رواية بين الردي والهدي الفصل الثاني عشر 12 بقلم نوري


رواية بين الردي والهدي الفصل الثاني عشر بقلم نوري 



بيت مصطفى كان زي كل يوم ساكت وكئيب، مبقاش فيه روح زي الأول ولا حتى ضحكة فاطمة ودلع ليلى وحنية مصطفى عليهم، كل دة راح مع اول عاصفة هجمت عليهم، لكن المرة دي، فاطمة قررت متسكتش، مع اول دقة ساعة لميعاد رجوعه، فتح مصطفى باب الشقة ودخل، مرماش السلام بلسانه بس عينه جت في عينها لثانية واحدة، نظرة كان فيها زعل بيحاول يداريه ورا قناع الجمود، ملامحه شاحبة والقميص اللي كان دايماً بيفخر بنضافته وكويه كان مكرمش، كأنه بيعكس الكركبة اللي جوه عقله

مشي لأوضة النوم و قفل الباب وراه بهدوء، قلع جاكتته ورماها على الكرسي وقعد على طرف السرير وفضل باصص للأرض بهم، بعد دقايق اتفتح الباب ببطء شديد وظهرت فاطمة، دخلت من سُكات وقعدت جنبه على السرير، مرفعش راسه ولا اتكلم ف بدأت هي وقالت بصوت واطي ودافي


مش كفاية زعل بقا


مردش عليها ف قربت منه شوية ومدت إيدها ببطء وحطتها على كتفه وبدأت تطبطب عليه بحنان وهي بتقول


والله يا مصطفى البيت كان ضلمة من غيرك، هون على نفسك، أنت سيد البيت وتاجه، وميرضناش أبداً إنك تنام وأنت شايل مننا ومحمل كدة


رفع راسه وبصلها بعتاب


أنا مكنتش عايز غير إني أطمن عليها يا فاطمة، مكنتش عايز غير إني أختارلها الطريق اللي ميتعبهاش


مسكت إيده بين إيديها الاتنين وقالت


عارفين يا اخويا، والله عارفين إنك بتعمل كدة من حبك فيها، بس النصيب غلاب يا مصطفى، والقلوب دي بين إيدين ربنا، أنت طول عمرك كبيرنا وعلمتنا إن البيوت بتتبني بالود مش بالعند، حقك عليا أنا لو كنت قسيت في الكلام أو لومتك، وحقك على ليلى هي كمان، أنت عارف غلاوتك عندها


سكت وبدأ التلج اللي جواه يدوب قدام حنيتها، سحب إيده ومسح بيها على وشه بتعب وقال بنبرة أهدى


أنا تعبت يا فاطمة، تعبت من التفكير ومن خوفي عليها، الدنيا برا مبقتش ترحم، وأنا كنت فاكر إني بقفل الباب في وش أي ريح ممكن تأذيها


ابتسمت بـ هدوء وقربت منه أكتر وسندت راسها على كتفه


فوض أمرك للي خلقك وخلقها، المهم إننا نفضل مع بعض ومنضيعش اللي فاضل من عمرنا في خصام وزعل، ارجع اضحك في وشنا تاني يا مصطفى، ده البيت من غير ضحكتك ملهوش روح


لف وشه ليها وبص في ملامحها اللي عاشت معاه الحلوة والمرة، ملامحه لانت و أخد نفس طويل وطلعه براحة وكأنه كان مستني اللحظة دي عشان يرمي حمله


ماشي يا فاطمة، أنتي دايماً بتغلبيني بلسانك الحلو ده


ضحكت بخفة وقامت وقفت


ده قلبي الحلو اللي بيحبك، قوم اتوضى وصلي ركعتين لله عشان قلبك يهدى ونعرف ننام وإحنا مرتاحين


ابتسملها وحس إن الحيطة اللي بناها العند بدأت تتهد، وإن دفا فاطمة وحنيتها هما الوحيدين اللي قدروا يرجعوه لبيته بجد


أوضتي كانت ضلمة، مفيش فيها غير النور اللي طالع من شاشة اللاب توب، كان ضارب في عيني كأنه كشاف حقيقة بيواجهني بكل اللي هربت منه، الماوس في إيدي وعيني متثبتة على السطر اللي فيه اسم الشركة القديمة، تلات سنين .. تلات سنين من عمري، تعب وسهر وشغل كان المفروض يبقوا هما السلم اللي هيطلعني لفوق، لكن النهاردة بقوا هما القيد اللي وليد ماسكه بيلوي بيه دراعي

