أتقدم لله بالدعاء .. فسيكون اسمك سابقًا لاسمي"
يحبها كثيرًا ولا يحتمل عليها شيء .. هي له الأم والأخت والابنة والصديقة .
بينما علاقته بفجر تنحصر في جملتين " ملكش دعوه بأصاله ولا تضايقها عشان مزعلكش " ..
" اقفل الزفت يا فجر مش عارف اتخمد في النور واطلع ذاكر بره .. مش حليت المذاكره في أم الأوضه وأنا داخل أنام "
ذاد صوت ضحكته وهو يهز رأسه الجانبين متذكرًا محاولات فجر المستميته في جر شكله .. في حين يتعامل هو بكل برود فينقلب السحر على الساحر .. ويصبح عمار هو المستفز الوحيد في المنزل .
تنهد بقوة وهو يتذكر غادة .. تلك الطائشة المتعجرفة .. لم يرها منذ آخر مره .. ترى هل ماتت وارتاح الكوكب من عجرفتها !
قاطع سيل أفكاره وشروده صوت يعرف صاحبه حق المعرفة :
- قاعد كده ليه ؟ وسرحان في إيه كده ؟
عمار دون أن يلتفت :
- أبدًا .. بشير لسه ماشي .. فكنت هنزل الميه شويه وامشي .
مالك بعدم تصديق :
- بشير ماشي من عندي من ييجي نص ساعه يا بني .
لم يتحدث عمار فتنهد مالك وجلس إلى جوار ابنه في صمت .. ليعود عمار لدائرة شروده وهو يفكر .. لماذا لم يتذكر أو يطرق باب عقله علاقته بوالده ؟!!
(🌸من كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شكله ولم يأتِه من الدنيا إلا ما قُدِّر له🌸)
خرج من منزله بعدما لاقى العديد من التنبيه على الحضور باكرًا كي يلتقي بضيوف حفل الليلة ..
زفر بحدة وهو يمسك بهاتفه مُجريًا اتصالا هاتفيًا ثم ألقى بالهاتف إلى المقعد واتخذ طريقه للجامعه ..
وصل حيث البوابة .. لكن شيء ما بداخله يجعله يرفض الدخول لها .. وشيء آخر يدعوه لاستكمال ما بدأه ..
مستقبله لا ينحصر على هذه الشهادة التي لا فائدة منها في الواقع ..
كما وضعه الاجتماعي سيسهل له العمل حتى وإن طالب والده في إنشاء شركة ما من أجله .. ليس بحاجة لأن يُمثل الاندماج بين أصدقاء لا يعرفون عن الصداقة شيء سوى الجلوس معظم الوقت سويًا وإطلاق النكات المضحكة والتحدث عن المواقف التي تحدث معهم على مدار اليوم وتناول وجبة غالية سويًا والسفر لقضاء بعض الوقت الممتع والذي أصبح غير ممتع بالمرة .. فما يُصبح فيه يُمسي عليه .. لا جديد في حياته ..
انتبه لدخول سندس من البوابة فارتسمت ابتسامة على وجهه وهو يتحدث إلى نفسه بقلة حيلة :
- وأنا اللي بقول مفيش جديد في حياتي !.. طب إزاي طالما فيها سندس !
تنهد بقوة ثم دخل من البوابة وصف سيارته وخرج بنشاط غريب كأن رؤيته لها يهبه طاقة ونشاط ..
قرر خوض يوم آخر يشبه باقي أيامه علّ وعسى يحدث جديد ..