أخدت نفس طويل وحسيت بمرارة في حلقي وأنا بضغط على زرار Delete، شوفت الحروف وهي بتتمسح قدام عيني حرف ورا حرف كأني بمسح حتة من تاريخي، بس كان لازم أعمل كدة، الشركة دي مبقتش فخر في الـ CV بتاعي، دي بقت خيط بيوصل أي حد بيسأل عني لوليد وأخوه


* معلش يا سيف، ابدأ من الصفر كأنك لسه متخرج امبارح، أنضف وأشرف من إنك تفضل تحت رحمة ناس عايزين يغرقوك معاهم


قولتها لنفسي بصوت واطي وبدأت أعدل في البيانات، ركزت على مهاراتي الشخصية، دوراتي ولغتي وبدأت أبعت إيميلات لشركات صغيرة و مكاتب بتشغل ناس أونلاين من البيت، مكنتش مستني منصب ولا مرتب خيالي، كنت مستني باب يتفتح بس، باب ملوش علاقة بوليد ولا بالماضي،


* هبدأ من الصفر .. المهم أمشي في طريق ملوش عيون ليهم فيه


قفلت اللاب توب وحسيت إن شلت حمل تقيل، بس فيه مواجهة تانية كانت مستنياني في الصالة، خرجت لقيت أمي بتسبح وبتحمد ربنا بعد ما خلصت صلاتها، قعدت على الأرض جنب رجليها وسندت راسي على الكنبة بتعب، حطت ايديها على كفي وابتسمتلي، رديت الإبتسامة ومستنتش اكتر من كدة وقولت


* أمي .. أنا فكرت في حاجة تانية تسندنا الفترة دي لحد ما موضوع الشركات ده يظبط


بصتلي بحنان وقالت


قول يا قلب أمك، ربنا يفتحها في وشك يا رب


أخدت نفس وقولت بعزم


* أنا هشتغل أوبر


استغربت وقالت


اوبر؟


* ايوا، الشغل مش عيب يا أمي، وأنا مش هفضل قاعد مستني الشركات تمن عليا بفرصة و وليد لسه بيحفر ورايا، هشتغل بموتوسيكل أتحرك بيه في الزحمة وأجيب قرشي بعرق جبيني ومحدش ليه سلطة عليا


شوفت القلق في عينيها وهي بتقول


يا حبيبي متستعجلش، أنت متعلم ومعاك شهادة، اصبر وشوف شركة كويسة تليق بيك، الموتوسيكلات خطر والشغلانة دي هتاخد من وقتك وصحتك


مسكت إيدها وبوستها وقولت 


* يا ست الكل القعدة هي اللي بتخلص على الصحة، أنا هشتغل كدة مؤقتاً عشان أقدر أصرف على نفسي وعلى البيت، وعشان لما أروح أتقدم لليلى تاني أكون واقف على أرض صلبة ومحدش يكسر عيني، الشغل شرف يا أمي، وأنا مش عايز أمد إيدي لحد


سكت شوية وكنت متردد، فركت إيدي في بعضها وقولت 


* بس .. أنا كنت محتاج مساعدتك، الموتوسيكل محتاج مقدم عشان أشتريه بالقسط، وأنا والله يا أمي أول ما أقف على رجلي هرجعلك كل قرش، اعتبريه دين في رقبتي


ابتسمت وطبطبت على وشي وقالت برضا


دين إيه يا أهبل، أنت ابني وسندي، والفلوس اللي شايلاها للزمن متغلاش عليك، قوم يا سيف، ربنا يبارك في خطوتك ويفتحلك أبواب الرزق الواسعة، الفلوس جاهزة، والمهم عندي أشوفك رافع راسك ومبسوط


بوست ايديها وسندت راسي على رجليها، بدأت تلعب في شعري زي زمان وغمضت عيني وانا مطمن وبحمد ربنا إنه رزقني بأم زيها


دارت عجلة الأيام ومعاها بدأت تتبدل ملامح الحزن اللي خيمت على البيوت لفترة، سيف رجع يشتغل من تااني. وبمساعدة كريمة اللي قدمت شقى عمرها بحب، جاب الموتوسيكل وبدأ يخط طرقه الخاصة بعيداً عن عيون وليد وغدره

كل يوم بيبدأ مع خيوط الفجر الأولى، يلبس خوذته ويشق الزحمة، يلف من شارع لشارع ومن حي لحي وعرق جبينه نازل على وشه بكرامة، يشتغل بجد ونشاط لحد وقت العصر وبعدين يرجع لبيت ربنا، يسيب تعب الشغل برا المسجد ويدخل يقعد وسط الأطفال، يرجع الشيخ سيف اللي بيغرس في قلوبهم الآيات، ينسى هموم الدنيا وهو بيسمع أصواتهم البريئة بتكرر وراه، وبعد ما المغرب تأذن، يطلع البيت ويفطر لقمته وسط ضحكة أمه وهزار أدهم اللي مبيخلصش، وبعدين ينزل تاني يلف الشوارع تحت أضواء العواميد لحد نص الليل وهو حاسس إن كل مشوار بيقربه خطوة من حلمه .. ليلى

أما هي، فكان حالها زي الورد اللي بدأ يفتح من تاني بعد ما كان دبلان، وشها رجعله النور وحركتها في محل الورد بقت كلها بهجة، كانت بتعرف أخبار سيف بالتفصيل فمن كريمة وفاطمة اللي رجعوا لودهم القديم، وكل قعدة عصرية كانت كريمة بتحكي لفاطمة عن كفاح سيف وعن الموتوسيكل وإصراره إنه ينجح، وفاطمة بدورها كانت بتنقل الكلام لليلى اللي كانت بتسمع و قلبها بيدق بفخر وحب وتدعيله في سرها 

وفي بيت مصطفى، الجو بقى أهدى بكتير، فاطمة عرفت بذكائها تمتص غضبه والهدوء رجع يرفرف على الجدران، رجع يتكلم ويضحك هو وليلى من تاني، لكن كان فيه اتفاق غير معلن بينهم أن محدش بيجيب سيرة يحيى وكأنه مكنش، ولا حد بيجيب سيرة سيف وكأنه لسه الجرح اللي محتاج وقت عشان يلم، مصطفى كان بيشوفها مبسوطة فـ بيطمن، وليلى كانت بتراعي خاطر أبوها فـ بتسكت، وكل واحد فيهم مستني القدر يرمي ورقتُه الأخيرة

الدنيا كانت ماشية بتناغم غريب، وكأن الكل بياخد نفس عميق قبل الخطوة الكبيرة الجاية، سيف بيبني في صمت، وليلى بتدعي في يقين، والحارة كلها شاهدة على سيف الجديد اللي بيحفر في الصخر عشان يوصل لبر الأمان


وفي يوم، الليل كان سادل ستايره على شوارع القاهرة والجو فيه نسمة برد بتخبط في وشه وهو سايق، كشافات العربيات كانت عاملة زي خطوط نور طويلة مبتخلصش، وصوت المواتير هو الموسيقى التصويرية الوحيدة في الخلفية، كان لابس الجاكيت بتاعه والخوذة فوق راسه وعينه على الموبايل اللي محطوط قدامه مستني الطلب الجاي

بعد شوية، نور الموبايل بإشعار طلب جديد، المكان كان في حتة مقطوعة شوية ورا ورش العربيات القديمة، حتة ضلمة والأنوار فيها يدوبك فانوسين تلاتة شغالين، مخدش في باله وضغط قبول واتحرك بالموتوسيكل وهو بيتمتم بالأذكار عشان ربنا يحفظه في طريقه

وصل للمكان وركن الموتوسيكل على جنب، الشارع كان هادي زيادة عن اللزوم والضلمة كانت محاوطة المكان من كل ناحية، مفيش غير صوت تكتكة الموتوسيكل وهو بيبرد، لمح من بعيد خيال واحد واقف ساند ضهره على شجرة قديمة، والسيجارة في إيده منورة زي عينه في الضلمة

أول ما لمحه بدأ يتحرك ببطء ناحية النور، سيف قلبه انقبض، لمشية دي وطريقة مسكة السيجارة وحتى الضحكة اللي بدأت تظهر بوضوح تحت ضوء الكشاف الضعيف، بانت الملامح اكتر وعرف مين الشخص اللي زي المجهول

وقف وليد قدام الموتوسيكل، رمى السيجارة تحت رجله وداس عليها ببرود وبص لسيف بنظرة استهزاء من فوق لتحت


يا أهلاً يا أهلاً، سيف بنفسه هو اللي جالي؟ والله ودارت الأيام وبقيت بتلف بالشوارع عشان مليمين وتوصيلة


قبض إيده على جادون الموتوسيكل وحس بدمه بيفور، لكن رسم على وشه هدوء مخيف وقال بصوت رزين


* لو عايز تروح مشوارك اركب من سكات، لو مش عايز خليني أمشي أشوف أكل عيشي، معنديش وقت أضيعه معاك


ضحك بصوت عالي وخطى خطوة قرب فيها من سيف أوي


معندكش وقت؟ ده أنت بقيت غلبان أوي يا سيف، قولي بقا، ليلى عارفة إنك بقيت شغال سواق؟ ولا فاكرة إنك لسه المحاسب اللي بيقعد في مكاتب مكيفة؟ تفتكر أبوها لو شافك وأنت لابس الخوذة دي وماشي تشحت الرزق في الشوارع، هيرضى بيك؟


بصله بثبات يهد الجبال ونظرة عينه كانت حادة زي الموس


* لو مستغني عن نفسك جيب اسمها على لسانك تاني. وبعدين ريح نفسك، هي عارفة إني راجل، والراجل بيتعرف بشقاه وتعبه مش بقعدة القهاوي والفلوس اللي بتيجي من الحرام يا وليد، الرمية اللي أنت شايفها دي، هي اللي مخلية راسي مرفوعة قدام الدنيا كلها، انا هنا بشتغل بعرق جبيني ومحدش ليه عندي حاجة، لا أنت ولا أخوك ولا أي حد من اللي بيحاولوا يسدوا في وشي الأبواب


وشه اتغير وبدأ يستفزه أكتر بخباثة


تبواب إيه اللي بتتكلم عنها؟ أنت لسه مشوفتش حاجة، طول ما أنت عامل فيها شيخ وبتبعد عننا هتفضل تلف كدة زي النحلة ومتلاقيش بر أمان، ارجع يا سيف، احنا لسه شاريينك، والمكان لسه موجود والقرش هيجري في إيدك تاني وتتعدل أحوالك بدل الموتوسيكل ده


ابتسم ابتسامة فيها ثقة وبرود خلت وليد يستغرب للحظة، عدل خوذته وقال وهو بيشغل الموتوسيكل


* تعرف يا وليد، أنا النهاردة بس اتأكدت إني صح، تعبي واللف في الشوارع بكرامتي أشرفلي مليون مرة من إني أبص في وشك أو ألمس قرش من وراك، أنت فاكر إنك قافل الأبواب؟ أنت غلبان أوي، لأن الأبواب اللي بيقفلها بشر بيفتحها رب العالمين


كان لسه هيكمل كلامه لكن سيف داس بنزين بقوة خلت الموتوسيكل يطلع صوت عالي غطى على المكان كله وقاله وهو بيتحرك ببطء


* الطلب متكنسل يا وليد، دور لك على حد شبهك يوصلك، أنا مشواري بعيد عنك أوي، ومستقبلي أنضف بكتير من إنك حتى تلمحه


سابه واقف في نص الضلمة ومشي بموتوسيكله وسط الضلمة، كان حاسس بانتصار غريب، المواجهة دي بدل ما تكسره قوته بزيادة وعرف إن وليد أضعف بكتير مما يتخيل، وإن نضافة طريقه هي اللي جننته بالشكل دة


ريحة السمنة البلدي كانت مغرقة بيت ليلى ومخلية له روح تانية خالص، طبلية كبيرة كانت محطوطة في نص الصالة وحواليها لمتهم اللي بتطمن القلب، ليلى كانت قاعدة ومربعة وهي لابسة عباية بيتي مريحة وماسكة المنقاش بتركيز وكأنها بترسم لوحة فنية مش مجرد كحكة

مصطفى أول ما شم ريحة الدقيق والخميرة، عرف إن الاحتلال النسائي بدأ في لبس قميصه وأخد مفاتيحه وهو بيضحك


أنا هنزل أقعد مع الرجالة شوية عشان أسيبكم براحتكم، الله يعينك يا فاطمة على اللي هتعملوه في المطبخ


أول ما باب الشقة اتقفل، بصت فاطمة لكريمة وقالت 


اهو نزل يا ستي، اقلعي بقا الطرحة دي وفكي كدة عشان نعرف نشتغل بذمة


 ضحكت وهي بتشمر كمامها


والله يا فاطمة مليش نفس أعمل حاجة، بس قولت لازم نفرح العيال، وسيف بيحب الكحك من إيدك أوي


ليلى انتبهت أول ما جابت سيرته، نزلت راسها أكتر في المنقاش بس فاطمة غمزت لكريمة وقالت


يا ستي سيف يستاهل كل خير، ده ابني الغالي، وبكرة ياكل منه في بيته وهو متهني يا رب


قلبها كان بيرقص من الفرحة وهي بتسمعهم، بصتلها كريمة وقالت بحنان


ادعيله يا ليلى معاكي


اتنهدت تنهيدة دافية وقالت بصوت رقيق


- ربنا يقويه يا طنط، والله هو تعب أوي وكلام الناس في الحارة عن اجتهاده وشغله بيوصلني وببقى نفسي أقول للدنيا كلها إنه أجدع راجل في الدنيا


فاطمة كانت بتبس العجين بإيدها بمهارة والجو كان مليان أصوات تكتكة المناقيش على الصاجات وضحكاتهم اللي طالعة من القلب، بصتلهت وقالت


الصبر آخره كرم يا بنتي، ربنا يجعله في كل خطوة سلامة ويرزقه بلطف


ابتسمت لمامتها ورجعت تنقش الكحك من تاني، وكأنها بتبعت فيهم رسايل حب مستخبية لسيف مع كل واحدة بتنقشها وبتبتسم وهي حاسة إن العيد السنة دي له طعم مختلف، طعم فيه ريحة الانتصار والبدايات الجديدة


كانت الساعة داخلة على نص الليل، حط سيف مفتاحه في الباب ودخل بخطوات هادية، ملامحه كان باين عليها إرهاق يوم طويل في شوارع القاهرة لكن حمد ربنا على نعمة الشغل اللي معاه دلوقتي

دخل الصالة لقى أدهم قاعد لوحده ممدد رجليه وماسك موبايله والبيت حواليه ساكت مفيش فيه حس كريمة ولا دبة رجليها الحنينة، ساب خوذته على الترابيزة وبصله باستغراب


* البيت ماله هادي كدة ليه؟ أمي فين؟


رفع عينه من الموبايل وقال


أمي؟ أمي زمانها دلوقتي غرقانة في الدقيق تحت عند ليلى بتعمل الكحك، وقالتلي شوية كدة وهتكلمني عشان أنزل آخد الصواني أوديها الفرن


أول ما سمع اسمها عينيه لمعت ببريق مكنش موجود من لحظات، حس بقلبه بدأ يدق بانتظام مختلف وجت في باله فكرة، سحب كرسي وقعد قصاد أدهم وحاول يرسم على وشه براءة مصطنعة وقال 


* يعني أنت يا أدهم هتنزل تشيل الصواني التقيلة دي كلها لوحدك وتوديها الفرن وتجيبها؟


أدهم فهم اللعبة فوراً و ساب الموبايل وضحك ضحكة عالية وهو بيبصله


لوحدي؟ طب ما أنت موجود أهو يا هندسة، ولا أنت تعبان وعايز تنام؟


نط من مكانه ورمى نفسه على الكنبة جنبه بحماس زي الأطفال وبصله بعيون واسعة وهو بيضحك


* أنام إيه بس ده أنا بموت في الكحك، وأنت عارف إن كحك طنط فاطمة ملوش زي ولازم الواحد يطمن على العجين وهو رايح الفرن بنفسه


أدهم خبطه على كتفه بـ هزار


يا واد يا بتاع العجين أنت، قولي إنك عايز تلمح ذات الرداء الاحمر ومكسوف،بقى الشيخ سيف الوقور هينط من الفرحة عشان ينزل يشيل صواني كحك؟


 مكنش قادر يداري ضحكته اللي طالعة من القلب


* يا أخي ارحمني بلسانك ده، قوم بس ألبس وخلينا نجهز، أول ما الموبايل يرن عرفني، أنا مش هسيب أخويا الصغير يشيل الحمل ده لوحده أبداً، الجدعنة بتقول كدة


فضلوا الاتنين يضحكوا وسيف مكنش بيفكر في تعب السواقة طول اليوم، كان بيفكر بس في اللحظة اللي هيدخل فيها البيت هناك ويشوف نظرة عينيها اللي بتغنيه عن تعب الدنيا كله


بعد شوية، نزل سيف وأدهم السلم بخطوات سريعة، ادهم كان عمال يغمز لسيف اللي كان بيعدل قميصه بتوتر كأنه رايح مقابلة رسمية مش رايح يشيل صاجات كحك، وقفوا قدام الباب ف أخد نفس عميق وطلعه ببطء قبل ما أدهم يمد إيده ويخبط الخبطة المميزة بتاعتهم

ثواني والباب اتفتح وزير ما كان بيتمنى ظهرت هي، كانت لسه بعباية البيت وطرحتها ملفوفة بعفوية، أول ما عينيها جت في عينه الابتسامة اترسمت على وشها تلقائيًا بخجل، أما سيف ف كل تعب اليوم داب وضحكلها ضحكة صافية طالعة من قلبه، دخل ادهم في النص وهو بيضحك في الخفى


الصاجات جاهزة ولا لسه؟ هاتي يا ستي الحاجة عشان نلحق نودي ونرجع

- اة .. اة حاضر


كانت لسه هتتحرك عشان تجيبهم لكن سيف وقفها بأيده وقال لأدهم بنبرة آمرة بس فيها هزار


* ادخل انت واحنا هنستناك


أول ما دخل ادهم عدل سيف من وقفته وقال بصوت هادي


* عاملة اية


ارتبكت وبصت للأرض وقالت


- الحمد لله، انت عامل اية

* بخير طول ما انتي بخير


ابتسمت ورجعت تبص للأرض بخجل وتوتر، قلبها كان بيدق لدرجة إنها خافت يسمعه، قرب منها خطوة لكنه حافظ على المسافة وقال بلهجة جدية بس فيها حنية مفرطة


* أنا عارف إن الوقت مش مناسب والظروف لسه بتعافر معايا، بس أنا مبقتش قادر أستنى أكتر من كدة، ليلى .. أنا ناوي أفتح الموضوع مع عمي مصطفى تاني بعد العيد، بس المرة دي وأنا واقف على رجلي وبشغلي، بس .. كنت محتاج أسمعها منك، لسه موافقة؟ لسه عايزة تكملي الطريق ده معايا؟


ارتبكت أكتر وحست إن الكلام هرب منها، لكنها ابتسمت بخجل وهي لسه بصة للأرض، ضحك وقال بهزار خفيف وهو بيحاول يلطف الجو


* والله أنا عارف إنك بتتكسفي من خيالك بس أنا محتاج ردك دلوقتي، ردك هو اللي هيخليني أمشي في الشوارع بكرة وأنا حاسس إني مالك الدنيا


رفعت عينها لثانية واحدة شافت فيها كمية الحب والرجاء اللي في عيونه، ضحكت ضحكة رقيقة وهزت راسها بموافقة بكل جوارحها

مكنتش الفرحة سايعاه، ضحكته وكأنه ملك الدنيا كلها، فضل باصصلها ونده على ادهم اللي كان لسة جوا ف قال وهو بيضحك


* يا أدهم .. سيب الكحك وهات الشربات


بعد ما خلصوا كل حاجة ورجع البيت لهدوءه تاني، كانت ليلى في اوضتها فاردة جسمها على السرير ومغمضة عينيها وكأنها بتحاول تحفظ صدى صوته ونظرة عينه في ذاكرتها

دخلت فاطمة ف ابتسمت بمكر الأمومة اول ما شافتها كدة وقربت منها


ايه يا ليلى؟ الكحك كان حلو اوي كدة؟


فتحت عينيها و وشها كان لسه منور بحمرة الخجل، قامت جريت عليها وحضنتها بقوة ودفنت وشها في كتفها وهي بتضحك 


- يا ماما أنا مش مصدقة، سيف كلمني، سيف قالي إنه راجع يطلب إيدي تاني


طبطبت على ضهرها بحنان وهي بتهز راسها


وعارفة إنك وافقتي من غير ما تنطقي كلمة، شوفتها في عينك وأنتي داخلة المطبخ بتجري والضحكة على وشك


رفعت راسها وبصتلها بعيون بتلمع


- أنا فرحانة أوي يا ماما، فرحانة لدرجة إني مش مصدقة، شوفتي كان بيتكلم بثقة إزاي؟ شوفتي تعبه وشقاه في الشارع باين على وشه بس ضحكته لسه زي ما هي؟ قالي إنه مش هيستنى، وإنه هيفتح الموضوع مع بابا بعد العيد على طول


فاطمة اتنهدت تنهيدة فيها راحة ممزوجة بقلق وقالت


ربنا يتمملك على خير يا بنتي، ادعي لباباكي ربنا يلين قلبه ويهديه، أنتي عارفاه لما بيقف عند كلمة


مسكت إيدها وقالت بإصرار


- بابا هيوافق يا ماما، أنا متأكدة، لما يشوف سيف واقف قدامه بكفاحه ده مش هيقدر يرفض، سيف محفرش في الصخر عشان يتهزم في الآخر، وأنا هفضل جنبه لحد ما نعدي الحتة دي


فضلت ليلى تحكي لأمها كل كلمة قالهالها سيف، بتعيد وتزيد في التفاصيل وهي مش قادرة تبطل تبتسم، وفاطمة بتسمعها بصبر وحب وكأنها النهاردة رجعت طفلة صغيرة طايرة فوق الأرض


وفي يوم، الساعة كانت داخلة على اتنين بعد نص الليل، الشوارع بدأت تهدى وسكونها الموحش بيفرض نفسه على الشوارع الجانبية، سيف كان سايق الموتوسيكل والبرد بيخبط وهو في طريقه لآخر مشوار قبل ما يروح، دخل في شارع جانبي نوره ضعيف والمحلات اللي فيه قافلة من بدري، وقف يستنى الشخص اللي طلب وعينه عمالة تقفل من كتر النعاس، سمع صوت عجل عربية وراه لكن مهتمش، وفجأة، وقفت قدامه بالعرض ونزل منها تلات أشخاص ملامحهم متدارية ورا كوافي وشالات وفي عصيان، قرب منه واحد وقال


انزل من على المكنة يا روح أمك وهات الموبايل والمحفظة بالذوق


مكنش خايف على الموبايل قد ما كان خايف على الموتوسيكل، اكل عيشه وحلمه وشقى أمه اللي دفعته في المقدم، نزل من عليه ببطء بس عينه كانت بتدور على مخرج


* المكنة لا، خدوا اللي أنتوا عايزينه الا دي


رد التاني بسخرية وهو بيمد إيده يزقه


بقولك هات المكنة يا شاطر بدل ما نخرطك هنا ومحدش هيسمي عليك


أول ما مد إيده عشان يشد الجادون سيف متمالكش نفسه، نسي إنه لوحده ونسي إنهم مسلحين، ضرب الأولاني بدماغه في مناخيره وقعه مكانه وادى التاني بوكس في فكه خلاه يترنح، الغضب اللي جواه كان بيحركه، غضب من الدنيا ومن وليد ومن كل حاجة بتعطله عن ليلى

بدأ يصارع التلاتة بشراسة، واحد بيشده من الجاكت والتاني بيحاول يغزه بالمطواة في كتفه وهو بيتفاداه، كان عامل زي الأسد اللي بيحمي عرينه وكل ما يضربوه ضربة يرجع يقف ويضرب أقوى


خلص عليه يا غبي، الناس هتتلم


صرخ الأولاني في التالت اللي واقف عند العربية، وفي اللحظة اللي سيف كان بيحاول يزقه فيها، لف من وراه وبكل قوته نزل بالعصاية على دماغه من ورا

الدنيا اسودت في عينه في ثانية، الصوت اللي حواليه بدأ يختفي تدريجياً وحس بـ تقُل غريب في جسمه، ركبه خانته و وقع على الأرض وراسه خبطت في الرصيف بقوة، كان شايف خيالاتهم وهما بياخدوا الموتوسيكل ويركبوا العربية، وصوت الموتور وهو بيبعد كان كأنه صوت حلمه وهو بيتسرق منه

حاول يقوم بس مكنش فيه طاقة، الدم بدأ يسيل من راسه ويغطي جفن عينه وقبل ما يغيب عن الوعي تماماً، كانت آخر حاجة افتكرها أمه وهي بتدعيله قبل ما ينزل، وضحكة ليلة وهي بتهز راسها بالموافقة، وكأن الدنيا قررت تكسر فرحته في أغلى ما يملك

غاب سيف عن الوعي والشارع رجع لسكونه القاتل وسابه لوحده مرمي في الضلمة غرقان في دمه وحلمه المسروق


الفصل الثالث عشر من هنا

stories
stories
تعليقات